القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل السادس وعشرون 26بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات


رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل السادس وعشرون 26بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات



رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل السادس وعشرون 26بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات




✧༺༻❀✧

رواية: ❝الـمــاســة الـمــكـســورة2💎💔

العودة (عناق الدم)❞ 

بقلمي: لَـيْـلَـةعَـادِلْ

✧❀༺༻❀✧


{ ما كنت قاسيا، كنت فقط أتعلم كيف أقاوم انكساري في حياة لا تبقي الطيبين كما هم؛ حياة تعصر القلب حتى يتصلب ليبقى، ولأنكِ لم تكوني أمرا عاديا بالنسبة لي، صرتِ ملجئي حين ضاق صدري، واليد التي أمسكت بي كلما أفلت من نفسي، ونقطة قوتي الوحيدة في زمن كان ينتزع مني معنى القوة. }

ليلةعادل✍️🌹 

          

            الفصل السادس والعشرين🤫❤️

        

                    [بعنوان: خفقات]


رفعت مي الملعقة إلى فمها، كادت أن تبتلع ما فيها،

وفجأة دخل رشدي إلى الغرفة وهو يجفف شعره بالمنشفة، وما إن وقعت عيناه على زجاجة الدواء التي بين يديها حتي اتسعت عيناه بصدمة، وصاح بحدة، وهو يدق الأرض بقدميه بعصبية جعلت جسدها يهتز: مي!


انتفضت على صوته، فوقعت الزجاجة من بين يدها، فتبعثر بعض منها على ملابسها والبعض الآخر على الأرض، و نظرت إليه بخضة: في إيه يا رشدي؟ أنت مجنون؟ في حد يكلم حد كدة؟! خضتني!!


لكنه لم يهتم لحديثها، وحينما وقعت عيناه على بقع الدواء الملطخة بثوبها وعلى الأرض، اشتعل غضبه أكثر، وقال بحدة وأنفاس متسارع، وعيناه يشتعل فيهما القلق: بتعملي إيه؟


ردت وهي تمسح المسحوق عن ثيابها بإرتباك: بطني وجعاني، وكنت باخد دوا.


قال بضجر من بين أسنانه: وتاخدي ليه؟ أنتِ متخلفة؟ أي حاجة تشوفيها تاخديها وخلاص؟


مد يده وخبط رأسها بخفة غاضبة: مفيش مخ!


اتسعت عيناها، وصاحت به مندهشة: أنت بتزعقلي ليه؟ أنا عايزة أفهم!


رد من بين أسنانه، والغضب مكتوم في صوته: علشان أنتِ بتفوري الدم! تاخدي دوا متعرفيهوش ليه؟


سألته بتلقائية بريئة: هو مش بتاعك؟


تنفس بإختناق، ورد باستهجان: لا مش بتاعي!


ضغطت على شفتيها السفلى بصدمة: بتتكلم جد؟!


هز رأسه بضجر: أيوه، هو أنتِ شوفتيني جبت دوا قصادك؟


تبسمت ابتسامة بلهاء، مرتبكة: آه صح، بس هو أزاي هنا في الحمام بتاعك، أنا افتكرته بتاعك؟!


مسح فمه محاولا أن يهدأ، فقد كان خوفه عليها هو المسيطر عليه، لا غضبه: يمكن حد نسيه هنا من اللى كانوا قبلنا، وأنا مهتمتش أرميه.


صمت قليلا، ثم تساءل ليفهم كيف جعلت البودرة سائل: وبعدين أزاي كنتي هتشربيه أصلا؟ ده بودرة!


ردت موضحة بتلقائية، ولم تنتبه لمعرفته بمحتوي العبوة رغم رفضه أنها تخصه: اشتريت مايه مقطرة…


نفخ بضيق واختناق: كمان يا مي! أعقلي! مش كل حاجة نشوفها ناخدها.


خفضت رأسها، وقالت بصوت خافت، شبه مكسور: بطني كانت وجعاني أوي يا رشدي.


مسح طرف عينه، ثم قال بنبرة أهدأ: برضو، كنتي قوليلي، افرضي كان بايظ ولا حاجة مضرة؟


رفعت رأسها قليلا: عندك حق، طب روح هاتلي دوا، علشان بطني وجعاني.


هز رأسه بالإيجاب: طيب، هغير هدومي وأروح.


ثم أضاف محذرا: ولو شوفتي أي حاجة بعد كده، متاخديهاش من غير ما تسأليني، فاهمة؟!


تمتمت بضيق: على فكرة أنت عمال تزعقلي من الصبح وأنا ساكتالك.


رد وهو يتحرك مبتعدا: علشان أنتِ مستفزة! 


قالت وهي تلوح بيدها بملل: خلاص بقى، يلا روح مش قادرة.


ثم تابعت بتهكم: وبعدين متقعدش تستحمي ساعة في الحمام بعد كده، النظافة حلوة ومفيش مشكلة، بس أنت بتستحمى كتير أوى وبتقعد أكتر!!


ثم دبدبت قدميها في الأرض بغضب طفولي: ومتستخدمش الحمام بتاعي تانى، لو هتدخل تبات كل مره فيه كده!


ضحك بخفة رغما عنه وهو يرد: فايزة معودانا من وإحنا صغيرين؟ نخش ناخد شاور قبل ما ننام؟ وأول مانصحى، وأول ما نرجع من مشوار، عايزاني أبقى معفن يعني؟


رفعت حاجبها بسخرية: ياعم لا، بس أنت بتقعد كتير، وبتقعد تغني، وصوتك وحش بصراحة.


وقف أمامها وقال بنبرة مصطنعة للجدية: لما أجي  هنبقي نتكلم في الموضوع ده، أقعدي مؤدبة، أنا مش جايب بنت أختي الصغيرة، متلعبيش في حاجة.


ضحكت وضربته على كتفه بخفة: خلاص بقى، يلا روح. 


ثم أضافت بإبتسامة دافئة: هكلم بابا على ما تيجي، علشان وحشني.


مال عليها، وقبل خدها سريعا: ماشي.


ثم اتجه إلي الحجرة لتبديل ملابسه، وقلبه يخفق وهو يحمد الله بداخله أن الأمر مر بسلام، كان يخشى أن تكون قد تناولت ذلك المخدر، فهذه الفكرة كانت كفيلة بأن تجمد الدم في عروقه.


الآن عليه أن يفكر بهدوء: كيف يخفيه؟ وأين؟ وبطريقة أخرى أكثر أمانا.


في الجهة المقابلة، عادت مي وجلست في الشرفة، تحاول الاتصال بوالدها.


مرة… ثم ثانية… ولا رد.


تسلل الاستغراب إلى قلبها، لكنها أقنعت نفسها سريعا:

لا بد أنه في العمل.

❤️____________________ليلةعادل 


فيلا سليم وماسة، 9:00 صباحا.


في صباح جديد، تسللت أشعة الشمس إلى الغرفة كأنها تعد بيوم مختلف … لكن هل هو يوم سعيد؟ أم مجرد امتداد لأيام مثقلة بالخوف والوجع؟


كان سليم مستلقيا على ظهره، الوسادة خلف رأسه، عيناه مفتوحتان تحدقان في الفراغ بشرود ثقيل.


بينما ماسة كانت نائمة فوق صدره، رأسها مستقر بين ذراعيه اللتين أحاطتا بها كما تضم الأم طفلها إلى صدرها.


كان يبدو علي سليم الإرهاق بوضوح؛ فقد رأى ليلة في منتهى الصعوبة.


وفي حقيقة الأمر لم تكن ليلة واحدة، بل أيام منذ انكشاف الحقيقة، لكن ليلة الأمس كانت الأقسى، والأصعب على الإطلاق.


لم يذق طعم النوم لوهلة، وكما وعدها ظل مستقيظت بجانبها، لم يتركها لحظة، كأن وجوده وحده هو الحاجز الأخير بينها وبين خوفها.


مرت دقائق قليلة، وبدأت جفونها ترتعش، انتبه لها سليم، ومسح خدها برفق، كأنه يبعث إليها الطمأنينة.


بدأت أن تتحرك جفونها بسرعة، يبدو أنها كانت تحلم بكابوس، وفجأة انتفضت، وفتحت عينيها بفزع، وهتفت باسمه: سليم!


ابتسم فورا، تلك الابتسامة التي تمنح الأمان والراحة، ومد يده يربت على وجنتيها: إيه يا حبيبتي؟ أهدي، أنا جنبك أهو، صباح الخير يا ماستي الحلوة.


اتسعت عيناها، وارتمت في حضنه، وجسدها يرتجف قليلا، فمسح على شعرها وظهرها بحنان، يفهم شعورها دون كلمات.


أخرج نفسا عميقا، وحاول أن يبدو ثابتا، رغم الألم والوجع والانفجار داخله.. لكي لا تشعر بألمه


أبعدها قليلا وهو يضم كتفيها بكفيه، ونظر في ملامحها بإبتسامة: مالك؟ أنا جنبك أهو.


ردت بصوت مبحوح: كنت بحلم، حلم وحش أوي، كابوس فظيع.


مسح على شعرها، اقترب، ووضع قبلة طويلة على عينيها، ثم ابتعد قليلا وجبينه كاد يلمس جبينها، ثم قال بحنان: أنا جنبك أهو، متخافيش يا روحي.


داعب أنفها بأنفه وهو يقول بمزاح محبب: ينفع تخافي وسلومتك جنبك!! مش واثقة فيا ولا إيه؟


رفعت عينيها إليه، وصوتها خرج مرتجفا كحال جسدها بين يديه: بثق فيك، بس أنا موجوعة أوي.


رد بمداعبة محاولا التخفيف عنها: هننسى سوا، وبعدين إيه إللي حصل يعني؟ مش أنتِ مش كان نفسك تعيشي جو أكشن زى الأفلام؟


مسحت دموعها بسرعة، وقالت بنبرة منكسرة: بس ده مش أكشن يا سليم، ده…


قاطعها بلطف حاسم: ده ولا حاجة، الموقف خلاص خلص وعدى...


ثم تابع بنبرة مشوبة بالحماس: أنا هخلي سحر تعملك فطار حلو، يلا قومي خدي شاور.


كاد أن ينهض، لكنها تشبثت به فجأة، واتسعت عيناها بقلق: رايح فين؟


أجابها بهدوء موضحا: هدخل التويلت، وهكلم سحر تعملك فطار، وأطلعلك هدوم تلبسيها علشان تاخدي شاور أنتِ كمان.


هزّت رأسها برفض واضح: لا، متسيبنيش لوحدي، خدني معاك الحمام.


نظر إليها باستغراب: اخدك معايا التويلت إزاي يعني يا قطعة السكر؟


أجابت بسرعة، وكأنها تخشى أن يبتعد: زي الناس، يعني هتتكسف مني؟


ابتسم ابتسامة خفيفة مطمئنة: لا، مش هتكسف منك، بس أنا جنبك، مش رايح في حتة.


تشبثت به أكثر، وقالت بتوسل من بين دموعها: متسيبنيش والنبي يا سليم، متسيبنيش لوحدي، خدني معاك.


نظر إليها طويلا، عيناه تتبع كل ارتعاشة في جسدها، كل خفقة قلب، وكل لمحة خوف تتسلل في عينيها، كانت عيناها تعكس كل شيء وتترجاه بصمت ألا يتركها بمفردها... 


فاقترب منها ببطء، وأعاد شعرها خلف أذنها، وضمها بقوة، كأن بحضنه يستطيع أن يأخذ كل خوفها بعيدا عنها.


أما هي فكانت ضعيفة، ومكسورة، وخائفة،  لكنه عاهد نفسه أن يكون لها ملاذا يحميها من كل شيء، حتى لو كان العالم كله ضدها.


أبعدها هو يتنهد، ثم أومأ برأسه موافقا: ماشي يا ماسة، حاضر.


تحركت معه وهي لا تزال متعلقة به، اتصل بسحر وطلب منها تجهيز الفطار، ثم دخلا الحمام معا.


قال بهدوء: أنا هخليكي تاخدي شاور الأول، ماشي؟


هزت رأسها بطفولة ومازالت تمسك بكتفه: ماشي.


بدأ يساعدها بهدوء بخلع ملابسها، والماء يتدفق في البانيو.


كانت تمسك بذراعه بقوة، كأنها تخشى إن تركته لحظة يختفي، تشعر أنه أمانها الوحيد، وأن ابتعاده عنها لوهلة قد يجلب لها مكروها..


أخذ يحممها بيديه بحنان بالغ، حذرا، كأنها شيء ثمين يخشى أن ينكسر بين يديه.


وحين انتهى، ألبسها ملابسها بهدوء، ثم أخرجها إلى الغرفة، دون أن يبتعد عنها خطوة.


خلع التيشيرت المبتل، وقال: هغير لبسي، وهخش التويلت ثواني وجايلك.


رفعت عينيها بضعف: هاجي معاك.


ارتسمت إبتسامة صغيرة على شفتيه، ومسح على شعرها، ثم أمسك بكفها بين كفيه: عشقي أنا معاكي مش هقفل الباب.


انتصبت في وقفتها أمامه وصاحت بإعتراض: هو أنت ليه مش عايز تاخدني معاك؟ 


رد عليها بضجر خفيف: مش قصة مش عايز، بس يعني..


ردت بضجر: بس إيه يا سليم.. 


رمشت بعينيها، فشعر بثقل ما تمر به، وأن خوفها لن يمر بسهوله هذه المره، فزفر وقال معلقا: الموضوع كده بقى صعب فعلا…


التفت وأخذ هاتفه من على الكومودينو، واتصل بياسر:  أيوه يا دكتور، أنا عايزه تجيلي الفيلا تعالي فورا، ماسة تعبانة، متتأخرش فاهم.


أغلق الهاتف، فنظرت إليه بإعتراض: أنا مش تعبانة.


رد عليها بنبرة قاطعة: الدكتور هو إللي يحدد مش إحنا، وأنا كمان محتاج أطمن، يلا خلينا ندخل الحمام..


توقفت مكانها متأثرة من طريقته، كطفلة منزعجة من والدها؛ لأنه لم يفهم ما تمر به، ظنت أنه منزعج من التصاقها به... فقالت بنبرة باكية محاولة التبرير: والله العظيم مش قصدي أضايقك يا سليم، بس غصب عني خايفة..


تنهد بابتسامه حزينة والدموع تلمع في عينيه، أخذها بين أحضانه، فهو لم يكن منزعجا من التصاقها به، بل كان حزينا لأجلها، ويستصعب قليلا أن يقضي حاجته أمامها.


قال موضحا بابتسامة: أنا مش مضايق يا قطعة السكر، بس كنت مكسوف شوية صغيرين، بس خلاص تعالي معايا.


ابتسمت كطفلة وتحركت معه، وبقيت تنتظره حتى انتهى، ثم استحم وارتدى ملابسه، وخرج معها إلى الخارج.


قال سليم بهدوء: يلا يا قطعة السكر، ننزل تحت نفطر.


نظرت إليه بضعف، عيناها متعلقتان بملامحه كأنها تستمد الأمان منها، ثم هزت رأسها نفيا ببطء: لأ، خلينا نفطر هنا، مش عايزة أنزل تحت.


قطّب جبينه، واقترب منها خطوة: ليه مش عايزة تنزلي؟ تعالي نفطر على النيل، الجو حلو وأنا أهو معاكي.


رفعت عينيها وقالت بتساؤل موجوع: هو أنتِ مش كنت زمان بتقولي متروحيش في حتة، وأقعدي هنا، وكنت بتتخناق معايا.


تنفس بعمق، وابتسامة شاحبة مرت على شفتيه: آه، كنت مجنون، واتعالجت.


هزت رأسها بنفي وهي تمد وجهها، جلست على الفراش: أنتِ مكنتش مجنون.


رفعت رأسها تنظر في عينيه، وصوتها خرج مكسورا:  أنت كنت صح، أنا إللي كنت غبية، ومش فاهمة.


كانت كلماتها تتدفق كأنها اعتراف متأخر، ارتسمت على شفتيها نصف إبتسامة بخذل: كنت دايما تقولي إن الدنيا بره الحدود إللي أنت عاملها ليا وحشة ومخادعة، وأنا كنت عاملة نفسي جامدة، بش طلعت أضعف بكتير من اللي كنت متصورة وغبية..


صمتت لحظة، ودموعها لمعت في عينيها، ثم انفجرت الكلمات من صدرها: فاكر لما كنت بتقولي الحياة مش فستان كله ورد وفراشات، الحياة مخالب!؟ كنت فاكرة ده كلام أفلام وروايات، وإنك مزودها، طلعت الحقيقة أبشع.


شدت الغطاء حول نفسها بلا وعي، وهي تهز رأسها برفض: أنا مش عايزة أخرج من هنا تاني، أنت عندك حق، أنا هفضل هنا.


تسارع تنفسها: أنا مش عارفة المرة الجاية ممكن يعملوا فيا إيه، ولا يهددوني بمين؟ ولا هيضربوا مين بالعربية؟ ولا هيسمموا مين؟


صوتها انهار: دول خطفوني يا سليم وحطوني جنب مصطفى، المرة الجاية الله أعلم ممكن يعملوا إيه،؟! 


قاطعها سليم بحسم، الذي كان يستمع لها بعينين تلمع بالدموع والحزن، جلس أمامها ومسك يديها بقوة قال: مفيش مرة جاية.


هزت رأسها بإصرار: وعلشان ميبقاش فيه مرة جاية، أنا مينفعش أخرج من هنا...


استوحشت نظراته، ضم وجهها بين كفيه، وقرب وجهه من وجهها حتى الالتصاق، حدق في عينيها بنظرات حادة، وقال: ماسة، بتثقي فيا ولا لا؟ ردي عليا.


ردت بصوت مرتجف: بثق فيك والله.


قال بغضب، وعيناه تشتعلان نارا: يبقى خلاص، متعمليش كده، أنتِ متعرفيش أنتِ بتولعي نار في قلبي أزاي بعمايلك دى، أنا إمبارح مسكت رشاش، وكنت هقتلهم ، واتخانقت مع مكي واتهمته إنه خاني..


أضاف بنبرة مقهورة بعينين تترقرق بدموع: عارف إن إللي حصلك كبير ومش بسيط، ويكسر القلب، بس أنا أهو جنبك..


ثم تابع بوعد: والله ماهيعدي الأسبوع ده إلا وحقك متاخد قدام عنيكي، فاهمة؟


تابع برجاء رجل مقهور: بس متكسرنيش بنظراتك دي يا ماسة أرجوكي، حقك هيجي وإلا مستاهلش اكون جوزك، ولا استاهل إني أكون راجل من الأساس.


كانت تنظر إليه والدموع تملأ عينيها بضعف، ولكنها هزت رأسها عدة مرات بالإيجاب.


أمسك رأسها وأخذها بين أحضانه، وظل هكذا لدقائق يضمان بعضمها بشدة، وكأنها يأخذان من بعضهما الطمأنينة والقوة..


ابتعدت ماسة بعدها، ومسحت دموعها التي أغرقت وجهها.


ثم رفعت عينيها إليه بتردد: سليم، أنت سألت مصطفى؟ سألته يعني عن إللي حصل؟


تجمد للحظة، وكأن السؤال أصابه في مقتل: مش فاهم؟ اسأله عن ايه؟!


ابتلعت ريقها، وتابعت بصوت مرتجف: أنا لما صحيت من النوم، لقيته جنبي، كان بيحاول يصحيني..


خفضت عينيها خجلا وألما: أنا مكنتش لابسة الفستان يا سليم..


رفعت رأسها فجأة: وبعدين أنت عرفت مكانا منين أصلا؟


صمت ولم يعرف ماذا يقول، لم يرد أن يخبرها بالصور حتى لا يزيد من الطين بلة ويزيد عليها الامر، فقال بتردد وارتباك: بعتولي رسايل بيقولوا إنك بتخونيني مع مصطفى، وبعتوا اللوكيشن، ورسالة مكتوبة كأنها بينك وبينه، واضح إنهم كتبوا كل ده بعد ما خدروكي وخطفوكي، بس أنا مصدقتش، وفهمت علطول إن فيه حاجة غلط..


سألت بسرعة، بعينين متسعتين: طب هو كان نايم فين، قالك إيه بالظبط؟!


تنفس ببطء كاذب: هو قال إنه كان بعيد على الكنبة..


هزت رأسها بعدم تصديق، وصوتها خرج مشوشا: كنبة؟


اضطرب تنفسها وتابعت: أنا صحيت لقيت نفسي لابسة اللبس الداخلي بس، ومتغطية بالبطانية، هو كان بيحاول يصحيني، وبعدين ساعدني ألبس الفستان، وفجأة البوليس جه، أنا مش فاهمة إزاي قلبهم جابهم يعملوا كدة...


مسح على يدها برفق وقال بخفة: بلاش نتكلم في الموضوع تاني.


ثم تابع بابتسامة صغيرة محاولا تغير الموضوع وتهوين الأمر عليها: بقولك ايه أنا جعان أوي ومأكلتش من امبارح، فـ يلا بينا نفطر بدل ما أكلك..


ثم مد يده وبدأ يدغدغها في جانبها، حاولت إبعاد يده، وهي تقول بحزن وإرهاق: بس يا سليم، مش قادرة.


ابتسم قائلا: طيب، هننزل نأكل تحت؟


ردت بضعف: لا، خلينا هنا، معلش وحياتي.


تنهد، وهز وجهه بأسف، لم يكن يريد أن يثقل عليها، وبالفعل تناول الفطار معها بعد أن أحضرته سحر.


سألها سليم: جبتي الفطار لدكتور مصطفى؟


هزت سحر رأسها: لسه.


نظرت له ماسة معلقة: هو مصطفي لسه هنا؟


أجابها سليم: هفهمك بعدين..


ثم نظر لسحر قائلا: طيب يا سحر، لما يصحي خدي بالك منه وشوفي طلباته، ولما الدكتور ياسر ييجي، عرفيني.


اومأت برأسها، ثم تحركت مبتعدة بخفة، بينما التفتت ماسة إلى سليم بعينين متسعتين، وسألته باستغراب: مصطفى بيعمل إيه هنا؟


رفع رأسه وهو يلتقط رشفة ماء من كوبه، ثم أجاب بهدوء: مفيش، محتاجه في حاجة كدة، بس محتاج أظبطها صح، وبعدين هفهمك.


سرحت ماسة قليلا، فانتبه لها، ونهض من مكانه وجلس بجانبها، نظراته مليئة بالحنان والاهتمام: مبتاكليش ليه؟ يلا هأكلك بإيدي.


تنهدت بتعب وتساءلت: هو لو أنا قولتلك مليش نفسي هتسيبني؟


هز رأسه فورا دون تردد: أكيد لا، يلا..


ومع تلك الكلمات بدأ يطعمها بعناية ودلال، وكل حركة منه تحمل اهتماما، وكأن كل لقمة يقدمها لها تمثل وعدا بالأمان والراحة. 

