توفيت أختي وتركت لي توائمها الثلاثة… وبعد 5 سنوات عاد والدهم ليأخذهم لأنه “يحتاج وريثًا”!
توفيت أختي أثناء الولادة فأصبحت أما لأطفالها الثلاثة وبعد خمس سنوات عاد والدهم الوقح ليأخذهم لأنه يحتاج إلى وريث لشركته.
اسمي صوفيا.
قبل خمس سنوات انهار عالمي عندما توفيت أختي سارة أثناء ولادتها لتوائمها الثلاثة أونو دوس وتريس.
لم يكن والد الأطفال إلى جانبها. فقد تخلى فرانكو عن سارة منذ اللحظة التي علم فيها بحملها قائلا إن الأطفال سيكونون عبئا على مسيرته المهنية بوصفه وريثا لإحدى الشركات الكبرى.
وفي أنفاسها الأخيرة أمسكت أختي بيدي.
قالت
صوفيا أرجوك لا تتخلي عن أطفالي اعتني بهم من أجلي
ومن بين دموعي وعدتها
أعدك يا أختي. سأكون لهم أما وأبا.
ومنذ ذلك اليوم تخليت عن حلمي بأن أصبح مهندسة معمارية.
بعت أرض العائلة في القرية لأعيل التوائم. كنت أبيع الكعك عبر الإنترنت وأعمل مدرسة خصوصية وأتولى كل عمل إضافي أستطيع إيجاده.
لم يكن تربية ثلاثة أطفال في الوقت نفسه أمرا سهلا ليال بلا نوم إرهاق وجوع. لكن في كل مرة كانوا ينادونني ماما بيا كان كل العناء يختفي.
أصبحوا حياتي.
أصبحوا عالمي.
كان ذلك في عيد ميلاد التوائم الخامس. أقمنا احتفالا صغيرا في مرآب منزلنا المستأجر معكرونة دجاج مقلي وكعكة خبزتها بنفسي. كان الجميع سعداء.
حتى توقفت سيارة رباعية الدفع سوداء لامعة أمام البوابة.
ترجل منها رجل يرتدي بدلة ونظارة شمسية تفوح منه رائحة الثراء.
كان فرانكو.
وكان برفقته محام وعدة حراس شخصيين.
ساد الصمت بين الضيوف. وقفت وتقدمت لأقف أمام الأطفال.
قلت وصوتي يرتجف
ما الذي جاء بك إلى هنا
خلع فرانكو نظارته الشمسية ونظر حول منزلنا باشمئزاز.
قال
صوفيا. مضى
وقت طويل.
ثم نظر إلى التوائم.
إذا هؤلاء هم حسنا. لا بأس. إنهم يشبهونني.
صرخت
ليس لك حق فيهم! لقد تخليت عن أختي! تركتها تواجه مصيرها وحدها!
سخر فرانكو وقال ببرود مستفز
لا تبالغي. جئت لأخذهم. والدي مريض ويجب أن يرى وريثا قبل أن يرحل حتى أستطيع أن أرث الشركة كاملة. أحتاج الأطفال.
كلماته لم تكن مجرد جمل عابرة بل كانت طعنات باردة. لم يذكر أسماءهم. لم يقل أطفالي بدفء بل قالها كما لو كانوا أوراقا رسمية يجب توقيعها أو أسهما يجب نقل ملكيتها.
ارتجف جسدي غضبا لكنني تماسكت.
ستستخدمهم من أجل المال اخرج من هنا! لن يذهبوا معك!
ابتسم بسخرية وأخرج من جيبه دفتر شيكات فاخرا فتحه ببطء متعمد وكأنه يستمتع بإذلالي.
خذي. عشرة ملايين بيزو. مقابل خدماتك كمربية لهم طوال خمس سنوات. هذا أكثر من كاف لتبدئي حياتك من جديد. أعطيني الأطفال ووقعي هنا.
لم أفكر. صفعت الشيك بقوة فطار في الهواء واستقر على أرضية المرآب قرب الطاولة التي كانت عليها كعكة عيد الميلاد.
أطفالي ليسوا للبيع! لست مربيتهم. أنا أمهم!
ضحك ضحكة طويلة مليئة بالاستهزاء.
أمهم انظري إلى نفسك يا صوفيا. أنت فقيرة. تعيشين في حي متواضع. ماذا تستطيعين أن تقدمي لهم الحب لا يمكنهم أن يأكلوا الحب. معي سيدرسون في الخارج سيعيشون في قصر سيركبون سيارات فاخرة. لا تكوني أنانية.
