القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

قال لها: حسابات منفصلة… فردّت بطريقة دمّرت غروره!

 قال لها: حسابات منفصلة… فردّت بطريقة دمّرت غروره!



قال لها: حسابات منفصلة… فردّت بطريقة دمّرت غروره!

 

مجرد حركة واحدة على شاشة الهاتف. بلا صراخ بلا ضجيج بلا شهود. لكنها كانت اللحظة التي بدأت فيها حياتها تتداعى.

مزق هدير محرك سيارته سكون المساء كإعلان عن سطوة ما. لم يكن الصوت المعتاد الذي يصل به من العمل كان أعلى أكثر تعجرفا كأن المركبة نفسها تحتفل بشيء. نظرت إلى الساعة المعلقة فوق الموقد السادسة والنصف تماما. لم يكن خافيير يصل باكرا إلى هذا الحد.

جففت يدي في المئزر تلك القطعة البالية من القماش التي صارت دون أن أدرك رمزا للطريقة التي يراني بها بسيطة منزلية قابلة للاستغناء. ومن الممر سمعت كيف ألقى مفاتيحه على قطعة الأثاث عند المدخل أثاث من خشب فاخر كان يتباهى بشرائه بسعر مغر غير عالم بأنني دفعت سرا أكثر من نصف ثمنه كي لا يتجاوز ميزانيته.

لوسيا! صاح.

لم يكن نداء تحية. كان أمرا.

دخل المطبخ بصدر منتفخ وابتسامة متباهية لم تبلغ عينيه. كان يحمل تحت ذراعه زجاجة شمبانيا فرنسية من تلك التي لا نفتحها إلا في مناسبات مهمة.

اجلسي قال واضعا الزجاجة على جزيرة الرخام بضربة حادة.

ماذا حدث سألت بهدوء.

تمت ترقيتي أعلن مديرا ماليا إقليميا. المدير المالي لوسيا. أخيرا أدركوا من الذي يحرك الأرقام في تلك الشركة.

ابتسمت. في البداية بفرح صادق. كنت أعلم كم تمنى ذلك المنصب.

مبارك تستحقه.

رفع يده مقاطعا إياي.

نعم أستحقه. أنا من كان يبقى حتى وقت متأخر أنا من جلب العملاء أنا من تحمل الضغط. والآن الراتب بمستواه اللائق. أربعون في المئة زيادة دون احتساب المكافآت.

فتح الزجاجة بحركة ظافرة. ملأ كأسين لكن قبل أن يناولني كأسي تبدل وجهه. حل محل النشوة شيء بارد محسوب.

لوسيا مع هذا الوضع الجديد ستتغير الأمور.



تتغير سألت.

نعم. من الناحية المادية. دعينا نكن صريحين. أنت تعملين في تلك المكتبة الصغيرة في الوسط. تكسبين قليلا. يكاد يكون الأمر هواية. أما أنا الآن فلدي مستوى ينبغي الحفاظ عليه.

شعرت بعقدة في معدتي. لا خوفا. بل خيبة.

ماذا تقول يا خافيير

حسابات منفصلة قال بلا التفاف المصاريف مناصفة. الرهن العقاري الخدمات كل شيء. وما عدا ذلك كل يدفع نفقاته. لا أريد لمالي أن يتبدد.

ظلت الكلمة معلقة في الهواء يتبدد. كأنني عبء لا داعي له.

أأنت متأكد نظرت إليه بثبات أتريد أن نعيش كغرباء تحت سقف واحد

هذا هو العدل. جدارة خالصة. من يكسب أكثر يعيش أفضل.

تأملت المطبخ. الثلاجة الحديثة. الحديقة المرتبة بعناية. البيت الذي كان يظنه ممكنا بفضل راتبه وحده. كل ما كنت أسنده بصمت على مدار سنوات.

حسنا أجبت أخيرا مناصفة.

ابتسم راضيا.

كنت أعلم أنك ستفهمين. سيفيدك أن تجتهدي أكثر.

طبع قبلة سريعة على جبيني وذهب لمشاهدة التلفاز.

لم يكن خافيير يعلم أنني لا أعمل في المكتبة بدافع الحاجة. لم يكن يعلم أن اسم عائلتي من جهة أمي يزين مباني بأكملها في مدينة مكسيكو. لم يكن يعلم أن ترقيته لم تكن ثمرة موهبة فحسب بل لأنني حركت بعض النفوذ عبر صديق قديم لوالدي كان عضوا في مجلس إدارة شركته.

تلك الليلة فتحت تطبيق البنك. نظرت إلى التحويلات التلقائية التي كانت تغطي ما يقارب سبعين في المئة من نفقاتنا الفعلية.