❤️_____________بقلمي_ليلةعادل


على اتجاه آخر…


في إحدى الغرف بالدور الأول، استيقظ مصطفى من نومه جلس على حافة السرير، مسح وجهه بتثاقل، وكأن النوم لم يترك له أثرا، كانت الغرفة تطل علي الحديقة مباشرة، والنيل ينساب خلفها بهدوء، نظر حوله للحظة، ثم صوب نظره نحو الإطلالة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.


نهض من مكانه، دخل المرحاض بسرعة، ثم خرج من الغرفة متجها نحو القاعة الكبرى، تحرك بخطوات مترددة بين الممرات بيحث عن أي شخص، حتى صادف إحدى الخادمات، فسألها: لو سمحتي، كنت عايز أسأل بس، هو سليم بيه فين؟


قبل أن ترد، اقتربت سحر بخفة، تلوح بيدها بابتسامة: صباح الخير يا بيه.


ابتسم مصطفى: صباح النور.


تساءلت سحر باهتمام: أحضر لحضرتك الفطار؟


اومأ برأسه: ماشي، هو سليم بيه فين؟


أجابته سحر موضحه بخفة: سليم بيه في أوضته فوق، هبلغه إن حضرتك صحيت، تحب تفطر هنا ولا في الجنينة؟


هز رأسه: خلينا في الجنينة.


أومأت سحر برأسها وتحركت مبتعدة، بينما خرج مصطفى من الباب الزجاجي إلى الحديقة. 


تحرك علي العشب بهدوء، كأنه يحاول أن يترك خلفه صخب ليلة أمس، توقف عند ضفاف النيل، ووقف يتأمل المياه المتلألئة تحت ضوء الصباح، عاد ذهنه إلى ليلة الأمس، تلك الليلة التي ما زالت عالقة في ذاكرته، لم يفلح في نسيانها بعد، شعور بالقلق تملكه، فقد لا يتمكن من التواصل مع عائلته لفترة، ومشكلة آلاء التي لم تحل بعد كانت تثقل قلبه، وهو يدرك أنه لم يطمئنها حتى الآن، وكأن المسؤولية كلها تقع على عاتقه.


وأثناء وقوفه، لمح مكي يقف غير بعيد، يدخن سيجارته بعدم اكتراث، فضيق عينيه باستغراب وتحرك نحوه، ملوحا بيده: إيه ده؟ أنت هنا؟


ابتسم مكي وهو يميل برأسه: أيوه هنا، هكون فين يعني؟ مينفعش سليم يتساب لوحده، هو دلوقتي عامل زي التور الهايج في عنبر سبعة.


ابتسم مصطفى بخفة: أصل امبارح افتكرتك زعلت لما مشيت.


حرك مكي كتفه موضحا: منكرش إني اتضايقت شوية من الكلام، بس طبعا لا يمكن أمشي واسيبه لوحده في ظروف زى دى، سليم أخويا وإللي بيننا كبير، وعارف إن إللي قاله كان لحظة غضب، ولو مكنتش مشيت وعملت كده، مكانش هيهدى، سليم كان محتاج حاجة تهديه.


اومأ مصطفي برأسه مؤكدا: فعلا مجرد ما مشيت، هدي وكان باين عليه الندم..


سأله مكي وهو يسحب نفس من سيجارته: طب أنت لسه هنا ليه؟


أجاب مصطفى موضحا: سليم قالي خليك هنا، في حاجة في دماغه عايز يعملها، بس مقالش إيه، أنت تعرف حاجة؟!


سأله مكي وهو يرفع حاجبه: قالك إيه بالظبط؟


رد مصطفى وهو يمد وجهه: مفيش، قالي في موضوع محتاجني فيه، ولازم أفضل مختفي ومكلمش أهلي، علشان عايزهم يقلقوا، ولما سألته الموضوع إيه، قالي هقولك بعدين لما أظبطها في دماغي!!


أومأ مكي بتفكير، وعيناه شردت لثواني، كأنه يحاول أن يجمع الخيوط ويفهم ما يدور في رأس سليم، زفر ببطء، ثم أعاد نظره إلى مصطفى وقال بنبرة منخفضة لكنها حاسمة، وهو يضغط على السيجارة بين أصابعه: أعتقد سليم هيحاول يوهمهم إنك اختفيت أو إن حصلك حاجة، علشان عيلتك تبدأ تقلق وتدور عنك في المستشفى والعيادة، ساعتها يكون أثبت إنه أخذ موقف ويوهم عيلته إنه شرب المقلب، ده إللي أنا استنتجته.


تنهد مصطفى بقلق وهو ينظر أمامه بضيق: أنا بس كل إللي محتاجه أطمن أهلي، أمي مش واخدة إني أختفي كده، خصوصا إن في مشكلة عندي هناك، ومينفعش أسيبهم قلقانين كتير، لازم أطمنهم.


قال مكي مطمئنا: أصبر شوية، يومين وهخليك تكلمهم. 


صمت مكي لحظة، ودقق النظر في ملامح مصطفى، كأنه يقرأ ما خلف الكلمات، ثم سأله بنبرة جادة: وبعدين مشكلة إيه إللى عندك؟ ما تقول يمكن نقدر نساعدك.


تنهد مصطفى، وأدار وجهه ناحية النيل، وصوته خرج مترددا: بعدين، لما أشوف بس سليم هيعمل إيه.


في تلك اللحظة اقتربت سحر، وقالت بهدوء: أنا حطيت لحضرتك الفطار يا بيه.


ثم وجهت نظراتها لمكي وتساءلت: مكي باشا هتفطر؟


هز مكي رأسه بإبتسامة خفيفة: لا فطرت، روح أنت يا مصطفى أفطر، ونبقى نشرب الشاي سوا. 


ثم مال عليه قليلا، وخفض صوته: وبقولك إيه، متقولش لسليم إني هنا.


أومأ مصطفى برأسه: ماشي.


وبالفعل اتجه مصطفى نحو مكان الإفطار، بينما بقي مكي في موضعه، واقفا يتأمل النيل بصمت، وأفكاره غارقة فيما هو قادم.


في المالديف


الكوخ 2:00 عصرا.


جلس رشدي ومي في الشرفة، أمامهما زجاجة الدواء وكوب من الأعشاب الساخنة.


كانت مي شاردة، تحدق في الأفق بعينين مثقلتين بالقلق.


قال رشدي بنبرة مطمئنة وهو يراقبها: إن شاء الله هتبقي كويسة.


تمتمت بدعاء: يا رب…


صمتت لحظة، ثم تنهدت بعمق: بس أنا متضايقة أوي، بابا مش بيرد عليا، مش عارفة ليه؟!


نظر إليها باهتمام: كلمتيه كام مرة؟ 


أجابت وهي تمد شفتيها: مرتين.


هز رأسه بهدوء: ممكن يكون في اجتماع، أو شغل مهم، كلمي حد من إخواتك.


هزت رأسها برفض: مش عايزة أقلقهم..


تبدلت نبرتها، وامتلأت بشيء من الوجع: بس لو فضل لحد بالليل مبيردش عليا، هكلمهم...


خفضت عينيها وقالت: أنا بحب بابا أووي، هو كل حاجة في حياتي مش بس أبويا، ده أبويا وأمي وأخويا وكل حاجة ليا..


تابعت بنيرة متأثرة: وبعد ما ماما ماتت، مبقاليش غيره.


اقترب منها، وربت على خدها بحنان: يا بنتي، ليه بس تفكري كده؟ بعد الشر عليه، أكيد شغل، بلاش الدراما دي..


حاول أن يغير الأجواء: يلا قوليلي، تحبي تخرجي فين النهاردة؟!


نظرت له بتردد: بس أنا عيانة؟


اومأ برأسه بإبتسامة: أيوة، بالليل نخرج شوية هتكوني بقيتي أحسن.


مدت وجهها بملل وضيق: هو في مكان نروحه، ده ملل.


تنهد مقترحا: ممكن نتعشى في المطعم، أو نطلع على الجبل.


ردت وهي تزفر بضيق: على فكرة المكان هنا ممل بجد.


ابتسم بخفة: خلاص نسافر أي مكان تاني، إيه رأيك نروح ميامي؟


ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها: ماشي، بدل الملل ده.


أخرج رشدي هاتفه: خلاص، هتصل وأحجز حالا، أنتِ تؤمري يا ميوشي..


ظلت مي تنظر إلى البحر، لكن قلبها كان في مكان آخر بعيدا عن المالديف، عند والدها.


مصر


فيلا سليم وماسة 10:00 صباحا


كانا قد انتهيا من تناول الإفطار، وجلسا متجاورين على الأريكة، يحتسيان الشاي بهدوء.


ورغم السكون، لم تترك ماسة كتفه، كانت قابضة عليه كأنها تستمد منه الأمان.


تأملت ملامحه طويلا، ثم قالت بقلق: شكلك تعبان، وشك باين عليه الإرهاق، وعينك فيها كسرة.


ابتسم ابتسامة خفيفة، بالكاد ترى: دى بس علشان منمتش من إمبارح.


رفعت يدها ببطء، ووضعتها على خده بحنان: ليه منمتش يا روحي؟


تبسم لها: علشان وعدتك إني هفضل صاحي جمبك ومش هنام.


عضت على شفتيها بخجل وندم:  أنا آسفة، خلاص تعالى ننام.


عدل من جلسته، وأمسك يدها، وقبلها برفق: ط متعتذريش  يا عشقي، أنا هستنى دكتور ياسر ييجي الأول.


نظرت له بعدم اقتناع، وقالت بضيق: أنا مش فاهمة ليه جبت دكتور ياسر أنا مش تعبانة، إللي فيا ده طبيعي.


تنهد، ونظر إليها بجدية هادئة: أنا عارف إن إللي انتِ فيه طبيعي بعد إللي شوفتيه، بس خوفك إنك تخرجي من باب الأوضة، وخوفك تبعدي عني بالشكل ده، مش طبيعي.


خفضت عينيها قليلا: المفروض تفرح إني عايزاك جنبي.


ابتسم بحزن: أفرح طبعا، بس في نفس الوقت لازم أزعل وأتضايق إن مراتي جواها الخوف ده كله.


أشاحت بوجهها: مش عايزة أتكلم في الموضوع ده.. 


ساد الصمت لوهلة، ثم نظرت له، وتساءلت بتعجب: أنتِ بجد زعلت مكي.


أخرج أنفاس ساخنة: آه واتصلت بيه كتير ومردش.


مد يده إلى الهاتف على الطاولة: استني، هكلمه تاني.


ضغط على زر الاتصال، انتظر… ولا رد، زفر بضيق وهو يخفض الهاتف: شوفتي! مبيردش برضو.


سألته بهدوء، وعيناها مثبتتان عليه: أنت قولتله إيه علشان يزعل منك كده؟


تنهد، ومسح على وجهه بتعب: قولتله إنه شغال معاهم، وعلشان كده بتحميهم، علشان كان مانعني أروح أقتلهم، فزعل وقالي مش شغال معاك تاني، وسلم كل حاجة ومشي.


نظرت إليه طويلا، نظرة مليئة بالفهم، ثم قالت بنبرة هادئة تحمل فلسفة الألم: أنت كان غصب عنك، الإنسان لما يغضب، ويتوجع، ويتخذل، ساعات الكلام بيطلع منه وهو مش عارف جاي منين، خصوصا لما يكون خايف...


صمتت لحظة، ثم أكملت بصوت أخفض فيه مرارة وهي تنظر أمامها: صدقني، أنا مجربة وعارفة، لما كانوا مهددني بأهلي، كنت زيك بالظبط عصبية، وخايفة، ومستسلمة، عشان كدة الفترة دي علاقتنا كان فيها مشاكل، بس الفرق بيني وبينك؟ إن ساعتها هما كانوا ماسكني، لكن دلوقتي أنت إللي ماسكهم.


عادت تنظر إليه: وبعدين إن مكي يسمع منك إتهام زي ده، طبيعي يزعل فأنت متزعلش منه، حتى لو هو فاهمك، دي لحظة زعل ووجع لإنه مكانش متوقع اتهامك ليه.


خفض سليم رأسه قليلا، وصوته خرج مكسور: أنا مش زعلان منه، بس كنت متخيل إنه عارفني أكتر من كده، عارف إني قولتها غصب عني، ومش قاصدها...


رفع عينيه إليها، بنظرة صادقة موجوعة: والله يا ماسة لو شكيت في الدنيا كلها، عمري ما أشك فيه، حتى بعد إللي حصل، عمر قلبي ولا عقلي فكروا لحظة واحدة إنه يكون خاني...


ثم أضاف بمرارة خرجت من بين أسنانه بضيق وندم: بس لساني خاني، ومش عارف الكلمة دي طلعت مني إزاي، والله ما عارف.


مسحت على قدمه بحنان، تحاول تهدئته: أهدي يا سليم، متلومش نفسك، اللحظة دي أصلا مينفعش حد يزعل منك فيها، كلمه تاني هو بس تلاقيه لسة مصدوم من كلمة.


تنفس بعمق، وصوته خرج أقل حدة: أهم حاجة عندي دلوقتي إنك تبقي كويسة، وبعدين أبقى أشوفه.


في تلك اللحظة، طرق الباب بخفة، ثم دخلت سحر وهي تشير إلى الخارج: دكتور ياسر بره يا بيه.


اعتدل سليم في جلسته: خليه يدخل.


بعد لحظة، دخل دكتور ياسر بإبتسامة هادئة: صباح الفل، ماستنا عاملة إيه دلوقتي؟!


أشار إليه سليم وهو يحاول تخفيف الجو بنبرة مرحة: تعالى يا دكتور شوف بقى الأستاذة دي، ماسكة فيا كأني حرامي.


جلس ياسر أمامها، وصوته مهني دافئ: عاملة إيه يا مدام ماسة؟


اومأت برأسها: الحمد لله.


تسأل بمهنية: طيب قوليلي إيه إللي حصل بالظبط؟


نظر سليم إليها، ثم لياسر، وبدا عليه التردد، فقد كان محرجا أن يروي له ما حدث، لكنه يعلم أنه طبيب لا بد أن يفهم التفاصيل ليقرر العلاج الصحيح، فابتلع ريقه وتساءل: لازم تعرف كل إللي حصل بالتفاصيل؟!


ابتسم ياسر ابتسامة مطمئنة: طبعا لازم أعرف علشان أفهم الحالة.


تنفس سليم بعمق، ثم قال بصوت منخفض لكنه واضح: هي اتخطفت امبارح، واتحطت في بيت مش كويس؛ بيت دعارة، والشرطة ادخلت بس أنا خلصت الموضوع علطول.


صمت لحظة، ثم أكمل: من ساعتها وهي مرعوبة، وكانت منهارة علشان كدة مكي كلمك امبارح، ولما خدت المهدئ اللى قولت عليه نامت، وصحيت النهاردة زي ما حضرتك شايف كده، مش عايزة تسيب دراعي لدرجة دخلت معايا التويلت، ولما طلبت منها ننزل تفطر تحت رفضت خايفه تخرج من الاوضه.


أومأ ياسر برأسه، وملامحه كانت تقرأ الحالة قبل أن ينطق: فهمت.


ثم التفت إلى سليم، قائلا بهدوء: ممكن يا أستاذ سليم تسيبني أقعد معاها لوحدنا شوية؟


وقبل أن يرد سليم، تشبثت ماسة بذراعه أكثر، وصوتها خرج متوسلا: لا متمشيش، خليك هنا.


تبادل الطبيب وسليم نظرة قصيرة، ثم ابتسم الطبيب بهدوء وهو ينظر إليها: ليه القلق ده كله؟ أنا موجود معاكي، وهو مش هيروح بعيد.


هزت رأسها بعناد واضح، وشدت أكثر على ذراعه بعينين مترجية: لا سليم ميمشيش، أنا عايزاه جنبي.


نظر لها سليم بعينين مليئتين بالطمأنينة، وصوته خرج دافئا، وهو يمسح على خدها: عشقي، متقلقيش أنا هقف قدام الباب علطول، خطوة واحدة وهبقى هنا.


هزت رأسها برفض أقرب للتوسل، وعيناها امتلأتا بالخوف، فنظر إليها بتأثر، وحاول طمأنتها، لكن دموعها بدأت تتجمع وتفيض حتى اغرقت وجهها، فتدخل ياسر بهدوء، وهو يميل بجسده نحوها: طيب بصيلي يا ماسة… بصيلي.


نظرت له وهي تبتلع ريقها، فتساءل ياسر بعملية: ليه مش عايزة سليم يمشي؟ وليه مش عايزة تخرجي بره الأوضة؟


خرج صوتها منخفضا، مكسورا: عشان خايفة.


رد عليها محاولا إقناعها: خايفة من إيه؟ أنا جنبك، وسليم جنبنا، وفيه سور وحراسة.


رفعت عينيها لسليم بسرعة: لا أهم حاجة سليم يبقى جنبي.


عقد الطبيب حاجبيه بإستفهام: وإشمعنى سليم؟


تنفست بارتجاف، وكأنها تعترف بسر: علشان طول ما هو جنبي، محدش هيقدر يقرب مني، ولا يعمل فيا كده تاني.


سألها ياسر بهدوء مدروس: أنتِ خايفة لو سليم مكانش جنبك، إن إللي حصل ممكن يتكرر؟


هزت رأسها ببطء: أيوه.


اومأ برأسه بيقين وهو ينظر داخل عينيها ليأكد المعنى: لا مش هيحصل.


نظرت له بعينين متشككتين: وأنت إيش عرفك؟


إلتفت ياسر إلى سليم ثم عاد بنظره إليها: علشان سليم أكيد مش هيسمح بده يحصل، مش أنتِ بتثقي فيه؟


أومأت دون تردد: أيوه.


اقترب ياسر أكثر، وصوته صار أكثر حزما وحنانا: طيب يبقي خلاص، سليم هيعرف يحميكي، حتى لو واقف قصاد الباب أو حتى بعيد.


ترددت للحظة، كأنها تفكر، ثم هزت رأسها برفض متوسلة: لا، عايزاه يبقى جنبي، بين إيدي.


تنهد ياسر، ونظر إليها لثواني كأنه يدرس ملامحها، شعر أن اليوم ليس الوقت المناسب ليضغط عليها، فابتسم موافقا على ما تريد: ماشي، هخليه يحضر معانا الجلسة النهارده، بس بعد كده هنبقي لوحدنا.. 


لمح الرفض يلمع في عينيها، فتابع بنبرة هادئة وكأنه يمنحها شجاعة: مش إحنا اتفقنا إنك لازم تكوني قوية؟ وإن الخوف ده هو أكتر حاجة بتسهل الطريق للي عايزين يؤذوكي؟


ارتعشت شفتاها، وقالت بوجع: بطلت أخاف وحكيت وعملت كل إللي قولتلي عليه، وبرضو اتخطفت، وكانوا... كانوا هي...


ثم أخذت تبكي بحرقه، كأنها استرجعت كل ما حدث معها، والدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، أحاط سليم ذراعه حول ظهرها بحنان، كأن حضنه وحده قادر على امتصاص كل وجعها.


كاد ياسر أن يتحدث، لكن سليم أشار له أن ينتظر بصمت، محافظا على هدوء اللحظة، حتي تستكين في أمانه قبل أن تسمع أي كلمات.


وبعد أن خفت بكاءها وبدأت تهدأ، أخذ ياسر نفسا عميقا وقال: ماسة كدة غلط، لازم تفهمي إن إللي حصل مش فشل، ولا ضعف، كده كده كنا متواقعين في خطه علاجنا ممكن يعملوا حاجة، وحتى لو نجحوا فيها المره دى، دى شيء عادى...


ثم تابع بثبات: خدي من إللي حصلك قوة تكملي بيها، متخليش حاجة تكسرك، إللي حصل ده كان هدفه إن سليم يصدق، ويفرقوا بينكم، وخوفك يكبر...


نظر إليها مباشرة: وإحنا هنعمل إيه؟ نغير اللعبة، ونقولهم إحنا أقوى وإللي حصل ده هيقوينا مش هيكسرنا.


مسحت دمعة نزلت على وجنتها رغما عنها، وهي تقول بانكسار: الكلام سهل…


ابتسم ياسر ابتسامة واثقة: مش كلام، دي حقيقة، تعالي نبدأ بخطوة بسيطة، وشوية تمارين مع بعض. 


ترددت لحظة، ثم قالت بخفوت: ماشي.


وبالفعل، بدأ ياسر الجلسة معاها … بينما بقي سليم بجوارها، صامتا، ثابتا… وجوده وحده كان كافيا ليمنحها أول خيط أمان حقيقي، تحدث معها ياسر كثيرا، وقام بعمل بعض التمارين معها في محاولة منه لزرع شعور الأمان بها.


وبعد انتهاء الجلسة، بدت ماسة أهدأ قليلا؛ لم تعد متشبثة بسليم كما قبل، سمحت له أن يبتعد عن محيطها خطوة… فقط خطوة.


وافقت ألا تمسك يده، لكن بشرط واحد، أن يظل أمام عينيها، في نفس المكان الذي تراه فيه، جلست على الأريكة، وعيناها معلقتان به بلا رمش، كأنها تخشى إن أغمضت عينيها لحظة أو رمشت… أن يختفي، الخوف لم يرحل بعد، فقط هدأ صوته قليلا.


بينما وقف سليم مع ياسر عند الباب يودعه، وبقيت هي تراقبهما بملامح متيبسة.


قال ياسر بهدوء وصوت منخفض: إن شاء الله بكرة هاجي تاني وأقعد معاها.


أومأ سليم: تمام يا دكتور، شكرا جدا…


ثم انخفض صوته أكثر، وقال بقلق: بس أنا قلقان عليها أوي.


ابتسم ياسر مطمئنا: متقلقش، إللي اتعرضتله كان موقف في غاية الصعوبة، وأي ست هتمر بحاجة زي دي طبيعي يحصل معاها كده، مهما كانت قوية، وفي النهاية إنها توافق تسيب إيدك من أول جلسة؟ ده في حد ذاته إنجاز.


تنهد سليم: بس الوضع ده مقلقني.


رد عليه ياسر وهو يشبك أصابعه: بص يا سليم، هي عاملة بالظبط زي واحد وقع من مكان عالي، ومسك في حديده أنقذته من الوقوع، وعقله صورله إن الحديدة دى هي اللى حمته، فلما يجي حد يقوله: سيب الحديدة وأمسكني أنا هنقذك، هيرفض؟! لأن زى ما قولت، عقله في اللحظة دي صورله إن الحديدة هي الأمان، مش الإيد...


توقف لحظة، ثم أكمل: أنت بالنسبة لها الحديدة دي،

هي شايفة إن لو سابت إيدك ممكن تتخطف تاني، ولازم تقتنع إن الأمان مش في مسكتها فيك، الأمان في وجودك نفسه وده فرق كبير..


ثم تابع بإبتسامة محاولا تهوين الأمر عليه: بعدين المفروض تنبسط!


ابتسم سليم بمرارة: أنبسط؟


ضحك الطبيب بخفة: آه، تنبسط إنها رجعت تثق فيك تاني، ورجعت تشوفك أمانها من تاني.