تقدم خطوة نحو الأطفال وصوته أصبح ناعما زائفا
أونو دوس تريس تعالوا مع أبي. سأشتري لكم ألعابا كثيرة. روبوتات سيارات سباق أي شيء تريدونه.
تشبث الصغار بثوبي. أحسست بأنفاسهم تتسارع خلفي. تريس بدأ يبكي.
لا أريد! أريد ماما بيا!
عندها تغير وجه
فرانكو. سقط القناع.
سأقاضيك! أنا الأب البيولوجي. أنا ثري. وأنت مجرد فقيرة. لن يقف أي قاض إلى جانبك. سأعود غدا بأمر قضائي. جهزي أغراضهم.
ثم استدار وغادر والمحامي والحراس خلفه كما لو كانوا يخرجون من مشهد استعراضي. صعدوا إلى السيارة الفاخرة وغادروا تاركين خلفهم صمتا ثقيلا وكعكة عيد ميلاد لم تقطع.
بقيت واقفة هناك أحاول أن أبدو قوية لكن الدموع غلبتني. احتضنت أطفالي الثلاثة بقوة كأنني أحاول أن أذيبهم في صدري حتى لا يستطيع أحد انتزاعهم مني.
تلك الليلة لم أنم. جلست قرب أسرتهم أراقب وجوههم الصغيرة. تساءلت هل يمكن للقانون أن ينتزع مني كل ما عشت من أجله
حل يوم الجلسة في المحكمة أسرع مما توقعت.
دخلت القاعة بقلب ثقيل لكن رأسي مرفوع. كان فرانكو يجلس في الصف الأمامي يرتدي بدلة داكنة تحيط به مجموعة من المحامين الأنيقين. بدا واثقا كما لو أن الحكم قد صدر بالفعل لصالحه.
قال محاميه بصوت رسمي
سيدي القاضي موكلي رجل أعمال ناجح ملياردير يستطيع أن يوفر مستقبلا باهرا للأطفال. أما خالتهم صوفيا فهي بلا وظيفة مستقرة وتعيش في منزل ضيق لا يليق بمستقبلهم.
وقف فرانكو وتحدث بتمثيل واضح
أحب أطفالي يا سيدي القاضي. أريد إنقاذهم من الفقر الذي تعيشهم فيه هذه المرأة.
نظرت إليه. لم يكن في عينيه حب بل حسابات.
رفع القاضي نظره إلي.
آنسة صوفيا هل لديك ما تقولينه
وقفت. لم يكن معي محام. لم يكن لدي فريق دعم. كنت وحدي.
كنت أرتدي بلوزة بسيطة وتنورة داكنة. لا مجوهرات لا مظاهر.
سيدي القاضي بدأت بصوت ثابت صحيح. لا أملك قصرا. ولا سيارة رياضية. لكن عندما أصيب أونو بحمى الضنك
بقيت إلى جانبه ثلاث ليال دون نوم. عندما خطا دوس خطواته الأولى كنت أنا من أمسكه حتى لا يسقط. وعندما بكى تريس ليلا مشتاقا لأمه كنت أنا من معه حتى نام.
ساد صمت في القاعة.
التفت إلى فرانكو.
أين كنت أنت في تلك اللحظات كنت تسافر تحتفل تبني صورتك أمام الصحافة.
اعتراض! صرخ محاميه.
لكنني تابعت.
ويدعي أنني لا أستطيع إعالتهم
أخرجت مستندا من حقيبتي وناولته للمحضر ليقدمه للقاضي.
هذه البيانات المالية لشركتي.
قرأ القاضي ثم رفع رأسه بدهشة واضحة.
آنسة صوفيا أنت مالكة شركة صوفيا سويتسكيب مزود الحلويات لأكبر سلاسل المقاهي في البلاد
همهمة خافتة انتشرت في القاعة.
تجمد فرانكو.
ماذا
أجبته بثقة لم أعرفها في نفسي قبل سنوات
نعم. بينما كنت تعتبرني عبئا كنت أعمل ليلا ونهارا. لم أعلن عن نفسي لأنني أردت لأطفالي حياة طبيعية بعيدة عن الأضواء. لكن إن كانت المسألة مالا فأنا أملك ما يكفي وأكثر.
لم أرفع صوتي. لم أحتج إلى ذلك. كانت الحقيقة وحدها كافية لتسقط كل ما بناه من غرور.
