القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اختفت 3 سنوات في مستنقعات فلوريدا… وعادت حية وهي تحمل سرًا مرعبًا

 اختفت 3 سنوات في مستنقعات فلوريدا… وعادت حية وهي تحمل سرًا مرعبًا



اختفت 3 سنوات في مستنقعات فلوريدا… وعادت حية وهي تحمل سرًا مرعبًا


بعض الأسماء والتفاصيل في هذه القصة جرى تعديلها حفاظا على عدم كشف الهوية والسرية. كما أن ليست كل الصور المرتبطة بالقضية تعود إلى المشهد الحقيقي. ومع ذلك فإن الوقائع الجوهرية حدثت وما تزال تعد واحدا من أكثر الأحداث إزعاجا مما سجل في مستنقعات جنوب فلوريدا.

بدأ يوم 14 أكتوبرتشرين الأول 2012 كأي يوم عمل عادي بالنسبة إلى باتريشيا لورانس. كانت في الثامنة والعشرين من عمرها تمضي في مسار مهني صاعد بوصفها مهندسة معمارية للمناظر الطبيعية ولها سمعة تكاد تكون هوسية في التنظيم. كان من يعرفها يقول إن باتريشيا لا ترتجل. كل موعد وكل مكالمة وكل مسار كان يخطط له بعناية. وكانت مذكرتها الجلدية البنية التي لا تفارق مقعد الراكب الأمامي تكاد تكون امتدادا لشخصيتها.

عند الساعة 630 صباحا غادرت باتريشيا شقتها في ميامي. كان الهواء ثقيلا منذ ذلك الوقت مشبعا بالرطوبة وكانت طبقة كثيفة من الضباب تبدأ بالارتفاع من المستنقعات القريبة فتطمس حدود المدينة قبل طلوع الفجر. ارتدت ملابس مريحة لكنها مهنية ونظارات شمسية كبيرة وربطت شعرها إلى الخلف. لا شيء غير مألوف. لا شيء يوحي بأن ذلك سيكون آخر يوم في حياتها كما عرفها الناس.

كانت وجهتها مدينة مابلز وهي مدينة صغيرة على الساحل الغربي لشبه جزيرة فلوريدا. كانت لديها مقابلة عند الثانية بعد الظهر مع عميل نافذ لاعتماد مشروع مهم. انطلقت بوقت كاف كعادتها. بل إنها دونت في مذكرتها توقفا لشرب القهوة في منتصف الطريق.

اختارت القيادة عبر الطريق الأمريكي رقم 41 المعروف محليا باسم طريق تامياني. وهو طريق طويل مستقيم رتيب يقطع قلب إيفرغلادز. مئتان وخمسة وسبعون كيلومترا من الإسفلت تحده أشجار السرو وأدغال المانغروف وقنوات مياه داكنة. ويسميه السكان النفق الأخضر لأن المشهد عبر كيلومترات يبدو كأنه ينطبق على السائق وكأن الطريق يبتلع داخل النبات.

ليست هذه الطريق خطرة من حيث المرور لكنها خطرة بسبب العزلة. فهناك مقاطع كاملة لا توجد فيها تغطية هاتفية ولا محطات وقود ولا مخارج واضحة. إذا حدث شيء لا يلاحظه أحد فورا.

عند الساعة 914 صباحا التقطت كاميرات المراقبة في أحد نقاط التحصيل صورة لسيارة باتريشيا وهي سيدان رمادية. كانت اللقطة مشوشة من زاوية مرتفعة. ظهرت باتريشيا مركزة على الطريق


يد على المقود والأخرى تعدل نظاراتها الشمسية. كانت تقود ضمن السرعة المسموح بها. لم تبد متوترة. لم تكن تتحدث في الهاتف. لم تكن تراقب المرايا باستمرار. كانت صورة عادية تماما.

كانت تلك آخر صورة معروفة لباتريشيا لورانس قبل أن تختفي.

عند الساعة 1030 صباحا اتصل هاتفها المحمول للمرة الأخيرة ببرج اتصالات قرب أوشوبا وهي بلدة تكاد تكون رمزية. هناك تقع أصغر مكتب بريد في الولايات المتحدة مبنى وحيد تحيط به كيلومترات من المستنقعات. ووفق سجلات الفوترة كانت تلك آخر إشارة أطلقها الجهاز.

بعد ذلك صمت.

استبعد الفنيون أن يكون الهاتف قد أطفئ يدويا. وكانت الفرضية الأكثر احتمالا فقدانا كاملا للإشارة أو تدمير الجهاز. ومع أن ذلك الجزء من الطريق معروف بمناطق ميتة إلا أن المعتاد هو أن تعود التغطية بعد كيلومترات لاحقة. في هذه الحالة لم تعد أبدا.

عندما لم تصل باتريشيا إلى اجتماعها في مابلز حاول العميل الاتصال بها. لم يتلق جوابا. اعتقد أنه تأخر. عند الثالثة بعد الظهر اتصل بمكتب ميامي. لم يكن أحد يعرف شيئا. وعند الخامسة بدأ القلق يتحول إلى إنذار.

في تلك الليلة نفسها أبلغت عائلتها عن اختفائها.

بدأت الشرطة البروتوكول المعتاد. جرى التحقق من المستشفيات ومحطات الوقود وكاميرات المرور الإضافية. وبعد ست وثلاثين ساعة عثر أحد الدوريات على سيارة باتريشيا الرمادية متوقفة على كتف الطريق قرب الكيلومتر 60 من الطريق السريع. كانت السيارة مغلقة. لم تكن المفاتيح في مفتاح التشغيل. لا أثر لاصطدام. لا آثار فرملة. لا شظايا زجاج. كان الداخل سليما.

وكانت المذكرة لا تزال على مقعد الراكب الأمامي.

كانت حقيبة باتريشيا داخل السيارة. ومحفظتها وهويتها وبطاقاتها الائتمانية. لم يسرق شيء. بدا الأمر كما لو أن السيارة قد أوقفت عمدا ثم تركت.

أربك موقع السيارة حتى أكثر الضباط خبرة. فالكيلومتر 60 يقع في واحد من أكثر مقاطع الطريق قسوة ووحشة. لا مسارات معلمة ولا مبان قريبة. فقط مياه راكدة ونبات كثيف وصوت دائم للحشرات والطيور.

