القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

ظنّوها امرأة مكسورة بعد الولادة… فاستيقظوا ليكتشفوا أنهم أهانوا مالكة إمبراطورية لا تُهزم

 


ظنّوها امرأة مكسورة بعد الولادة… فاستيقظوا ليكتشفوا أنهم أهانوا مالكة إمبراطورية لا تُهزم




ظنّوها امرأة مكسورة بعد الولادة… فاستيقظوا ليكتشفوا أنهم أهانوا مالكة إمبراطورية لا تُهزم


كان جسد صوفيا كله يرتجف وكأن قوته قد تلاشت في لحظة واحدة.

انزلق الملف الذي ارتطم بوجهها على الغطاء الأبيض وقد تلطخ بالدم بعدما انفتح الجرح في شفتيها من جديد. شعرت بطعم الدم في فمها لكنه لم يكن أشد ألما من ذلك الذي انغرس في قلبها.

فسخ الزواج همست بالكاد وكأن الكلمة أثقل من أن تقال.

شدت طفلها إلى صدرها بقوة كأنه آخر حبل يربطها بالحياة وآخر ما يمنعها من الانهيار الكامل.

جيسون نادته بصوت ضعيف مبحوح.

مهما حدث بيننا هذا ابنك. دمك.

لكن جيسون لم ينظر.

ظل رأسه منخفضا وكأن الطفل غير موجود وكأن صرخات قلبها لا تصل إليه.

تقدمت دونيا إلفيرا خطوة أخرى وصوتها ممتلئ بالحقد والاشمئزاز

لا تقحمي الطفل في الأمر! لسنا بحاجة إلى دم قادم من امرأة مثلك!

شهقت الممرضة الواقفة قرب السرير وقد بدا الرعب على وجهها.

كفى من فضلكم! قالت.

المريضة وضعت مولودها للتو

اصمتي! صرخت إلفيرا.

هذا جناح عام! لم ندفع مقابل الخصوصية!

ابتسمت تيفاني ابتسامة باردة وهي تعبث بحلقة الألماس في أذنها ثم قالت بنبرة متعالية

صوفيا وقعي الآن أو سنطردك من هنا كما تطرد المتسولات.

ظلت صوفيا صامتة.

لكن في داخلها

تحطم شيء نهائي.

لم يكن الجسد.

بل الحب.

مدت يدها ببطء نحو الملف.

ليس لتوقيعه.

بل لفتحه.

لم تكن الأوراق في الداخل تقتصر على مستندات فسخ الزواج فقط.

كان هناك ظرف صغير يحمل ختم المستشفى.

انعقد حاجبا صوفيا بدهشة.

لماذا يوجد كشف حساب هنا سألت بهدوء.

ضحكت دونيا إلفيرا باستهزاء.

لتعرفي كم أنت


مدينة لنا! حتى الجناح العام له تكاليف!

فتحت صوفيا الورقة.

وتوقفت فجأة.

ليس بسبب المبلغ.

بل بسبب الاسم.

اسم صاحب الحساب

مؤسسة مونتيمايور الطبية

رفعت عينيها ببطء شديد.

نظرت إلى السقف

إلى الأجهزة الطبية

إلى الاسم المثبت على الجدار

مستشفى مونتيمايور العام

ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة

ابتسامة بلا دموع.

رن هاتفها فجأة.

رسالة واحدة فقط

نحن بالداخل سيدتي صوفيا.

وقفت الممرضة فورا عندما فتح الباب.

دخل مدير المستشفى يرافقه المدير الطبي وثلاثة رجال يرتدون بدلات رسمية.

نهض جيسون مذهولا.

ما الذي يحدث سأل.

اقترب المدير من صوفيا وانحنى باحترام بالغ.

السيدة صوفيا مونتيمايور نعتذر عما حدث.

اتسعت عينا دونيا إلفيرا.

ما هذا! من تكون هذه!

ناولت صوفيا طفلها للممرضة بهدوء.

ثم نهضت من السرير رغم ارتجاف ساقيها وألم جسدها.

جيسون قالت بصوت هادئ لكنه قاطع

من هذه اللحظة انتهى تمثيلي.

التفتت إلى المدير.

أغلقوا الجناح العام.

اعتبارا من الآن هذا جناح خاص.

شحبت تيفاني.

ماذا!

وأشارت صوفيا إلى دونيا إلفيرا.

وأنت اخرجي من مستشفاي.

نزعت سوار المستشفى من معصمها.

وتحته ظهر خاتم عائلي مرصع بالألماس.

أنا صوفيا مونتيمايور قالت ببرود

الوريثة الوحيدة لمجموعة مونتيمايور.

تراجع جيسون خطوة إلى الوراء.

هذا مستحيل

ثلاثة مستشفيات خمس شركات مصرفان أجابت بهدوء.

وهذا المستشفى ملكي.

ساد صمت ثقيل.

اخترت أن أحبك كامرأة بسيطة تابعت.

وأنت اخترت أن تستبدلني.

تصرخت دونيا إلفيرا وقد ارتجف

صوتها بين الغضب والذهول

لا يمكنك فعل هذا!

لم ترفع صوفيا صوتها ولم تبد أي انفعال. اكتفت بابتسامة هادئة تلك الابتسامة التي لا تحمل شماتة ولا قسوة بل يقينا كاملا.

لقد فعلتموه بي. قالتها بهدوء قاطع كأنها حقيقة لا تقبل النقاش.

وبإشارة واحدة من يدها

تقدم أفراد الأمن. لم يرفعوا أصواتهم ولم يستخدموا عنفا لكن حضورهم وحده كان كافيا. أمسكت دونيا إلفيرا بذراع تيفاني تحاول المقاومة تحاول الصراخ لكن لا أحد أصغى. اقتيدتا خارج المستشفى خطواتهما تتعثر وكرامتهما تسبقهم إلى السقوط قبل أن تلامس أقدامهم الأرض.

أما جيسون

فلم يتحرك.

بقي حيث هو راكعا على الأرض كأن جسده لم يعد قادرا على حمل ثقل الحقيقة. رفع رأسه ببطء وعيناه ممتلئتان بالدموع وصوته مكسور

صوفيا أرجوك لقد أخطأت

مد يده المرتجفة نحو الطفل وكأنه يبحث عن خلاص أخير.

إنه ابني

نظرت صوفيا إلى الطفل أولا. شدته إلى صدرها ثم رفعت عينيها إلى جيسون وقالت بصوت ثابت لا يحمل أي تردد

ابني.

ثم أضافت كلمة كلمة كأنها تنقشها في الهواء

وسيكون رجلا ذا كرامة لا يشبهك.

ناولته أوراق فسخ الزواج بيد ثابتة. لم ترمها ولم تدفعها في وجهه ولم تحاول أن تذله كما أذلت. سلمتها له بهدوء يشبه تسليم الأحكام النهائية تلك التي لا تناقش ولا يستأنف فيها.

سأوقع. قالت بصوت منخفض لكنه حاسم.

ثم سكتت لحظة قصيرة كأنها تزن الكلمات الأخيرة في قلبها قبل أن تطلقها وأضافت

لا لأنني خسرت بل لأنني انتصرت.

خفض جيسون رأسه ببطء وكأن الكلمات هوت عليه أثقل

من أي صفعة تلقاها في حياته. لم يجد ما يقوله. لم تعد هناك أعذار ولا دموع قادرة على إنقاذ شيء. كان يدرك في أعماقه أن تلك اللحظة لم تكن نهاية زواج فحسب بل نهاية رجل ظن نفسه أقوى مما هو عليه.

مر شهر.

وكان شهرا واحدا كافيا لانقلاب حياة كاملة رأسا على عقب.

خسر جيسون عمله. لم يطرد بصخب ولم تثر ضجة ولم تكتب فضائح في الصحف. رسالة رسمية قصيرة باردة أنهت كل شيء. جملة واحدة أنهت سنوات من الطموح المزيف. وحين حاول الاعتراض حين بحث عن واسطة أو تفسير اكتشف الحقيقة التي تأخرت كثيرا

الشركة التي كان يعمل فيها كانت تابعة لمجموعة مونتيمايور.

لم تتدخل صوفيا مباشرة ولم تصدر أمرا ولم تحرك خيطا واحدا بيدها. الحقيقة وحدها فعلت ما يكفي. الحقيقة حين تكشف لا تحتاج إلى انتقام.

أما تيفاني فقد تخلى عنها الجميع. الأبواب التي كانت تفتح لها بسهولة أغلقت فجأة والهواتف التي كانت لا تهدأ بالصباح والمساء صمتت. الأصدقاء اختفوا واحدا تلو الآخر الدعوات توقفت والاسم الذي كانت تتباهى به فقد بريقه. جلست في شقتها الواسعة وحيدة محاطة بكل شيء إلا المعنى. لم يبق لها سوى الغضب والمرارة وفراغ لا يملأ.

وأما دونيا إلفيرا

فقد أدخلت المستشفى ذاته.

المكان نفسه الذي طردت منه امرأة تنزف المكان الذي صرخت فيه وتكبرت وأهانت.

لكن هذه المرة لم يكن هناك جناح فاخر ولا أطباء خاصون ولا زوار كثر.

بل جناح الإحسان.

غرفة صغيرة بجدران باهتة سرير بسيط نافذة ضيقة وصمت طويل لا يكسره سوى صوت الأجهزة ونبض الذكريات.

دخلت صوفيا غرفتها ذات يوم. لم تدخل منتصرة ولم تدخل لتشمت. وقفت عند الباب لحظة وكأنها تمنح نفسها فرصة

 


للتراجع ثم تقدمت بخطوات هادئة.

رفعت دونيا إلفيرا رأسها بصعوبة. كانت ملامحها شاحبة وعيناها غارقتين في تعب لم تعهده من قبل. خرج صوتها بالكاد مسموعا

سامحيني

نظرت إليها صوفيا طويلا. لم يكن في نظرتها غضب ولا حقد ولا حتى عتاب. كانت نظرة إنسان رأى كل شيء وتجاوزه.

لن أعاقبك. قالت بهدوء.

ثم أضافت بصدق موجع لا يحتاج إلى تزيين

الحقيقة أقسى من أي عقاب.

استدارت لتغادر ثم توقفت عند الباب وقالت دون أن تنظر خلفها

هذا المستشفى وجد من أجل الأمهات

لا ليداس عليهن وهن ينزفن.

مر عام.

أصبحت صوفيا المديرة التنفيذية لمجموعة مونتيمايور لا بقرار مفاجئ ولا بورقة موقعة في اجتماع بارد بل بمسار طويل من الصمت والتعلم والاختبار. لم تتغير كثيرا في مظهرها لم تتباه بالأزياء ولم تبحث عن لفت الأنظار لكن حضورها تغير كليا. حين تدخل غرفة يسود الصمت قبل أن تتكلم لا خوفا منها بل احتراما لثقل ما تحمله.

صارت أكثر هدوءا لأن العاصفة مرت.

أكثر ثقة لأنها لم تعد بحاجة لإثبات شيء.

أكثر وضوحا لأنها دفعت ثمن الضباب ذات يوم وقررت ألا تعيشه مجددا.

كانت قراراتها

حازمة لا تعرف التردد لكنها لم تكن قاسية. كانت إنسانيتها ظاهرة في كل مشروع تقوده في كل توقيع تضعه وفي كل اجتماع تنهيه بجملة واحدة

تذكروا خلف كل رقم إنسان.

أعادت هيكلة المستشفيات العامة من الجذور لا بالميزانيات وحدها بل بالعقلية. حسنت أقسام الولادة فرضت معايير كرامة لا تساوم خصصت دعما نفسيا وقانونيا للأمهات اللواتي لا يملكن صوتا أولئك اللواتي كن يهملن يكسرن ثم يطلب منهن الصمت. فتحت أبوابا كانت مغلقة منذ سنوات وأزالت لافتات غير مسموح التي لم تكن تعني سوى غير مهم.

لم تكن تتحدث عن تجربتها كثيرا لكنها كانت حاضرة في كل تفصيل في كل قرار يحمي امرأة من الإهانة وفي كل نظام يمنع تكرار ما حدث معها.

أما طفلها

فكان عالمها الحقيقي.

كان ينمو بصحة ممتازة بعينين صافيتين وقلب لم يعرف الخوف بعد. يضحك كثيرا يمد يديه نحوها بثقة مطلقة وكأن وجودها وحده ضمان كاف. حين يناديها أمي كانت الكلمة تسقط في قلبها أثقل من أي لقب وأغلى من أي منصب. كانت تعلم دون أن تقال أن العالم ما دام بين يديها سيكون آمنا له.

وأما جيسون

فلم يبق له سوى الندم.

تنقل

بين وظائف مؤقتة لا تدوم علاقات فاشلة تنتهي قبل أن تبدأ وليل طويل لا ينتهي مهما أشرقت الشمس. كان يعيش على الهامش يراقب الحياة تمر دون أن يشعر أنه جزء منها. كان يرى اسم صوفيا في الأخبار في افتتاح المستشفيات في المبادرات الإنسانية في العناوين الكبرى في كل مكان.

وكان يتذكر كل مرة تلك اللحظة الوحيدة التي انكسر فيها كل شيء. لم يحمل العالم ذنبه ولم يلع الحظ. في أعماقه كان يعرف الحقيقة

لم يخسر لأنها كانت قوية

بل لأنه كان أعمى.

بعد عامين صار اسم صوفيا رمزا للقوة الممزوجة بالرحمة. لم تعرف بانتقامها لأن الانتقام لا يترك أثرا دائما. عرفت بعدالتها بثباتها بقدرتها على تحويل الألم إلى نظام يحمي الآخرين. لم ترفع صورتها كضحية خرجت من تحت الركام بل كصانعة قرار اختارت أن تبني لا أن تحترق.

لكن بعض الناس لا يتعلمون

ولا يفهمون أن الفرص لا تمنح مرتين.

في إحدى الليالي وخلال حفل خيري كبير امتلأت القاعة بالأضواء والكاميرات. كانت صوفيا واقفة بثبات محاطة بالتصفيق حين ظهر جيسون من بين الحضور. كان شاحبا نحيلا بعينين غارقتين في التعب كأن

الحياة مرت عليه مرارا ولم تترك له سوى آثارها.

توقفت الكاميرات.

تجمد المكان.

ركع أمامها أمام الجميع وكأنه يضع ما تبقى من كرامته على الأرض. لم يكن في ركوعه مسرحية بل انهيارا كاملا.

لم يبق لي شيء قال باكيا.

أريد رحمتك

نظرت صوفيا إليه من عل. لم تتراجع خطوة ولم تتقدم خطوة. لم تشعر بالانتصار لأن الانتصار كان قد تحقق منذ زمن. ولم تشعر بالشفقة لأن الشفقة بلا كرامة إهانة أخرى.

انحنت قليلا ليس لتساعده على النهوض بل لتهمس بصوت لا يسمعه إلا هو

الرحمة

تمنح لمن يعرف كيف يكون إنسانا.

ثم استقامت وأدارت ظهرها وتركته هناك

راكعا في الضوء تماما كما تركها يوما وهي تنزف بلا صوت وبلا سند.

وفي النهاية

افتتح مستشفى جديد.

لم يكن الأضخم ولا الأفخم لكنه كان الأصدق.

على بابه لوحة بسيطة بلا زخرفة لكنها تحمل معنى أثقل من الذهب كتب عليها

إلى كل أم أهينت وهي تنزف

هذا المكان وجد من أجلك.

وقفت صوفيا وسط التصفيق.

لا كامرأة انتقمت.

ولا كامرأة كسرت غيرها.

بل كامرأة عرفت قيمتها

وفهمت أن القوة الحقيقية

ليست في رفع الصوت

ولا في كسر الآخرين

بل في أن تنهضي

وتضعي حدودا لا تكسر

وألا تسمحي لأحد

أن يطأك

مرة أخرى.

 

تعليقات

close