القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

بعـد وفـا.ة أمـي، عثـرت داخـل مصحفها القـديم علـى ورقـةٍ صـفراء صـغيرة تحـمل عـنوانًا وتـاريخًا…

 بعـد وفـا.ة أمـي، عثـرت داخـل مصحفها القـديم علـى ورقـةٍ صـفراء صـغيرة تحـمل عـنوانًا وتـاريخًا…



بعد وفـ,ـاة امي 

بعـد وفـا.ة أمـي، عثـرت داخـل مصحفها القـديم علـى ورقـةٍ صـفراء صـغيرة تحـمل عـنوانًا وتـاريخًا…


ذهبـتُ إلـى ذلك الـعنوان، وهنـاك انحبـس نفسـي عـندما اكـتشفتُ الـحقيقة.


كان عالمي دائمًا يقتصر عليّ وعلى أمي. لم أعرف أبي قط؛ كانت تخبرني أنه توفي قبل أن أولد.


عندما شُخصت إصابتها بالسرطان في الربيع الماضي، شعرتُ وكأن الهواء اختفى من صدري.


كانت كل ما أملك. قـاتلنا المرض معًا بكل ما نستطيع، أتـنقل بها بين المستشفيات، أتمسّك بالأمل كطفلٍ يخشى الظلام.


لكن قبل أيام قليلة… رحلت.


أتذكر أنني كنتُ أمسك بيدها في غرفة المستشفى حين همست بصوتٍ متقطع: أتمنى أن تسامحيني يومًا ما.


وبعدها بلحظات… توقف نفسها.


دخل الأطباء مسرعين، عمت الفوضى، وأنا أقف عاجزة لا أستوعب ما يحدث.


هل كانت تريد أن تخبرني بشيء ولم يمهلها الوقت؟


منذ رحيلها وأنا أهرب من التفكير. أحاول أن أُشغل نفسي بأي شيء حتى لا أغرق في الفراغ الذي تركته.


بعد أيام من الجنازة، ذهبتُ إلى بيتها لأبدأ في ترتيب أغراضها ووضعها في صناديق.


دخلتُ غرفة نومها، وأخذتُ المصحف من على الطاولة الجانبية.


كان كتابها القديم… الذي اعتادت أن تقرأه كل مساء. للحظةٍ شعرتُ وكأنها تقف خلفي.


فجأة لاحظتُ طرف ورقة صغيرة يخرج من بين الصفحات. سحبتها ببطء.


كانت قديمة، مجعّدة الحواف.


عليها عنوان… وتاريخ:12 مارس 1983.


(وُلدت بعده بستة أشهر).


تجمّدت في مكاني. لم أعرف ماذا أفكر.


كان واضحًا أن الورقة كانت مهمة جدًا لأمي، فقد احتفظت بها كل هذه السنوات.


أدركتُ أنني لا أستطيع تجاهل الأمر.


أدخلتُ العنوان في خرائط الهاتف، فاكتشفتُ أنه يقع في قرية تبعد ثلاث ساعات عن بيت أمي في ضواحي المنصورة.


في صباح اليوم التالي، جهزتُ نفسي وانطلقتُ بالسيارة.


كلما اقتربتُ، ازداد قلقي.


الطريق ضيق، تحيط به الحقول، والبيوت متناثرة.


وصلتُ أخيرًا إلى منزلٍ صغير قديم في قرية هادئة قرب مركز أجا.


بدا للحظةٍ وكأنه مهجور، نوافذه باهتة، وسوره منخفض.


ترددتُ.ركبتاي كانتا ترتجفان.


لكنني جمعتُ شجاعتي وطرقتُ الباب.


فتح لي فتى في الخامسة عشرة تقريبًا.


نظر إليّ بذهول… كأنه رأى شبحًا.


وقبل أن أنطق، جاءت امرأة مسرعة خلفه.


كانت في أواخر الأربعينيات، ملامحها متعبة لكن عينيها دافئتان.


ابتسمت وقالت:


يا إلهي… إنها أنتِ. كنتُ أعلم أن هذا اليوم سيأتي. بالتأكيد لديكِ الكثير من الأسئلة.


وقفتُ أمامها، قلبي يخفق بعنف، وقلتُ بصوتٍ مرتعش:


من أنتِ؟ وكيف تعرفينني؟


نظرت إليّ طويلاً… ثم قالت بهدوءٍ ثقيل:ادخلي… لقد حان الوقت لتعرفي الحقيقة التي أخفتها عنكِ أمكِ طوال حياتها…. صلي على محمد وتابع معايا👇


 


 


أغلقتُ الباب خلفي، وكأنني أُغلق آخر ما تبقى لي من يقين.


رائحة البيت كانت غريبة… مزيج من خشب قديم وقهوة مغلية منذ قليل. جلستُ على أريكة بسيطة، بينما الفتى ظل واقفًا يحدّق بي بعينين واسعتين، نفس لون عينيّ تمامًا.


لاحظتُ الشبه في اللحظة نفسها التي لاحظ فيها هو.