ليست الإيفرغلادز غابة عادية. إنها نظام بيئي خادع. تبدو الأرض صلبة حتى لا تعود كذلك. هناك مناطق يمكنك أن تمشي فيها أمتارا ثم تهبط فجأة حتى الصدر. قنوات مخفية. كائنات خطرة. تماسيح وأفاع وفهود.

إن كانت باتريشيا قد


خرجت من السيارة بإرادتها فلا يوجد سبب واضح. لم تكن هناك اتصالات استغاثة. لم تكن هناك رسائل. لم توجد دلائل على مطاردة.

بدأت عمليات البحث في اليوم التالي.

فرق إنقاذ ومتطوعون ومروحيات وكلاب تتبع. جرى تفتيش القنوات والأدغال والمناطق المغمورة بالماء. كانت الكلاب تفقد الأثر بعد أمتار قليلة من السيارة. كان الماء يمحو كل شيء. وكانت كل يوميات البحث تنتهي بالنتيجة نفسها لا شيء.

مرت أسابيع ثم أشهر.

توقفت التحقيقات سريعا. لم يكن هناك مشتبهون. لم يكن هناك شهود. لم تكن هناك أدلة مادية تدل على جريمة. اقترح بعض المحققين أن باتريشيا ربما عانت أزمة نفسية ودخلت المستنقع. وتحدث آخرون عن حادث تلاه تيه وفقدان اتجاه.

لكن من عرف باتريشيا رفض ذلك. لم تكن لها سوابق اضطرابات نفسية. لم تكن هناك علامات ضغط شديد. كانت حياتها تمر بمرحلة جيدة.

بدأت القضية تبرد.

خلال السنوات الثلاث التالية نظمت عمليات بحث متقطعة. كان كل موسم جفاف يتيح استكشاف مناطق جديدة. وكان كل اكتشاف محتمل ينتهي بحيوان أو بقايا قديمة أو لا شيء على الإطلاق. بدا أن الإيفرغلادز قد ابتلعت باتريشيا دون أثر.

حتى إن أحدا عثر عليها بعد ذلك بالضبط بثلاث سنوات.

لم تعثر عليها قرب الطريق. ولا في قناة. بل في قلب منطقة عدت شبه غير قابلة للاختراق.

كانت حية.

لكنها تغيرت تغيرا عميقا.

وكانت تمسك بين يديها شيئا لم يستطع أحد تفسيره.

إن لغز قضية باتريشيا لورانس الحقيقي لم يبدأ مع اختفائها.

بل بدأ مع عودتها.

وقع العثور على باتريشيا لورانس في صباح رمادي في أواخر أكتوبرتشرين الأول 2015 بعد اختفائها بنحو ثلاث سنوات تقريبا. كان فريق من حراس الغابات يجري تفقدا روتينيا في منطقة محظورة الوصول داخل منتزه إيفرغلادز الوطني في مساحة تعرف بشكل غير رسمي باسم الوعاء بسبب شكلها الطبيعي انخفاض محاط بنبات كثيف إلى درجة أن ضوء الشمس بالكاد ينفذ إليه.

لم يكن مكانا يمكن أن يصل إليه أحد مصادفة.

لاحظ أحد الحراس شيئا غير طبيعي قرب مجموعة من أشجار السرو. لم يكن صراخا ولا حركة. بل كان سكونا غير مألوف. وعندما اقترب ظن أول الأمر أنه أمام جثة. هيئة بشرية جالسة في الطين مغطاة بالأوساخ بشعر متشابك وثياب ممزقة إلى خرق.

لكن الهيئة رفعت رأسها ببطء.

فتراجع الرجل غريزيا.

كانت المرأة


حية.

لم تتفاعل باتريشيا عندما ناداها باسمها. لم تجب عن أسئلة بسيطة. لم تحاول الوقوف. كانت عيناها مفتوحتين أكثر مما ينبغي بنظرة ثابتة تكاد تكون حيوانية. وكانت بشرتها شديدة الشحوب على نحو لا يتوافق مع من قيل إنها أمضت سنوات في العراء وكانت شفتاها تتحركان بخفة كما لو أنها تتمتم شيئا بلا صوت.

أكثر ما أرعب المنقذين هو ما كانت تمسكه بين يديها.

دمية.

ليست دمية تجارية ولا لعبة طفل معروفة. كانت هيئة بدائية الصنع جسدها من ألياف نباتية وثيابها من قصاصات قماش قديم. وكان شعرها طويلا داكنا شعرا بشريا مثبتا بطريقة غير منتظمة كما لو أنه انتزع ثم خيط أو ربط بصبر هوسي.

كانت باتريشيا تقبض على الدمية بقوة جعلتها لا تفلتها حتى عندما حاولوا رفعها.

اضطروا إلى تخديرها لنقلها.

جرت عملية الإنقاذ بسرية صارمة. ورغم أن بعض وسائل الإعلام علمت بأن امرأة وجدت حية في منطقة نائية فإن هويتها لم تعلن فورا. نقلت باتريشيا إلى مستشفى في نابلس Naples تحت إشراف طبي وشرطي.

كان الفحص الأولي محيرا.

كانت مصابة بالجفاف لكن ليس إلى حد الهزال القاتل. على جسدها ندوب سطحية عديدة ولدغات حشرات قديمة وجروح التأمت على نحو غير منتظم. لم تظهر كسورا ولا إصابات خطرة حديثة. كان وزنها منخفضا لكنه يتوافق مع بقاء طويل مع وصول محدود للطعام.

لم تكن هناك علامات واضحة على اعتداء جسدي.

لكن الضرر النفسي كان جليا.

لم تكن باتريشيا تتكلم. لم تستجب للمؤثرات الخارجية. لم تبد وكأنها تتعرف إلى عائلتها حين استدعيت. كان نبضها يتسارع عند الأصوات العالية أو الأضواء القوية. كانت تنام فترات قصيرة وتفزع كثيرا. وفي كل لحظة كانت تصر على بقاء الدمية قربها. وحين حاول الطاقم أخذ الدمية لتحليلها دخلت باتريشيا في هلع شديد.