رد وهو يهز رأسه بعدم رضى: بس مش بالشكل ده يا دكتور…


دقق النظر به: معلش، واحده واحده هتبدأ تخرج من الحالة اللى هي فيها دى، بس أنت خليك معاها وحاول تدخل حد بتحبه في دايرتها معاك، زى أختها مثلا..


أومأ برأسه: تمام.


تابع ياسر: ممكن بكرة تجيب أختها ونشوف هنعمل إيه، وخد بالك، عينيها عليك..


كاد سليم أن ينظر نحوها، ولكن ياسر أمسك ذراعه: متبصش.


أومأ سليم بجدية: حاضر  


تابع ياسر بعملية: أعرض عليها بالليل تخرج من الأوضة لو رفضت، متلحش، كفاية اللي اشتغلنا عليه النهاردة.


اومأ سليم برأسه: حاضر، شكرا يا دكتور.


غادر ياسر، فأدار سليم وجهه نحو ماسة، وتحرك صوبها وابتسم لها ابتسامة دافئة: إيه يا عشقي، أحسن شوية؟


همهمت بخفوت: أممم…


قال بحنان وهو يقف أمامها: إيه رأيك نخلي سحر تعملنا عصير وفشار، ونتفرج على فيلم؟


ترددت لحظة، ثم أومأت: ماشي.


اتصل بسحر، وبعد قليل حضرت بالفشار والعصائر والسناكس.


جلسا معا يشاهدان الأفلام، وهو يحاول طمئنتها قدر الإمكان، أما ماسة فلم تعد تمسك بيده طوال الوقت، لكنها بقيت قريبة منه، تراقبه بنصف عين.


سمحت له أن يدخل الحمام بمفرده، لكنها كانت تقف عند الباب، وتتركه مفتوحا، تراه، وتسمع صوته.

وهو فعل الشيء نفسه معها خطوة صغيرة…لكنها، في عالمها، كانت انتصارا كاملا.

❤️______________بقلمي_ليلةعادل


قصر الراوي.


مكتب عزت 6:00مساء


كان فايزة وعماد وصافيناز يجلسون معا في المكتب، يتبادلون الحديث حول فعلتهم الشنعاء.


قالت فايزة، بتوتر قليلا: سليم مجاش النهاردة المجموعة.


ابتسمت صافيناز ابتسامة جانبية، وهي تلاعب سلسلتها بين أصابعها: طبيعي بعد إللي حصله.


لكن فايزة لم تقتنع، ونظرت إلى عماد بعينين حذرتين، وقالت: عماد، لازم نتأكد إذا كان صدق ولا لأ.


رد عماد ممسكا بذقنه، وعيناه تشعان بالريبة والخبث: متقلقيش، خيرت كلمني وأكدلي إنه صدق، حتى وليد.


توقفت فايزة فجأة وبدأت تتحرك في المكان، وهي تخبط أصابع يدها ببعضها، غارقة في التفكير، بينما كانت أعينهما عليها، وفجأة التفتت إليهم، ورفعت حاجبها بارتباك، وقالت: بس أنت قولت إنها قالت إنها بريئة واتخطفت، لو صدق كلامها هتكون كارثة، وكل إللي عملناه مش هيكونله قيمة، وساعتها سليم مش هيرحم حد من جحيمه…


صمتت للحظة، وضيقت عينيها كما لو تذكرت شيئا مهما، ثم استرسلت بصوت متسائل: هو أنت مش مشغل حد من رجالة سليم لحسابك؟


هز عماد رأسه بهدوء: أه.


قالت فايزة، وهي تميل لأمام قليلا، وعيناها تلمعان بالريبة: خلاص، خليه يقولك الأخبار.


اومأ برأسه: تمام، هكلمه.


ثم أضافت وهي تلوح بيدها بنبرة حاسمة: يلا  كلمه مستنى إيه؟!


اومأ برفض موضحا: لا، أنا هكلمه من رقم تاني؛ لإني مبكلمهوش من رقم ثابت.


ضغطت على أسنانها قائلة: يا عماد، مفيش وقت، هو مين أصلا؟


أجاب بإبتسامة ماكرة: لا يا هانم معلش، ده سر…


انتصبت في وقتها بعينيها الواسعتين، كأن الصدمة زادتها شموخا وقوة، جسدها مشدود، ونبرة صوتها واثقة لا تقبل الجدل: سر عليا أنا؟! أنت اتجننت! نسيت نفسك يا عماد؟ أنا فايزة هانم! قول مشغل مين لحسابك من رجالته؟!


نظر إليها بعينين مترددتين للحظه، يعلم أن اللعب أو المراوغة معها مستحيله، فابتلع ريقه وتنهد قائلا: عثمان…


ابتسمت بدهشة: ده إيه المفاجأة دي؟ مكنتش أتوقع!


اومأت صافيناز بتأكيد: أنا كمان عملت زيك لما عرفت.


هزت فايزة رأسها بإيجاب وقالت: تمام، النهاردة لازم تكون اتواصلت معاه، وعرفت إيه إللى بيحصل هناك، فاهم.


تسألت صافيناز باستفسار: طب أنتِ مكلمتيهوش؟


أجابت فايزة، وهي تنفخ الهواء من أنفها بسرعة: أكيد كلمته، بس تليفونه مقفول.


قالت صافيناز: كلمي مكي، وقوليله أنا عايزة سليم… 


أشارت  لها فايزة بأصباعها، وقالت بتأييد: صح مكي. 


بالفعل، اتصلت بمكي لكنه لم يرد، فعقبت وهي تتلفت حولها: الاختفاء ده واضح إن فيه حاجة كبيرة بتحصل، الدكتور إللي كان معاها، أنتم عارفين عنوانه؟


أجابوا، وأعينهم تتبادل النظرات: طبعا.


فايزة بحزم: خلاص، أبعت حد يروح يسأل هناك في إسكندرية، هو فين؟ ومختفي ولا ولا بيظهر؟ لازم ناخد بالنا ونحذر.


طمأنها عماد، وهو يبتسم ابتسامة نصف خبيثة: متقلقيش يا هانم، أنا بالفعل بعت حد يروح يسأل عنه في إسكندرية، وفي الشقة إللي ساكن فيها في القاهرة كمان، كله تحت الكنترول يا هانم.


أجابت فايزة، وعينها تتفحص كل صغيرة وكبيرة: تمام يا عماد.


رفعت صافيناز حاجبها وهي تسأل بنبرة عملية:

هو الباشا راجع إمتى من السفر؟


ردت فايزة وهي تجلس بثبات: كمان تلات أيام.


مالت صافيناز للامام قليلا وقالت: كنت عايزاه يوصيلي على دخول الشحنة بتاعتي، علشان يسرع من دخولها، لأني محتاجه ابدأ اشتغل بيها في أسرع وقت.


رفعت فايزة نظرها إليها ببطء، وابتسامة باردة ارتسمت على شفتيها: اتعلمي تخلي اسمك لوحده كفاية لتسهيل اي شغل زي سليم، ولا عايزة تفضلي صغيرة طول عمرك؟


ساد الصمت للحظة، قبل أن يتدخل عماد بهدوء: عندك حق يا هانم.


استندت فايزة للخلف، ونبرتها هذه المرة كانت أثقل: أنا مش هرتاح إلا لما تقولي إن سليم خلص على مصطفى وماسة.


لم يعلق عماد، واكتفى بإيماءة رأس بطيئة صامتة بإبتسامة ثقه ماكرة، وساد الغرفة صمت ثقيل، كأن الكلمات التي قيلت منذ قليل لم تكن كافية لتبث الأمان وتزيل التوتر.


الإسكندرية، 6:00 مساء


منزل آلاء.


كانت آلاء جالسة على مقعد في الغرفة، تمسك الهاتف بيدها السليمة، وملامح الضيق والقلق مرسومة على وجهها بوضوح.


على الفراش المقابل، كانت أنهار ممددة جسدها في توتر، تحدق في السقف وكأنها تحصي الثواني.


قالت أنهار محاولة التخفيف: يا بنتي، الغايب حجته معاه.


التفتت إليها آلاء بسرعة، وصوتها يرتجف: يا ماما، ده مختفي من امبارح! وتليفونه مقفول، والنهارده كمان أهو…


تنهدت أنهار وقالت بنبرة أكثر هدوءا: يمكن متعود على كده لما بيبقى مشغول بيقفل تليفونه، ده دكتور برضو وبيعمل عمليات.


هزت آلاء رأسها باعتراض موضحه: ماما، دكتور مصطفى مبيعملش عمليات، هو بيكشف بس، وبعدين أنا خايفة يكون الواد محمود ده قابله في الطريق، وحصل بينهم مشكلة، هو قالي هيخلص الموضوع في المستشفى وهييجي علطول.


اعتدلت انهار في جلستها، ونظرت إليها بقلق: آلاء، متقلقينيش على الراجل، طب اتصلي بأخته واسأليها، أخته كويسة، مش هي سايبه نمرة تليفونها معاكي.


تنفست آلاء بعمق: عندك حق هتصل بيها يمكن كلمهم.


رفعت الهاتف واتصلت بعائشه، وما هي إلا لحظات حتى جاءها الرد، فقالت: ألو أيوه يا شوشو، عاملة إيه؟ أنا آسفة إني بكلمك.


جاء صوت عائشة من الطرف الآخر دافئا: لا يا حبيبتي عادي، أنتِ أخبارك إيه؟


الاء بلطف: الحمد لله كويسة، بقولك هو دكتور مصطفى فين؟ 


إجابتها عائشة ببساطة: مصطفى في القاهرة، أنتِ نسيتي ولا ايه؟


ردت موضحه: لا، مش قصة نسيان، بس تليفونه مقفول من امبارح، هو ملكمكوش؟!


ساد صمت قصير قبل أن ترد عائشة: لا بنكلمه من امبارح ومقفول برضو، إحنا كمان قلقانين عليه والله، بس إن شاء الله يتفتح على بالليل.


سألتها آلاء بترقب: يعني هو متعود على كده؟


إجابتها عائشة موضحه: مش بالظبط، بس ممكن يقعد طول اليوم مختفي وتليفونه مقفول، ومبيردش، وبالليل بيتصل يطمن علينا وبنكلمه، فإحنا مستنيين، وإن شاء الله يكون كويس.


ابتلعت آلاء ريقها وقالت بإلحاح: طب أمانة عليكي يا عائشة، أول ما يكلمك طمنيني.


أجابتها عائشة بهدوء: حاضر يا حبيبتي، وهقوله يكلمك يطمنك كمان، سلام.


أغلقت آلاء الهاتف ببطء، ونظرت إلى والدتها بعينين ممتلئتين خوفا: قالتلى مكلمهمش، وهما كمان قلقانين عليه… أنا قلقانة يا ماما، لو دكتور مصطفى حصله حاجة من تحت رأسي مش هسامح نفسي أبدا.


شدت انهار على يدها وقالت بحزم ممزوج بدعاء: لا يا بنتي، إن شاء الله مفيش حاجة، متفوليش عليه، ربنا يحفظه ويسترها عليه وين ما كان…


ثم تمتمت بغضب مكتوم: منك لله يا محمود…


تنهدت آلاء بعمق، ورفعت يديها إلى جبينها، بينما انحدرت الدموع بصمت على وجنتيها؛ فقد كان شعورها بالذنب يثقل صدرها، ويضغط عليها حتى كاد يخنق أنفاسها.


اختفاء مصطفى لم يعد مجرد قلق بل صار اتهاما داخليا لا يهدأ، تشعر أنها السبب، وأن كل ما يحدث الآن بدأ منها، وأن أخاها قد يكون قد فعل شيئا أحمقا لا يُغتفر.


وفي كل مرة تحاول أن تطرد هذه الأفكار، كانت تعود أقسى، وتذكرها بكلماته، وتحذيراته، وبالخوف الذي تجاهلته.


بينما، كانت أنهار تحاول التمسك بخيط واهي من الطمأنينة، تكذب على نفسها عن عمد، وتردد في سرها دعاء متواصلا: إن شاء الله يكون بخير، أكيد هيبقى بخير ربنا يحفظه.


كانت تعلم في أعماقها أن القلق يسكنهما معا، لكنها اختارت الإنكار، بينما غرقت آلاء في جلد الذات،

وكأن الذنب بات حقيقة لا مفر منها.


كفر الشيخ


سرايا منصور 6:00 مساء.


في احد الغرف، كانت سلوى تجلس في غرفتها، تصنع بعض الإكسسوارات بتركيز، بينما تنساب موسيقى هادئة من الكاست، كانت أصابعها تتحرك بدقة، وعيناها مثبتتان على ما تصنعه.


في تلك اللحظة، رن هاتفها، نظرت إلى الشاشة وجدته سليم!


عقدت حاجبيها باستغراب، ثم ردت: ألو؟


جاءها صوت سليم من الجهة الأخرى، وهو يجلس بجوار ماسة: عاملة إيه يا سلوي؟


أجابته بهدوء: الحمد لله تمام، أنت عامل إيه؟ وماسة عاملة إيه؟


اجاب بلطف: إحنا تمام الحمد لله، بقولك إيه، إن شاء الله بكرة هبعتلك عربية وعشري تيجي معاه، عايزك تيجي الفيلا تقعدي مع ماسة شوية.


توقفت لحظة، ونبرتها تغيرت وهي تتساءل بقلق: هو في حاجة ولا ايه؟


رد سريعا: لا لا لا، مفيش أي حاجة، عادي.


قالت بقلق واضح: إزاي يعني يا سليم؟ أنت قلقتني، ماسة جرالها حاجه؟!


تنهد بخفة: يا ستي مفيش حاجة، وكده كده كلكم هترجعوا القاهرة خلاص، أنا لسه مكلم عم مجاهد وقولتله.


صمتت لحظة، ثم قالت: تمام ماشي.


سليم: سلام.


أغلق الخط.


ظلت سلوي تنظر إلى الهاتف في يدها لثواني، وشعور غامض بالقلق يتسلل إلى صدرها، وعشرات الاسئله أخذت تتزاحم في رأسها: ماذا حدث؟ ولماذا بدا صوته متوترا رغم محاولته إخفاء ذلك؟


وضعت الهاتف على الفراش، ثم نهضت وهبطت إلى الأسفل.


كان مجاهد وسعدية ويوسف يجلسون في بهو السرايا، يتناولون الفاكهة ويتبادلون الحديث في هدوء.


اقتربت منهم وجلست بينهم، وما زال القلق يطغي على ملامحها، قالت بهدوء متردد: سليم لسه قافل معايا، وقالي هيبعت عربية بكرة تاخدنا، وعايزني أروح أقعد مع ماسة شوية.


كانت سعدية تقشر موزة، فناولت سلوى إياها وهي تقول ببساطة: آه، ما هو لسه قافل مع أبوكي من قيمة ربع ساعة كده، قالنا برضو، إننا هنرجع مصر وهو ظبط أموره.


عقدت سلوى حاجبيها: لحق يظبط أموره إزاي؟ ده معداش تلات أيام، الكلام كان لسه الجمعة!


رد مجاهد بثقة وتفخيم: يا بنتي، هو سليم بيه شويه، طبعا لازم يخلص الدنيا ويأمنها بسرعة.


صمتت سلوى لحظة، ثم تسألت بتعجب: طب هو عايزني أقعد مع ماسة ليه؟


نظرت لها سعدية باستغراب: إيه المشكلة يا بنتي لما تروحي تقعدي مع أختك؟


تنهدت سلوى والقلق يتسرب إلى قلبها: مش عارفة في حاجة جوايا مقلقاني، حاسه إن حصلها حاجه، من أمبارح بكلمها وتليفونها مقفول، آخر مرة كلمتها كانت في الجامعة الصبح، بعدها قالتلي هي وسليم هيروحوا القصر علشان يمثلوا عليهم، ومرضيتش تحكي تفاصيل علشان كانت خايفة يكون حد سامعها، قالت استني لما سليم يجيبلي رقم جديد، وخدوا بالكم من نفسكم،  ومن امبارح الظهر لحد دلوقتي وماسة مختفية!! 


تبادلت النظرات مع سعدية، فقالت بتردد: أنتِ هتقلقيني على أختك ليه!! هي لو بعد الشر حصلها حاجه كان سليم هيسكت!؟


ثم تابعت بنبرة مطمئة: وإحنا اهو واخدين بالنا، ومعناش غير الرقم إللي معاكي وإللي مع أبوكي؟ وهو إللي جايبهم وقالنا منفتحش تليفوناتنا.


تدخل يوسف بهدوء: سلوى، أنتِ قلقانة ليه كده؟


أجابت بصراحة: مستغربة إنهم مراحوش القصر ولا عملوا إللي قالوا عليه، واختفاء ماسة من امبارح، وبعدها سليم يقولي تعالي أقعدي معاها؟! سليم مبيقولش الجملة دي غير لما تكون ماسة فيها حاجة.


صمت عم المكان للحظة بقلق لكنهم حاول أن لا يندرجون له


قال يوسف محاول تخفيف حدة القلق: خير خير.. بكرة هنعرف، المهم إننا خلاص هنرجع القاهرة ونقدر نعيش حياتنا عادي.


ردت مجاهد بشدة: أسمع مفيش خروج إلا لما جوز أختك يقول.


تنهد يوسف: ماشي يا بابا… 


لكن سعدية التفتت فجأة إلى مجاهد: وأنت يا مجاهد؟ هتسيب عمار كده؟


شد مجاهد فكه بغضب مكتوم: أنا لو شوفته مش عارف هعمل فيه إيه، بس لا، هخلي سليم يجيبهولي، لو مجاش لوحده…


قاطعه يوسف سريعا: يا بابا، بلاش تدخل سليم في الموضوع، متكبرش المشاكل بينهم، أنا هروح أجيبه لو مرجعش لوحده.


أومأت سعدية: صح كده، بلاش نوسع المسافة بين عمار وسليم.


قال مجاهد أخيرا: طيب.


ساد صمت قصير، لكن القلق ظل معلقا في الهواء، وسلوى مازالت تشعر أن هناك شيئا لا يُقال.


على اتجاه آخر، عند ماسة وسليم…


كان سليم يقف بالقرب من النافذة، ينهي المكالمة ثم التفت إليها، فوجدها جالسة على طرف الفراش، عيناها تتابعانه بترقب واضح، وحينما انتهي، سألته بخفوت: كلمت سلوى ليه؟


اقترب منها وأجاب بهدوء: دكتور ياسر قالي خلي أختها تيجي تقعد معاها، مادام قريبين من بعض.


لانت ملامحها، وهمست بشيء من الحنين: هي أصلا وحشاني أوي، بس كنت سيبت بابا وماما وإخواتي هناك أحسن.


جلس أمامها، واضعا يده فوق يدها برفق: أنا هعرف أأمن عليهم وهما هنا، متقلقيش.


أغمضت عينيها لحظة، ثم أخرجت نفسا عميقا، كأنها تفرغ ما بداخلها من توتر: ماشي…


نظر إليها مبتسما محاولا تلطيف الجو: تيجي ننزل تحت؟


هزت رأسها برفض خافت: لا خلينا هنا.


تردد لحظة، ثم رفع عينيه إليها بقلق واضح: أنا عايز أنزل أشوف مصطفى…مينفعش اسيبه كده من غير متكلم معاه.


تشبثت بيده فجأة، وأصابعها تضغط على كفه وكأنها تخشى أن يبتعد، وقالت بصوت امتزج فيه الضعف بالرجاء: متسيبنيش لوحدي يا سليم…


نظر إلى يدها الممسكة به، ثم إلى عينيها المرتعشتين، فمال نحوها وقال بصوت هادئ يطمئنها: أنا مش همشي أنا جنبك، تعالي ننزل تحت سوا، نقعد قدام النيل، ونتفرج على فيلم ونشوف مصطفى.


همست بصوت متقطع، وكأن الاسم وحده أثقل صدرها: أنا لسه مش قادرة أشوفه، مكسوفه منه أوي، كلمه في التليفون.


اعتدل في جلسته قائلا ببساطة: تليفونه معايا.


زفرت بضيق، ومسحت بكفها على جبينها: يا سيدي خلي سحر تبلغه اللى أنت عايزه، أي حاجة يعني.


تنهد بعمق وقال باستسلام: حاضر يا ماسة، حاضر، هعملك إللي أنتِ عايزاه.


جذبها إليه برفق، فمالت عليه دون مقاومة، تستقر برأسها على صدره، شدد علي احتواءه لها، وكفه يتحرك ببطء على ظهرها في إيماءة صامتة بالأمان، ثم همس بالقرب من أذنها: تيجي نتفرج على فيلم؟


أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تبحث في صوته عن ملاذ آمن لها، ثم أومأت بخفوت: ماشي.


وبالفعل، نهض وأشعل التلفاز، وجلبت لهما سحر بعض الحلوى والفشار، وجلس بجانبها، يتابعون الأفلام معا حتى حلول الليل.


وفي الوقت ذاته، كان مصطفى في غرفته، غارقا في التفكير فيما يحدث، وفي عائلته الذي يعلم جيدا أنهم الآن حتما قلقون عليه، وسليم الذي لم يظهر طوال اليوم، بينما كانت عائلة مصطفى تحاول الاتصال به مرارا، دون جدوى، إذ كان هاتفه مغلقا طوال اليوم.


مرت ساعات اليوم الأول بسلام، حتى جاء اليوم التالي، معلنا بداية فصل جديد في حياة الجميع، يحمل معه فرصا جديدة وأحداثا لم يُكشف بعد عن تفاصيلها.


💕________________بقلمي_ليلةعادل 


في صباح اليوم التالي


فيلا سليم ماسة، 12:00ظهرا


دخلت سيارة الفيلا، ترجلت منها سلوى وهي لا تفهم شيئا، استقبلها مكي بإبتسامة رسمية: حمد لله على السلامة.


رفعت سلوى رأسها، بابتسامة مترددة: الله يسلمك.

مكي بهدوء: استني، هبلغ سليم إنك هنا.


أضافت وهي تحرك أصابعها بتوتر: هو في حاجة حصلت؟


كاد أن يجوابها، في تلك اللحظة اقترب مصطفى، يرفع حاجبه مستفسرا: مكي، سليم لسة مع ماسة منزلش؟!


هز مكي، رأسه ببطء: اممم.


مصطفى بضيق: أنا لازم أتكلم معاه، مش هينفع كدة.


مكي موضحا: ماسة مش مخلياه يبعد عنها.


مصطفى، متنهدا: طب أطلعله أنا حتى أطمن على ماسة.


اتسعت عينا سلوى بدهشة، وحركت يدها أمام صدرها: هو في إيه يا مكي، مالها ماسة؟


ابتلع مكي، ريقه بنوع من التوتر: مفيش يا سلوى، أهدِي.


ابتسم لها مصطفى، وهو يميل قليلا نحوها: أنتِ سلوى؟ سوسكا أخت ماسة صح؟!


تبسمت سلوى بخجل: أيوة.