وألغيتها.

ماذا حدث عندما توقفت عن تمويل الحياة التي كان يظنها ملكا له بصمت

الجواب دمر زواجه وكبرياءه.

كان الشهر الأول هادئا على نحو خادع كبحيرة ساكنة تخفي تحت سطحها تيارا جارفا. اشترى خافيير بدلات جديدة بأقمشة إيطالية

وعلقها في الخزانة بعناية مسرحية كأنه يعلق أوسمة نصر على جدار. حجز طاولات في مطاعم فاخرة وتحدث مطولا عن صناديق استثمار وأسهم ناشئة وعن قفزته النوعية التي ستغير مسار حياته. كنت أستمع بصمت أومئ أحيانا وأدفع نصف حصتي بالضبط. لا أكثر. ولا أقل. لا تحويلات إضافية في الخفاء لا تغطية لعجز صغير هنا أو فاتورة متأخرة هناك. نصف بنصف. كما أراد.

كانت الصدمة الأولى بسيطة في ظاهرها عميقة في دلالتها القهوة.

فتح خزانة المطبخ في الصباح يبحث عن عبوة القهوة المستوردة التي اعتادها. لم يجدها. أخرج العبوة الجديدة قرأ اسمها ثم أعاد النظر إلي.

أين القهوة المستوردة سأل بنبرة امتزج فيها الاستغراب بالاستياء.

باهظة على ميزانيتي أجبت بهدوء اشتريت نوعا عاديا. إن أردت الأخرى فاشترها أنت.

تجمد لحظة. لم يكن معتادا أن يقابل منطقه بالمرآة. نظر إلي كأنه يكتشف شخصا آخر يسكن وجهي. شرب فنجانه صامتا لكنني رأيت في حركة يده اضطرابا صغيرا كخدش أول في صورة كان يظنها صلبة.

ثم جاءت مسألة العاملة المنزلية.

جلست أمامه في المساء وضعت ظرفا صغيرا على الطاولة.

أربعة آلاف بيزو شهريا قلت هذه ألفاي. ينقص ألفاك.

شحب وجهه.

إلى هذا الحد

كانت دائما بهذا المبلغ. لكنني كنت أتولى الأمر.

حاول أن يبدو متماسكا. دفع نصيبه لكنه بدأ يدون الأرقام في هاتفه بقلق ظاهر. لم يعد ينظر إلى دخله بوصفه نهرا لا ينضب بل ميزانا دقيقا يمكن أن يميل.

في الشهر الثالث ارتكب خطأ جسيما في تقرير مالي. كنت أعرف قبل تسليمه أن ثمة رقما لا يتوافق مع التوقعات بندا صغيرا يمكن أن يجر خلفه أسئلة كثيرة. في السابق كنت أراجع تقاريره ليلا أتحقق من الجداول أطرح الأسئلة

التي لا يطرحها أحد. تلك المرة لذت بالصمت. كان قراره أن يسير وحده. فليسر.

وصل الخطأ إلى الاجتماع. لم يكن خطأ كارثيا يطيح بكل شيء في لحظة لكنه كان كافيا ليزرع الشك في العيون التي كانت تنظر إليه بإعجاب قبل أسابيع فقط. رقم واحد في جدول طويل نسبة صغيرة بدت غير منطقية توقع مالي لم يدعم بتحليل كاف. في عالمهم التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الإمبراطوريات أو تهدمها.

عندما دخل البيت تلك الليلة لم يسمع هدير المحرك المعتاد. توقفت السيارة بهدوء غريب كأنها هي الأخرى فقدت شيئا من كبريائها. فتح الباب ببطء ودخل بخطوات مثقلة. كان وجهه شاحبا سترته على كتفه وربطة عنقه مفكوكة على نحو لم أره فيه من قبل.

وقف في منتصف الصالة لحظة كأنه لا يعرف كيف يبدأ.

لدي مشكلات في العمل اعترف أخيرا وهو يتجنب عيني.

لم يرفع نظره نحوي. كان صوته مكسورا على نحو خافت كصوت زجاج يتشقق دون أن يتحطم.

يؤسفني قلت بهدوء أتريد العشاء أعددت معكرونة.

هز رأسه دون حماس. جلس أمام الطبق أمسك الشوكة وراح يحركها في الفراغ. لم يأكل. لم يكن الجوع هو ما يعتصره. كان إدراكا بطيئا قاسيا يتسرب إليه أن النجاح ليس صدى تصفيق في قاعة اجتماعات ولا لقبا لامعا يطبع على بطاقة عمل بل شبكة دعم غير مرئية أيد خفية تسندك حين تميل عيون تراجع التفاصيل قبل أن يراها الآخرون.