قرر الأطباء السماح لها بالاحتفاظ بها.

وفحصت الدمية لاحقا بحذر شديد. تبين أن الشعر البشري عليها يطابق جينيا شعر باتريشيا. كان شعرها هي. قص أو انتزع في أوقات مختلفة. وبدت بعض الألياف كأنها تعرضت للماء فترات طويلة. ولم يكن عمر الدمية أكثر من سنة ما يعني أن باتريشيا صنعتها بعد اختفائها بزمن طويل.

وهذا طرح سؤالا مقلقا

أين كانت خلال العامين الأولين

عاد المحققون إلى الكيلومتر 60. بحثوا عن مسارات محتملة. حللوا خرائط طبوغرافية. للوصول إلى


المكان الذي عثر عليها فيه كان على باتريشيا أن تعبر


 

كيلومترات من أرض معادية وأن تقطع قنوات عميقة وأن تتجنب مناطق ذات حياة برية خطرة. حتى للفرق المدربة كان الوصول بالغ الصعوبة.

أما لامرأة وحدها بلا تجهيزات فكان الأمر يبدو مستحيلا.

بدأ وزن فرضية أن أحدا نقلها إلى هناك يزداد. ومع ذلك لم يعثر على آثار مخيمات ولا أدوات ولا بقايا طعام ولا آثار حديثة لوجود أشخاص آخرين. لم توجد دلائل على حضور بشري طويل سوى باتريشيا.

كان الأمر كما لو أنها كانت وحيدة طوال الوقت.

حاولت الشرطة استجوابها مرارا. انضم علماء نفس متخصصون إلى الفريق. كانوا يتحدثون إليها بلطف ويعرضون أشياء مألوفة وصورا من حياتها السابقة. لم تستجب لفظيا. لم تتفاعل إلا حين يحاول أحد لمس الدمية.

عندها كان يحدث شيء غريب.

كانت شفتاها تتحركان وتصدر أصواتا منخفضة متكررة. ليست كلمات. بل تمتمة إيقاعية تشبه تهويدة.

حلل لغويون تسجيلات هذه الأصوات. لم تطابق أي لغة معروفة. ولم تبد عشوائية. كانت ذات بنية تكرارية كما لو أنها تتبع نمطا متعلما.

وصفت إحدى الأخصائيات سلوكها بأنه تراجع شديد مقرون ب تفكك طويل.

وبعبارة أبسط لم تكن باتريشيا حاضرة بالكامل.

كانت روحها كأنها معلقة في مكان آخر.

ومع مرور الأسابيع ظهرت تفاصيل أكثر إزعاجا. كانت باتريشيا ترتعب من صوت الماء المتحرك الدش الصنابير المطر الغزير. كان نبضها يقفز وتدخل في هلع صامت.

كانت تنام أفضل في غرف مظلمة تماما.

وعندما يذكر أحدهم الطريق أو السيارة أو الرحلة كان جسدها يتوتر على الفور كما لو أنه يتوقع خطرا غير مرئي.

لم تفارقها الدمية قط.

بالنسبة للمحققين لم يعد هذا الشيء مجرد فضول مقلق بل صار مفتاحا محتملا. لم تكن الدمية آلية بقاء نفسي فحسب. ربما كانت خريطة عاطفية. صلة بشيء حدث في المستنقع.

لكن بلا كلمات وبلا ذكريات يمكن الوصول إليها اصطدمت القضية بجدار.

لقد عادت باتريشيا.

لكن الجزء منها الذي غادر عبر الطريق 41 بدا وكأنه عالق عند نقطة غير مرئية في الإيفرغلادز مع ثلاث سنوات ضائعة من حياتها.

وكانت الدمية المصنوعة من شعرها تبدو كأنها الشيء الوحيد الذي يصل بين العالمين.

في مطلع 2016 قبل المحققون حقيقة غير مريحة. إن أرادوا فهم ما حدث لباتريشيا لورانس خلال سنوات اختفائها الثلاث فعليهم أن يتخلوا عن الأساليب التقليدية. لن توجد اعترافات واضحة ولا خطوط زمنية كاملة

ولا إعادة بناء دقيقة. كان المصدر المباشر الوحيد امرأة عالقة في صمت عميق تحميها عقلية قررت ألا تتذكر بالطريقة المعتادة.

انتقل النهج من الاستجواب إلى الملاحظة.

لأسابيع اكتفى الفريق الطبي والنفسي بتسجيل الأنماط أوقات النوم وردود الفعل للمؤثرات والحركات المتكررة وقبل كل شيء تفاعل باتريشيا المستمر مع الدمية. لم تكن الدمية شيئا خاملا. كانت باتريشيا ترتبها وتنظفها بعناية وتحميها إذا اقترب أحد كثيرا. أحيانا كانت تهزها دقائق طويلة وهي تهمس بذلك اللحن بلا كلمات.

واتفق المختصون على أمر واحد الدمية لا تمثل شخصا خارجها. ليست طفلا متخيلا ولا بديلا مباشرا. كانت امتدادا لذاتها.

طرحت معالجة نفسية فرضية مقلقة في العزلة القصوى قد يتشظى العقل كي ينجو فيخلق آخر يشاركه التجربة شاهدا داخليا يجعل الوحدة محتملة. وقد تكون الدمية تجسيدا ماديا لهذا الآلية.

ذات تقاوم حين تنكسر بقية الذات.

لاستكشاف ذلك صممت جلسات علاجية غير اجتياحية. بدل مطالبتها بالكلام قدمت لها مواد ورق أقلام أشياء صغيرة. لم ترسم باتريشيا أشخاصا ولا ذكريات واضحة. رسمت خطوطا كثيفة متداخلة تصنع مناطق داكنة تحيط بها مساحات بيضاء. لاحظ الأطباء أنها تبدأ دائما من الحواف وتتجنب المركز.

وعندما طلب منها أن تشير إلى أماكن على خرائط مبسطة للإيفرغلادز كان إصبعها يتوقف عند مناطق بلا أسماء مساحات مغمورة بلا مسارات. لم تلمس الطريق أبدا.

كأن عقلها محا النقطة التي بدأ منها كل شيء.