اقتربت خطوة إلى الأمام وكأنني أستعيد كل خطوة تراجعتها يوما تحت ضغط الخوف.
بل وأكثر من ذلك
أخرجت ملفا آخر من حقيبتي وناولته إلى الكاتب ليقدمه للقاضي.
أنا المستثمر المجهول الذي اشترى تدريجيا نسبة كبيرة من أسهم شركتك خلال العامين الماضيين. فعلت ذلك لأضمن أن مستقبل الأطفال لن يرتبط أبدا بمزاجك أو بقراراتك المتقلبة.
تحول وجهه إلى لون شاحب وكأن الأرض انزلقت من تحت قدميه.
هذا مستحيل تمتم وهو ينظر إلى محاميه الذي بدا بدوره مذهولا.
لم أجب. فقط رفعت الورقة الأخيرة الورقة التي حملت توقيع أختي سارة ذلك التوقيع الذي ارتجفت يداها وهي تخطه قبل أن تغادر الحياة.
وقبل كل ذلك سيدي القاضي
هذه أوراق التبني الموقعة من أختي سارة قبل وفاتها والمصدقة قانونيا. أنا الوصية القانونية والحاضنة الشرعية. أنا أمهم في القانون كما أنا أمهم في القلب.
ساد صمت عميق في القاعة.
فحص القاضي الوثائق بدقة قلب الصفحات ببطء ثم أعادها إلى الطاولة. نظر إلى فرانكو ثم إلي ثم إلى الأطفال الجالسين في الخلف.
ضرب بمطرقته.
تحكم المحكمة لصالح صوفيا. لا حقوق للأب فرانكو تجاه الأطفال. ويلزم بدفع تعويض قدره خمسة ملايين بيزو عن الأذى النفسي الذي تسبب به.
كان صوت المطرقة حاسما لكنه بالنسبة لي بدا كأنه إعلان نهاية حرب طويلة.
شهق الحضور. همسات نظرات تعجب.
صرخ فرانكو
هذا غير مقبول! إنهم أطفالي!
لكن صوته هذه المرة لم يكن قويا كما كان. كان صوت رجل يرى نفوذه يتبخر أمام عينيه.
وفجأة وقف أونو من المقعد الخلفي. كان صغيرا بالكاد يصل رأسه إلى حافة المقعد لكن صوته خرج واضحا مرتجفا بالشجاعة.
أنت لست أبانا! اذهب بعيدا!
ساد الصمت مجددا.
في تلك اللحظة شعرت بأنني لم أعد وحدي في المواجهة. أطفالي أنفسهم اختاروا.
لم أتمالك نفسي. دموعي هذه المرة لم تكن دموع خوف بل دموع ارتياح عميق دموع انتصار بعد صبر طويل.
خرجنا من قاعة المحكمة بخطوات بطيئة لكنها ثابتة. لم أكن أستعجل. لم أعد أهرب من شيء. كنت أمشي نحو حياة اخترتها بوعي.
كان الصحفيون
ينتظرون في الخارج. كاميرات تومض ميكروفونات تمتد نحوي وأسئلة تتسابق قبل أن أتمكن حتى من التقاط أنفاسي.
آنسة صوفيا! ما تعليقك على الحكم
هل صحيح أنك أصبحت المساهم الأكبر في شركة فرانكو
هل ستتخذين إجراءات أخرى ضده
توقفت لحظة. لم يكن المشهد يخيفني لكنه لم يعد يغريني أيضا. قبل سنوات كنت سأرتبك. كنت سأشعر بأنني صغيرة أمام كل هذا الضجيج. أما الآن فكنت أعرف بالضبط من أنا وماذا أريد.
قلت بهدوء واضح
لا أريد شهرة. أريد فقط أن أعيش بسلام مع أطفالي.
لم أزد حرفا. لم أشرح لم أبرر لم أستعرض. ثم أكملت طريقي.
كان أونو يمشي بجانبي يرفع رأسه بين الحين والآخر ليرى الكاميرات لكنه لم يبد خائفا. أمسك دوس بيدي بقوة وكأنه يتأكد أنني ما زلت هنا. أما تريس فكان يلتصق بي من الجهة الأخرى يراقب الناس بعينين واسعتين.
قال دوس بصوت خافت وهو يشد على أصابعي
ماما بيا هل انتهى كل شيء هل لن يعود ذلك الرجل
انحنيت قليلا حتى أصبحت في مستوى عينيه ومسحت على شعره الناعم.
نعم يا حبيبي. انتهى.