ابتسم بهدوء معرفا: أنا دكتور مصطفي، ماسة كلمتني عنك كتير.


اتسعت، عيناها بصدمة: أنت إللي أنقذتها يوم ماهربت؟


اومأ مصطفى برأسه: اممم.


لمعت عينا سلوى بالامتنان: حقيقي مش عارفة أقولك إيه، شكرا جدا على كل إللي عملته معاها.


نظر مكي لسلوى، بعينان متفحصتان قائلا: أطلعي يا سلوى فوق، هتلاقيهم في الأوضة.


اومأت برأسها بإيجاب: فرصة سعيدة يا دكتور.


ثم بدأت تتحرك للداخل، بينما نظر مصطفى إلى مكي بعينين مليئتين متسائلتين: هي متعرفش حاجة؟!


مكي بصوت منخفض: لا متعرفش، واستنى شوية، هخلي سحر تكلم سليم علشان ينزلك.


أومأ مصطفى، برأسه: تمام.


على إتجاه أخر 


صعدت سلوى إلى الطابق الثاني، توقفت أمام باب الغرفة وطرقت عليه.


في الداخل…


كان سليم يجلس على الأريكة، واللاب توب موضوع على الطاولة أمامه، وسماعات الأذن تعزله عن العالم، كانت عيناه مثبتتين على الشاشة، يتابع ما يحدث في القصر بتركيز حاد، حاجباه معقودان، وأصابعه تتحرك ببطء على لوحة المفاتيح فقط استمع لتلك الجلسه التى كانت بين فايزة وصافيناز وعماد، فهو يعرف اللعبة جيدا، لكنه يعلم أن اختفاؤه وحده ليس دليلا كافيا لجعلهم يصدقون؛ لابد أن يظهر شيء أكبر، شيء يجعلهم يصدقون أكثر، لكن ماسة، كانت تقيده بسبب خوفها وتمسكها الزائد به، كان يتمني أن تجتاز تلك الأزمة سريعا، حتى يتمكن من التحرك واتخاذ أولي خطواته، ولكنه لا يستطيع الابتعاد عنها الآن وتركها خائفه من دونه، فمهمته الأولى الآن هي طمأنتها ومساعدتها على تجاوز تلك الأزمة، وبعد ذلك فلتبدأ المعركه...


أما ماسة فكانت على الفراش، في ثبات عميق.


وعندما سمع صوت الطرق، رفع السماعات من أذنيه، ورفع رأسه بإتجاه الباب وقال بصوت ثابت: اتفضل.


وهنا دخلت سلوى، بابتسامة صغيرة مرتسمة على وجهها، تحاول أن تبدو طبيعية رغم القلق الذي يضغط صدرها، دخلت وأغلقت الباب خلفها برفق وقالت بصوت خافت: السلام عليكم.


ابتسم سليم فورا، ونهض من مكانه وهو يخلع السماعات تماما ويضعها على الطاولة، وإتجه نحوها بخطوات هادئة: وعليكم السلام، عاملة إيه؟


شدت سلوى على حقيبة يدها وهي تقول: الحمد لله…


ثم وقعت عيناها على ماسة، الغارقة في نوم عميق، اقتربت خطوة، ولانت ملامحها، وهي تتساءل بخفوت: هي ماسة نايمة؟


نظر سليم نحو الفراش ثم عاد ببصره إليها، وأشار بيده بإشارة خفيفة: آه سيبيها نايمة، تعالي، عايزين نتكلم مع بعض شوية الأول.


تجمدت ابتسامة سلوى قليلا، ونظرت له بقلق واضح: هو في حاجة؟


اقترب أكثر، ووضع يديه على كتفها برفق محاولا طمئنتها، وقال بنبرة هادئة: تعالي بس، خلينا نقعد ونتكلم قبل ما تصحي.


جلسا على الأريكة بجانب بعضهما، ووضعت سلوى حقيبتها على الأرض بجانبها، بيد مرتجفة من القلق، وتساءلت بتوتر: أنا حاسة إن في حاجة.


ربت على ظهرها بخفة ليهدئها: هو في حاجة حصلت فعلا، علشان كده طلبت إنك تيجي، هقولك وأسمعي كويس بس بالراحة؛ علشان ماسة متصحهاش.


صمت قليلا، ثم تنهد وقال: سلوى أنا عايزك تساعديني، نخرج ماسة من اللى هي فيه، أسمعيني كويس جدا. 


أومأت برأسها وبدأ القلق يتسرب إلى قلبها بشكل عنيف، وبالفعل أخذ يسرد لها ما حدث، وهو يمسك بيده الأخرى كورة الضغط ليهدئ نفسه، بينما كانت سلوى تستمع بعينين تملؤها الدموع، وأنفاسها تكاد تحبس من الصدمة والغضب.


هزت سلوى راسها بصدمة، وصوتها خرج محشرجا من بين دموعها: إزاي ياسليم؟! إزاي عملوا كده في ماسة؟ إزاي؟


إنحنى نحوها قليلا، وقال بصوت منخفض: هشش، سلوى وطي صوتك..


مد يده يمسك بكتفها، وأصابعه تضغط برفق محاولا تهدئتها، ونبرته خرجت حازمة، لكنها هادئة: أحنا مينفعش نعمل كده قدامها، لازم تبقي هادية وتقويها، وتفهميها إن إللي حصل لها ده حتى لو صعب، ميكسرهاش، بالعكس يقويها، ويخلي عندها عزيمة علشان تاخد حقها، ده إللي لازم يوصلها يا سلوى، أمسكي نفسك.


هزت رأسها بضعف، عيناها امتلأتا بالدموع، وصوتها خرج مكسورا من بين شفتيها: يا سليم… يا سليم… أنت سامع نفسك بتقول إيه؟ أنت فاهم عملوا إيه في أختي؟! مكفاهمش إللي عملوه فيها طول السنين إللى فاتت؟ كمان بيتاجروا بشرفها!! والله العظيم حرام إللي بيحصل فيها ده....حرام مش للدرجة دي!


ارتعش صوتها في آخر الجملة، ووضعت يدها على صدرها كأنها تحاول منع قلبها من الانفجار.


ربت سليم على كتفها مرة أخرى، هذه المرة ببطء أكثر: والله فاهم، بس مينفعش نعمل كده قدامها، ماسة تعبانه يا سلوي وخايفة لدرجة مش مخلياني أخرج من باب الأوضة بسبب إللي حصلها.


نظرت بعينيها نحو ماسة النائمه بهدوء، ودموعها هبطت بضعف وحسرة: طبعا يا حبيبتي لازم تخاف.. 


وأخذت تبكي بحرقة.


تنهد سليم تنهيدة طويلة، ومسح على كتفها: طب أهدي طيب بلاش عياط، وأنا والله هجيبلها حقها، والله ما هسيب الموضوع يعدي بالساهل كدة.


رفعت رأسها، ونظرت له بحدة ممزوجة بالألم: هو أنت لسه هتجيب حقها؟! هتجيب حق إيه ولا إيه...


مال عليها، وصوته انخفض أكثر: يا سلوي وطي صوتك، أنا ما صدقت تنام شوية.


رفعت حاجبها مستنكرة، ودموعها تنساب على وجنتيها: أوطي صوتي أزاي بس؟! أنا قلبي هيقف من القهرة…


وضعت يدها على فمها تحاول كتم شهقة خرجت رغما عنها، بينما ظل سليم جالسا أمامها، يحاول أن يبقى متماسكا، حتى لو كان بداخله نفس العاصفة.


في تلك اللحظة استيقظت ماسة على صوت سلوى، نهضت بخفة، وهي تتمتم: إيه الصوت ده، في إيه؟


وحين وقعت عيناه عليها، صاحت بصوت متفاجئ ممزوج بالفرحة: سوسكا!


نهضت ماسة من على الفراش وجلست ببطء، شعرها منسدل حول وجهها، ملامحها ما زالت مرهقة من النوم.


في تلك اللحظة، أسرعت سلوى تمسح دموعها بسرعه قبل أن تراها، ورسمت علي وجهها ابتسامة زائفة بالكاد تستقر على شفتيها، ثم اندفعت نحوها واحتضنتها بقوة، كأنها تتشبث بشيء يوشك أن ينتزع منها، حاولت أن تبدو ثابتة، رغم عاصفة الألم التي كانت تعصف بصدرها، فأغمضت عينيها وهمست: وحشتيني.


ابتسمت ماسة، ابتسامة هادئة ضعيفة، ولفت ذراعيها حولها: وأنتِ كمان وحشتيني.


ابتعدت قليلا، تنظر في وجهها ثم سألت بصوت خافت: بابا وماما مجوش معاكي ليه؟


ابتسمت سلوى بهدوء، وحاولت أن تبدو طبيعية: بابا وماما راحوا على الفيلا، بس هيجولك إن شاء الله، هما ويوسف كمان.


كان سليم يقف قريبا منهما، يراقب المشهد بصمت، ثم اقترب وربت على يد ماسة برفق: على فكرة سلوى هتقعد معانا كام يوم.


انخفضت ملامح ماسة فجأة، وقلبت وجهها قليلا للجانب، وكأنها تحاول أن تخفي شيئا في عينيها:

شوفتي إللي حصلي يا سلوى؟


هزت سلوى رأسها بإيجاب، وقالت بنبرة محشرجة، والدموع تلمع في عينيها من جديد: سليم حكالي.


ثم شدت على كلماتها بقوة، وهي تمسك بيد أختها بين كفيها وكأنها تبث فيها القوة: بس أوعي تزعلي، ولا تتكسري، أنتِ قوية، متخليش حاجة زي دي تكسرك، فاهمة، أوعي؟


خفضت ماسة عينيها إلى الأسفل، رموشها ترتعش، وصوتها خرج مكسورا موجوعا: بس أنا موجوعة أوي يا سلوي.


ربتت سلوى على وجهها بابتسامة دعم: تتوجعي وأنا جنبك، وسليم معاكي، ينفع ده؟!


حاول سليم تغير الحديث، فقال بإبتسامة: بقولكم ايه،  مش عايزين نتكلم في أي حاجة وحشة، أنا هطلب الفطار وننزل نفطر تحت، إيه رأيك يا ماستي الحلوة، علشان سوسكا تحضر الفطار على النيل؟ أكيد سلوى نفسها تحضر، صح؟


غمز لها، ففهمت سلوى وقالت بإبتسامة تأييد: اه نفسي أوي، وحياتي يا ميسو خلينا نفطر على النيل.


تنهدت ماسة بتوتر: معلش، خلينا نفطر هنا، مش عايزة أنزل تحت.


سلوى، برجاء: وحياتي…


ضمت ماسة نفسها بذراعيها، كأنها تحتمي بهما من العالم، وارتسم الخوف واضحا في عينيها: مش عايزة أنزل، مش عايزة أخرج برة الأوضة.


جلس سليم أمامها، ورفع يديه برفق ليضعهما على خديها، يجبرها بلطف أن تنظر في عينيه، كانت نظراته مزيج بين الحنان والجدية الواضحة: هتفضلي طول عمرك حابسة نفسك في الأوضة يا ماسة؟


ظلت تنظر إليه لحظة، عيناها تلمعان بضعف، ثم رفعت كتفيها بحركة صغيرة توحي بالحيرة والعجز، وقالت بصوت منخفض: لا، بس يعني .. أصبر عليا شوية.


نظر سليم إليها طويلا، يتأمل ملامحها المتعبة بعينين مليئتين بالتفهم، فتنهد ببطء وقال بنبرة مزاح خفيفة يحاول بها كسر ثقل الجو: ماشي أنا هسمح بالفطار هنا، بس الغدا هيبقى تحت، فاهمة؟ ولعلمك أنا سمحت بالفطار هنا مش عشان أنتِ عايزة ده علشان أنا برضو مش قادر أنزل تحت.


ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، فتنهد وهو يهم بالوقوف: أنا هروح بقى التويلت، وهكلم سحر تحضر الفطار.


لكن فجأة أمسكت ماسة كفه، قبضتها كانت أضعف من أن تمنعه لكنها أقوى من أن يتجاهلها: طب استنى، أنا هاجي معاك.


توقف لحظة، نظر إلى يدها الممسكة به، ثم حاول أن يحول الموقف إلى مزاح: وتسيبي أختك؟ مش هينفع.


صمتت سلوى لحظة، ثم مدت يدها تمسك بيد ماسة وقالت بحنان: أيوه يا ماسة، أنا معاكي، أنا عايزة أتكلم معاكي في حاجات كتير أووي.


سحب سليم يده ببطء من بين أصابع ماسة، كأنه يطمئنها بصمته، ثم توجه إلى الحمام وأغلق الباب خلفه بهدوء.


استغلت سلوى اللحظة، وأمسكت يد ماسة وسحبتها برفق نحو الشرفة: بقولك إيه، تعالي ندخل البلكونة الحلوة دي، علشان عايزة أتكلم معاكي في حاجات مهمة.


ثم وطت صوتها واقتربت منها أكثر: في حاجات مهمة عايزة أتكلم معاكي فيها، ومش عايزة سليم يسمعها.


نجحت في أن تسحبها إلى الشرفة، لكن عيني ماسة كانتا تعودان كل بضع ثواني إلى الداخل، تبحثان عن سليم بقلق واضح.


لوحت سلوى بيدها أمام عينيها: يا ماسة خليكي معايا، بصيلي.


ماسة بضيق خفيف: يا ستي أنا سمعاكي بوداني، عايزة إيه؟ خلينا نقعد جوه أحسن.


سلوى بإصرار: أنا حابة هنا، أنتِ أزاي حكيتي لسليم؟ يعني إزاي جتلك الشجاعة؟


نظرا ماسة للداخل مرة أخري، وقالت: عادي يعني يا سلوى، كان لازم أقوله.


سلوى بفضول: بس إحنا مفهمناش الموضوع جه إزاي أصلا؟


كل ما كانت تريده سلوى هو اشغال عقل ماسة بعيدا عن سليم ليس إلا. 


ماسة، وقد بدا عليها التوتر: بقولك أنا مش مرتاحة هنا، أنا هدخل أقعد جوه، عايزة تيجي تعالي، مش عايزة خليكي.


وتركتها بالفعل ودخلت إلى الداخل، جلست على الأريكة وهي تزفر ببطء.


تنهدت سلوى، مسحت وجهها بكفيها، وأدركت أنها لا يجب أن تضغط عليها أكثر، فلحقت بها وجلست بجانبها: ماشي يا ستي خلينا هنا، المهم أحكيلي بقى، حكيتي أزاى لسليم، وهو عمل إيه؟ واتفقتم على إيه؟


تنهدت ماسة، وأغمضت عينيها لحظة: يا سلوى أنا حكيتلك كل الكلام ده لما جيتلكم أنا وسليم، متمثليش عليّا.


سلوى بإبتسامة صغيرة: طب بالراحة، بقولك إيه، أنا حابة أرجع لمكي.


اتسعت عينا ماسة فجأة، وهنا بالفعل نجحت سلوى أن تشتت عقلها: بجد يا سلوى؟


أومأت سلوى برأسها: أيوة، أنا حاسة إن إحنا ظلمناه، بس إحنا برضو كنا معذورين.


أمسكت ماسة يدها بقوة هذه المرة: فعلا يا سلوى، ده أحسن قرار هتعمليه.


سلوى بارتباك وهي تنظر إلى الأرض: بس مش عارفة أعمل ده أزاي، أنا كلمته في التليفون، وقت ما حكيتيلي الحقيقة، بس قفل بسرعة ومرضاش يكلمني.


ماسة بهدوء: طبيعي يا سلوى، بس أنتِ لازم تفهميه، وأكتر حاجة هتقف قصادك حوار طارق ده.


تنهدت سلوى بمرارة: كان غصب عني، كنت عايزة أنساه، أنا أصلا عايزاكي تكلمي ماما وتخليها تشيل موضوع إني أتجوز بسرعة كده من دماغها، سعدية اتجننت، وكانت عايزة تجوزني في أسبوع! لولا حوارك أنتِ وسليم وإننا مشينا من الفيلا، أقسم بالله يومها صليت شكر.


في تلك اللحظة، كان سليم في الداخل، واقفا خلف الباب، يستمع إليهم، وشعر براحة خفيفة تتسلل إلى صدره، فماسة أخيرا بدأت تخرج من حزنها وخوفها، وذهنها بدأ يتشتت ولو بنسبة صغيرة.


تنهد براحه، وذهب لأخذ دشا سريعا، تاركا لهم مساحتهم الشخصيه للحديث معا.


عند ماسة وسلوى…


جلستا متقاربتان على الأريكة، وأصابع سلوى متشابكة مع أصابع أختها، وهي تقول بهدوء: أنا قولت أكيد هكلمه، وأحاول معاه.


خفضت ماسة رأسها، وملامح الندم واضحة على وجهها: أنا آسفة يا سلوى، أنا مش مسامحة نفسي، صدقيني.


شدت سلوى على يدها فورا: متقوليش كده، إحنا غلطنا آه، بس كان غصب عننا.


تنهدت وأضافت بمرارة، وعيناها تشتعلان بالغضب: أحنا اتهددنا يا ماسة، كله من تحت راس أهله، ربنا ينتقم منهم.


أغمضت ماسة عينيها وهمست: يارب.


باقي الفصل هنا👇

باقي الفصل السادس والعشرين (2)👇


في تلك اللحظة دخلت سحر، تحمل صينية الفطار، ووضعتها على الطاولة بهدوء، وتساءلت: هو سليم بيه فين؟


أجابتها ماسة: بياخد حمام، في حاجة؟


سحر: أصل دكتور مصطفى عايزه.


تنهدت ماسة موضحة: قوليله بياخد حمام دلوقتي، ولما يخرج هخليه يكلمه في التليفون.


اومأت برأسها: ماشي، بعد إذنكم.


خرجت، فنظرت ماسة إلى سلوى وقالت: بقولك إيه، خلينا نستنى سليم.


ابتسمت سلوى وأمسكت وجنتيها بخفة: ماشي، ومش عايزة أشوف النظرة دي في عنيكي تاني فاهمة؟ خليكي قوية، أنتِ بنت سعدية.


ضحكت ماسة ضحكة خفيفة من قلبها، لكن عينيها ظلتا معلقتين على الباب، تنتظر اللحظة التي يخرج فيها سليم.


وبعد قليل خرج يجفف شعره بالمنشفة، اقترب منهما بإبتسامة خفيفة: أنا سامع اسمي اتقال كتير.


ضحكت سلوى: مفيش، عمالة أقولها جعانة، تقوللي هنستنى سليم.


جلس بجانب ماسة وهو يشير للطعام: طب، يلا خلينا ناكل.


وبالفعل بدأوا يتناولون الفطار في جو أهدأ قليلا، وكأن الطعام أعاد شيئا من الحياة للمكان.


قالت ماسة فجأة: على فكرة، مصطفى بيسأل عليك.


تنهد قائلا: ماشي، أنا شكلي هطلعه هنا علشان نتكلم.


تغير وجه ماسة وتوترت ملامحها: بجد؟ أنا مش عارفة أشوفه، بالله عليك بلاش، ممكن..


سليم بهدوء: طب تسمحيلي أنا أنزل؟


ردت بحزم: لا.


سلوى بسرعة: لا ليه؟ ما أنا معاكي أهو، سيبيه ينزل.


ماسة بإنفعال طفولي: قولت لا، ومتضايقونيش بقى يا جماعة.


تبادل سليم وسلوى نظرة سريعة، ثم أشار لها سليم بيده من أسفل الطاولة، وهمس مبتسما: يا ستي أنا مش نازل، أنا لازق فيكي اهو، ومصطفي يستنى، الدنيا مطارتش.


ارتخت ملامحها قليلا، وأومأت برضا، وجلس الثلاثة يتحدثون حديثا وديا عن عمار وأخباره، كان سليم مستندا بظهره علي الأريكة يطمئنهم: أنا متابع أخباره، ومش ناسيه، عارف مكانه كويس.


بدأ الاطمئنان يظهر على وجهيهما تدريجيا، وخف التوتر الذي كان يسيطر على الأجواء قبل قليل. 


تنفست ماسة بعمق، وكأن جزءا من الحمل انزاح عن صدرها، بينما أومأت سلوى برأسها وهي تقول: المهم يكون بخير.

❤️__________________بقلمي_ليلةعادل


الإسكندرية.


منزل مصطفي 1:00ظهرا 


كانت نبيلة تمسك هاتفها بين يديها، تقلبه بعصبية، وعيناها لا تفارقان الشاشة، القلق واضح علي ملامحها، أنفاسها متسارعة، وقلبها غير مطمئن فهي لم تعرف شيئا عن مصطفى منذ يومين. 


نهضت فجأة من مكانها، واتجهت بخطوات متوترة إلى إحدى الغرف.


كان إيهاب يجلس خلف حاسوبه المحمول، مندمجا فيما يفعله.


دخلت نبيلة، وهي تقول بصوت مختنق بالقلق: أخوك تليفونه مقفول بقاله يومين!


رفع إيهاب عينيه إليها بهدوء مصطنع: أكيد مشغول يا ماما.


اقتربت منه أكثر، ونبرتها ارتفعت: أخوك عمره ماقفل تليفونه الوقت ده كله! من أول امبارح وهو مقفول، وأنت قاعد عادي كده؟


تنهد إيهاب بضيق خفيف: طب أعمل إيه يعني يا ماما؟!


وضعت يدها على صدرها محاولة تهدئة قلبها: أنا قلبي واكلني عليه، لا يكون الواد اللي اسمه محمود ده عمل في ابني حاجة.


رد إيهاب بسرعة محاولا طمأنتها: بعد الشر يا ماما، وبعدين لو كان حصل حاجة، مصطفى مكانش هيسكت وكان قالنا.


هزت رأسها بعدم اقتناع: مش مطمنة، كلم حد من صحابه، أنت مش عارف أرقامهم؟


هز رأسه نافيا: معيش أرقام الدكاترة اللى شغالين معاه في القاهرة، بس هكلم محمد.


رفع هاتفه واتصل بمحمد: ألو، أيوه يا محمد… بقولك إيه، مصطفى تليفونه مقفول من أول امبارح، معاك أرقام حد من اللي شغالين معاه في المستشفى أو العيادة؟ أصل أمي قلقانة...


صمت لحظة يستمع، ثم قال: آه… آه، ماشي، أنت في القاهرة؟ تمام خلص العيادة وعدي على الشقة معلش وطمنا، وابعتلي الأرقام دلوقتي..


أغلق الهاتف ونظر إلى أمه: محمد قال هيعدي على الشقة يسأل، وهيبعتلي أرقام الدكاترة اللي معاه في المستشفى.


اقترب منها وربت على كتفها برفق: صلي على النبي بقي واهدي، مفيش حاجة يا أم مصطفى.


نظرت إليه بعينين دامعتين: أهدى؟! أنتم مش حاسين باللي في قلبي، والله ما نمت من امبارح.


رن هاتف إيهاب فجأة برنات من الرسائل، فتحها سريعا: اهو، بعت الأرقام.