وفي الوقت ذاته استمرت التحقيقات الخارجية. عاد خبراء الأدلة إلى السيارة الرمادية. وبعد سنوات من التخزين أعيد فحصها بتقنيات أكثر تقدما. عثر على آثار مجهرية من طين نباتي على الدواسات وأسفل الهيكل تتوافق مع مناطق مستنقعية لكن لم توجد آثار سحب واضحة ولا علامات عراك.

غير أن تفصيلا واحدا لفت الانتباه.

في صندوق السيارة الخلفي مخفيا تحت السجادة وجدت كتلة صغيرة من ألياف نباتية جافة وبقايا عضوية. لم تكن كافية لتحديد مشهد لكنها أشارت إلى أن شيئا ما وضع هناك مؤقتا. شيء حي أو مستخرج للتو من البيئة.

لم يوجد حمض نووي لأشخاص آخرين.

وأعاد ذلك تغذية فرضية مقلقة ربما التقطت باتريشيا شيئا من المستنقع. شيئا لم يكن ينبغي أن يغادره.

وقدم حراس الغابات معلومة إضافية في الإيفرغلادز مناطق لا تفتح للعامة لأسباب بيئية


وثقافية. مناطق ارتبطت بمعتقدات قديمة للسكان الأصليين وعلمت عبر أجيال كمواطن ينبغي تجنبها لا لخطر جسدي بل احتراما.

وبعض تلك المناطق كان يتقاطع مع المكان الذي وجدت فيه باتريشيا.

لم يكن ذلك دليلا لكنه أضاف طبقة رمزية يصعب تجاهلها.

وعندما بدأت باتريشيا تظهر تحسنا طفيفا استخدمت تقنية مختلفة وضعت ميكروفونات بيئية ليلا لا لتسجيلها بل لتسجيل الأصوات التي يبدو أنها تطمئنها. تبين أنها تنام أفضل عند تشغيل أصوات الحشرات والريح لا أصوات الماء الجاري.

المستنقع من دون ماء يتحرك كان يهدئها.

وفي إحدى الليالي خلال جلسة حدث ما لم يتوقعه أحد. أخذت باتريشيا الدمية ووضعتها على الطاولة دون أن ترفع بصرها. ثم أشارت إلى ندبة قديمة على ساعدها. ولأول مرة نظرت إلى المعالجة مباشرة.

ونطقت كلمة واحدة.

لم تكن اسما ولا مكانا.

كانت فعلا

الانتظار.

ثم عادت إلى الصمت.

غير هذا الصوت الوحيد مسار القضية.

فالانتظار يعني زمنا. يعني وعيا. يعني أن باتريشيا لم تكن في حالة غياب دائم أو هذيان مستمر. لقد قضت فترات طويلة في يقظة تترقب شيئا.

لكن من كانت تنتظر

أو ماذا

منذ ذلك الوقت بدأ المحققون يفكرون في احتمال أشد ظلمة أن باتريشيا لم تكن تنجو في المستنقع فحسب بل كانت تمكث في مكان بعينه وقتا طويلا. موضعا تعود إليه. نقطة ثابتة.

نظمت بعثات جديدة بسرية لا للبحث عن بقايا بشرية بل عن تغييرات في البنية الطبيعية أكوام تراب أشجار تحمل علامات متكررة مناطق ينمو فيها النبات بشكل غير منتظم.

الإيفرغلادز قديمة لكنها هشة. وحتى حضور بشري ضئيل يترك أثرا مع الزمن.

وفي إحدى هذه البعثات عثر فريق على شيء مقلق. ليس كوخا ولا مخيما تقليديا بل دائرة من أغصان متشابكة مغطاة بطبقات من أوراق جافة. كان داخلها التراب متماسكا كما لو أن أحدا مكث هناك شهورا.

لم تعثر على أدوات حديثة. لا بلاستيك. لا معدن.

فقط ألياف نباتية.

وعالقا بين الأغصان خصلة صغيرة من شعر داكن.

طابق شعر باتريشيا.

كان الموضع يبعد كيلومترات عن المكان الذي وجدت فيه. وكان الوصول إليه ممكنا لكن فقط لمن يعرف الأرض معرفة حميمة. لمن تعلم كيف يتحرك بلا أثر.

لم يحل هذا الاكتشاف اللغز. لكنه أكد أمرا جوهريا

لم تكن باتريشيا تتجول بلا هدف ثلاثة أعوام.

لقد تعلمت أن تنتمي إلى المستنقع.

وفي ذلك التحول بقي شيء منها هناك


ينتظر حتى بعد إنقاذها.

غير العثور على الملجأ البدائي فهم قضية باتريشيا لورانس بصورة لا رجعة فيها. لم تعد قصة امرأة نجت بالمصادفة وهي تتنقل بلا اتجاه. كان هناك قصد. وكان هناك تكيف. وقبل ذلك كله كان هناك استقرار.

لم تكن دائرة الأغصان بنية عشوائية. أجمع خبراء البقاء الذين استشيروا على أنها مصممة لإخفاء حرارة الجسد والحماية من الريح وتحويل المطر دون مواد حديثة. لم تكن باتريشيا المهندسة الحضرية لتعرف بناءها قبل اختفائها. كان ذلك علما اكتسبته مع الزمن.

تعلمته هناك.

تجنب المحققون إعلان الأمر. خشوا اجتذاب الفضوليين أو إثارة تأويلات استعراضية. لكن داخليا كان السؤال حتميا من كانت باتريشيا خلال تلك الأعوام الثلاثة

بدأ علماء النفس يتحدثون عن هوية وظيفية ثانية. لا شخصيات متعددة بالمعنى التقليدي بل نسخة متكيفة منها صنعت لتنجو في بيئة عدائية. تلك النسخة لا تحتاج إلى كلمات معقدة ولا إلى ذكريات الماضي. تحتاج إلى روتين. انتظار. مراقبة.

وبقاء.

أما باتريشيا فواصلت العلاج. لم يتدهور حالها لكنه لم يتقدم خطا مستقيما. كانت هناك أيام تقبل فيها أن تأكل وحدها دون الدمية على الطاولة. وفي أيام أخرى ترفض الطعام إن لم تكن الدمية بين يديها.

لقد صار الشيء مرساة.