كان يظن أنه يقف وحده. تلك الليلة بدأ يشك في ذلك.

مرت الأيام ثقيلة. صار يستيقظ أبكر يعود متأخرا صامتا أكثر. لم يعد يتحدث عن الاستثمارات ولا عن خططه التوسعية. كانت ثقة الرجل الذي دخل البيت بزجاجة الشمبانيا تتآكل بصمت كما يتآكل الجليد تحت شمس بطيئة.

ثم تعطلت غسالة الصحون.

كان العطل بسيطا قطعة داخلية تحتاج إلى استبدال. اتصل بالفني

 

عرف التكلفة وأغلق الهاتف بملامح متوترة.

هل يمكنك الدفع الآن ثم أعيد لك المبلغ قال بصوت خافت كمن يبتلع كبرياءه لقمة مرة.

نظرت إليه للحظة. لم يكن السؤال عن المال فحسب. كان سؤالا عن العودة إلى الصيغة القديمة إلى المساحة الآمنة التي اعتادها.

لا أجبت بهدوء حسابات منفصلة. أتذكر

تجمد في مكانه. لم يعترض. لم يغضب. فقط أومأ ببطء.

غسلنا الصحون يدويا لأسابيع. في البداية حاول أن يحول الأمر إلى مزحة.

تجربة تواضع قال ذات مساء وهو يضحك بخفة مصطنعة.

لكن الضحكة لم تدم طويلا. صار يتأفف من الماء البارد في الشتاء من تراكم الأطباق من الوقت الذي يضيع بعد يوم مرهق. كانت يديه المعتادتان على لوحة المفاتيح والاجتماعات تجهلان ملمس الإسفنج ورغوة الصابون.

كنت أراقبه بصمت. لم أكن أستمتع بتعبه. لم يكن الأمر انتقاما. كان كشفا. الحقيقة كانت تتشكل أمامه ببطء الحياة التي كان يظنها حقا مكتسبا كانت تدار بخيوط لم يكن يراها بأصابع تحسب وتراجع وتسد الفجوات قبل أن تتسع.

ثم جاءت الضربة الأكبر الرهن العقاري.

جلس أمام كشوف الحسابات الأوراق مبعثرة حوله. كانت الأرقام واضحة قاسية بلا عاطفة. من دون مساهماتي الخفية التي كنت أضيفها بصمت كل شهر تضاعف القسط الذي كان يسدد بانتظام مريح.

لا أستطيع دفع هذا صرخ فجأة صوته يرتجف ساعديني!

كان الصراخ موجها إلى العجز أكثر مما هو موجه إلي.

لا قلت بحزم لم أعرفه في صوتي من قبل هذا ما طلبته.

رفع رأسه نحوي عيناه

حمراوان من الإرهاق والقلق.

لم أقصد أن يصل الأمر إلى هنا.

لكنك قصدت الفصل. قصدت أن يكون لكل منا عالمه وحسابه وحدوده.

لم يكن الرفض انتقاما. لم أشعر بلذة في رؤيته يتداعى. كان درسا بسيطا لكنه موجع العدالة التي نطالب بها يجب أن نحتملها حين تطبق علينا.

تلك الليلة نام على الأريكة. لم يكن بيننا شجار صاخب ولا كلمات جارحة. فقط مسافة باردة كجدار زجاجي يفصل شخصين يعرف كل منهما الآخر جيدا وربما لم يعرفه قط. كنت أسمع تقلبه في الليل تنهيداته الثقيلة وشيئا في داخلي كان يحزن لا عليه وحده بل علينا معا.

بعد أيام أقيم عشاء رسمي فاخر. حفل يجتمع فيه مجلس الإدارة وكبار المستثمرين. كانت صورته على المحك. كان بحاجة إلى كل عنصر قوة يمكن أن يستند إليه.

وقف أمامي في غرفة النوم مترددا.

تعالي معي رجاني ارتدي شيئا أنيقا. نحتاج أن نظهر بصورة قوية.

لم يقل أحتاجك. قال نحتاج. لكنني فهمت.

لا تقلق ابتسمت لدي ما أرتديه.

في تلك الليلة لم أرتد فستانا فحسب. ارتديت اسمي. تاريخي. هويتي التي أخفيتها طويلا كي لا يشعر بالنقص. نزلت الدرج ببطء وفستاني من تصميم راق ينساب بهدوء وقلادة موروثة تحمل اسم عائلتي محفورا بدقة يعرفها من ينتمي إلى دوائر النفوذ القديمة.