المرأة جلست أمامي، وضعت يديها في حجرها، ثم قالت بصوتٍ منخفض:


— اسمي هالة… وأنا أخت أمكِ.


توقفت أنفاسي.


أختها؟


أمي لم يكن لديها إخوة. هكذا كانت تقول لي دائمًا. كانت تؤكد أنها وحيدة في الدنيا… مثلي.


ابتلعتُ ريقي وقلت: — أمي كانت يتيمة… هكذا أخبرتني.


أطرقت هالة برأسها قليلًا، ثم رفعت عينيها نحوي: — لم تكن يتيمة. لكنها اختارت أن تكون كذلك.


ارتجف قلبي.


— ماذا تقصدين؟


تنهدت بعمق، كأنها تزيح صخرة عن صدرها: — في عام 1983… ارتكبت أختي خطأً كبيرًا في نظر عائلتنا.


تصلّبتُ في مكاني.


— كانت مخطوبة لرجل من القرية… ابن عمي. الجميع كان ينتظر الزواج. لكنه سافر للعمل في الخليج، وتأجل كل شيء. وخلال تلك الفترة… تعرّفت أختي على رجل آخر.


شعرتُ بأن الأرض تميد بي.


— رجل من المدينة. كان يعمل مهندسًا في مشروع زراعي هنا. أحبته… ووعدها بالزواج.


نظرتُ إلى التاريخ المكتوب على الورقة في ذهني: 12 مارس 1983.


— ثم؟ همستُ.


— ثم اختفى. فجأة. بلا عنوان، بلا رسالة، بلا وداع.


الصمت في الغرفة أصبح خانقًا.


— وبعد أشهر… اكتشفت أختي أنها حامل.


وضعتُ يدي على فمي.


— كانتِ أنتِ.


لم أستطع التنفس.


كل شيء بدا وكأنه حلم ثقيل.


— جدي… والدنا… كان رجلًا صارمًا. اعتبر الأمر فضيحة. أراد أن يُجبرها على الزواج من خطيبها الأول فور عودته ليستر الأمر.


— وهل وافق؟ سألتُ بصوت بالكاد يُسمع.


هزّت رأسها: — عندما علم بالحمل… فسخ الخطوبة فورًا. وقال أمام الجميع إنها ليست شريفة.


شعرتُ وكأن صفعة هبطت على وجهي.


— وفي تلك الليلة… طردها أبي من البيت.


دموعي انهمرت دون إذن.


— حاولتُ أن أذهب معها… لكنني كنت صغيرة، ولم أملك الشجاعة. تركتها تسير وحدها في الظلام… وهي تحملكِ في أحشائها.


أغمضتُ عينيّ.


أمي… وحدها.


حامل.


مطرودة.


— ولماذا لم تبحثوا عنها؟ صرختُ فجأة.


انكمشت ملامح هالة: — بحثتُ أنا. سرًا. عرفتُ أنها ذهبت إلى المنصورة، وعملت خياطة في ورشة صغيرة. لكنها رفضت رؤيتي عندما ذهبتُ إليها بعد ولادتكِ.


— لماذا؟


— قالت لي إن حياتها انتهت هنا. وإنها لن تسمح لأحد أن يعرف بوجودكِ… حتى لا تُلاحقي بوصمة لم ترتكبيها.


سقطتُ إلى الخلف، كأنني فقدتُ القوة.


— لكنها كانت تزور هذا البيت… أحيانًا.


حدّقتُ بها: — ماذا؟


— بعد وفاة أبي بسنوات. كانت تأتي ليلًا. تقف عند السور. تنظر إلى البيت من بعيد. مرةً واحدة فقط دخلت.


التفتت نحو الفتى: — يوم وُلد أحمد.


نظر إليّ الفتى، وابتسم ابتسامة خجولة.


— أحمد… ابنكِ؟ سألتُ.


— نعم. أخوكِ.


توقف قلبي.


أخ؟


— أمي كانت تحملكِ بين ذراعيها عندما جاءت. نظرت إليّ طويلاً، ثم قالت: “لي ابنة أخرى… لكنها لا يجب أن تعرف عن هذا المكان.”


لماذا؟


لماذا يا أمي؟


— أعطتني ورقة صغيرة. نفس العنوان الذي معكِ. وقالت: “إن حدث لي شيء… وإذا جاءت يومًا… أخبريها بالحقيقة.”


شعرتُ أن الكلمات تثقل الهواء.


— لكنها لم تأتِ مجددًا.


— لماذا الآن؟ سألتُ وأنا أرتجف.


— لأن المرض أعادها إلى ذكرياتها. اتصلت بي قبل ستة أشهر.


شهقتُ.


— ماذا؟


— قالت إنها لا تملك الكثير من الوقت. طلبت مني أن أكون مستعدة… إن قررتِ المجيء.


انفجرتُ بالبكاء.


أمي كانت تعرف.


كانت تعرف أنها سترحل.


وكانت تخبئ الحقيقة في قلبها… وفي مصحفها.


— وماذا عن… أبي؟ خرج السؤال أخيرًا.


تبادلت هالة نظرة سريعة مع أحمد.


— اسمه سامح.


الاسم دوّى في رأسي.


— هل… هل ما زال حيًا؟


صمتٌ ثقيل.


ثم قالت بهدوء: — نعم.


تسارعت ضر.بات قلبي.


— يعيش في الإسكندرية. تزوج بعد رحيله عن هنا بعامين. لديه أسرة… وأطفال.


أحسستُ بشيء ينك.سر داخلي.


— هل يعلم بوجودي؟


هزّت رأسها: — لا.


— لم تحاولي إخباره؟


— أختي رفضت بشدة. قالت إنه اختار الهروب، ولا يستحق أن يعرف.


وقفتُ فجأة.


— أريد عنوانه.


نظرت إليّ هالة طويلاً: — هل أنتِ متأكدة؟


— لا أعرف. لكنني لا أستطيع أن أعيش بنصف قصة.


غادرتُ البيت بعد ساعات، وأنا أحمل عنوانًا آخر.


في الطريق، كنتُ أفكر في كل شيء.


أمي.


وحدتها.


تضحياتها.


كيف لم أشعر يومًا أنها تخبئ سرًا بهذا الحجم؟


ربما كنتُ صغيرة… وربما كانت قوية جدًا.


عند الغروب، وصلتُ إلى عمارة حديثة تطل على البحر.


وقفتُ أمام الباب… وترددتُ.


هل أطرق؟


ماذا سأقول؟


أنا ابنتك التي لم تعرف عنها شيئًا؟


رفعتُ يدي… وطرقت.


فتح رجل في أواخر الخمسينيات.


شعره رمادي، وملامحه مألوفة بشكل مؤلم.


عيناه… عيناي.


نظر إليّ باستغراب: — نعم؟


لم أستطع الكلام.


كنتُ أرتجف.


— هل الأستاذ سامح موجود؟


— أنا سامح.


الصمت بيننا كان طويلًا.


شعرتُ بأن الكلمات تختنق في حلقي.


— اسمي… ليلى.


لا شيء تغيّر في وجهه.


— جئتُ من المنصورة.


شيء ما لمع في عينيه.


— المنصورة؟


همستُ: — كنتَ هناك عام 1983.


تجمّد.


— كنتَ تعمل في مشروع زراعي في قرية قرب أجا.


تراجع خطوة.


— من أنتِ؟


دموعي انحدرت ببطء.


— أنا… نتيجة تلك الفترة.


شحب وجهه.


— ماذا تقولين؟


— أمي اسمها نادية.


الاسم ضر.به كالرعد.


رأيته يتشبث بإطار الباب.


— نادية…؟ تمتم.


— نعم. ما.تت قبل أيام.


صمت.


ثم جلس على أقرب كرسي، وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.


— هل… هل لديكِ دليل؟


أخرجتُ الورقة الصفراء.


كان عنوان هذا البيت مكتوبًا بخط يده.


أمسكها، وبدأت يداه ترتجفان.


— كنتُ شابًا أحمق… همس.


— خفتُ من المسؤولية. عندما أخبرتني أنها حامل… لم أستوعب. عدتُ إلى الإسكندرية بحجة العمل… وقررت ألا أعود.


دموعي اشتعلت غضبًا.


— وتركتها وحدها تواجه كل شيء؟


خفض رأسه: — نعم.


— هل فكرتَ بي يومًا؟


لم يجب.


الصمت كان إجابته.



— تزوجتَ… وأنجبتَ… وعشتَ حياتك؟


— حاولتُ أن أنسى.


كلماته كانت كسكين.


— لكنها لم تنسكَ.


رفعتُ رأسي بفخر: — ربّتني وحدها. لم تحتجك.


نظر إليّ بعينين دامعتين: — سامحيني.


ضحكتُ بمرارة: — لستُ أنا من يجب أن تسامحه.


غادرتُ دون أن أسمح له بالمزيد.


في الطريق، شعرتُ بثقلٍ غريب يزول من صدري.


لم أكن أبحث عن أب.


كنت أبحث عن الحقيقة.


والآن وجدتها.


عدتُ إلى بيت أمي.


جلستُ على سريرها، وأمسكتُ المصحف.


فتحتُ الصفحة التي كانت تضع فيها الورقة.


همستُ: — سامحتكِ يا أمي.


فهمتُ الآن.


كانت تخاف عليّ.


أغلقتُ عينيّ، وشعرتُ بسلامٍ لم أعرفه منذ رحيلها.


وفي اليوم التالي…


عدتُ إلى القرية.


طرقتُ باب هالة.


عندما فتح أحمد، ابتسمتُ له.


— أختكِ رجعت؟ قال مبتسمًا.


أومأتُ.


دخلتُ، وجلستُ معهما.


هذه المرة لم أشعر بالغربة.


كان لديّ أخ.


كان لديّ خالة.


كان لديّ جذور.


ربما لم يكن الماضي مثاليًا…


لكنه لم يعد سرًا.


وأحيانًا…


الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، تمنحنا بداية جديدة.


صلِّ على محمد ❤️


أغلقتُ الباب خلفي، وكأنني أُغلق آخر ما تبقى لي من يقين.

تمت 


تعليقات

close