في يوم ما خلال جلسة هادئة جربت المعالجة شيئا آخر. وضعت أمام باتريشيا عدة ألياف نباتية مشابهة لتلك التي وجدت في الملجأ. دون كلام. اكتفت بتركها. نظرت باتريشيا إليها طويلا. ثم أخذت بعضها وبدأت تجدله بحركات بطيئة دقيقة.

كانت تعرف تماما ماذا تفعل.

لمدة ساعة تقريبا عملت في صمت. وفي النهاية صنعت شكلا صغيرا ناقصا. لم تكن دمية كاملة. بل جذعا بلا رأس.

عندما سئلت لأول مرة إن كانت تريد الحديث عن ذلك هزت رأسها نفيا برفق. لكنها أشارت إلى الشكل الناقص ثم لمست الدمية التي لا تفارقها.

كان الفرق واضحا.

إحداهما ناقصة.

والأخرى مكتملة.

تلك الليلة شهدت باتريشيا أسوأ نوبة منذ إنقاذها. استيقظت وهي تصرخ وهو ما لم يحدث من قبل. كررت عبارة متقطعة لعدة دقائق. لم تكن متماسكة لكن كلمة واحدة كانت تتكرر بوضوح يكفي لتسجيلها

إنهم يأتون.

لم تدم النوبة طويلا. ثم سقطت في إنهاك عميق. زاد الأطباء الجرعات لكن الكلمة بقيت عالقة في هواء فريق التحقيق.

من الذين يأتون

استشير حراس الغابات مجددا. وتحدث بعضهم


ممن لهم سنوات طويلة في المنطقة عن شيء قلما يظهر في تقارير رسمية أشخاص يدخلون


 الإيفرغلادز ولا يخرجون. لا سياحا تائهين بل أفرادا يختارون البقاء. مجموعات صغيرة شبه غير مرئية. ليست بالضرورة عنيفة لكنها منفصلة جذريا عن العالم.

لم تكن هناك أدلة صلبة. مجرد حكايات متناثرة ظلال بين الأشجار مخيمات تظهر ثم تختفي إشارات لوجود بشري بلا أثر متصل.

لم يعد ممكنا استبعاد احتمال أن باتريشيا تواصلت مع أحد.

ومع ذلك لم تكن هناك علامات احتجاز. لا إصابات تشير إلى تقييد. لا نمط اعتداء. إن كان هناك آخرون فلم تبد العلاقة علاقة قسر واضح.

وهذا جعل الأمر أكثر إزعاجا.

عادت الدمية إلى مركز الاهتمام. لاحظ الخبراء أنها ليست مجرد رمز. بنيتها تحاكي نسب جسد بالغ لا طفل. عقد الشعر ليست عشوائية. تتبع نمطا يكاد يكون طقوسيا. بعض الألياف النباتية عولجت براتنجات طبيعية وهو ما يتطلب نارا مضبوطة.

كانت باتريشيا قد أتقنت تقنيات معقدة.

وعندما عرضت عليها صورة جوية للملجأ الذي عثر عليه استجابت فورا. غطت عينيها. تسارع نفسها. ثم احتضنت الدمية بجزع.

كان ذلك خوفا.

لكن ليس من المكان.

بل خوفا من أن يرى ذلك المكان.

منذ ذلك تغيرت الجلسات. لم يعد الهدف استعادة الذكريات بل فهم الحدود. بدت باتريشيا كأنها تحمي شيئا. لا سرا محددا بل نمط حياة كان ضروريا للبقاء.

الكلام عنه قد يحطمها.

وفي مرة سألتها المعالجة مباشرة إن كان هناك شخص آخر معها. لم تجب. لكنها وضعت الدمية على الأرض ثم غطتها بأوراق جافة متخيلة ثم جلست فوقها كما لو أنها تخفيها.

كانت الإشارة واضحة

حماية. إخفاء. صمت.

بدأ المحققون يتقبلون خلاصة جزئية لقد وجدت باتريشيا طريقة للوجود في الإيفرغلادز لا يمكن ترجمتها إلى لغة الحياة اليومية. لم تكن ضحية سلبية ولا مغامرة بإرادتها. لقد عبرت حدا نفسيا.

وكان لعودتها ثمن.

لأن كل محاولة لفهم ما حدث كانت تدفعها بصورة أو بأخرى نحو ذلك العالم الأخضر الصامت المغلق الذي تعلمت أن تسميه موطنا.

لم يعد السؤال ماذا حدث لباتريشيا لورانس

بل هل عادت فعلا بالكامل

مع مرور الشهور لم تعد القضية تعامل كتحقيق نشط بل دخلت فئة أكثر غموضا وإحراجا. رسميا عثر على المرأة حية. لا جريمة مثبتة. لا مسؤول محدد. ومن زاوية القانون كان الملف يقترب من الإغلاق. لكن من زاوية الإنسان كان كل شيء يبدأ.

نقلت باتريشيا إلى منشأة تأهيل طويلة الأمد بعيدا عن الإعلام

والفضول العام. كان المكان محاطا بالنبات اختير عمدا لتقليل الصدمة الحسية. أدرك الأطباء أن إعادتها فجأة إلى بيئة حضرية قد تحدث تراجعا لا يمكن إصلاحه.

ومع ذلك بدا أن كل تقدم يأتي مصحوبا بخسارة.

مع الزمن بدأت باتريشيا تنطق كلمات متفرقة أكثر. أفعال بسيطة. أكل. نوم. انتظار. ذهاب. لكنها لم تتحدث قط بصيغة الماضي. ولم تستخدم أسماء أشخاص. كأن لغتها تجمدت في حاضر دائم وظيفي بلا تاريخ.

وحين تسأل عن حياتها قبل المستنقع كانت نظرتها تفرغ. لا حزن ولا فزع. فقط غياب. بدا ذلك الجزء من هويتها غير متاح كغرفة مغلقة ضاعت مفاتيحها.

أما الدمية فظلت محورا.

اقترح عالم أنثروبولوجيا جنائي يعمل مع الفريق قراءة مختلفة في ثقافات كثيرة صناعة تماثيل من الشعر الشخصي لا ترتبط بالطفولة بل بطقوس انتقال. أشياء تمثل جزءا من الذات يجب حمايته أو نقله أو احتواؤه.