شرع يتصل بهم واحدا تلو الآخر، فجاءت جميع الإجابات متطابقة؛ كانت آخر مرة رأوه فيها مساء السبت في المستشفى، حين أعلن أمام الجميع زواجه من آلاء، ثم حضر صباح الأحد إلى المستشفي، ومنذ ذلك الحين اختفى، ولا أحد يعلم عنه شيئا.


ما إن سمعت نبيلة ذلك حتى ازداد توترها، وضربت بكفها على صدرها: والله العظيم لو ابني جراله حاجة بسبب أخو البنت اللي فوق دي، أقسم بالله ما هسيبها في حالها!


إيهاب محاولا تهدئتها: يا أمي، هي ذنبها إيه بس؟


التفتت إليه بانفعال: وإحنا ذنبنا إيه؟! ابني ذنبه إيه؟! ابني يحصله حاجة ليه؟!


اقترب منها أكثر وربت على ظهرها: طب اهدي بس وصلي على النبي، خليني أفكر.


رفعت رأسها فجأة وكأن فكرة خطرت ببالها: مش أنت بتعرف تهكر أرقام؟ خلاص شوفلنا مكانه.


هز إيهاب رأسه بأسف: تليفونه مقفول يا ماما، أجيبه ازاي وهو مقفول؟


جلست نبيلة على الأريكة بتعب، وضمت الهاتف إلى صدرها، وعيناها تدمعان: حسبي الله ونعم الوكيل…


ثم تمتمت بصوت مكسور: أنت فين بس يا ابني يا حبيبي، ربنا يحفظك ويرجعك بالسلامة، ويبعدك عن كل شر يارب. 


جلس إيهاب أمامها، وانحنى قليلا، وربت على قدميها محاولا تهدئتها: يا ماما، والله العظيم هيبقى كويس إن شاء الله، اكيد تليفون باظ ولا حاجه، وهو مش حافظ ارقامنا انتِ عارفه ابنك مبيحفظش ارقام.


نظرت إليه نبيلة بحدة، وعيناها ممتلئتان بالخوف: يا واد متقولش الكلام ده! ده أنت وشك أصفر وقلقان زي، انت بتقول كلام وأنت مش مصدقه!


ابتلع إيهاب ريقه، ثم قال بنبرة حاسمة يخفي بها قلقه: بصي يا أمي، أنا هستنى مكالمة من محمد، لو مصطفى مباتش في شقته، أنا هنزل القاهرة وأدور عليه بنفسي.


انتفضت من مكانها، وصاحت بانفعال: لا! لا مش هتروح في حته! عايز تمشي ويحصلك حاجة؟ وقلبي يتحرق عليك أنت كمان، لا كفايه واحد. 


صمتت للحظه ثم تساءلت بفزع: هي اختك فين؟ عائشه فين؟!


نظر لها باستغراب: أختي في أوضتها بتذاكر.


ثم لوح بيده قائلا بهدوء: اهدي بقى، وصلي على النبي، هقوم اعملك كوباية لمون تهديكي شوية.


نهض إيهاب من مكانه واتجه إلى المطبخ، كان متوترا مثلها، قلبه يدق بعنف، لكنه حاول أن يبدو قويا وصلبا أمام والدته حتى لا يزيد خوفها.


فتح هاتفه واتصل بمحمد، وخفض صوته: بقولك إيه، لو روحت الشقة وملقتش مصطفى، متقولش حاجة قدام أمي، قول إنه بات هناك وإنه كويس، وبكرة الصبح هكون عندك في القاهرة.


جاءه صوت محمد من الطرف الآخر، متوترا: في إيه يا إيهاب قلقتني؟


تنهد إيهاب بعمق: مصطفى تليفونه مقفول من أول امبارح ومختفي، وآخر مرة كلمناه فيها كان السبت بالليل، ولما كلمت الدكاترة اللي شغالين معاه، قالوا آخر مره شافوه كان السبت بالليل وقال إن آلاء مراته، وبعدها راح الأحد واختفي من يومها، ومن ساعتها محدش شافه.


 محمد بصدمه: يعني مكلمكش من امبارح؟


 ايهاب موضحا: لاكلمني السبت بالليل وقال إنه راجع البيت، وبعدها اختفى.


ساد صمت قصير، ثم قال محمد بجدية: أنا بقفل العيادة دلوقتي، ورايح على الشقة، أول ما أوصل هكلمك، إن شاء الله خير، هو حصل حاجة عشان كدة قلقانين.


تردد إيهاب لحظة ثم قال: أصل أخو آلاء ده امبارح جه وعمل مشكلة عند البيت.


تنهد محمد بقلق: أهو ده اللي كنت خايف منه.


ثم تابع بحسم: عموما أنا رايح حالا، وهكلمك أول ما أعرف حاجة.


أغلق إيهاب الهاتف، وأسند رأسه للحائط، ومسح وجهه بيده بتعب، وتمتم بصوت خافت، يكاد لا يسمع: يا تري أنت فين يا مصطفى؟!


شركة كوين لمستحضرات التجميل، 1:00 ظهرا.


مكتب صافيناز


جلست صافيناز خلف مكتبها الزجاجي العريض، تمسك القلم بثبات وهي تمضي الأوراق واحدة تلو الأخرى، وعماد يجلس أمامها بصمت وبجواره رجل في منتصف العمر يراقب كل توقيع بعين قانونية دقيقة.


انتهت من توقيع آخر ورقة، ثم أغلقت الملف ودفعته نحوهما قائلة: كده خلاص؟


مال الرجل بجسده إلى الأمام، التقط الأوراق وبدأ يتصفحها بعناية، يقلب الصفحات صفحة صفحة، ثم أومأ برأسه: أيوه… كده خلاص.


نظرت إلى عماد ثم عادت بعينيها إلى الرجل: يعني كده عماد بيه يقدر يتعامل في أي حاجة من غير ما يرجعلي؟


الرجل بثقة: طبعا يقدر يبيع ويشتري، ويوقع عقود، ويتصرف كأن حضرتك اللى بتتصرفي.


عقدت ذراعيها وقالت: أنا قبل كده عملت توكيل، بس كان فيه حاجات معينة لازم يرجعلي فيها وأمضي بنفسي، مش عايزه الثغرات دى تاني..


ابتسم الرجل ابتسامة مهنية خفيفة: العقد الأول كان فيه بنود بتضمن حقوقك، إن عماد بيه ميقدرش يتصرف في أي حاجة إلا بموافقتك إنما التوكيل ده مختلف، مفتوح وصريح.


نظرت إلى عماد نظرة طويلة، وكأنها تزن القرار من جديد، ثم قالت بهدوء حاسم: تمام.


ثم التفتت إلى الرجل: طيب اتفضل حضرتك.


توقف الرجل عند الباب وقال: إن شاء الله هنسجل العقود النهارده، وبعدين أطلع صور علشان تبقى معاكم.


أومأت برأسها، فخرج الرجل، وأُغلق الباب خلفه بهدوء.


عادت بظهرها إلى المقعد، وأغمضت عينيها للحظة كأنها تحررت من حمل ثقيل، ثم فتحت عينيها وقالت: عماد خلص، الشغل اللي ناقص خلينا نشتغل.


 عماد بثقة: متقلقيش الشحنة هتوصل على بكرة.


مالت للأمام وهى تبعث بالقلم بتوتر: أنا عايزاها أول ماتوصل تدخل المخازن فورا، مينفعش تستنى كتير غي الجمارك، معنديش مواد اشتغل بيها، ولسه هتاخدلها بتاع أسبوعين في المصنع علي ما خط الإنتاج يبقي جاهز للتوزيع.


هز رأسه بثقه: متقلقيش يا صافي.


صمتت للحظه ثم قالت بنبرة أخفض تعكس التوتر الذي بين عينيها: سليم لسه مختفي؟!


اومأ برأسه: اممم، وعثمان كمان تليفونه مقفول.


تجمدت ملامحها: طب وده معناه إيه؟


عماد موضحا: أنا النهارده بعت حد يسأل على دكتور مصطفى قالوا إن آخر مرة شافوه كانت يوم الحد الصبح، هبعت حد إسكندرية يسأل عليه ونشوف..


صمتت لحظة، ثم قالت بصوت أخف، لكنه أكثر خطورة: أنت عارف لو سليم صدق إن ماسة ومصطفي اتخطفوا بجد يا عماد، إيه إللى ممكن يحصل؟!


نظر إليها مشدوها لوهله وكأنه أصيب بسهم، ثم نظر بعيد بقلب يخفق: تبقي كارثه! ولو ده حصل رغم إنه مستحيل، يبقي لازم أنا وأنتِ نختفي ونسافر فورا.


ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح: تفتكر سفرنا هيحمينا؟ إحنا لو استخبينا جوه بطن حوت، سليم هيجيبنا.


هز رأسه يحاول نفض الفكره من رأسه قائلا: متخوفنيش يا صافي. 


ردت بحدة مكبوتة: لازم نخاف، بلاش نثق في حاجة قبل ما نتأكد.


صمت لحظه، ثم قال: عموما بالليل هنتأكد هل أهل مصطفى عارفين عنه حاجه وقلقانين ولا عادي!!


أومأت صافيناز لكنها لم تكن مطمئنة، كانت تشعر أن الخيوط بدأت تتشابك، وأن اختفاء سليم ليس كافي لجعلها تطمئن…

❤️______________بقلمي_ليلةعادل 


فيلا سليم وماسة، 2:00 ظهرا.


في غرفة النوم.


كانت ماسة لا تزال تجلس مع سليم وسلوي، وتتبادل معهم الحديث بهدوء، وقد استطاعت سلوى الاستحواذ على انتباهها بحكاويها عن العمل، وأثناء ذلك طرقت سحر الباب بخفة، قبل أن تطل برأسها: دكتور ياسر جه.


توقف سليم عن الكلام، وقف من جلسته، وتبدلت ملامحه إلى الجدية: خليه يدخل.


دخل ياسر بإبتسامة مرحة: مريضتنا عاملة إيه؟


تبسم سليم وهو ينظر لماسة: لا، هي مش مريضة، دي حلوة خالص.


توقفت ماسة، وسلوى بإحترام، فتساءل ياسر: عاملة إيه النهاردة يا ماسة؟


ماسة بإتسامة خفيفة: الحمد لله، بخير.


نظر ياسر لسلوى وسأل: أختك؟


نظرت إلى سلوى ثم نظرت له، وهي تمد يدها على ظهرها: أيوه، هي دى بقى سوسكا.


ابتسم ياسر: جميل جدا، وحلو إنك مش ماسكة في إيد سليم النهارده.


همست ماسة: ممم…


بدأ التحدث بمهنية: طيب، يلا نبدأ الجلسة بتاعتنا.


اومأت برأسها، فجلس الجميع، نظر لها ياسر وتساءل: قوليلي بقى، عملتي إيه امبارح؟


رفعت كتفيها: مفيش، عملت التمارين اللي انت قولتلي عليها، وقعدت مع سليم وكده.


نظر الى سليم متسائلا: مسكت في ذراعك؟ أو بتدخل معاك الباث روم تاني.


هز رأسه موضحا: لا، كانت واقفة قدام باب التواليت من بره، ومكانتش بتمسك دراعي كتير، بس دايما عايزاني قدام عينيها.


اومأ وهو يمد وجهه للأمام: مش مشكلة.


ثم التفت موجها حديثه لماسة: ماسة، سليم النهاردة مش هينفع يحضر معانا الجلسة، هنستبدله بسلوى، إيه رأيك؟


هزت رأسها برفض مرتعب: لا، هيفضل معايا هنا.


كاد ياسر أن يتحدث، لكنها قاطعته وأمسكت بيد سليم، ونبرتها خرجت مليئة بالضيق والانزعاج: بالله عليك، متضغطش عليا.


نظر لها للحظات متفحصا، ثم قال بهدوء: إحنا مش عايزين نضغط عليكي، بس إيه رأيك؟ سليم يبقى واقف عند الباب، وسلوى هتقعد على الكرسي ده، وأنا وأنتِ هنقعد في الحتة دي.


فهو حاول إبعادهم عنها، مع إبقاؤهم في المحيط ذاته لطمئنتها.


فكرت ماسة قليلا، نظرت لسليم ثم لسلوى، ثم أومأت موافقه بتردد، وبدأت الجلسة، وظلت عينا ماسة شاخصتين على سليم دون أن ترفعها عن وجهه، وبين حين وآخر، كان ياسر يوجه لها حديثه قائلا: "بصيلي يا ماسة"، دقيقة، اثنان، وثلاث، ثم تعود بعينيها إلي سليم مرة أخري، كأنها تستمد من وجوده القوة والثبات الذي تحتاجه، وكأن وجود سلوى لم يكن كافيا لمنحها هذا الاطمئنان.


في منتصف الجلسة، قال ياسر: طب إيه رأيك نعمل تمرينه صغيرة؟ نجرب كده...


وجه حديثه الى سليم: سليم، أفتح الباب وأقف بعيد شوية.


توترت ماسة بشدة في تلك اللحظة، وضغطت على يدها بقوة وتوتر 


خاطبها ياسر بهدوء: ماسة خليكي معايا، وأهدي، سليم جنبك، وكلنا جنبك، متخافيش، بصيلي، خلينا نكمل مع بعض… خدي نفس… أنتِ قوية… عايزة تفضلي جوه الصندوق، ولا تخرجي منه؟! سليم مش هيقف بعيد، هيكون قدام عينك.


علمها كيف تاخذ نفسا عميقا أكثر من مرة، حتي بدأ توترها يهدأ، وهزت رأسها بإيجاب، فأشار إلي سليم ليخرج من الغرفة.


فتح سليم الباب ووقف في الممر عند الحائط، رغم شعوره بالضيق، إذ كان يتمنى البقاء بجانبها، ولكنه اضطر إلى الخروج لصالحها.


بدت على ماسة مظاهر القلق والخوف، إلا أن ياسر استطاع السيطرة على توترها بما يكفي، فأنجزت الجلسة على نحو أفضل.


بعد الانتهاء، توقف ياسر وسليم في الممر، وكان الباب مفتوحا، وماسة جالسة مع سلوى داخل الغرفة، تتبادلان النظرات والأحاديث بهدوء لكن عينا ماسة كانت كل بضع ثواني تنتقل إلى سليم لتتأكد من تواجده.


في الممر


قال ياسر بهدوء عملي: أنا رأي نفوت بكرة، ونخلي الجلسة الجاية بعد بكرة، وأنت إللي هتشتغل على الجلسة، أنت وأختها، اختها تشغلها زي النهاردة، عجبني جدا إنها عملت الحركة دي، خليها تحكي معها في أي موضوع يجذب انتباهها، وانت وحاول تشغل نفسك في أي حاجة، خش البلكونة، أدخل الحمام، خليك في دائرتها، لكن عينيها مش شايفاك.


رد بقلق: افرض رفضت؟


أجابه بعملية: هي أكيد هترفض، بس أنت أعمل إللي أنا بقولك عليه.


سليم بتنهيدة محمله بالقلق: أنا حياتي واقفة، في حاجات مهمة لازم أعملها، ونفسي أفضل جنبها، ومتضايق عشانها، بس في حاجات تانية لازم أعملها دلوقتي ومينفعش اتأخر.


ربت ياسر على كتفه مهدئا: أصبر يا سليم، أنت كدة بتضغطها، المرحلة إللي إحنا فيها كويسة جدا، مش عايزين منها أكتر من كده..


رد موضحا: انا بس محتاجها تتخطى حتة إنها مش عايز تخرج برة الأوضة. 


أجابه بهدوء: واحدة واحدة، نطمنها الأول، ممكن الجلسة الجاية أحاول أخرجها.


سليم بإبتسامة خفيفة: تمام.


دقق الطبيب النظر في ملامح سليم متساءلا: أنت عامل إيه؟ كويس؟


مد وجهه وهو يزفر أنفاسه الساخنه: بحاول أكون كويس علشانها.


اومأ قائلا: ومحتاج تكون كويس كمان علشان نفسك، عامة إحنا محتاجين نقعد مع بعض.


أجابه بهدوء موضحا: أنا عارف  شوية تمارين من إللي اتعلمتها وبعملها، المهم دلوقتي ماسة تكون كويسة.


صمت لوهلة ثم قال موضحا: لأن تعبها ملجمني جدا.


ابتسم ياسر: عارف وواخد بالي، بس مش عايزك تحبس أي حاجة جواك، والتمارين إن شاء الله هتساعدك تفرغ طاقة الغضب اللى جواك.


أوما سليم برأسه: حاضر.


أكمل ياسر: لما ماسة تبدأ توافق، أنك تكون في مكان وهي في مكان، ممكن نعمل جلسة مع بعض، مش عايزين أعاصير سليم تظهر، ممكن نقبل بتلقباته الجوية، لكن إعصار لا.


ابتسم إبتسامة صغيرة: تمام، إن شاء الله يا دكتور، شكرا جدا.


 ياسر مبتسما: مفيش أي حاجة، ده شغلي، بعد إذنك.


تحرك ياسر مبتعدا بينما عاد سليم إلى ماسة، مبتسما بتشجيع ودفء، وكأنه يرسل لها قطعة من الطاقة الإيجابية.


سليم بمزاح وهو يتغزل بها: أيوة كدة يا قطعة السكر، مرات سليم الراوي لازم تكون قوية، لازم تكون إيه...


ضحكت وقالت: قوية.


أومأ برأسه عدة مرات: أيوة كدة.


تبسمت له وقالت برجاء طفولي: طب تعالي أقعد جنبي بقى.


رد بحماس: ماشي، إيه رأيك نلعب الشايب ونغلب سلوى؟


ضحكت بحماس: موافقة، يلا بينا!


وبالفعل بدأوا اللعب، وحاول سليم قدر الإمكان تشتيت انتباهها، حتي بدأت الابتسامات تعود إليها شيئا فشيئا، وبدأ عقلها ينسى ما حدث لبعض اللحظات...


وبعد وقت، بدأ ثقل جفونها يسيطر عليها، وشعرت بالنعاس والإرهاق، ربما أيضا محاولة للهروب قليلا من التوتر.


وطبعا لم يسمح سليم لنفسه بالابتعاد، أو حتى هي،  ظل بجوارها يمسك يدها برفق حتى غفت في ثبات عميق، وعندما تأكد من ذلك همس إلى سلوى قائلا: سلوى، أنا لازم أنزل تحت علشان أكلم مصطفى، مش هتأخر، لو صحيتِ قوليلها في التواليت، ورني عليا، أطلع بسرعة.


أجابت سلوى بهدوء: طيب روح، أنا جنبها، متقلقش.


اقترب سليم من ماسة، ووضع قبلة خفيفة على جبينها، ثم تحرك للخارج، بينما جلست سلوى بجوارها، تمسح على شعرها بحنان، محاولة أن تمنحها الطمأنينة والدعم.

❤️_____________بقلمي_ليلةعادل 

في الحديقة.


هبط سليم إلى الأسفل بعد أن اطمأن على ماسة، كان بحاجة لرؤية مصطفى أولا حتي يتناقش معه فيما ينوي فعله، ثم يذهب إلى مكي الذي لا يرد على اتصالاته منذ يومان.


ما إن وصل إلى الطابق الأرضي حتى لمح أحد الخدم، فتوجه إليه وسأله: دكتور مصطفى فين؟


أجابته الخادمة باحترام: في أوضته يا فندم.


أومأ سليم برأسه: طيب، اعمليلنا قهوة مظبوطة، وهاتيها لنا في الجنينة وبلغيه إني عايزة. 


هزت رأسها بالإيجاب وانصرفت، فتحرك سليم نحو الخارج، لكن فجأة اتسعت عينيه بدهشة، وتوقف مكانه عندما لمح مكي جالسا تحت الشجرة المواجهة للنيل، يحتسي الشاي ويدخن سيجارته بهدوء مستفز.


تقدم نحوه بخطوات سريعة: أنت هنا؟!


رفع مكي طرف عينه ببرود: أيوه هنا، هكون فين يعني؟


تسأل وهو يمد وجه: يعني أنت ممشيتش؟ 


رفع كتفه بلا مبالاة: أمشي أروح فين؟ وأمشي ليه أصلا؟


نظر إليه باستغراب، ثم ضحك بسخرية وهو يجلس أمامه: أومال إيه بقى الكلام بتاعك؟ هستقيل ومليش علاقة بحاجة من النهاردة، وبعدين تطلع قاعد هنا عادي؟


صمت لحظة قبل أن يضيف بتهكم: وبعدين أنت مبتردش عليا ليه؟ هو إحنا مخطوبين، وأنت خطبتي وقافش عليا يعني؟


ارتشف مكي من الشاي بهدوء: ما أنا فعلا مقموص وقافش.


مال سليم نحوه: مقموص ليه بقى يا عم المقموص؟


نظر له مكي بحدة خفيفة: أنت شايف اللي أنت قولته ده عادي؟


تنهد بندم: ما أنت عارف إنه كان غصب عني، يا مكي.


ضحك مكي بسخرية قصيرة: غصب عنك؟


نظر له بتركيز، وقال بعتاب ساخر: في وقت جنانك وعصبيتك معايا يبقى غصب عنك ومش عارف تتحكم في نفسك، لكن مع ماسة؟ تحسب كل كلمة وتاخد بالك من نفسك اوي.


ضحكة سليم رغما عنه: أنت بتقول إيه؟


رفع مكي حاجبيه: بقول الصح.


صمت سليم لحظة، ثم سأله بجدية: طب ما دام أنت لسه مقموص وغيران من ماسة، قاعد هنا ليه؟


نظر له مكي بطرف عينه: هو أنت فاكرني هنا عشانك؟ أنا قاعد علشان ماسة.


اتسعت عينا سليم، وهو يتك على الكلمه مندهشا: علشان ماسة؟


هز مكي رأسه مؤكد: أيوه علشان ماسة.


مد سليم يده وخبطه على كتفه بخفة: بطل هزار بقي ..


وتابع معتذرا بنبرة أهدئ: حقك عليا، أنا عارف إني قولت كلام رخم وميصحش، بس أنت أكتر واحد فاهمني.


نظر له مكي من طرف عينه، وصوته خرج ثابتا: لأ، أنا زعلان.


نظر إليه سليم، وتبادلت أعينهما نظرة صامتة لثواني، ثم انفجرا ضاحكين معا.


شده سليم إليه واحتضنه، وربت على ظهره: متزعلش مني، حقك عليا، أنا أسف.


ابتسم مكي ابتسامة جانبية: ايه يا  سليم احنا اكبر من كدة، مش شوية كلام يزعلني منك..


وتابع بمزاح: بعدين الكلام أهون من الضرب بصراحة، وشي مبقاش مستحمل، وأنت غشيم، وغضبك أعمى.


ضحك سليم، وخبطه بخفة على قدمه، فتسأل مكي بجدية: قولي بقي، ليه طلبت من عرفان اللي طلبته؟


رفع سليم حاجبه متعجبا: أنا نفسي أفهم، هما شغالين عندك ولا عندي؟


أضاف بتهكم: هو كل حاجة لازم يجروا يعرفوك بيها، كأنك ولي أمري؟!


