المليارديرة والفتي المشرد
المليارديرة والفتي المشرد
في لحظات نادرة كده، الدنيا كلها بتقف فجأة، والزحمة بتسكت، وصوت العربيات يختفي، ومابيبقاش مسموع غير دقات قلبك… اللحظة دي حصلت قدام مول “سيتي مارت” في نص الضهر، والناس رايحة جاية، بياعين، أطفال، موظفين طالعين في البريك، وفجأة وقفت عربية رولز رويس سودا تلمع تحت الشمس، نزل منها سواق ببدلة سودة وفتح الباب بكل احترام، ونزلت منه واحدة ملامحها قوية، لبسها شيك، عينيها واثقة، وكل اللي حواليها بدأوا يهمسوا: دي … أصغر مليارديرة في البلد، صاحبة أكبر شركات تكنولوجيا، وست ناجحة عملت ثروة بالمليارات قبل ما تكمل الأربعين، وأم عزباء بتربي بنتها لوحدها بعد ما فقدت جوزها من سنين، وكل الصحف بتتكلم عنها كأنها أسطورة ماشية على الأرض، لكن محدش كان متخيل إنها هتمشي بخطوات ثابتة ناحية راجل قاعد على الرصيف وسط كراتين قديمة، هدومه مقطعة، دقنه طويلة، عينه فيها تعب سنين، الناس متعودة تعدي من جنبه وكأنه جزء من البلاط، اسمه لوجان، ومحدش يعرف عنه غير إنه “مشرد” بيقعد قدام المول دايمًا، بس اللي مايعرفوش إن الراجل ده كان في يوم من الأيام عبقري برمجة، كان بيكتب أكواد وهو في الجامعة تخلي الدكاترة يقفوا له تصفيق، كان بيحلم يبني شركة تغير العالم، لكن شراكة غدرته، صديق عمره سرق فكرته وباعها لمستثمرين كبار، ولفّقوا له قضية اختلاس، خسر كل حاجة، سمعته، شغله، بيته، وحتى خطيبته سابته في عز الأزمة، وأبوه مات وهو واقف قدام
المحكمة مش قادر يرفع راسه، ومن يومها وهو بينزل من سلمة لسلمة لحد ما بقى قاعد على الرصيف، بس رغم كل ده، كان ساعات يقعد يكلم نفسه عن البرمجة، عن الخوارزميات، عن الذكاء الاصطناعي، عن مستقبل التكنولوجيا، وكان في مرة إيزابيلا معدية من غير ما حد يعرفها، سمعت صوته وهو بيشرح لطفل صغير فكرة معقدة ببساطة تخلي أي مهندس ينبهر، وقفت بعيد وسمعته، وحست بحاجة جواها بتقول إن الراجل ده مش عادي، وإن ورا التراب ده عقل دهب، ومن يومها وهي بترجع تسمعه من بعيد، لحد ما خدت قرار مجنون، نزلت من عربيتها قدامه وقالت بهدوء: أنا إيزابيلا، رد عليها وهو مستغرب: وأنا لوجان، بصتله في عينه وقالت: أنا سمعتك وأنت بتتكلم عن البرمجة، الذكاء اللي عندك نادر، والدنيا ظلمتك، وأنا جاية أطلب منك طلب يمكن يخضك… تتجوزني؟ الشارع كله اتكهرب، الموبايلات طلعت، ناس بتضحك، ناس بتقول أكيد دعاية، ناس بتشتم فيه إنه إزاي يتقارن بيها، لكن لوجان فضل باصص في عينيها يدور على شفقة أو استعراض، مالقاش غير جدية، ابتسم ابتسامة حزينة وقال: لو كلامك بجد، ادخلي المول اشتري خاتم وارجعي اطلبيني زي ما المفروض يتطلب الجواز، الناس شهقت، في حد قال ده اتجنن، إزاي يشترط على مليارديرة، لكنها ما اترددتش، دخلت فعلًا، رجعت بعد دقايق بعلبة قطيفة فيها خاتم ألماس يلمع، ونزلت على ركبتها قدام الكل وقالت بصوت ثابت رغم رعشة إيدها: لوجان هايز، تقبل تتجوزني؟ سكتت الدنيا
لحظة، ولوجان غمض عينه كأنه بيراجع عمره كله، كل خيانة، كل وجع، كل ليلة نام فيها من غير أمل، فتح عينه وقال جملة خلت الكل يتجمد: أنا أقبل أتجوزك… بس بشرط تاني، تعيشي معايا شهر كامل من غير فلوسك، من غير حراستك، من غير قصرك، تشوفي الحياة اللي أنا عشتها، لو بعد الشهر ده لسه عايزاني، ساعتها هبقى جوزك مش مشروع إنقاذ، الناس استنت ردها، وإيزابيلا قامت من على ركبتها وقالت من غير تردد: موافقة، ومن تاني يوم اختفت من السوشيال ميديا، باعت أخبار إنها في إجازة، سابت قصرها، راحت تعيش معاه في ملجأ مؤقت، لبست هدوم بسيطة، اشتغلت في كافيه صغير، وقفت ساعات على رجليها، سمعت كلام جارح من ناس شايفة الفقير مالوش قيمة، جربت إحساس إن