ليست ألعابا.

بل روابط.

أقلق هذا التصور المحققين. لأنه يعني أن الدمية ليست رمز هشاشة بل رمز سيطرة. وعاء لشيء لا تستطيع باتريشيا أن تسمح بضياعه.

أو بكشفه.

وخلال تقييم أعمق ظهر تفصيل آخر مزعج. كانت باتريشيا تمتلك معرفة دقيقة بدورات الطبيعة. كانت تتنبأ بالمطر قبل ساعات. وتتعرف إلى أصوات بعيدة لحيوانات يحتاج الخبراء وقتا لتمييزها. كان جسدها يستجيب غريزيا لتغيرات طفيفة في الحرارة أو الضغط.

كأن جهازها العصبي أعيد ضبطه.

لم تضعفها الإيفرغلادز.

بل غيرتها.

أثار هذا التحول توترا بين المختصين. رأى بعضهم ضرورة إعادة إدماجها تدريجيا في المجتمع. ورأى آخرون أن الإصرار على تطبيعها قد يكون شكلا من العنف النفسي. لم تعد باتريشيا الشخص نفسه الذي غادر ميامي عام 2012. والتمسك بذلك إنكار لثلاث سنوات كاملة من وجودها.

لكن كيف يمكن قبول ذلك

كانت عائلتها تعيش تناقضا دائما. امتنان لكونها حية ومواجهة لامرأة غريبة. امرأة لا تتذكر حكايات مشتركة ولا تتفاعل مع صور قديمة ولا تنطق أسماء كانت جزءا من حياتهم لعقود.

قالت أمها في مقابلة خاصة عبارة سجلت في التقرير النفسي

عادت ابنتي لكن صوتها بقي هناك.

كانت تلك الجملة تلخص كل شيء.

وقع الحدث الأكثر حساسية بعد نحو عام من الإنقاذ. أثناء نزهة مراقبة في حدائق المنشأة توقفت باتريشيا فجأة. كان اتجاه الريح قد تغير. وصلتها رائحة الماء الراكد من بركة قريبة.

دخلت

باتريشيا في هلع.

لم تصرخ. لم تهرب. بقيت جامدة تحبس أنفاسها كأن جسدها يستعد للاختفاء. وحين حاول الطاقم الاقتراب انحنت وغطت الدمية بجسدها وتمتمت بكلمة بالكاد تسمع

ليس بعد الآن.

بعد تلك النوبة حدث تراجع كبير. عاد الصمت شبه التام. توقفت الجلسات أسابيع. كان واضحا أن شيئا قد تحرك حدا خفيا لا يجوز تجاوزه.

خلص علماء النفس إلى أن باتريشيا طورت شكلا متطرفا من التكيف الانتقائي. عقلها تعلم ماذا يتذكر وماذا يحجب لكي يستمر. إن إجبارها على استعادة الذاكرة كاملة لم يكن غير مجد فحسب بل قد يكون خطرا.

في هذه الأثناء أغلقت التحقيقات رسميا. خلص التقرير النهائي إلى أن باتريشيا ربما تعرضت لنوبة تفككية تلتها نجاة طويلة في بيئة عدائية. لم يذكر التقرير ملاجئ ولا دمى ولا معارف مكتسبة. كان وثيقة نظيفة. مرتبة. مقبولة.

لكنه لم يكن الحقيقة كلها.

احتفظ بعض أعضاء الفريق بنسخ شخصية من ملاحظات وتسجيلات ومشاهدات. لا مؤامرة بل قلقا. كان هناك عناصر كثيرة لا تنسجم مع تشخيص تقليدي.

أسئلة كثيرة بلا جواب

هل كانت وحدها تماما

هل تعلمت كل شيء بمفردها

أم أنها راقبت آخرين دون احتكاك مباشر

لم توضح باتريشيا ذلك قط. لم تنف ولم تؤكد وجود أي شخص. لم يكن صمتها مقاومة بل كان انسجاما مع العالم الذي تعلمته.

عالم قد يكون فيه الكلام الكثير خطرا.

ومع السنوات وصلت باتريشيا إلى قدر من الاستقرار. تعلمت التعايش مع آخرين في مجموعات صغيرة. لم تقد السيارة مرة أخرى. ولم ترغب في الاقتراب من طرق طويلة. كان ضجيج المرور المتواصل يربكها.

وجدت السكينة في أعمال متكررة البستنة وجدل الألياف والمشي البطيء بين الأشجار.

وفي النهاية وضعت الدمية في صندوق خشبي. قبلت باتريشيا الانفصال عنها لكن بشرط واحد أن يبقى الصندوق مغلقا وألا يلمسه أحد.

واحترم الطاقم تلك القاعدة.

اليوم تعيش باتريشيا لورانس في مجتمع محمي. لا تجري مقابلات. ولا تشارك في إعادة تمثيل القضية. بالنسبة إلى العالم هي ناجية استثنائية. وبالنسبة إلى من يعرفها قربا هي شخص عبر حدا غير مرئي وعاد جزئيا.

لا تزال الإيفرغلادز واسعة صامتة هناك.

ومع أن أحدا لم يعثر على ملاجئ مشابهة فإن بعض حراس الغابات يؤكدون أنهم في ليال بعينها يلاحظون إشارات طفيفة لوجود بشري في أماكن لا ينبغي أن يوجد فيها أحد. ليست مخيمات.

ليست نارا. مجرد تغيرات طفيفة في النبات. آثار أقدام يبتلعها الماء.

قد يكون ذلك مصادفة.

وقد تكون باتريشيا لم تكن استثناء بل واحدة من القلة الذين عادوا.

ليس اللغز كيف نجت ثلاث سنوات في المستنقع.

بل اللغز ماذا تعلمت هناك جعل من المستحيل أن تعود تماما كما كانت.

وهل ما تعلمته في عمق الإيفرغلادز ما يزال ينتظر من يتوغل بما يكفي ليسمعه.

ومع مرور الوقت توقف اسم باتريشيا لورانس عن الظهور حتى في المنتديات المتخصصة. ابتلعت قصتها اختفاءات أخرى وقضايا أحدث وأكثر ضجيجا وأسهل تفسيرا. ومع ذلك ظل من تابع الملف منذ بدايته يشعر بأن شيئا جوهريا بقي بلا حل.

لا لنقص الأدلة.

بل لفائض الصمت.

بعد سنوات من الإنقاذ طلب أحد المحققين الأصليين إذنا بالاطلاع على الملفات التكميلية التي لم تدرج في التقرير النهائي. كانت ملاحظات هامشية وتسجيلات مستبعدة ومشاهدات سريرية لم تنسجم مع التشخيص الرسمي. لم يكن في ذلك خرق للقانون. إنما عد كل ذلك غير ذي صلة.

والمقلق أنها حين قرئت مجتمعة كونت نمطا واضحا.

لم تتعلم باتريشيا البقاء فقط.

بل تعلمت الاختفاء.

أبلغ عدة شهود بشكل غير مباشر ممن يعملون قرب أطراف الإيفرغلادز خلال تلك السنوات عن شعور بأن أحدا يراقبهم من دون أن يروا أحدا. لم يتحدثوا عن هجمات ولا لقاءات مباشرة. تحدثوا عن صمت مفاجئ للطيور وعن مسارات تتبدل من يوم لآخر وعن إحساس بأن الهواء يضغط فجأة.

في وقتها عزي ذلك إلى التوتر والحر والإيحاء.

لكن باتريشيا كانت تصف الظواهر نفسها حين تسأل عن الأماكن الآمنة.

لم تكن تشير إلى خرائط. كانت تتعرف إليها بالإحساس بتغيرات دقيقة في الهواء وبكيفية احتباس المكان لأنفاسه.

دون أحد الأطباء النفسيين شيئا كاشفا بعد جلسة طويلة لم تكن باتريشيا تتحدث عن الاختباء من الحيوانات. كانت تتحدث عن ألا يراها المشهد نفسه.

وكأن للمستنقع وعيا.

طبعا رفضت الفكرة فورا. لكن أحدا لم يستطع تفسير لماذا كانت باتريشيا تتجنب مناطق أكثر أمانا موضوعيا وتشعر بالطمأنينة في أماكن يراها الخبراء قاتلة.

كانت منطقا آخر.

غير إنساني.

وفي مناسبة نادرة وافقت باتريشيا على الرسم. لم ترسم بيوتا ولا أشخاصا. رسمت خطوطا طبقات من نبات وماء وفراغ. أماكن يمكن لشيء أن يوجد فيها بلا أثر. ولما سئلت عما تمثله أجابت بجملة بسيطة

هناك لا يمر الوقت.

غيرت تلك العبارة زاوية النظر العلاجي. لم يعد ينظر إلى باتريشيا كمن فقد الإحساس

 

بالزمن بل كمن طور إحساسا مختلفا به. إدراكها ل قبل وبعد لم يكن محطما بل معاد التنظيم.

ثلاث سنوات بالنسبة إليها لم تكن فراغا.

بل استمرارية أخرى.

وأظهر تحليل شعر الدمية بعد سنوات وتحت شروط صارمة أمرا لم يلاحظ أولا لم يكن كل الشعر لباتريشيا. كانت الغالبية لها لكن كانت هناك خصلات ببنية وراثية مختلفة. لم تكن كافية لتحديد هوية شخص بعينه لكنها كانت كافية لتأكيد وجود إضافي.

لم يعلن ذلك أبدا.

رسميا نسب إلى تلوث بيئي. أما غير رسميا فقد خلق سؤالا لم يرغب أحد في نطقه

إن لم تكن وحدها فمع من تقاسمت ذلك الوقت

والأهم لماذا لم يعد غيرها

لم تتحدث باتريشيا عن بشر آخرين لكنها كانت تستخدم صيغة الجمع في لحظات محددة كنا ننتظر. كنا نعتني. تعلمنا. وعندما تطلب منها توضيحات كان الكلام يغلق من جديد. لم يكن في رد فعلها خوف ظاهر. كان هناك قانون داخلي لا ينبغي خرقه.

كقاعدة تعلمتها بآثار واضحة.

ومع السنوات بدأت باتريشيا تشارك في أعمال مجتمعية خارج البيئة السريرية دائما في مناطق ريفية. لاحظ المشرفون شيئا غريبا النباتات حولها كانت تنمو أفضل. لا أسرع بل أكثر استقرارا. والحيوانات تقترب بلا إنذار.

لم يكن ذلك قدرة خارقة. كان طريقة وجود لا تحدث اضطرابا.

اختفاء داخل الحضور.

دعي حراس غابات متقاعد عمل عقودا في الإيفرغلادز ليراقبها دون أن يعرف من تكون. وبعد ساعة قال تعليقا قصيرا

هي تعرف متى يقبلك المكان.

أنهت الجملة الحديث.

ومنذ ذلك اتخذ قرار غير مكتوب لن تدفع باتريشيا لاستعادة الذاكرة. لن تجبر على الشرح. لن يستخرج علمها ولا يوثق. لا أخلاقا علمية فقط بل حذرا.

ثمة أشياء تعمل لأنها لا تقال.

واليوم حين تراجع إحصاءات الاختفاء

في المناطق المستنقعية هناك رقم قلما يذكر انخفاض طفيف في الحوادث في مناطق بعينها من الإيفرغلادز خلال فترات محددة. لا بسبب مراقبة أكثر. ولا بسبب تغير مناخي.

بل لأن الناس لم يدخلوا.

كأن شيئا أو أحدا رسم حدودا غير مرئية.

لا تزال باتريشيا لورانس حية. تتقدم في العمر. تبتسم أحيانا. تنام نوما عميقا في الليالي التي بلا قمر. لا تعود إلى المستنقعات لكنها لا تتجنبها تماما. تعرفها من بعيد كما يعرف مكان قررت فيه قطعة من الذات أن تبقى.

قد لا يكون أعظم إنجاز هو النجاة.

بل ربما كان أن تتعلم التعايش مع بيئة لا تحتاج إلى أن تقهر أو تفسر أو تسمى.

وربما لم يكن الخطر الحقيقي هو أن تضيع في الإيفرغلادز.

بل أن تفهمها أكثر مما ينبغي.

آخر ملاحظة رسمية في ملف باتريشيا لورانس تحمل تاريخ مارسآذار 2019. ليست تقريرا طبيا ولا وثيقة قضائية. إنها ملاحظة إدارية قصيرة شبه عادية كتبتها عاملة اجتماعية تابعت القضية لسنوات

طلبت المريضة تقليل التواصل المؤسسي أكثر. تظهر استقرارا عاطفيا واستقلالا وظيفيا ورغبة قوية في حياة متوارية. لا تلاحظ مخاطر فورية.

لا شيء غير ذلك.

بعدها لم تعد باتريشيا قضية. صارت قانونيا مواطنة عادية.

لكن القصص نادرا ما تنتهي حين تغلق الملفات.

في الشهور التالية لفك ارتباطها الرسمي وقعت حوادث صغيرة لا تعني شيئا منفردة مجموعة متنزهين تاهت قليلا في منطقة معلمة وعادت سالمة ووصفت شعورا غريبا بأنها عادت في الوقت المناسب. صياد مخالف وجد فاقد الوعي مصابا بالجفاف لا يتذكر كيف خرج من المستنقع. وطائرة مسيرة للمراقبة فقدت الإشارة بشكل انتقائي ضمن دائرة محددة أياما عدة.

لم تربط أي من هذه الأحداث بعضها ببعض.

لكنها حدثت

كلها في مناطق كانت باتريشيا قد أشارت إليها قبل سنوات بخطوط بسيطة في رسوماتها.

ليست خرائط دقيقة. ولا إحداثيات. بل مناطق انتقال.

أماكن قالت عنها إن المستنقع يقرر.

عثر باحث شاب انضم حديثا لبرنامج حماية مصادفة على نسخة رقمية من أحد تلك الرسومات أثناء مراجعة أرشيف قديم. لم يكن يعرف من رسمها لكن الشبه بين تلك الخطوط وأنماط نباتية لاحظها هو نفسه في صور ساتلية لفت انتباهه.

انتبه إلى شيء مقلق النمو لم يكن يتبع منطقا بيئيا تقليديا. كان انتقائيا. واقيا. كأن البيئة تعلمت أن تنغلق على نفسها في لحظات بعينها.

وعندما سأل عن صاحبة الرسم نصحه مشرفه بابتسامة متشنجة أن يترك الموضوع.

ليس كل ما يفهم يجب دراسته.

وانتهى فضوله المهني هناك.

أما باتريشيا فاستقرت في مجتمع صغير قرب الحد الشمالي للأراضي الرطبة. لا داخلها مباشرة. ولا خارجها تماما. عملت في مشتل للنبات تعتني بأنواع يعدها الآخرون صعبة. وبين يديها كانت تبقى حية.

لم تتحدث عن ماضيها. ليس لأنها لا تستطيع بل لأنها لا تحتاج. لم تعد هويتها تعرف بما فقدته بل بما تعلمت أن تصغي إليه.

وفي واحدة من المقابلات القليلة التي أجرتها دون تسجيل أجابت عن سؤال لا يجرؤ كثيرون على طرحه مباشرة

ما الذي أبقاك حية

فكرت طويلا قبل أن تجيب

أن أتوقف عن المقاومة.

لم تكن إجابة شاعرية بل حرفية.

قالت باتريشيا إنها في الأيام الأولى حاولت أن تهتدي وأن تتقدم وأن تخرج. كان كل تحرك اعتداء على البيئة. كل قرار إعلان حرب. وكان المستنقع يرد بالارتباك والإعياء والخوف.

تغير كل شيء عندما توقفت.

عندما توقفت عن فرض اتجاه وبدأت تراقب.

أجبرها الجوع على الانتباه. وعلمها الصمت تمييز أصوات صغيرة. وتحول

الخوف إلى احترام. ثم صار الاحترام شيئا يشبه توافقا.

ليس ميثاقا واعيا. ولا تحالفا.

بل تكيفا متبادلا.

لم تقل إن المستنقع حي بالمعنى البشري. قالت شيئا أشد إزعاجا

إنه منتبه.

ولم تكن تلك الانتباهية رحيمة ولا عدائية. كانت غير مبالية. ولهذا كانت خطرة. لكنها كانت قابلة للتوقع إذا تعلم المرء إيقاعها.

وقالت إن المشكلة أن القليل يريد التعلم. الجميع يريد العبور والفتح واختصار الطريق. لا أحد يريد البقاء طويلا بما يكفي ليقبل.

وعندما سئلت عن الدمية كانت إجابتها الأطول على الإطلاق.

قالت إنها مرساة.

شيء يذكرها بمن تكون بينما كانت تتعلم كيف لا تكون أحدا.

لم يكن الشعر علامة فقد بل علامة حضور. دليلا على أن الوقت يمضي حتى حين يبدو متوقفا. لم تؤكد ولم تنف وجود أشخاص آخرين. قالت فقط إن المستنقع لا يعيد ما لا يعرف كيف يطلقه.

لم تدرج تلك الجملة في أي تفريغ مكتوب.

واليوم ما يزال المقطع من الطريق 41 حيث اختفت باتريشيا واحدا من أكثر المقاطع رهبة لدى السائقين ليلا. ليس بسبب الحوادث بل بسبب الإحساس بأنك تدخل شيئا يراقب بلا عيون.

لا إشارات جديدة. لا تحذيرات رسمية.

فقط قصص.

سائقون يؤكدون أنهم رأوا عند الفجر امرأة ساكنة بين الأشجار. لا تطلب نجدة. لا تتحرك. فقط هناك. وعندما يرمشون تختفي.

لم تؤكد باتريشيا هذه المشاهدات ولم تنفها. وحين ذكرها أحدهم أمامها ابتسمت لأول مرة طوال الحديث.

قالت المستنقع يتذكر لكن ليس بالطريقة التي تظنون.

قد تكون تلك الحقيقة الأشد إزعاجا.

أن بعض الأماكن لا تنسى.

وأن بعض الناس يعودون لكن ليس تماما.

وأن النجاة لا تعني دائما أن تعود كما كنت بل أن تتعلم كيف توجد على الحافة غير المرئية بين عالمين.

ملف باتريشيا لورانس مغلق.

لكن الإيفرغلادز ما تزال مفتوحة.

تنتظر.

منتبهة.

 

تعليقات

close