مال مكي نحوه متعجبا: أنت متخيل إنك ممكن تدي أوامر لحد من غير ما يوصلي؟


واقسم بحدة: أقسم بالله كنت علقتهملك! هنخيب ولا إيه!! لازم أديهم التمام طبعا علشان أنت مجنون ومتضمنش.


رد معلقا باستفزاز: طب أيه رأيك بقي، انا هشدهم شده محترمه على اللي بيعملوه ده.


ضحك مكي: شد براحتك، وهيقولولي برضو.


ثم تساءل بجدية: المهم متتوهش ناوي تعمل إيه؟ إيه اللي في دماغك؟


تنهد سليم، ونظر ناحية النيل: مفيش ناوي اتسلي.


عاد ينظر إليه وعيناه تلمعان: مش هما كانوا عايزين يفضحوني أنا وماسة، تمام خلينا نفضح بعض كلنا، ونسيب الحكم للجمهور.. 


سأله مكي مباشرة: الشقه إللي طلبت يتحط فيها كاميرات شقة سارة صح؟


اومأ سليم بابتسامه ماكرة تلمع في عينيه، فنظر له مكي متوجسا: أنا مش مرتاحلك يا سليم.


هز سليم رأسه وهو ينظر أمامه بشرود: ولا أنا كمان مرتاح لنفسي، بس هما اللى بدأوا، والعين بالعين، والسن بالسن والبادى أظلم، والجزاء هيبقي من جنس العمل، وبعدين أنا مش هعمل  فيهم حاجه مبتكرة ولا جديدة عليهم، أنا هطبقلهم أفكارهم عملي!!


تنفس مكي بعمق، ووضع يده على كتفه مشجعا: بصراحه حقك تعمل أي حاجه بعد اللى حصل، وأنا معاك في أي حاجه عايز تعملها، إلا أنك ترجع توسخ أيدك بالدم تانى.


نظر له سليم بابتسامه خافته: متقلقش!


تنهد مكي، وتساءل: طب هتعمل إيه مع مصطفى؟ وماسة عامله ايه دلوقتي؟ 


مسح وجهه بيده، وصوته خرج مرهقا: استنى بس لما يجي انا بعتله، اما ماسة مش كويسة خالص… خايفة، ومش عايزة تسيبني لحظة، كأنها حاسة لو بعدت عنها، حد هييجي يخطفها تاني.


صمت لحظة، ثم أكمل: جبتلها سلوى تقعد معاها علشان أقدر أنزل أكلم مصطفى، واجيلك أعتذرلك.


رفع حاجبه باستغراب: بس أنا لحد دلوقتي مش فاهم، الناس اللي هنا إزاي مقالوليش، إنك موجود؟


لوح مكي بيده: أنا منبه عليهم محدش يقولك..


وتابع بنبرة مطمئنة: واطمن على ماسة، إن شاء الله يومين هتبقي كويسه، انت مش جبت ياسر !


هز سليم رأسه بقلق: اه وقالي زيك، بس برضو قلبي مش مطمن، وصعبان عليا أوى أشوفها قدامي خايفه وبالحاله دى..


ربت مكي على كتفه بمواساة: معلش، إن شاء الله هتبقي كويسة، وكله هيبقي تمام.

 

نظر سليم إلى مكي بنظرة ثابتة وقال بصوت منخفض لكنه حاسم: بقولك الليلة عايزك تحط ميكروفونات في المجموعة، كل المكاتب. 


أدخل يده في جيبه وأخرج مفتاحا صغيرا، واعطاه أياه: المفتاح ده بيفتح كل مكاتبهم، لو قدرت تدخل مكتب صافيناز في الشركة بتاعتها يبقي كويس، معرفتش خلي عرفان يساعدك، عايز أصحى بكرة وكل حاجة قدامي تبقي لايف.


أمسك مكي بالمفتاح وقلبه بين أصابعه، ثم رفع عينه إليه: ماشي، بس الباشا مسافر.


ابتسم سليم ابتسامة خفيفة ذات معني: عارف، علشان المصنع.


في تلك اللحظة، اقترب مصطفى وهو يقول باعتذار خفيف: معلش كنت بصلي.


أشار له سليم بالجلوس: اقعد يا مصطفى، عامل ايه دلوقتي، معلش معرفتش انزلك اليومين إللي فاته، خالص بسبب ماسة.


نظر إليه مصطفى بقلق: أنا كويس الحمد لله، المهم ماسة عامله ايه دلوقت؟!


تنهد سببم بثقل: ادعيلها، إن شاء الله هتبقى أحسن.


تردد مصطفى لحظة، ثم قال بصوت خافت: سليم أنا سمعت كلامك واديتك تليفوني، بس أنا لازم أكلم أهلي واطمنهم عليا، أنا من اول امبارح مختفي!


رد سليم فورا: حاضر، هتصرف، وهجيبلك رقم تكلمهم منه، . اصل أنا محتاجهم فعلا يقلقه ويبدو يسالوا عنك...


ثم نظر إلى الاثنين بجدية: بصوا هقولكم اللي في دماغي.


مال بجسده للأمام، وصوته صار أكثر حدة: أنا هبين إني مصدق اللي حصل، وإني يا إما قتلتك، يا إما خافيك في حتة وبعذبك.


اتسعت عينا مصطفى: إيه؟!


أكمل سليم بهدوء قاتل: وهتقعد فترة في فيلا تانية، مستخبي فيها.


تساءل مصطفي بترقب: طب وأهلي؟!


أجابه سليم بهدوء: أهلك هطمنهم، وهفهمهم كل حاجة، بس مش دلوقتي..


تابع بدهاء كأنه يرسم خطه محكمه: أنا محتاج أأكدلهم إني صدقت، علشان هما فعلا بيدوروا عليك.


ثم أضاف بنبرة قاطعة: وأهلك لازم يقعدوا في القاهرة.


تجهم مصطفى: ليه؟


سليم موضحا: علشان يبقوا تحت عيني، واضمن إن محدش هيقرب منهم، ولا يأذيهم، وكمان علشان يمثلوا أنهم جم يدوروا عليك... بس الكلام في التليفون مش هينفع لازم وجها لوجهه، كل اللي هيدور في المكالمه، انك كويس، وتليفونك كان بايظ أو اتسرق


صمت مصطفى للحظه بتردد، وكأنه يريد قول شئ، انتبه له مكي وتساءل: أنت ايه مشكلتك؟! بعيدا عن اهلك؟!


رمش مصطفى بعينه للحظه، ثم ذم شفتيه وقال: هقولكم ..


ثم بدأ يروي لهما قصته مع آلاء وحين انتهى، قهقه مكي بسخرية وهو يهز رأسه معلقا: انت مدي للواد ده سعر ليه، ده عيل متني!


قاطع سليم الحديث بحزم: سيب الموضوع ده عليا، محمود ده أنا هخلصك منه.


قاطعه مصطفي معترضا: لا يا سليم لو سمحت، مش عايز تدخل منك بأي اسلوب من أساليبك في الموضوع دى، أنا أصلا عملتله محضر ومش هيقدر يتعرضلها تانى. 


زفر سليم بحيره: أومال أنت عايز ايه؟!


 مصطفي موضحا: آلاء وماما مش على وفاق خالص، يعني هما في اسكندريه كان كل واحده فيهم في شقة، وكل شوية ماما تضايقها، مبالك بقي لو قعدوا الاتنين مع بعض في شقه واحده!؟ أمي هتولع فيها..


ضحك سليم بخفوت: بصراحه عندها حق يا مصطفي، أصل مفيش حد بيتجوز جدعنه بصراحه!


ثم تابع بهدوء: بس لو على دى محلوله، آلاء ومامتها أجيبهم يقعدوا معاك في الفيلا اللى أنت هتبقي قاعد فيها، أو حتى اشتريلها شقة لوحدها لو تحب.  


تردد مصطفى بحيرة: مش عارف…


نظر له سليم بثبات: أنت عندك مشكلة تساعدني؟!


هز مصطفى رأسه بسرعة: لا طبعا، مستحيل، بس قلقي كله على أهلي، وظروفي مش متظبطه زى ما أنت شايف؟!


ربت سليم على كتفه مطمئنا: لو على أهلك متقلقش، وآلاء كمان مشكلتها محلوله ومش محتاجه قلقك ده كله.


بعد لحظة صمت، قال مصطفى باستسلام: ماشي.


هم سليم بتوقف: لازم اطلع عشان ماسة عن اذنكم.


تحرك سليم مبتعدا يشعر بثقل في صدره، لكنه أخفاه سريعا خلف هدوئه المعتاد، هو يعلم جيدا أن ماسة إن استيقظت ولم تجده جوارها، قد تعود إلى تلك الدائرة السوداء التي يحاولون أخراجها منها بصعوبة.


بينما ظل مكي ومصطفى جالسين في المكان، والصمت بينهما لم يكن مريحا… بل كان ممتلئا بأفكار لا تقال.


في غرفة ماسة وسليم.


فتح سليم الباب بهدوء.


كانت سلوى تجلس بجوار الفراش، تميل برأسها قليلا، تلعب في هاتفها، بينما ماسة نائمة بعمق، وأنفاسها منتظمة.


رفعت سلوى عينيها فور رؤيته، ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم أنزلت قدميها عن السرير بإحترام.


سليم بصوت منخفض: لسة نايمة؟


همست سلوى: آه لسه، متأخرتش أصلا.


تنهد بخفة: مينفعش أتأخر.


اقترب خطوة، وعينه لا تفارق ماسة، ثم ألتفت إلى سلوى متسائلا: أنتِ ليه مقولتيليش إن مكي تحت؟


رفعت كتفيها بحيرة: معرفش، مجاش في بالي، ما هو علطول هنا، في حاجة؟ 


هز رأسه سريعا: لا، لا، مفيش حاجة.


صمت لحظة، ثم أشار نحو الباب: روحي أنتِ شوفي لو عايز تعملى حاجه، أنا هقعد معاها.


هزت رأسها موافقة: ماشي


ثم توقفت وقبل أن تخرج، التفتت له مجددا: بقولك إيه، أنت كده بعت حراسة عند بابا وماما؟


نظر لها بثبات: اه طبعا، مأمن كل حاجة، متقلقيش.


ارتاحت ملامحها قليلا: تمام، بعد إذنك.


خرجت بهدوء، وأغلقت الباب خلفها دون صوت، بينما بقي سليم واقفا للحظة ينظر إلى ماسة، ثم اقترب وجلس على طرف الفراش بجوارها، ومد يده يزيح خصلة شعر سقطت على وجهها، تنفس بعمق كأن وجوده بجوارها هو الشيء الوحيد الذي يعيد له اتزانه.

همس بصوت لا يسمع: نامي وارتاحي يا عشقي، أنا هنا ولا يمكن أسمح إن حاجه تأذيكي تاني.


تمدد بجوارها، وأمسك هاتفه، ووضع السماعات في أذنيه، وبدأ يستمع إلى التسجيلات.


لا جديد نفس الحديث ذاته متبادل بين فايزة وصافيناز وعماد: سليم فين؟ لسه مختفي؟ تليفونه لسه مقفول؟ تفتكرو صدق؟! بعت حد يسال على مصطفى هيجيل الخبر النهاردة.


ضغط على فكه بضيق، رفع عينيه نحو ماسة النائمة، وزفر ببطء وجودها كان يقيده… كأن خوفها وتعبها سلسلة تلتف حول قدميه.


هو يفهمها، ويقدر هشاشتها، ويؤلمه أن يراها بهذا الانكسار… لكن ازمتها كان السلسلة التي تشده للخلف، تعرقل خطواته وتبطئ اندفاعه نحو تنفيذ خطته كما خطط لها، ومع ذلك كان قلبه يركض بعجلة لا تهدأ، يريد أن يتحرك، أن يسبق الخطر، أن ينهي كل شيء.


مسح على وجهه بتعب، وقال في نفسه: لازم أعمل حاجة… كده مش هينفع شكلي هضطر أجيب عثمان هنا وأحرك كل حاجة من هنا، مش هفضل ساكت، كويس انهم هيسالو عن مصطفى ويعرفوا انه مختفي وبكدة اثبتت اللي محتاجة.


في تلك اللحظة تحركت ماسة قليلا، انتبه فورا

نزع السماعات من أذنيه، واقترب منها فتحت عينيها ببطء، انحنى عليها مبتسما، ومرر كفه برفق على خدها: مساء الخير يا قطعة السكر.


ابتسمت بنعاس: مساء النور يا كراميل، أنا نمت كتير؟


نظر إلى ساعته: ساعة ونص تقريبا.


ضحكت بخفة وهي تفرك عينيها: مش عارفة نمت ليه كده…


نظرت حولها فجأة بقلق خفيف وهي تنهض لتجلس: سلوى فين؟


أجابها مطمئنا: راحت أوضتها تظبط شنطتها، مش معقول يعني هنفضل حابسين البنت جنبنا؟


قالت بقلق: أنا بقول نجيب ماما وبابا هنا أحسن.


هز رأسه بحزم خفيف: لا، أنا عايزهم يفضلوا في مكانهم، وعليهم حراسة متخافيش، وبعدين كل حاجه بقت لايف دلوقتي عندى، فأي حاجه هيفكروا يعملوها هعرفها، متقلقيش.


رمشت بعدم اقتناع، لكنها لم تناقشه.


ابتسم فجأة وقال بحماس: المهم، سيبك من ده كله، فيه حتة قصة عايز احكيهالك مش هتصدقيها، مش قولتلك قبل كده إن مصطفى تخصص بنات مضروبة وبيقف جنبهم؟


نظرت له بإستغراب: مش فاهمة.


تابع موضحا: فاكرة البنت والست إللي قعدتيهم في الفيلا؟


هزت رأسها بإيجاب: أيوه فاكرة.


ابتسم بخبث خفيف: اتجوزها.


اتسعت عيناها بصدمة: مصطفى اتجوز؟! ومعزمنيش على فرحه؟ الندل!


ضحك بخفة: يا ماما فوقي، دي كانت واقعة في مشكلة، وعلشان يحلها اتجوزها.


مالت للأمام بذهول: أزاي يعني؟


أخذ يسرد لها القصة كما حكاها مصطفى، ومع كل تفصيلة كانت عيناها تتسعان أكثر، ووضعت يدها على فمها في صدمة: يا نهار أبيض… المجنون!


ضحك بمرح: والله أنا بحمد ربنا إني متجننتش يومها وطلقتك، كان زمانه خطفك واتجوزك.


ضربته بخفة على كتفه: بجد صدمني، بس والله جدع أوي.


قال بجدية عقلانية: الجدعنة ليها حدود، مينفعش يأذي نفسه علشان حد، وأهو اتأذى من أخوها، واتجوز واحدة مبيحبهاش.


نظرت له بحنان: بس إنت بتقول مكانش في حل تاني، وبعدين متسمعش كلامه ساعده ياسليم، متسيبهوش.


رد موضحا: ما أنا قولتله وهو رفض.


لوحت بيدها بعدم اقتناع: متسمعش كلامه.


هز رأسه بالنفي، وعيناه تزدادان جدية: مش هينفع، هو طلب مني متدخلش...


هزت رأسها بعدم اقتناع، وتساءلت: طب مكي؟ رد عليك؟


ابتسم باستهجان: نزلت لاقيته تحت عادي، لا مشي ولا راح في حتة.


قالت بخفة: مش قولتلك مكي مستحيل يعمل حركة زي دي؟ بس مكانش بيرد ليه؟ مادام هنا من وقتها.


قال بسخرية: كان عامل فيها مقموص، فاكرنا متجوزين وبيتقل عليا.


ضحكت: والله دمه خفيف، مكنتش أعرف إنه بيهزر دايما بشوفه تنح! عشري عسل عنه.


نظر لها بغيرة خفيفة: احترمي نفسك.


ضحكت أكثر، ثم وضعت يدها على بطنها: أنا جعانة أوي.


رد بحماس: بس كده هكلم سحر تعملك أحلى أكل، بس بشرط هناكل تحت.


نظرت له بضعف: سليم ارجوك متتغطنيش، بص ممكن ناكل في البلكون.


مد وجهه بأسف، وضع كفه على وجهها وهو يدقق النظر في ملامحها: أنا مش بضغط عليكي، بس بحاول اساعدك تخرجي من ازمتك.


ضمها إليه، وقال مطمئنا: أنا دايما جنبك، متقلقيش.


ألتقط هاتفه وبدأ يتحدث إلي سحر، بينما كانت هي تراقبه بإبتسامة صغيرة، كأن وجوده بجانبها هو الأمان نفسه.


كان وضعها أفضل من الصباح، نعم ليس بشكل كامل، لكنها بدأت تتحسن تدريجيا، وبالفعل جاءت سحر بالغداء، وتناولوه في الشرفة.


على اتجاة آخر في الحديقة.


كان مكي يتحرك بخطوات ثابتة، يراقب الحراس بعيزن يقظه، وأثناء ذلك، خرجت سلوى من الفيلا، تتنفس بعض الهواء النقي وتحاول استيعاب ما حدث مع ماسة.


وقعت عيناها عليه، فأخذت تتمعن النظر في ملامحه، وعلامات التردد ظهرت واضحة على وجهها.


كانت تريد أن تتحدث إليه، وتعتذر له، وتحاول إصلاح بعض ما أفسدته بينهم، فتقدمت نحو مكي بخطوات حذرة، ونادته بنبرة مترقبة: مكي 


فور سماعه لصوتها دق قلبه، وتجمد جسده لوهلة، وأومأ للحارس الذي كان قريبا منه: روح أعمل إللي قولتلك عليه.


غادر الحارس، فاستدار إليها بملامح جامده: أفندم؟


ابتسمت برقة، محاولة التخفيف من التوتر: عامل إيه؟


رد بهدوء مقتضب: كويس.


قالت وهي تحاول فتح مجال للحديث: على فكرة، سليم خلاص هيقعدنا في القاهرة، هنرجع تاني للفيلا.


رد باقتضاب: آه، ما أنا عارف.


حاولت فتح مجال الحديث أكثر، وعيناها تلمعان بالحزن: زعلت أوي على ماسة بجد، أهل سليم دول شياطين، يستاهلوا الحرق.


رد بسرعة: أوعى تتكلمي كده قصاد سليم؟ إحنا ملصمينه بالعافية.


هزت رأسها بتأييد: لا… ما أنا عارفة.


صمت للحظة مترددة، لا تعرف من أين تبدأ الكلام، نظراتها تبحث عن شيء في عينيه.


لاحظ مكي ما في عينيها، لكنه قال بهدوء وهو يخطو خطوة للخلف، محاولا غلق أي مجال للحديث بينهم: أنا هروح أكمل إللي كنت بعمله.


بلا تردد، أمسكته من ذراعه: مكي استنى 


توقف وقال برسميه: أفندم.


سحبت يدها وهي تقول بتلعثم: أنا كنت عايزة أعتذرلك على حاجات كتير، وحابه نتكلم و..


مكي بجمود: وأنا مش عايز أسمع.


رفضت الاستسلام، فهزت رأسها، وقالت بصوت أمتزج فيه الإصرار بالألم: لا هتسمعني، كنت عايزني أعمل إيه لما عرفت كل ده عنك وعن سليم، وأبويا إللي اتخبط بالعربية بسببكم، وأنا حطولي سم، وأخواتي كمان اتهددنا بقتلهم… 


تابعت بدموع ونبرة مريرة: كان المفروض أعمل إيه؟ لما أعرف إن الإنسان الوحيد إللي أنا حبيته، وكان خلاص فاضلنا 10 أيام ونتجوز، أعرف إنه بيشتغل في كل حاجة مقرفة، وحرام، أنا كنت عاملة زي إللي أضرب على رأسه، قلبي كان موجوع، مكنتش عارفة أعمل ايه، ومكنتش فاهمة…


بدأت دموعها تهبط بقوة وصوتها اهتز: ماسة ضغطت عليا، وقالتلي لازم أبعد، وحلفتني إني مقولش، بسبب تهديد الزفت رشدي.


رفع مكي حاجبه بغضب: بس أنتِ كان عندك فرصة تقوليلي؟


نظرت له بتعجب وهي تشير على نفسها باستغراب وكأنها متهمة بشيء غير حقيقي: أقولك أزاي، وأنا كنت متهددة زي ماسة، كنت خايفة ومرعوبة على أهلي وعلى ماسة من رشدي، مكنتش عارفة أقول حاجة..


نظر لها بحزن وجمود: بس أنتِ يا سلوى، لما ساعدتي ماسه تهرب في المره التانيه وسليم جه وهددك، كانت مشكلتك إنك موقفتش قصاده وقولتله لا، أنتِ خيرتيني  بينك وبينه، مكانتش مشكلتك إللي عرفتيه مشكلتك إني مخترتكيش!


هزت رأسها باعتراض: مشكلتي كان كله يا مكي،

بس عدم اختيارك ليا وجعني أكتر.


نظر لها مكي وسألها سؤالا مفاجئا: لو كنت اخترتك ووقفت قصاد سليم، كنتي هتعملي إيه؟ هترجعي؟!


نظرت إليه بصمت للحظة، كأن الكلمات احتبست في حلقها، وكأن الاعتراف أثقل من أن ينطق، مدت شفتيها قليلا، ثم قالت بصوت مرتجف: مش عارفة، كل حاجة كانت وجعاني منك، اختيارك لسليم، وإنك موقفتش قدامه… و…


قاطعها بنبرة حادة تخفي اضطرابه: أنتِ بتقولي الكلام ده كله ليه يا سلوى؟


خفضت عينيها، وشبكت أصابعها ببعضها في توتر: علشان عايزة أعتذرلك؛ لإني ظلمتك كتير، أنا أسفة.


زفر ببطء، ونظر بعيدا: وأنا متقبل اعتذارك، ومتفهم أسبابك، حاجة تاني؟


رفعت عينيها إليه، بنظرة طويلة صامتة، تحمل رجاء وخوفا معا، ظل هو الآخر ثابتا، ملامحه جامدة، لكن عيناه خانتاه، فتحرك نصف خطوة مبتعدا: طب أنا همشي أشوف اللى ورايا.


أمسكت بذراعه سريعا، وتوقفت أمامه، بأنفاس متسارعه: مكي، أنا آسفة، وحابة إننا نرجع لبعض، خلينا نفتح صفحه جديدة وننسى.


تجمد مكانه رغم الجمود الذي رسمه على وجهه، شعر بقشعريرة تعبر صدره، لم يكذب على نفسه، هناك شيء بداخل قلبه ما زال لها، هي الفتاة الوحيدة التي أحبها، التي كسرت صلابته، وحارب سنوات ليصل إليها، وحتى الآن، لم يستطع أن يتزوج غيرها، كأن قلبه رفض أن يمنح مكانها لأحد.


مسح وجهه بكف متوتر، وقال بجمود متعمد: ومش خايفة بقى؟ لحسن يحصل حاجة تاني، ومقفش قدام سليم؟


رمشت بعينيها سريعا، توترها كان واضحا، لكنها تماسكت: لا، مش خايفة.