محدش يشوفك، وفي نفس الوقت كانت بتشوف لوجان وهو رغم كل اللي حصل له لسه بيساعد اللي حواليه، يقسم أكلُه، يعلم شاب صغير إزاي يكتب كود، يضحك رغم الجوع، ومع الأيام وقعت فعلًا في حبه، مش شفقة، مش تحدي، حب حقيقي، وهو كمان شاف فيها مش المليارديرة، شاف الست اللي بتصحى بدري عشان تشتغل من غير ما تشتكي، اللي بتسمع له وهو بيحكي عن أمه اللي كان نفسه يريحها، بعد شهر كامل رجعت عربيتها الرولز رويس تقف قدام نفس المول، بس المرة دي الاتنين مع بعض، الناس اتلمت تاني، ولوجان كان لابس بدلة شيك، دقنه متظبطة، عينه فيها نور رجع من جديد، مسك إيدها وقال قدام الكل: أنا قبلت أتجوزها مش عشان فلوسها، لكن عشان
نزلت من عالمها لعالمي من غير ما تتكبر، وهي اختارتني مش عشان أنقذها، لكن عشان تؤمن بيا، واللي حصل بعدها كان أكبر مفاجأة، إيزابيلا أعلنت قدام الصحافة إن لوجان هو الشريك التقني الجديد في شركتها، وإنها اكتشفت إن الفكرة اللي اتسرقت منه زمان هي الأساس اللي بنيت عليه إمبراطوريتها من غير ما تعرف صاحبها الحقيقي، وقررت ترد له حقه رسميًا، فتحت تحقيق، واتكشف فساد شريكه القديم، واتبرأ لوجان قدام الكل، والأسهم ارتفعت لما الناس عرفت إن العبقري الحقيقي رجع، وبعد شهور كان فرحهم حديث البلد، مش عشان فخم، لكن عشان قصتهم بقت رمز إن القيمة مش في الفلوس ولا المظهر، وإن الإنسان ممكن يقع لأقصى درجة ويرجع أقوى، وفي ليلة الفرح، لوجان همس لها: يوم ما نزلتي على ركبتك قدامي، رجعتي لي كرامتي قبل ما ترجعي لي اسمي، وهي ردت عليه: ويوم ما حطيتلي شرط الشهر، علمتني إن الحب مش صفقة، ومن ساعتها بقى كل ما عربية رولز رويس تعدي قدام نفس المول، الناس تفتكر إن في يوم من الأيام مليارديرة ركعت قدام راجل غلبان، بس الحقيقة إنهم الاتنين كانوا بيدوروا على حد يشوفهم بجد… ولما لقوا بعض، الدنيا كلها وقفت تتفرج على معجزة اسمها ثقة، وعدل، وحب اتولد من تحت التراب وكمل للنور.
بعد الجواز ما كانش كل حاجة وردي زي ما الناس فاكرة، بالعكس، أول سنة كانت اختبار حقيقي لكل كلمة اتقالت قدام المول يوم ما نزلت على ركبتها، لأن الشهرة بتيجي معاها
عيون بتراقب وحقد بيستنى أي غلطة، الصحافة ما سكتتش، برامج التوك شو اتقسمت نصين، ناس شايفة إن لوجان بيستغلها، وناس شايفة إنها بتمثل دور البطلة الإنسانية، ولوجان كان ساكت، مركز في حاجة واحدة بس: يثبت لنفسه قبل أي حد إنه مش محتاج حد ينقذه، إنه يقدر يقف لوحده، بدأ يشتغل في الشركة كشريك تقني فعلاً، مش اسم على ورق، دخل على الملفات القديمة، قعد ليالي طويلة قدام شاشات مليانة أكواد، كان بيصلح أخطاء محدش خد باله منها، ويطور أنظمة أمان كانت ممكن تنهار في أي لحظة، ومع الوقت الموظفين اللي كانوا بيبصوا له بشك، بقوا يستنوه في الاجتماعات عشان يسمعوا رأيه، لأنه ببساطة كان شايف اللي غيره مش شايفه، يمكن عشان هو نفسه عاش إحساس إنك تبقى “مش مرئي”، فبقى عنده قدرة يلاحظ التفاصيل الصغيرة اللي بتضيع وسط الضوضاء.
لكن الماضي ما بيموتش بسهولة، شريكه القديم اللي سرقه زمان، لما شاف لوجان رجع بقوة، جن جنونه، حاول يرفع قضايا، حاول يشوه سمعته تاني، سرب مستندات مزورة للصحافة، واتحولت حياتهم لساحة معركة قانونية، وإيزابيلا اتعرضت لضغط رهيب من مجلس الإدارة اللي بدأ يخاف على سمعة الشركة، في اجتماع متوتر
قال لها واحد من المستثمرين الكبار: “اختاري… يا سمعة الشركة يا جوزك”، ساعتها سكتت القاعة كلها مستنية ردها، بصت لهم بهدوء وقالت: “الشركة دي اتبنت على فكرة مسروقة من جوزي من غير ما أعرف، لو حد المفروض يختار، فهو أنا، وأنا باختار العدل”، القرار ده كلفهم ملايين في أسهم نزلت فجأة، لكن كسبهم احترام ناس أكتر.