لم يكن وعدا عاطفيا فقط. كان يقينا قانونيا وداخليا.
سأل تريس الذي كان دائما أكثر حساسية
هل نحن عائلة حقيقية
توقفت عن المشي تماما. ضممتهم الثلاثة إلي وسط ضجيج الشارع غير آبهة بمن ينظر.
قلت
نحن عائلة لأننا اخترنا بعضنا كل يوم. لأننا استيقظنا معا
وأكلنا معا وبكينا وضحكنا معا. هذا أهم من أي ورقة وأقوى من أي اسم.
نظر إلي أونو بعينين جادتين تفوقان عمره.
يعني لن يغير أحد هذا
ابتسمت.
لا أحد.
ركبنا سيارتي الجديدة. لم تكن سيارة فاخرة تلمع في الشوارع لكنها كانت رمزا لرحلة طويلة. اشتريتها حين بدأت أرباح شركتي تنمو بثبات لا لأتباهى بل لأقول لنفسي إنني استطعت.
جلست خلف المقود وأغلقت الباب ببطء. لأول مرة منذ أسابيع شعرت بأن صدري يتسع بالكامل.
أخذت نفسا عميقا.
نظرت في المرآة الخلفية فرأيت وجوههم الثلاثة. كانت ملامحهم الصغيرة لا تزال تحمل أثر التوتر لكنها مزينة بابتسامة خفيفة. كانوا يتجادلون حول من سيختار الفيلم الليلة ومن سيجلس قرب النافذة.
قال أونو
أنا الأكبر إذا أنا أختار الفيلم!
رد دوس سريعا
لا! الدور لي!
ضحك تريس وهو يقول
ماما بيا تختار!
ضحكت معهم وكان صوت ضحكهم أفضل موسيقى سمعتها في حياتي.
انطلقت بالسيارة ببطء مبتعدة عن المحكمة عن الكاميرات عن الرجل الذي ظن يوما أن المال يستطيع أن يشتري كل شيء.
رفعت نظري إلى السماء من خلال الزجاج الأمامي.
يا أختي سارة لقد أوفيت بوعدي.
تذكرت يدها الباردة في المستشفى. تذكرت صوت الأجهزة ورائحة المعقم ونظرتها الأخيرة المليئة بالرجاء. كانت خائفة على أطفالها لا على نفسها.
لم أكن أعلم آنذاك أنني سأخوض حربا
قانونية وأنني سأتعلم لغة العقود والأسهم وأنني سأقف في قاعة محكمة وأدافع عن حقي كأم.
لم أكن أعلم أنني سأتحول من فتاة تبكي في ممر المستشفى إلى امرأة تسقط إمبراطورية بكلمة واحدة.
لكنني تعلمت.
تعلمت أن الأمومة ليست بيولوجيا فقط.
ليست اسما في شهادة ميلاد.
ليست دما يجري في العروق.
الأمومة تضحية.
سهر طويل حتى الفجر.
قلق عند أول سعال.
ابتسامة ترسم رغم التعب.
يد تمتد في كل سقوط.
وصدر يتسع لكل خوف.
الأمومة أن تختاريهم كل يوم حتى في الأيام التي تكونين فيها متعبة محطمة أو خائفة.
انتصر الحب.
انتصر الصبر.
وانتصرت الكرامة.
عندما وصلنا إلى المنزل فتح أونو الباب بسرعة وركض إلى الداخل. تبعه دوس وهو يصرخ
أنا سأساعد ماما في إعداد العشاء!
أما تريس فالتفت إلي قبل أن يدخل وعاد خطوة صغيرة وعانقني فجأة.
أحبك يا ماما بيا.
ركعت قليلا وضممته.
وأنا أحبك أكثر مما تتخيل.
دخلوا إلى البيت وامتلأ المكان بأصواتهم وضحكاتهم. وضعت مفاتيحي على الطاولة ووقفت لحظة عند الباب.
نظرت إلى الداخل.
لم أعد الفتاة التي فقدت أختها وارتجف قلبها خوفا من المستقبل.
ولم أعد المرأة التي خافت أن تسلب منها عائلتها بقرار متعجرف.
أنا صوفيا.
امرأة اختارت أن تتحمل المسؤولية.
وأم اختارت أن تحب بلا شروط.
وقفت هناك لحظة أطول ثم دخلت وأغلقت الباب خلفي.
هذه المرة لم يكن إغلاقا على خوف بل على أمان.
انتهت المعركة.
وبدأت الحياة.
النهاية.


تعليقات
إرسال تعليق