رفع حاجبه ساخرا بخفة: وإيه إللي جد؟


أخذت نفسا عميقا، وصوتها أصبح أهدأ: إني هديت، وبقيت بشوف الحياة، والدنيا، بعين مختلفة، فوقت يا مكي، هو أنت بطلت تحبني؟


صمت لحظة، لكن ملامحه ارتخت رغما عنه، تأثره كان واضحا، حتى لو حاول إخفاءه، ابتلع غصته وقال بصوت منخفض: مش هينفع.


تقدمت خطوة، وحاجباها معقودان: هو إيه إللي مش هينفع؟


أجابها وهو يتجنب النظر في عينيها: إن إحنا نكون سوا مرة ثانية.


نظر إليها طويلا، كانت عينيه تلمعان بدمعة أبت أن تهبط، عالقة على حافة كبريائه...


شد فكه قليلا، كأنه يقاوم ارتعاشة في صوته، ثم قال بوجع صادق وعتاب مرير، خرج رغما عنه: أنتِ جرحتيني أوى يا سلوي، أنتِ فاكرة الموضوع كان سهل عليا؟! فاكرة إني نمت بعدها عادي؟ أنتِ مش بس مشيتي يا سلوى إنتي كسرتي جوايا شئ كبير …


توقف لحظة، أخذ نفسا عميقا، وصوته انخفض لكنه ازداد صلابة: متقوليش كان غصب عنك، وبعدين أنتِ روحتي وارتبطتي… 


قرب وجهه من وجهها وهو يتساءل بوجع معاتب، وهو يشير بيديه في وجهها: شوفي أنا حاولت معاكي كام مرة؟ وكل مرة كنتي بترفضي؟ كام مرة جرحتيني وكسرتيني برفضك؟ فاكرة الحفلة؟ فاكرة إللي عملتيه هناك؟ 


كانت تستمع إليه والدموع تهبط على وجنتيها في صمت موجع، تشعر بثقل ذنبها يسحق صدرها،

تعرف أنها جرحته… حتى لو كان لها عذر، وحتى لو كانت الظروف أقسى منها.


هي التي ضيعته يوم ظنت أن الهروب حل… يوم قررت أن ترتبط بغيره لتقنع قلبها أنه انتهى، ارتعشت شفتاها، وانخفض صوتها حتى كاد يسمع همسا: أنا كنت بهرب يا مكي، بهرب منك ومن ضعفي قدامك


ابتلعت غصتها، ومسحت دموعها بطرف كفها المرتجف موضحة: أنا مرتبطتش علشان نسيتك، أنا ارتبطت علشان أحاول أنساك، كنت فاكرة إن لو حبيت حد تاني، قلبي هيهدى، بس كان كل مرة بيخوني ويرجعلك...


رفعت عينيها إليه أخيرا، بعينين حمراوين من البكاء: أنا ضيعتك بإيدي آه، بس عمري مابطلت أحبك، ولا مرة، حتى وأنا بقول قدامك غير كده...


تقدمت خطوة صغيرة نحوه، بتردد وخوف: هو لو كنت رجعتلك بدري، كنت سامحتني؟ ولا أنا فعلا جيت بعد فوات الأوان؟


كان يستمع إليها وقلبه يتمزق بصمت، يحارب رغبة عارمة في أن يضمها ويغفر كل شيء… لكن كبرياءه كان أقوى من ضعفه، وأشد صلابة من حنينه.


مرر كفه على وجهه بعصبية خافتة، كأنه يمحو أثر دمعة كادت تخونه، ثم قال بصوت خرج ثابتا رغم الوجع المتكدس في صدره: سلوى، أنا مش حابب أحرجك بكلامي، بس موضوعنا انتهى خلاص، ربنا يوفقك في حياتك.


كانت الكلمات قصيرة… لكنها حادة كحد السكين، حرر ذراعه من يدها برفق متعمد، حتى لا يجرحها أكثر، فاستدار مبتعدا بخطوات بدت واثقة، منتظمة، لرجل يعرف طريقه… لكن في داخله كان كل شيء ينهار.


شد على قبضته وهو يسير، أظافره انغرست في راحته ليمنع نفسه من الالتفات.


كان يعلم أنه لو ألتفت مرة واحدة، ورأى دموعها تسقط، سيضعف، ووقتها لن ينقذه كبرياء، ولا عتاب، ولا سنوات من القهر.


تركها واقفة في مكانها، أنفاسها متقطعة، ودموعها معلقة في عينيها، بينما هو تحرك مبتعدا، وقلبه وحده يعرف أنه لم يبتعد حقا.


ابتعد بخطوات ثابتة، حتى تجاوز الممر الطويل، وحين اختفى عن عينيها، توقف في ساحة الفيلا الخلفية، الليل ساكن حوله، لكن داخله لم يكن ساكنا أبدا.


ترددت كلماتها في أذنه كطعنة بطيئة "هو أنت بطلت تحبني؟ أسفة خلينا نرجع"


أغمض عينيه بقهر، قبض على شعره، ثم فجأة أطلق صرخة جهورية مزقت سكون الليل، صرخة رجل خسر كبرياءه ولم يستطع أن يخسر قلبه.


وفي اللحظة نفسها…


دخلت سلوي غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وقبل أن تخطو خطوة واحدة، وضعت يدها على فمها، تحاول كتم شيء كاد ينفجر بداخلها لكنها فشلت، انزلقت على الباب حتى جلست أرضا، ثم انهارت.


 لم يكن بكاء عاديا، بل كانت شهقات متلاحقة، وأنفاس متكسرة، وصوت اختناق يخرج من صدرها كأن قلبها ينتزع منها

  

ضربت الأرض بكفها بضعف، وراحت تردد من بين دموعها بدم: أنا إللي ضيعته .. أنا إللي خوفت…

أنا إللي سيبته، أنا إللي مسمعتهوش ووجعته، أنا السبب.


وضعت يدها على صدرها بقوة، كأنها تحاول تثبيت قلبها في مكانه، ثم رفعت رأسها فجأة، والدموع تغرق وجهها بالكامل همست بشراسة موجوعة: بس لأ، المرة دي مش هستسلم، ومش هسيبه، هحارب علشانه، حتى لو هو نفسه بيحاربني.


وأجهشت بالبكاء من جديد… لكن خلف انهيارها كان يولد قرار.


6:00 مساءً بتوقيت اسكتلندا.


كان ياسين يعيش شهر عسل مختلفا؛ مليئا بالحياة والضحك، كأنه عاد شابا في العشرين من عمره.


الطبيعة الخضراء، والهواء البارد كانوا خلفية مثالية لأيام صاخبة وممتعة.


غرفة الفندق.


وقف ياسين أمام المرآة، يرتدي قميصا وبنطالا أنيقين، يصفف شعره بيده، وبجواره لوجين بفستان لطيف، تضع أحمر الشفاه بعناية.


في تلك اللحظة، رن هاتفه، فنظر إلى الشاشة وابتسم قائلا: دي نالا، لسه كنت بكلمها من شوية، وهبة قالتلي إنها في الباث روم.


ضغط زر الرد، فظهرت على الشاشة الصغيرة وهي تقول بحماس: باااااابي!


ابتسم ياسين فورا: روح قلب بابي، وحشتيني، عاملة إيه؟


اجابته بمرح: الحمد لله، وأنت عامل إيه؟


رد بإبتسامة: أنا كويس.


اقتربت لوجين، وضعت يديها على ظهر ياسين، ونظرت إلى الشاشة بابتسامة: عاملة إيه يا حبيبتي؟


نظرت نالا إليها نظرة سريعة مرتبكه، ثم قالت بنبرة جامدة: أنا كويسة، بابي هو أنت خارج؟


أومأ بتأكيد: آه، خارجين.


أجابته: طيب خلاص، بالليل نقعد نتكلم شوية، علشان عندي هوم ورك وعايزة أخلصه قبل ما المس تيجي.


ابتسمت لوجين محاولة كسر الجفاف: قولي لي يا نالا، عايزة حاجة حلوة ايه النهارده؟


ردت باقتضاب: ميرسي، باي.


وأغلقت الهاتف بسرعة.


نظر ياسين إلى الشاشة لحظة، ثم إلى لوجين، فقالت لوجين بهدوء فيه قلق: هي نالا بقالها شويه بتتجنب الكلام معايا، ولا أنا بيتهيألي! 


تنهد ياسين مؤيدا: لا مش بتتهيألك، دي مش أول مرة 


زمت شفتيها بضيق: بقالها كام مكالمة على كده، امبارح مرضيتش تكلمني برضو لما قولتلها خدي كلمي لوجين، هو أنا عملت حاجة زعلتها؟


اقترب منها ياسين مطمئنا: خالص، كل المكالمات كانت قدامي، مفيش حاجة.


مدت شفتيها السفليه: أمال إيه؟


فكر لحظة ثم قال: هكلمها بالليل، وأقولها إنك نايمة وأسألها.


لوجين بصوت منخفض: أنا مش حابة إن نالا تزعل مني.


مسح على ظهرها برفق: مفيش زعل ولا حاجه، تلاقي فيه حاجه مزعلاها بعيد عنك، يلا بينا ننزل علشان منتأخرش.


أمسكت لوجين حقيبتها، لكن القلق ظل واضحا في عينيها، أما ياسين فابتسم وهو يفتح لها الباب، غير مدرك أن ما يحدث في مصر بدأ يقترب منه… خطوة بعد خطوة.


على اتجاه آخر – في مصر.


أغلقت نالا الهاتف سريعا، وأعطته لوالدتها.


نظرت لها هبة باستغراب ماكر : أنتِ مكلمتيش لوجين ليه؟


رفعت نالا كتفيها وقالت ببراءة صادمة: علشان أنتِ قولتيلي إنها شريرة، زي الست اللي في سندريلا.


ابتسمت هبة بانتصار قائلا: أممم طيب يلا يا روحي علشان نكمل الهوم ورك


جلست نالا على المكتب، ثم التفتت فجأة: أنتِ هتقعدي معايا؟ ولا هتروحي الشغل؟


اقتربت هبة، وجلست بجوارها وربتت على شعرها: لا، قاعدة معاكي، خلصت شغل.


ابتسمت نالا وفتحت كشكولها، أما هبة، فظلت شاردة للحظة، كانت تعلم أن كلمة واحدة قد تصنع صورة كاملة في قلب طفل، وصورة "الشريرة" بدأت تكبر في خيال نالا… ببراءة لا تعرف شيئا عن تعقيدات الكبار


في صباح يوم جديد، 


فيلا سليم وماسة، 12:00ظهرا. 


غرفة ماسة وسليم


الشرفة


كانت ماسة تقف بجوار سليم في الشرفة، يتبادلون الأحاديث بهدوء، التفتت إليه فجأة وتساءلت: هو أنت كده بتسمعهم؟


اوما برأسه: آه طبعا.


تساءلت بفضول: طب إيه الدنيا؟


رد وهو يسند ذراعيه على السور: عادي يعني، مفيش جديد، الباشا مسافر، واتصلوا بيا لقوا تليفوني مقفول، ودورا ورا مصطفى واتأكدوا انه مختفي. 


تساءلت باستغراب: يعني شربوا المقلب؟!


مد وجهه نافيا: لسه مش أوي يعني، في كام حاجة كدة لو اتظبطت خلاص.


تساءلت بتعجب: ولما أنت قافل تليفونك، أومال بتكلم مكي إزاي؟!


رد موضحا: في رقم كدة مفتوح، محدش يعرفه غير أنا ومكي.


عقدت حاجبيها: الرقم ده مش معايا؟!


تبسم: مش مع حد غير مكي.


ضيقت عينيها بمزاح: هبدأ أغير منه.


ضحك بخفة: أنتِ تغيري من مكي؟ وهو يغير منك، وأنا واقف في النص! اتفرج..


ضحكت، وفي تلك اللحظة سمع طرق على الباب، فنظر إليها: هروح أفتح.


أومأت برأسها، وهي تحاول مقاومة رغبتها في الذهاب معه.


تذكرت حديث الطبيب: متربطيش إحساس الأمان بوجوده قدام عينك... وجوده في البيت كفاية… مش لازم تشوفيه طول الوقت.


نظرت أمامها، وأغمضت عينيها للحظة، تهمس لنفسها: متبصيش… متبصيش.


فتح سليم الباب، فكانت سلوى: صباح الخير.


سليم بتهذب: صباح النور، تعالي.


قالت وهي تدخل: قولت لسحر تحضر الفطار وتطلعه هنا، مدام ماسة صحيت.


دخلت وهي تنادي بدلال: ميسو!


إلتفتت ماسة وتحركت نحوها وفتحت ذراعيها، فاحتضنتها سلوى بحرارة: عاملة إيه النهاردة؟


ابتسمت وهي تبتعد: الحمد لله… تمام.


جلسوا على الأريكة، فقالت سلوى وهي تنظر إلى ماسة: كلمت أمك إمبارح، بس بصراحة مكنتش عارفة أحكيلها حاجة، خوفت يكون حد مراقب التليفون، قولتلها بس إننا كويسين.


سليم بهدوء: مش أنتِ كلمتيها من الرقم إللي مديهولكم؟


هزت رأسها بإيجاب: آه، بس برضو خوفت.


هز رأسه مطمئنها: لا عادي، اتكلموا براحتكم الأرقام دي محدش يعرف عنها حاجة.


أومأت برأسها، لكن ملامحها كانت توحي أن بداخلها شيئا لم يُقال، قالت فجأة: بقولك إيه يا ميسو، ماتيجي نقعد في البلكونة شوية؟ نتكلم لوحدنا.


ماسة بلطف: لا يا ستي، خليني قاعدة هنا عايزة أريح على الكنبة، قولي عايزة تقولي إيه.


ترددت سلوى: خلاص، مش مهم.


ماسة بتزمر: بطلي غلاسة، قولي.


لم ترغب سلوى في التحدث أمام سليم، ونظرتها كانت تفضح ذلك، ففهم سليم ونهض وهو يقول بهدوء:طيب أنا هروح لمكي علشان عايزه في حاجه.


نظرت إليه ماسة لثانية، ثم قالت: ماشي.


توجهه الى الشرفة وبقيت ماسة تنظر صوبه لحظة، ثم إلتفتت إلى سلوى، وعيناها تسأل قبل لسانها: في إيه يا سلوى؟


نظرت سلوى إلى الأرض، ويدها تتحسس بلوزتها وهي تتحدث بخجل وحزن: كلمت مكي إمبارح لما كنتي نايمة، وقولتله إني آسفة وعايزة أرجع.


ابتسمت ماسة وفرحت بصدق، أمسكت يدها بحنان:

طيب هو قالك ايه؟!


مدت وجهها نحوها بحزن: رفض.


رفعت ماسة حاجبها باستغراب: رفض ليه؟


أجابت سلوى بصوت مكسور: رفض يسامحني؟ علشان سبته واتخطبت لطارق ومصدقتوش ولا أديته فرصة يفهم.


تنهدت ماسة وقالت بأسف: موضوع طارق ده فعلا المشكلة، أنا قولتك..


رفعت عينها، وردت موضحه بنبرة موجوعه، وعينين تترقرق بالدموع: أنا عملت كده عشان أحاول أنساه، بس هو عنده حق في الجزء بتاع طارق، بس لازم يفهم إني اتوجعت لما عرفت، أصل مش معقول اعرف حاجة زي إللي عرفتها وأكمل، وكمان إنه مختارنيش، وسمح لسليم يزعقلي ويهدد بابا وماما من غير ما يدخل، كل دى وجعني..


تنهدت ماسة بهدوء، وقالت بعقلانية: أنا إللي فهمته إنه محضرش والكلام مكانش قدامه، ومتأكدة زي ما أنا متأكدة إنك قاعدة قدامي، لو كان واقف كان منع سليم، وعاتبه واتخانق معاه، بس أنتِ كنتي عايزة يقطع علاقته بيه أزاي؟ ده مش طبيعي دول أخوات..


تابعت بنبرة أكثر عقلانية: سلوى برغم اللي سليم عمله فيا وفي بابا وماما، وفيكي وفي إخواتنا، أنا اخترت سليم، وأبوكي وأمك سامحوا، إللي أنا عملته غلط، وأي راجل في الدنيا كان هيعمل زيه وأكتر كمان، تخيلي بقى واحد متربي وسط الثعابين دول!


تنهدت سلوى بتعب وقالت بضيق: بالله عليكي كفاية عتاب، خلاص عرفت غلطتي، وأهو عايزة أرجع، أعمل إيه؟


ردت بهدوء وعزم: أنا هتكلم معاه، وهخلي سليم يكلمه.. 


هزت سلوي رأسها برفض: لا استنى، هحاول معاه أنا تاني، لو معرفتش كلميه.


ابتسمت ماسة ورفعت يدها على كتفها بحنان: ماشي، علشان كده امبارح مجيتيش خالص.


أومأت سلوى برأسها: أيوه، بعد ما كلمته قعدت في الأوضة أعيط، وفضلت قاعده مخنوقة لحد النهاردة.


مسحت ماسة دمعة خافتة هبطت من عيني سلوي: متزعليش.


تساءلت سلوي بضيق: هو ليه يعني ميوافقش نرجع علطول ويسامحني؟ اشمعنى سليم سامحك.


أجابت ماسة بنبرة هادئة بحكمة: سليم جوزي، وبينا عشرة وحياة، وكان ممكن يبقى بينا أطفال كمان، دى غيى إن مكي غير سليم، شخصيته مختلفة.


رفعت سلوى عينيها متسائلة: طب أنا كدة خسرته؟


ابتسمت ماسة بحزم: لا مخسرتهوش، متخافيش


على اتجاه اخر في الشرفة 


أخرج سليم هاتفه واتصل بمكي قائلا بنبرة بعملية: أيوه يا مكي، إدي مصطفى التليفون وخليه يكلم أهله علشان يطمنهم، ويقولهم تليفونه كان بايظ.


جاءه صوت مكي مترددا: طب ما ممكن يكونوا مهكرين تليفون أهله؟


ضيق سليم عينيه ورد ببرود محسوب: مش مهم… بالعكس، كده الخطة تمشي صح، لانه كده بيكدب على أهله، وده في صالحنا... وصحيح خليه يقولهم انه هيسافر كام يوم في شغل.


أجابه بتأكيد: تمام… أنت هتفضل فوق؟


زفر سليم بضيق: أعمل إيه؟ ماسة مش مخلياني أتحرك من جنبها.


رد مكي بدهشه: للدرجة دي تعبانة؟


صمت لحظة، وصوته خرج أقل ثباتا: آه.


صمت مكي للحظه ثم قال بنبرة مترددة: كنت محتاج أتكلم معاك.


اجابه مسرعا: اطلعلي نتكلم في التراس؟


رد برفض قاطع: لا مش هينفع.


مد سليم وجهه بأسف: طب الموضوع ينفع يتأجل؟


اجابه: أها عادي، سلملي علي ماسة، سلام 


أنهى سليم المكالمة، وأخفض الهاتف ببطء، نظر أمامه طويلا، ثم استدار قليلا ليتطلع إلى الداخل، فوجد ماسة تميل نحو سلوى، تمسك يدها، وتتحدث بهدوء، لكن ما لفت انتباهه لم يكن الكلمات بل دموع سلوى!! نظر اليها باستغراب لكنه جلس مكانه، حتى يترك ماسة بمفردها كما أمر طبيب ويستغل ذلك الانشغال لعلاجها.

محدش ينسى يضغط على الايك وصله الفصل الف لايك

باقي البارت هنا 👇



وصلوا  الفصل الف لايك يا حلوين لو يفرق معاكم نجاحي وشهرة الرواية 

باقي البارت السادس والعشرين (٣).👇


على اتجاه آخر في الحديقة – أمام النيل


كان مصطفى يجلس على مقعد خشبي يطل على النيل، يحدق في المياه التي تمضي في هدوء لا يشبه اضطرابه، بدا عليه الصبر الممتزج بالضيق؛ صبر يجبر نفسه عليه، وضيق يتآكل داخله لأنه لا يستطيع الاطمئنان على عائلته ولا حتى مقابلة سليم ليعرف إلى أين تمضي الأمور.


مرر يده في شعره بعصبية، وزفر ببطء، في تلك اللحظة، اقترب مكي من الخلف، ووضع يده على كتفه بخفة.


رفع مصطفى عينيه إليه، ثم أعاد نظره إلى النيل دون كلام.


جلس مكي بجواره، وأخذ يراقب ملامحه المتعبة، وتسأل: مالك؟!


مصطفى بصوت مثقل: مضايق، أنا مش عارف لحد إمتى هفضل كده؟! لا عارف أطمن أهلي عليا، ولا أقابل سليم وأفهم آخرة اللى أحنا فيه ايه؟!


أومأ مكي برأسه، ثم قال بهدوء: ما أنت عارف السبب، عموما سليم كلمني من نص ساعة، وسمح إنك تكلم أهلك.


اتسعت عينا مصطفى فجأة، والتفت إليه بلهفة: بجد؟ هات بسرعة!


رفع مكي كفه محذرا: بس استنى، أنت هتقولهم إنك كويس، وإن تليفونك كان بايظ، وجبت رقم جديد ومش حافظ أرقامهم.


عقد مصطفى حاجبيه: طب أقولهم جبت الرقم منين؟


أومأ مكي ببساطه: قول إنك أخدته من حد من صحابك  معاه رقم حد منهم، كأنك جبته منه، بس الشخص ده أوعى يكون ليه صلة بيهم، زي محمد مثلا.


هز مصطفى رأسه: فهمتك.


تابع مكي بنبرة أكثر جدية: وقولهم إنك مسافر النهارده، أي مكان تقعد فيه كام يوم.


تردد مصطفى قليلا: مش هيصدقوا، الباسبور بتاعي هناك.


ابتسم مكي ابتسامة جانبية: مش لازم تسافر بره، قول رايح الغردقة، شرم، مؤتمر، اجتماع شغل، أي حاجة، المهم تبعدهم عن القلق.


صمت مصطفى لحظة، ثم قال بإصرار خافت: تمام.


ناوله مكي الهاتف والخط الجديد، فأمسكه مصطفى بيد مرتجفة قليلا، ونظر إلى الشاشة كأنها باب يوشك أن يفتح على عالمه الحقيقي، ضغط الأرقام ببطء وقلبه يخفق أسرع من صوت رنين الهاتف.


بعد لحظات قليلة، جاءه صوت إيهاب الذي كان يجلس مع نبيلة و محمد وعائشه، خرج صوته واضحا ومباشرا: السلام عليكم!


ابتسم مصطفى، ورد بسرعة اشتاقها قلبه قبل لسانه: إيهاب…


على الفور تعرف إيهاب على صوته، وارتفع صوته بانفعال: مصطفى؟! انت فين؟! قلقتنا عليك.


في تلك اللحظة تحرك الجميع في أماكنهم، وانتبهت نبيلة كأن قلبها سبق أذنيها، فقال برعب أم: مصطفى؟! ابني؟ 


فتح إيهاب الاسبيكر في تلك اللحظه فتداخلت الأصوات، واختلط القلق بالعتاب.


نبيلة بصوت مرتجف: أنت فين يا ابني؟ حرام عليك، قطعت قلبي من القلق.


ابتلع مصطفى ريقه، محاولا ضبط نبرته: اهدوا يا جماعة، أنا كويس، تليفوني باظ.


تدخل محمد فورا، بنبرة شك: باظ إزاي يعني؟ كنت فين؟ أنت منمتش في شقتك!


توتر مصطفى، ونظر سريعا إلى مكي، فأشارله الأخير بصمت: قولهم كنت عند واحد صاحبك..


هز مصطفى رأسه بخفة وقال: كنت عند واحد صاحبي، علشان بظبطلكم الشقة، علشان لما تنزلوا تبقى جاهزة.


زفر إيهاب بقوة: حرام عليك يا بني، قلقتنا، طب قول.


قالت نبيلة بإصرار أموميّ: مصطفى احلف إنك كويس.


ابتسم ابتسامة لا يراها أحد: والله كويس، ده كمان مسافر كام يوم مؤتمر 


صمتوا لحظة، وتسألت نبيلة بقلق: مؤتمر ايه؟ 


أجابها بهدوء: مؤتمر مهم مع دكتور معرفة.


ردت بصوت خافت: يعني إحنا مش هنشوفك، لحد ماتخلص السفرية دي؟


رفع مصطفى نظره الى مكي كي يساعدة، فنظر له وهز رأسه نافيا، فقال مصطفى: مش هطول، كام يوم بس، متقلقيش، المهم خدوا بالكم من آلاء وعرفوها إن أنا كويس ومفيش أي حاجه وإن أنا عملت محضر للواد أخوها ده. 


تنهدت نبيلة، وقالت بتهكم ساخر تخفي  خلفه خوفها: على فكرة بقى أخو المحروسة اللي ابتليتنا بيها جه هنا، واتخانق مع أخوك، ورفع مطوة عليه.


انتفض مصطفى: إيه؟! بتقولي إيه يا ماما؟


ردت باستهجان: بقول اللى حصل.


أكد إيهاب: أيوه فعلا يا مصطفى.


اشتد صوته: إمتى الكلام ده؟


أجابه ايهاب: أول امبارح.


تساءل مصطفي بتوتر: طب عمل حاجه لآلاء؟!


أجابته نبيلة بتهكم لاذع: لا يا أخويا مشفتهاش أصلا، ولا يعرف إن هي هنا، متخافش، أخوك ماسك الشفت مكانك، وواخد باله منها، والله ما حد هيرفعلي سكري غيرك أنت واخوك.


تنفس مصطفى ببطء محاولا السيطرة على انفعاله وقال: متقلقوش منه، مش هيعمل حاجة، ده عيل جبان، وأنا عاملتله محضر عدم تعرض، كل اللي بيعمله دى حلاوة روح، هو جه يعمل مشكلة علشان يخوفكم بس، متقلقوش.


محمد بإصرار: مصطفى أنت فين؟ خليني أجي أشوفك.


أدار مصطفى وجهه بعيدا عن مكي، كأنه يحتمي من عينيه: أنا خلاص هسافر الغردقه، مش عايز افوت عليا فرصة المؤتمر ده لانه ممكن يجبلي شغل كويس؟!


عقد محمد حاجبيه: مؤتمر إيه ده اللي هتستفيد منه اوي كده؟


لم يرد مصطفى، وكأنه لم يسمع السؤال: المهم خدوا بالكم من نفسكم، ومتقلقوش أنا كويس، وهبقى أكلمكم تاني، ده رقمي الجديد.


نبيلة بصوت انكسر أخيرا: يعني بجد كويس يا ابني؟


رد بتأكيد: ايوه يا ماما، كويس متخافيش، شوشو فين؟


عائشة بهدوء: أنا أهو يا مصطفي، عامل ايه وحشتني.


أجابها مصطفي بابتسامه: أنتِ كمان يا شوشو.


عائشه بخفة: والله يا ابنى فضلت اقولهم تلاقي تليفونه باظ، ومسمعوش كلامي، وأنت عارف بقي ماما بتبقي عاملة إزاي لما بتقلق علينا؟


نبيلة بضجر منزعج: مالها ماما بقي، ماطبيعي أخاف عليه! لما الاقيه مختفي بقاله تلات أيام.


تنفس مصطفى ببطء، ثم قال: معلش يا أمي، والله ما كان قصدي، بس لحد ما لقيت حد معاه رقم إيهاب أخدته منه علطول وكلمتكم.


إيهاب بعتاب: طب ما كنت جيت يا مصطفى، حتى تطمنا عليك.


أطرق برأسه رغم أنهم لا يرونه؛ فهو لا يحب أن يكذب عليهم: مكنش ينفع أغيب يا إيهاب، كنت محتاج فلوس، وماصدقت اتعرف على الدكتور ده ممكن يفتحلي باب كبير، يمكن كمان يسفرني بره.


ساد صمت قصير، ثم قالت نبيلة بصوت يختلط في القلق بالدعاء: ماشي يا ابني، ربنا يسترها عليك، ويسهلك أمورك، ويبعد عنك كل شر.


ابتسم مصطفى رغم الغصة في حلقه: أيوه كده يا حاجة ادعيلي، وخدوا بالكم من نفسكم، ومن آلاء.


تعلق صوته للحظة، ثم أنهى المكالمة: يلا، السلام عليكم.


أغلق الهاتف ببطء، وظل ينظر إلى الشاشة لحظة، كأنه يود لو يفتحها من جديد، رفع عينيه إلى مكي، فسأله الأخير بهدوء: كده ارتحت؟


لم يجب مصطفى فورا، تنفس بعمق، ثم قال بصوت خافت لا يخلو من الوجع: اطمنت عليهم آه، بس مش مرتاح.


تنهد مكي، وربت على كتفه برفق أخوي، وقال بمواساة: هي مسألة وقت بس يا مصطفى، أنت عارف، أول ما سليم يقدر ينزل ونتكلم معاه براحتنا، هنفهم اللي في دماغه، بس إنت شايف ماسة تعبانة خالص.


خفض مصطفى رأسه، وصوته خرج مثقلا: والله العظيم أنا مقدر ده، وزعلان على ماسة جدا.


ابتسم بمحبه اخويه تابع: ماسة غالية عليا اوي، ربنا يعلم منزلتها عندي إيه؟! حتى قولت لسليم، أنا مبعرفش أكره حد ولا أفكر بطريقة شريرة، بس عيلته دي؟


أضاف بنبرة غليظه وكراهيه غريبه على غير عادته الهادئه: يستاهلوا الحرق وهم صاحيين، علشان يبقوا عبرة.


صمت لحظة، ثم أكمل بصوت أهدأ: اقولك على حاجة كمان؟ أنا بدأت أصدق الكلام اللي ماسة قالته لما تقابلنا.


نظر له مكي باهتمام: قالتلك إيه؟


تنهد مصطفى موضحا: قالت إنها محتاجة تدي فرصة لسليم وإنها بتحبه، وإنها كانت غلطانة، وإن السبب في اللي حصل مش سليم قد ما هو أهله، قالتلي حتى لو سليم غلطان، السبب كان في تربيته، هو برضو راجل ولما مراته تتغير عليه وتهرب منه أكتر من مرة طبيعي يتجنن..


ابتسم مصطفي بأسى: أنا مكنتش قابل الكلام ده، وكنت بقنعها بالعكس، بس الصراحة بعد اللي عملوه، وبعد اللي شوفته من سليم، اقتنعت بكلامها، وإن ماسة يتخاف عليه من أهله مش منه، ويتخاف عليه هو كمان والله منهم.


رفع عينيه إلى مكي مسترسلا بقرار: علشان كده وافقت أحط إيدي في إيده وأساعده، رغم إني مش عارف أقدر أقدمله إيه؟! أنا كل اللي محتاجه إن أهلي يكونوا في أمان، ومطمنين، غير كده خلاص.


ربت مكي على ظهره بقوة مطمئنة: دي حاجة أوعى تفكر فيها، أمانك وأمان أهلك مسؤوليتي أنا وسليم، أوعدك مفيش حاجة هتحصلهم، وحتى الود اللي أنتم قلقانين منه ده، لو وافقت نتدخل، نخرسه.


هز مصطفى رأسه بسرعة رافضا: لا لا، بلاش، أنا متأكد إنه مش هيعمل حاجة، ده عيل عبيط، أنا عامل فيه محضر كمان.


أومأ مكي: تمام، اللى يريحك، أنا هتصل بسليم وأبلغه بكل اللي حصل.


تردد مصطفى قليلا، ثم قال: هو أنا كده اقدر أكلم أهلي في أي وقت؟ ولا لازم وقت معين؟


فكر مكي لحظة: استنى لما أسأله، بس غالبا هيحتاج إن أهلك يبقى معاهم رقم محدش يقدر يوصلهم منه، يمكن دي آخر مرة تستخدم الرقم ده، أنا فاهم دماغ سليم، هو كان عايز يوصل رسالة علشان لو حد بيسمع المكالمة، يسمع إنك مسافر، علشان اختفائك يبقى مبرر...


تنهد، ثم أكمل: عموما هبلغه وأعرف منه وأقولك، إن شاء الله الأمور تبقى أوضح، ونقعد نتكلم بقى ونفهم كل حاجة.


رفع مصطفى عينيه إلى النيل مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن النظر هروبا… بل انتظارا.


على اتجاة اخري في ميناء بورسعيد


أوقف عرفان سيارته على جانب الطريق، عينيه تتابعان شاحنات مقطورة تمر ببطء أمامه، كان يعلم جيدا ما تحمله تلك الصناديق؛ فقد كانت تحوي المواد الخام الخاصة بمستحضرات التجميل التابعة لصافيناز.


ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم رفع هاتفه واجري اتصالا: ألو، سليم بيه، المواد وصلت، وأنا دلوقتي همشي وراهم.


جاءه صوت سليم هادئا: حلو اوي، ظبطتلي دكتور الكيمياء اللي قولتلك عليه؟


عرفان بثقة: أيوه يا باشا، ظبطته، وعمل المواد زي ما أنت طلبت.


صمت سليم لحظة، ثم قال بنبرة أعمق: طب يا عرفان، اسمعني كويس في اللي هقوله دلوقتي..


انتصب عرفان في مقعده، بتركيز: تمام يا سليم بيه، سامعك.


استمع للتعليمات حتى النهاية، ثم قال: مفهوم.


أغلق الهاتف، وأدار محرك سيارته بهدوء، وتحرك خلف الشاحنات، محافظا على مسافة آمنة، كظل لا يرى.


في مكان آخر، كان سليم يقف في الشرفة، ينظر إلى الأفق بعينين ثابتتين.


أغلق هاتفه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، وهو يتمتم: كده بدأنا الجد، واللعب الصح.


على اتجاه آخر، بمنزل عائلة مصطفى.


ما إن أغلقت نبيلة الخط، حتى رفعت يديها إلى السماء، ودموعها تلمع في عينيها: ألف حمد وشكر ليك يا رب...


قبلت باطن وظهر كفها، وتتمتمت بإمتنان صادق: الحمد لله، كده قلبي ارتاح وأطمن.


عائشة بثقة هادئة: قولتلكم إن أكيد فونه باظ ومحدش صدقني. 


هزت نبيلة رأسها: أه بس برضو، كده اطمنا أكتر.


تحركت عائشة وهي تقول: أنا هطلع أبلغ آلاء، دي كانت قلقانة عليه أوي..


جاء صوت محمد حادا فجأة: وأنتِ مالك؟


توقفت عائشة، ورفعت أحد حاجبيها باستنكار:

يعني إيه وأنا مالي؟


رد ببرود مستفز: يعنى تطلعلها ليه؟ أنا مش عايزك تكلمي البنت دي؟!


مالت برأسها بتعجب: ده بصفة إيه؟!


رد بهدوء: بصيفتي خطيبك.


اومأت برأسها، وردت ببرود لازع: يعني مش جوزي! وبعدين أخويا وأمي واقفين و متكلموش ..


تدخل إيهاب لتهدأة الوضع: شوشو محمد ميقصدش.


ثم نظر لمحمد متسائلا: أنت مش عايزها تكلمها ليه؟!


أجاب بجمود: لأن حصل بسببها مشاكل كتير، أوعوا تكونوا اقتنعتوا بكلام مصطفى ده؟ دى بيحور، مفيش مؤتمرات.


عائشة بتهكم: وأنت علشان مش معزوم يبقي مفيش؟! 


محمد بضيق: لا بس عارف مصطفى، ومش فاهم لحد إمتى هيفضل حاطط نفسه في مشاكل، حتى بعد إللي عمله أخوها.


تنهدت نبيلة بحيرة: هنعمل إيه يا ابني؟ مينفعش أطردها، حرام دي وليه برضو، والشارع مبيرحمش، لما مصطفى يرجع هنشوف صرفه في الموضوع دى.


محمد بحدة: لازم تخليه يطلقها، ماهو عمل محضر ورجع سمعته، يطلقها ويخلص.


تغيرت ملامح عائشة، ولم تعد قادرة على تحمل سخافته وجمود قلبه، فقالت بحدة مكبوتة: أنت مبتعرفش تسكت؟ يا تقول كلمة كويسة يا تسكت خالص!


نظر لها بصدمة: أنتِ بتتكلميني كدة ليه؟!


اقتربت خطوة، وصوتها ارتجف من الغضب: بتكلم كده علشان بجد بقيت مستفز! ولا أنت كده علطول وأنا مكنتش واخدة بالي؟ إيه انعدام الرحمة إللي في قلبك ده؟ ماسة قبل كده كانت جاية من ظروف صعبة، وكل شوية تقول عليها شمال ومشوها، وكأنها مجرمة! ودلوقتي آلاء والكلام إللي قولته لمصطفى! هو أنت مفيش في قلبك رحمة؟


حاول إيهاب التدخل: بالراحة يا عائشة…


ولكن عائشة صرخت بنفاد صبر: لا! علشان زهقت من الأسلوب ده، عندك كلمة حلوة تقولها؟ معندكش؟ أسكت.


تدخلت نبيلة محاولة تهدئتها: في إيه يا عائشة؟ محمد بس خايف على مصطفى.


ردت بقوة: ده مش خوف، ده عدم رحمة.


أشار إيهاب بيده: خلاص، أطلعي فوق مش كنتي طالعة


تنفست عائشة بعمق، ثم قالت بثبات مفاجئ: هطلع بس قبل مطلع عندي كلمتين أقولهم..


إلتفتت إلى محمد، وعيناها ثابتتان عليه: بص يا محمد، من غير دراما ومن غير لف ودوران، أنا فكرت وأخدت قرار، أنا مش هينفع أكمل مع واحد معندهوش رحمة ولا بيحس باللآخرين زيك.


خلعت الدبلة من إصبعها بيد ثابتة، ووضعتها أمامه على الطاولة، فساد صمت ثقيل بصدمة، وتابعت بنبرة لازعة: أنا، استحالة أتجوز واحد بيفكر التفكير ده، ومن اللحظة دي، أنت بالنسبة لي مجرد صديق أخويا وبس. 


تابعت بنبرة قوية وهي تشير بيدها: ولو سمعتك بتتكلم وحش تاني عن آلاء، أو عن ماسة، أو عن أخويا وتقلل من طريقته وتفكيرة، هرد عليك رد مش هيعجبك، لو إيهاب وماما سامحينلك تتكلم كده، أنا لا، وزي ما أنت معندكش تهذيب في لسانك، أنا كمان مش هسكت..


شهقت نبيلة: إيه ده يا عائشة بس؟ استهدي بالله.


ردت بهدوء حاسم: لو سمحتي يا ماما، دى قراري وأنا حرة فيه، عن إذنكم.


واستدارت وصعدت الدرج بخطوات سريعة، وكتفاها مشدودان، لكن رأسها مرفوع.


بينما بقي محمد مكانه، عينيه متسعتان، ينظر إلى الدبلة فوق الطاولة كأنها شيء غريب لا يفهمه، كان كمن فقد النطق فجأة… لم يتوقع يوما أن عائشة الهادئة دائما، ستكون أول من يضع حدا لكلماته.


جلس إيهاب مكانه كأن الكلمات سحبت من فمه، لم يكن يتخيل أن يصل الأمر إلى هذا الحد.


أما نبيلة فضربت كفا بكف، وهي تردد: لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه كده بس يا بنتي؟


ثم إلتفتت إلى محمد، وقالت بنبرة أمومية تحاول أن تحتوي الموقف: متزعلش يا ابني… أنا هكلمها.


مرر محمد يده على وجهه، ومازال مذهولا: أنا مش زعلان، أنا بس مصدوم، والله خايف على مصطفى مش أكتر مش فاهم ليه اخدت كلامي كدة.


تنهد إيهاب، وقال بهدوء صريح: بس أنت برضو كلامك صعب يا محمد، وقولنالك قبل كده بلاش طريقتك دي، عائشة غيرنا… عائشة حساسة، وأنت زودتها شوية.


هز محمد رأسه بإنكار خافت: أنا مزودتهاش… يعني ماسة ماشي، وكلامي كان قاسي مع مصطفى يمكن، بس موضوع آلاء؟ أنا كنت بفكر بعقل.


تدخلت نبيلة بتعب واضح: خلاص يا ولاد، إللي حصل حصل، أنا أصلا مش ناقصة وجع قلب، سيبوني أهدي الدنيا، وأنا هكلم عائشة.


نظر محمد إلى الدبلة فوق الطاولة، ومد يده يلمسها بخفة، وكأنها تحرق أصابعه، وتمتم بصوت منخفض: والله ما كان قصدي حاجة…


ربت إيهاب على كتفه: عارفين إن قصدك مش وحش، بس الطريقة بتفرق، سيبها تهدى وأنت كمان خف شوية.


ساد الصمت في الصالة، صمت ثقيل، ليس فيه صوت إلا أنفاس متقطعة وقلوب مشحونة.


على اتجاه آخر – في منزل آلاء


طرقت عائشة الباب، تحاول أن تهدئ ملامحها رغم الضجيج الذي يملأ صدرها.


فتحت آلاء بسرعة، وما إن رأتها حتى قالت بلهفة:

شوشو!


ابتسمت عائشة ابتسامة مصطنعة، بالكاد ثبتتها على شفتيها: عاملة إيه؟ جيت أطمنك إن مصطفى بخير.


اتسعت عينا آلاء بفرحة واضحة: طب الحمد لله! ادخلي… واقفة ليه؟ 


دخلت عائشة وهي تجول بعينيها في المكان: والدتك فين؟


آلاء موضحه: ماما نايمة.


جلستا في الصالة على الأريكة.


سألت آلاء بقلق لم يختف تماما: كلمكم إمتى؟ هو فين؟


 عائشة بهدوء محسوب: لسه مكلمنا حالا الحمد لله كويس، بس تليفونه بايظ، ومش حافظ أرقامنا، اول ما قابل واحد صاحبه كان معاه رقم إيهاب، كلمنا.


تنفست آلاء براحة: الحمد لله، كنت مرعوبة لحسن يكون محمود عمله حاجة.


أومأت عائشة: الحمد لله، هو بيطمنك كمان وبيقولك عمل المحضر، متقلقيش.


هزت آلاء رأسها، وساد صمت ثقيل للحظه، قبل أن تتساءل آلاء: مالك؟ شكلك زعلانة… ولا يكون مصطفى في حاجة ومش عايزة تقولي؟ بالله عليكي قولي.


ضحكت عائشة بسرعة، ضحكة قصيرة دفاعية: أكيد لو أخويا فيه حاجة مكنتش جيتلك؟ هو الحمد لله بخير، وصحيح نسيت أقولك، هو مسافر مؤتمر وهيقعد كام يوم.


تأملت آلاء وجهها أكثر: طب أنتِ مالك بقى؟


تنهدت عائشة أخيرا، وكأنها لم تعد قادرة على التظاهر: اتخانقت مع محمد، وسبته.


رفعت آلاء حاجبيها: خطيبك؟ 


هزت عائشة رأسها إيجابا بصمت، فتساءلت آلاء بحزن: ليه كده؟


نظرت عائشة أمامها بشرود: قلبه قاسي، وأنا أكتر حاجة بكرهها القلب القاسي.


اقتربت آلاء منها: عمل إيه؟


تنفست عائشة بعمق، ثم قالت: بعدين هقولك، المهم اطمني على مصطفى.


صمتت آلاء لحظة، ثم ابتسمت محاولة تخفيف الجو:

ماشي، بصي أنا كنت عاملة شاي وكيك، هجيبهم ونقعد نتكلم سوا.


أومأت عائشة: ماشي.


نهضت آلاء إلى المطبخ، وبقيت عائشة وحدها على الأريكة، اختفت الابتسامة فورا من على وجهها، ونظرت إلى الفراغ أمامها بشرود … تشعر بلاسى والضيق من محمد واختيارها لذلك الإنسان متحجر القلب.


مصنع كوين لمستحضرات التجميل، 3:00 فجرا.


كان الهدوء يلف المكان بصمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت الرياح الخفيفة.


على مرتفع مقابل المصنع، وقف عرفان، يرتدي نظارة مخصصه للرؤية الليلية، يراقب المبنى بدقة، عيناه لا تتحركان.


في تلك اللحظة، توقفت سيارة سوداء على بعد أمتار.


نزل منها ثلاثة رجال، ملابسهم سوداء، ويرتدون أقنعة سوداء تخفي ملامحهم، وتحركوا للداخل بخفة وخطوات محسوبه، وعندما كانوا يروا أحد أفراد الأمن كانوا يختبئون بشكل احترافي.. 


أكملوا طريقهم داخل المصنع، مروا بين الممرات حتى وصلوا إلى المخازن.


خزانات ضخمة مصطفة، ممتلئة بالمواد الخام الخاصة بالمستحضرات.


تسلقوا أحدها، فتحوا حقائب الظهر، أخرجوا زجاجات صغيرة تحتوي على مساحيق سائلة، سكبوها بعناية داخل الخزانات، ثم استخدموا الملاعق الصناعية الكبيرة لتقليب المحتوى؛ حتى يختلط كل شيء دون أثر واضح.


لم يستغرق الأمر طويلا، كانوا يعرفون ماذا يفعلون، وبعد الانتهاء، خرجوا كما دخلوا بلا فوضى، بلا صوت.


ركبوا السيارة وانطلقت، وكان عرفان يراقب من بعيد، حتى تحركت السيارة، فتنهد بعمق وأدار محركه، وانسحب هو الآخر.


داخل السيارة، ساد صمت لثواني ثم خلع أحدهم قناعه بابتسامة باردة، وهنا ظهر سليم بشحمه ولحمه، وابتسامة لذة ترتسم على وجهه واضحة؛ لذة الانتقام بإيدي… له طعم اخر....

استووووب.

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملةالجزء الأول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا






تعليقات

close