توقف عند أسفل الدرج. نظر إلي بدهشة صامتة كأنه يرى للمرة الأولى الامتداد الحقيقي لامرأة عاش معها سنوات دون أن يسأل يوما من تكون حقا.

في الحفل كانت الأضواء ساطعة والكلمات منمقة والابتسامات

مدروسة. وقف خافيير بين الحضور يحاول أن يستعيد توازنه. لكن المشهد تغير حين مر المدير العام متجاوزا إياه صافح بعض الحاضرين ثم توقف أمامي.

لوسيا أهذه أنت لم أرك منذ حفل والدك الأخير.

كانت الجملة قصيرة لكنها كافية.

رأيت في عيني خافيير إدراكا مفاجئا كمن ترفع عنه غشاوة. فهم أن الصعود الذي ظنه فرديا لم يكن كذلك وأن الأبواب التي فتحت أمامه لم تفتح بجهده وحده. فهم أن اسمي لم يكن مجرد لقب على بطاقة زواج بل شبكة علاقات وامتداد تاريخ.

لم ينبس بكلمة طوال الطريق إلى البيت. هذه المرة لم يكن في السيارة موسيقى ولا حديث عن خطط مستقبلية. فقط صوت المحرك خافتا بلا تعجرف بلا إعلان عن قوة.

عند وصولنا أطفأ المحرك وبقي جالسا لحظة كأنه يحتاج شجاعة لطرح السؤال.

من أنت قال أخيرا وصوته يحمل خوفا لا غضبا.

التفت إليه بهدوء.

المرأة التي أحبتك. التي ساندتك حين لم تكن أحدا. التي راجعت تقاريرك ليلا واتصلت بأصدقاء قدامى وفتحت لك أبوابا دون أن أذكر اسمها. التي اختارت أن تكون ظلا كي تلمع أنت.

هوى على ركبتيه فجأة كما لو أن الأرض انسحبت من تحته.

سامحيني لنعد كما كنا. سأصلح كل شيء. أعدك.

كان صوته متوسلا مرتجفا خاليا من الكبرياء الذي عرفته فيه.

نظرت إليه بحزن صادق. لم أكن أكرهه. كنت فقط أراه بوضوح للمرة الأولى.

أنت لا تبكي لأجلي قلت بهدوء تبكي لأنك خسرت شبكة أمانك. لأنك اكتشفت أن الضوء الذي وقفت فيه لم يكن نورك وحدك.

سكت وكأن الكلمات

أصابته في موضع لا يرى.

أريد الطلاق قلت بهدوء نهائي كمن ينطق حقيقة تأخرت طويلا.

رفع رأسه مذعورا.

لا أستطيع وحدي!

إذا تعلم أجبت.

لم يكن الطلاق عقابا. كان تحررا. له ولي.

حزمت حقيبتي بهدوء. لم آخذ الكثير. بعض الثياب كتبي المفضلة صورا قديمة وقلبي الذي تعلم درسا قاسيا عن الشراكة والكرامة. وقفت لحظة عند باب البيت نظرت إلى الجدران التي شهدت ضحكاتنا الأولى وخططنا وأحلامنا المشتركة.

خرجت دون أن ألتفت.

بعد أشهر علمت أنهم صرفوه من العمل. لم يكن الخطأ المالي وحده السبب بل تراجع الأداء اضطراب القرارات فقدان الاتزان. حين تزعزعت ثقته بنفسه انعكس ذلك على كل شيء. خسر البيت. السيارة. الامتيازات التي ظنها جزءا من هويته.

تعلم متأخرا أن المكانة لا تبنى على أكتاف الآخرين دون اعتراف بفضلهم وأن القوة الحقيقية لا تكمن في فصل الحسابات بل في توحيد القلوب.

أما أنا فتوقفت عن إخفاء من أكون. عدت إلى اسمي الكامل إلى إرثي إلى الضوء الذي كنت أخففه عمدا كي لا يربك رجلا يخشى الوهج. لم أعد أعتذر عن نجاحي ولا أختصر حضوري كي لا أشوش على صورة يريدها هو.

بدأت من جديد لا كظل لأحد بل كشخص كامل.

لأن الحب الحقيقي لا يخاف من نورك

ولا يطلب منك أن تصغري نفسك كي يكبر هو

ولا يختبر كرامتك بميزان نصف بنصف بينما أنت منحته كل شيء.

ومن لا يحتمل شريكة قوية

لن يحتمل الحياة حين تجرده من الامتيازات.

الحب شراكة في الضوء

لا صفقة حسابية على طاولة باردة.

ومن يساومك على روحك

لن يستحقها يوما ولو عاد نادما ألف مرة.

 

تعليقات

close