قصه ندم متأخر حكايه ساره من حكايات نور محمد
قصه ندم متأخر حكايه ساره من حكايات نور محمد
“أنا كنت تعبانة من قبل ما تمشي..”
لقيت طليقتي قاعدة لوحدها في طرقة المستشفى بعد شهرين من طلاقنا.. جملة واحدة بس منها خلتني أحس إن الدنيا لفت بيا، وعرفت إني مشيت في أصعب وقت كانت محتاجاني فيه.
بعد شهرين من الطلاق، عمري ما تخيلت إن عيني هتيجي في عينها تاني، وبالذات في مكان زي ده.. ريحة مطهرات، سكون بيقطع القلب، والوقت فيه كأنه واقف مبيتحركش. كانت قاعدة لوحدها في ركن بمستشفى في الدقي، لامة نفسها ولابسة عباية بسيطة لونها باهت، وإيدها في حجرها كأنها بتحاول تختفي من المكان.
للحظة، قولت لنفسي أكيد أنا بيتهيألي.. الست اللي قدامي دي متتربطش أبدًا بـ “سارة” اللي كنت عارفها.. سارة اللي كانت بتدندن وهي بتطبخ، وتنام على الكنبة والكتاب في ح.ضنها. لكن لما رفعت راسها وعيني جت في عينها، الحقيقة خبطتني في قلبي خبطة وجعتني بجد.
كانت هي.. سارة. الكاتبه نور محمد
أنا أحمد، عندي 35 سنة. لحد اللحظة دي، كنت فاكر إني دفعت تمن كل غلطة عملتها في حياتي.
كنا متجوزين بقالنا 6 سنين، عايشين حياة هادية في مدينة نصر.. مكنش فيه منظرة ولا دراما، كان حب حقيقي مبني على تفاصيل صغيرة: كيس الفاكهة وأنا راجع، خناقاتنا الهبلة وإحنا بنختار فيلم نتفرج عليه، وطريقتها في إنها تستناني لما أتأخر في الشغل وهي عاملة نفسها نايمة عشان متقلقنيش.
سارة مكنتش من النوع اللي بيشتكي أو يطلب اهتمام بزيادة.. كانت “نسمة”، هدوءها بيخلي كل حاجة حواليها مريحة. ولفترة طويلة، افتكرت إن الهدوء ده هيفضل طول العمر.
كنا بنحلم بالعيال، بشقة أوسع، وبإننا نكبر سوا. بس الدنيا مش دايما بتمشي على الكيف.. بعد ما سقطت مرتين في أقل من سنتين، في حاجة جواها انطفت.. انطفت بجد.
مصرختش، مكسرتش البيت.. هي بس سكتت. ضحكتها مابقتش تطلع، وعينها بقت دايما سرحانة في اللاشيء. وبدل ما أنا أقرب منها وأحتويها، عملت أوحش حاجة ممكن راجل يعملها.. هربت.
الهروب الكبير
هربت في الشغل، بقيت بسهر بره بالأساعات، وبقيت بمسك الموبايل طول ما أنا قاعد معاها عشان مأفتحش كلام. كنت بضحك على نفسي وأقول “أنا بسبلها مساحتها”، بس الحقيقة إني كنت خايف.. خايف من وجعها، وخايف من عجزي إني مش عارف أصلح اللي انكسر.
لما كنا بنتخانق، مكنش صوتنا بيعلى، كنا بنبقى “تعبانين”.. تعب من النوع اللي بيخليك مش طايق حتى تعاتب.
وفي ليلة، بعد صمت طويل وبارد، قولت الكلمة اللي نهت كل حاجة:
“يمكن لازم ننفصل.. يمكن مفيش نصيب نكمل.”
بصتلي وقتها بصه عميقة، كأنها بتقرأ اللي جوه قلبي، وقالتلي بهدوء:
“إنت خلاص خدت قرارك، صح؟”
هزيت راسي بـ “أيوه”، وكنت فاكر إن دي شجاعة مني
معيطتش.. مصوتتش.. في نفس الليلة لمت لبسها في شنطتين وخرجت بمنتهى الهدوء، الهدوء اللي لسه بيطاردني في أحلامي لحد النهاردة. الطلاق خلص بسرعة، كأنه إجراء روتيني في مصلحة حكومية. أقنعت نفسي إننا ناس “متحضرين”، وإن الحب أوقات بيخلص من غير خناق.
الكاتبه نور محمد
بعد شهرين، وأنا واقف في طرقة المستشفى دي، عرفت قد إيه كنت غبي.
سارة كانت “دبلانة”.. شعرها بقى قصير جداً بطريقة هي عمرها ما كانت تختارها. كتافها كانت منحنية كأنها شايلة جبل فوقيها.
قربت منها وأنا مش حاسس برجلي وهي بتلمس الأرض..
“سارة؟”
بصتلي، وفي عينها شفت وجع وحكاوي كتير مكنتش أعرف عنها حاجة.
بصت لي سارة بذهول، وكأنها بتشوف شبح.. حاولت تداري إيدها اللي كان باين فيها أثر “الكانيولا”، وحاولت تظبط طرحتها اللي كانت لافاها بإهمال فوق شعرها المقصوص.
“أحمد؟ إيه اللي جابك هنا؟” صوتها كان طالع بالعافية، فيه بحة وجع مكنتش موجودة زمان.
قعدت على الكرسي اللي جنبه وأنا ركبي مش شايلاني. “أنا اللي بسألك.. إيه اللي حصلك؟ وإيه العمليات دي؟ وليه مقولتليش؟”
سارة سكتت لثواني، بصت للأرض وابتسمت ابتسامة حزينة تقطع القلب.. “أقولك بصفتك إيه يا أحمد؟ إحنا خلاص مابقاش فيه بينا غير ورقة بتقول إننا أغراب.. وبعدين، إنت كنت مشغول أوي بمساحتك الشخصية وبشغلك، مكنتش عايزة أتقل عليك بمرضي كمان.”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “مرضك؟”
قالتلي بهدوء مرعب: “أنا عرفت إني تعبانة من قبل ما نمشي بأسابيع.. يوم ما جيت أكلمك وقولتلي إنك مصدع وعايز تنام.. ويوم ما حاولت أحكيلك ولقيتك ماسك الموبايل وبتتجنب عيني. حسيت إنك بتنسحب من حياتي، فقررت إني منسحبش معاك.. قررت أواجه لوحدي عشان محملش حد فوق طاقته.”
اللحظة اللي الدنيا اسودت فيها
في اللحظة دي، شريط حياتنا كله عدى قدام عيني.. كل مرة كانت بتبصلي فيها وعينها مليانة دموع محبوسة وأنا أقول “سيبوها براحتها”.. كل مرة كانت بتقعد في الضلمة لوحدها وأنا أدخل أوضتي وأقفل عليا.
أنا مكنتش بسبلها مساحتها.. أنا كنت بسيبها تغرق.
“سارة، أنا آسف.. أنا كنت غبي.. كنت فاكر إن البعد راحة، مكنتش أعرف إنك شايلة كل ده.”
ردت عليا وهي بتقوم بصعوبة عشان الممرضة ندهت اسمها: “الأسف مبيصلحش اللي انكسر يا أحمد.. الوجع مش في المرض، الوجع إنك كنت أقرب حد ليا، ومع ذلك كنت أول واحد يتخلى عني وأنا في عز ضعفي.. أنا مكنتش محتاجة مساحة، أنا كنت محتاجة إيد تطبطب عليا.”
سارة دخلت أوضة الأشعة، وأنا فضلت واقف في الطرقة، حاسس إني قزم قدام قوتها وصبرها. اكتشفت إن الحب مش بس خروجات وكلام حلو وشقة في مكان شيك.. الحب الحقيقي هو “الونس” في وقت الشدة، هو إنك متسيبش شريك حياتك يواجه خوفه لوحده حتى لو هو قالك إنه قادر.
ممشيتش..
قررت إني مش هتحرك من المستشفى دي. مش عشان أرجع “جوزها” بالورق، لكن عشان أصلح ولو جزء بسيط من البشاعة اللي عملتها. فضلت قاعد قدام باب الأوضة، مستنيها تخرج عشان أقولها
“أنا عارف إني جيت متأخر.. بس المرة دي أنا مش هتحرك من جنبك غير وأنتي واقفة على رجلك.. حتى لو بصفتي غريب، بس غريب بيحبك بجد.”
في البيوت المصرية الأصيلة، الراجل والست سند لبعض.. الانسحاب وقت الأزمة مش “نضج”، ده “هروب”. قبل ما تطلب “مساحتك الشخصية”، اتأكد إنك مسبتش شريك حياتك بيغرق في مساحة من الوجع لوحده.


تعليقات
إرسال تعليق