في نفس الوقت، لوجان كان بيحارب حرب تانية جواه، إحساس النقص اللي فضل يطارده سنين، ساعات كان يصحى مفزوع من كوابيس المحكمة، من لحظة الحكم اللي ضيع عمره، كان يقعد في البلكونة ساكت، وهي تخرج تقعد جنبه من غير كلام، تمسك إيده بس، ولأول مرة يحكي لها تفاصيل اللي حصل بجد، إزاي صاحبه حلف له إنهم هينجحوا سوا، وإزاي في ليلة واحدة لقى نفسه متهم، اتعلمت تسمعه من غير ما تحاول تصلح، وهو اتعلم يثق إن في حد مش هيبيع كلامه.
وبعد شهور شد وجذب، المحكمة أعلنت الحكم النهائي: تبرئة كاملة للوجان، وإدانة شريكه القديم بتهمة الاحتيال والتزوير، الخبر انتشر أسرع من أي إعلان، والناس اللي كانت بتتهمه بقت تعتذر، لكن أهم حاجة بالنسبة له ما كانتش الاعتذار، كانت اللحظة اللي خرج فيها من باب المحكمة وهو ماسك إيد
إيزابيلا، رفع وشه للشمس وقال بهدوء: “أنا رجعت”، مش للفلوس، مش للشهرة، لكن لنفسه.
ومع النجاح رجعت فكرة كانت دايمًا في دماغه، إنه يفتح مؤسسة لتعليم البرمجة للشباب اللي زيّه، اللي عندهم عقل كبير بس ظروفهم كسرتهم، وبالفعل أطلقوا مع بعض مبادرة اسمها “فرصة تانية”، يحولوا مباني قديمة لمراكز تدريب مجانية، يوفروا أجهزة، مدربين، دعم نفسي، وكل ده من غير ما يحطوا صورهم في كل حتة، كانوا عايزين الأثر مش التصفيق، وفي أول دفعة اتخرجت، وقف شاب صغير قال للوجان: “أنا كنت فاكر حياتي خلصت… بس لما شوفت قصتك صدقت إن لسه في أمل”، ساعتها عينه لمعت بنفس اللمعة اللي كانت عنده وهو قاعد على الرصيف بيشرح للطفل الصغير.
أما حياتهم الشخصية، فكانت بسيطة بشكل يفاجئ أي حد، رغم القصور والسفر والمؤتمرات، كانوا أحيانًا يرجعوا يقفوا قدام نفس المول، من غير حراسة مبالغ فيها، يشتروا قهوة من الكشك اللي كان لوجان بيستلف منه زمان، يضحكوا على تعليقات الناس اللي لسه فاكرة المشهد الأسطوري، وهو دايمًا يهزر ويقول لها: “لسه مستنيك تطلبيني تاني لو زعلنا”، فترد عليه: “المرة الجاية أنت اللي هتنزل على ركبتك”.
وفي يوم هادي،
وهم قاعدين يتفرجوا على بنت إيزابيلا وهي بتجري في الجنينة، لوجان قال لها: “عارفة أكتر حاجة غيرت حياتي؟ مش الفلوس، ولا المنصب… اللحظة اللي صدقتيني فيها وأنا نفسي ما كنتش مصدق نفسي”، ابتسمت وقالت: “وأنا أكتر حاجة غيرتني إنك خليتيني أشوف العالم من غير الزجاج المعتم اللي كنت عايشة وراه”.
القصة ما كانتش عن مليارديرة اتجوزت راجل غلبان، ولا عن راجل اتحول من مشرد لشريك في شركة عملاقة، كانت عن اتنين اتعلموا إن القيمة الحقيقية مش في الرصيد البنكي ولا في صورة الناس عنك، لكن في إنك تلاقي حد يشوفك وإنت في أسوأ حالاتك ويقول لك: أنا شايفك… ومختارك، ولحد سنين بعد كده، كل ما حد يحكي الحكاية، يفتكروا مش بس مشهد الركوع والخاتم، لكن الشهر اللي عاشوه سوا، والمعارك اللي عدوا بيها، والمؤسسة اللي غيرت حياة مئات الشباب، ويفهموا إن المعجزة ما كانتش في العرض المجنون، المعجزة كانت في الاستمرار بعده، في إن الحب يفضل واقف لما الضجة تسكت، ولما الكاميرات تمشي، ولما الحياة ترجع عادية… وساعتها بس تعرف إن اللي حصل قدام المول ما كانش مشهد فيلم، كان بداية عمر كامل اتبنى على كرامة رجعت، وثقة اتزرعت، ووعد اتنفذ
لآخر نفس.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق