تعاملنى اختي مثل الخادمة بقلم نرمين عادل همام
تعاملنى اختي مثل الخادمة بقلم نرمين عادل همام
أنا نهى عندي ستة وعشرين سنة.
في نظر الناس بره أنا مديرة مخزن أنقل منصات معدات لوجستية بدقة زي الآلة.
لكن جوه جدران شقة أختي الإيجار المتهالكة كنت شبه شبح. مجرد محفظة فلوس. خدامة.
قضيت عمري كله أربي خمس عيال مش عيالي وضحيت بشبابي كله بسبب إهمال أختي.
في يوم اتجمدت في مكاني وسط صالة مليانة فوضى والسجادة تحت رجلي لزجة من بقع عصير مسكوب ولا مبالاة. اضطريت أتخطى كومات الغسيل المتسخ عشان أقدر أتحرك. وهناك كانت قاعدة سعاد أختي الكبيرة مسترخية على كنبة بيج متبهدلة كملكة قاعدة على عرش من القذارة.
كانت بتفرك بطنها بلا اهتمام حركة خلتني أحس بغثيان. بصتلي في عيني بابتسامة ساخرة وفجرت القنبلة.
قالت وهي بتحط حبة عنب في بقها
أنا حامل العيل السادس في الطريق.
سعاد ما اشتغلتش شغلانة ثابتة من أيام مبارك. وصديقها حسن كان قاعد جنبها ماسك الموبايل ومش فارق معاه حاطط رجليه على الترابيزة اللي أنا دفعت تمنها. ما رفعش راسه حتى.
معدتي اتقبضت من الغثيان والتعب. كنت عارفة مين اللي هيدفع تمن المولود الجديد. أنا لسه مخلصة أسبوع شغل ستين ساعة عضلاتي بتصرخ من الألم ورجلي متقرحة أرجع البيت ألاقي أختي متوقعة إني أضحي تاني من حياتي عشان نزواتها.
همست
إنتي
بتهزري.
الكلمة خرجت من حلقي ناشفة.
ابتسمت سعاد وقالت
بكل جد ربنا يبارك.
بس ربنا ما بيدفعش فاتورة الكهربا أنا اللي بدفعها.
أخيرا لقيت الشجاعة يمكن من كتر الإرهاق إني أقول الحقيقة اللي كانت بتغلي جوايا سنين
خلص يا سعاد. خلصت الفلوس. مش هدفع قرش للعيل الجديد. لا حفاضات ولا فاتورة مستشفى.
وشها اتغير فجأة. الغرور اختفى وحل مكانه غضب نقي. وشها كان زي طفيلي لقى إن المضيف بيقاوم.
صرخت
يا ناكرة الجميل! إنتي عايشة تحت سقفي! مش عاجبك روحي عيشي في الشارع!
اللحظة دي كانت القشة اللي قصمت ضهري. مش الصريخ هو اللي وجعني لكن إحساسها إنها متملكة. اكتشفت إن بالنسبة لها أنا مش أخت أنا مجرد مورد والمورد بيتستهلك لحد ما يخلص.
الساعة أربعة الفجر صحاني المنبه من نوم متقطع قبل ما الشمس تطلع على أفق إسكندرية. عيني كانت مليانة رمل. جسمي منهك لكن قمت بالعافية. قانون البيت كان واضح لو ما بدأتش يومي دلوقتي كل حاجة هتنهار قبل الفطار.
دخلت المطبخ متعثرة حسيت ببرودة الأرض تحت رجلي الحافية. بداية ماراثون يومي شاق. تجهيز خمس علب فطار وغدا وأنا ماشية وسط كومة زبالة.
حسن سايب كومة زجاجات بيرة فاضية على الترابيزة وأطباق متسخة من أكل نص الليل. صلصة ناشفة ملزقة الطاولة. شتمته في سري وأنا أنضف عارفة
إنه عمره ما هينضف حاجة. بالنسبة له أنا الخدامة اللي من غير أجر.
الروتين الصبح كان شبه عملية عسكرية. لازم أكون في كذا مكان في نفس الوقت.
قلت لابن أختي كريم وأنا بمراجع واجب القسمة بتاعه وفي نفس اللحظة بجدل شعر أخته سارة وهي عندها سبع سنين وبتاكل كورن فليكس
كريم خلصت ورقة القسمة
ابن أختي التاني يوسف عنده ستاشر سنة الوحيد اللي عنده ضمير كان بيجمع شنط المدرسة بهدوء عند الباب. شكله مرهق زيي والهالات السودا تحت عينه واضحة.
قال بصوت مبحوح من النوم
يا خالتي نهى جبت قزازات المية.
اتحركت بسرعة رهيبة. كان لازم أوصل المخزن في أقل من نص ساعة. لو اتأخرت يتسجل علي خصم. ولو تراكمت الخصومات أفقد شغلي. ولو فقدت شغلي كلنا هنموت من الجوع.
جريت في الممر عشان أجيب شنطة الحفاضات ووقفت لحظة مؤلمة قدام أوضة النوم الرئيسية. الباب مقفول بإحكام. سعاد وحسن نايمين نوم عميق حاميين نفسهم من دوشة عيالهم. جوه أوضة العيال ابن أختي آدم عنده أربع سنين كان بيصرخ في سريره وحفاضه غالبا مبلول.
غمرني إحساس بارد بالاستياء. هما دافيين ومرتاحين وأنا اللي بهدي طفلهم الباكي وأمسح دموع مش دموعي.
قدرت أنزل العيال الكبار عند موقف الأتوبيس والصغيرين في الحضانة وانطلقت جاري على المنطقة الصناعية وقلبي بيدق بسرعة على
ضلوعي.
شغلي في المخزن كان قاسي جدا. الحر خانق والصناديق تقيلة. بس التعب البدني كان أهون من الضغط النفسي اللي مستنيني في البيت.
في استراحة الغدا موبايلي رن. بصيت عليه حسيت قلبي وقع. كان إنذار أخير من شركة الكهربا.
الدفع مطلوب فورا. فيه ميعاد محدد لقطع الخدمة.
رجعت البيت مرعوب في نفس اليوم متجاهل السرعة لقيت ورقة حمرا فاقعة ملزوقة على باب البيت إشعار بقطع الكهربا. الفاتورة متأخرة 3 شهور.
وقفت على البلكونة جسمي بيرتعش من الغضب إيدي مش ثابتة. أنا كنت مدي سعاد 600 جنيه الأسبوع اللي فات مخصوص عشان نتفادى الموقف ده.
اقتحمت المطبخ قلبت الزبالة. تحت بقايا القهوة وأغطية البيرة لقيت إيصال ممزق.
محل ملابس حمل. الإجمالي 589 جنيه.
بنطلون جينز ماركة. بلوزة رضاعة حرير.
انهرت على الأرض والإيصال متكرمش في إيدي.
هي فضلت على الكهربا.
ماكانش عندي اختيار. والدموع مالية عيني فتحت تطبيق البنك وحولت الفلوس اللي كنت بجمعها بالعافية عشان مصاريف الترم الجاي لشركة الكهربا.
الأنوار فضلت شغالة لكن مستقبلي بقى أظلم.
بعد 3 أيام من إعلان سعاد إنها حامل واللي قلب البيت لساحة معركة عاطفية الموقف اتصعد من نكد سلبي لتدخل منظم.
كنت بطوي كومة غسيل في الصالة زي عقاب سيزيف مع المناشف لما سمعت خبط تقيل على الباب. الدعم وصل. سعاد طلبت تعزيزات.
وقفت الحاجة
فاطمة جدتي على البلكونة ماسكة شنطتها على صدرها ووشها مليان استياء. ماجتش تنظف الأرضيات ولا تطبخ للعيال جت تستقبل ضيوفها.
دخلت الصالة وقعدت على الكنبة. سعاد قعدت جنبها حاطة إيدها على بطنها كأنها ضعيفة ورقيقة. حسن كان واقف عند مدخل المطبخ زي منفذ صامت مستني إشارة.
الحاجة فاطمة ما ضيعتش وقت. بصتلي بعينين باردة وناقدة.
بدأت كلامها بصوت حاد
نهى لازم نتكلم عن موضوع المواصلات. مع المولود الجديد عربية سعاد مش كفاية.
قلت بحذر
طيب
قالت
إحنا محتاجين فان لسبع ركاب. وبما إنك الوحيدة اللي معاها سيولة قررنا إن أحسن حل إنك تبيعي عربيتك. نجمع الفلوس وندفع مقدم.
بصيتلها في حالة صدمة. الصمت كان تقيل زي وتر بيانو مشدود.
قلت بصوت مخنوق
عربيتي يا حاجة دي وسيلتي للشغل للدروس المسائية لدفع فواتير البيت.
لوحت بإيدها وقالت
تركبي أوتوبيس. الالتزامات العائلية أهم من راحتك الشخصية يا نهى.
صرخت
الموضوع مش راحة! ده بقاء!
انحنت الحاجة فاطمة لقدام عبوسها زاد ورمت الجملة اللي واضح إنها مجهزاها عشان تكسرني وتخليني أخضع
قالت الحاجة فاطمة بصوت قاسي
نهى إنتي أنانية جدا. أختك شايلة روح جواها نعمة! وإنتي كل همك تحتفظي بشوية فلوس وعربية قديمة عيب عليك.
الكلام وجعني. أنا ضحيت بكل حاجة 3 سنين شبابي فلوسي طاقتي.
قمت واقفة ركبتي بترتعش لكن صوتي كان ثابت. الاجتماع
انتهى بمأزق وعداء. الحاجة فاطمة خرجت غاضبة وهي بتتمتم عن نكران الجميل وقسوة قلبي.
لكن المشكلة المالية ما وقفتش عند العربية.
في نفس الليلة وأنا محتاجة أهدى دخلت على حسابي البنكي أتأكد إن فيه فلوس كفاية للبنزين بعد كارثة فاتورة الكهربا. لقيت إعلان فوق الشاشة
تنبيه مراقبة ائتمان.
قلبي وقع. ضغطت على الرابط. استعلام أمني برقم بطاقتي القومية. حساب كريدت كارد جديد مفتوح باسمي.
بحثت أكتر. الكارت متسحب بالكامل. التاجر موقع فاخر لبيع أثاث أطفال.
سرير أطفال 1200 جنيه.
عربية أطفال 800 جنيه.
سعاد.
مش بس طلبت فلوس دي سرقت هويتي. استخدمت بياناتي الشخصية غالبا من أوراقي وأنا في الشغل عشان تشتري حاجات فاخرة لعيالها اللي مش قادرة تتحمل مصاريفهم.
الموضوع ما بقاش كسل. بقى جريمة.
حسيت جدران البيت بتقفل علي وتخنقني. مسكت مفاتيحي وطلعت جاري على كافيه صغير على أطراف إسكندرية. كنت محتاجة شاهد.
صديقتي المقربة هالة كانت مستنية. هي شغالة مساعدة قانونية. وشها اتجهم لما حطيت كشف الحساب المطبوع قدامها.
قالت بصوت واطي وعاجل
ده نصب يا نهى. دي سرقة هوية. لازم تبلغي.
همست وأنا غرقانة في إحساس الذنب القديم
دي أختي.
هالة صححتني
دي مجرمة. لو عملت كده مرة هتعملها تاني. هتدمر سجلك الائتماني وهتمنعك تستأجري شقة أو تلاقي شغل. إنتي محتاجة مخرج دلوقتي.
هالة ساعدتني
أجمد رصيدي الائتماني وساعدتني أكتب رسائل اعتراض. لكن آخر كلماتها خوفتني
خلي بالك من نفسك النرجسيين ما بيحبوش يسمعوا كلمة لأ.
بعد أسبوع بالظبط الجو في البيت بقى خانق. رجعت جاري من المخزن مش عشان أطبخ لكن عشان ألحق البوستة. كنت متوقعة حاجة.
ولقيتها. ظرف أبيض تخين مختوم بشعار أكبر شركة تكنولوجيا في وسط إسكندرية.
وقفت في الممر إيدي بتترعش وأنا بفتح الختم.
رسالة قبول تدريب عملي في تحليل النظم.
المرتب ضعف اللي كنت باخده في المخزن. وفيه مسار وظيفي يخليني مهندسة بدوام كامل. كانت فرصتي الذهبية. كانت الحرية.
دخلت من باب البيت وعلى وشي ابتسامة صادقة لأول مرة من سنين. ودي كانت غلطتي التكتيكية.
سعاد كانت مستنية في المطبخ. حست بتغير حالتي زي المفترس اللي بيشوف الرياح اتغيرت. خطفت الورقة من إيدي قبل ما أحط المفاتيح.
مسحت بعينيها الورقة. الفضول اتقلب صدمة وبعدين غيرة ملتوية وقبيحة.
سألت بصوت واطي
هتسيبينا
قلت لها
ده تدريب مدفوع يا سعاد. دي مسيرتي المهنية.
ما هنتنيش. ما حضنتنيش. بصتلي باحتقار بارد ومزقت الرسالة نصين. وبعدين أربعة. وبعدين تمانية.
رمت الأمل اللي كان مستنيني على أرضية المطبخ الوسخة.
أعلنت ببرود
مش هتروحي في أي حتة. أنا محتاجاك هنا. مع المولود الجديد لازم تسيبي الكورسات الفارغة دي وتشتغلي في المخزن. لازم تديري البيت عشان أنا
وحسن نركز.
سألت وأنا بانحني ألقط الورق الممزق
بتركزي في إيه يا سعاد في ألعاب الفيديو
صرخت
إنتي مدينة لي بالبيت ده!
وسقط القناع تماما.
لو خرجتي من الباب ده ما ترجعيش أبدا!
قمت واقفة ببطء وأنا بسوي الورقة المتكرمشة في إيدي. جمعت كل اللي باقي عندي من برود ودفنت الألم تحت طبقات من عزيمة جامدة. بصيت للست اللي بتشاركني في الدم لكن ماعندهاش أي حاجة من قيمي.
قلت بهدوء خطير
إنتي عندك حق يا سعاد أنا هسيب البيت. وسرعان ما هتعرفي تمن إنك حولتي الشخص الوحيد اللي بيساعدك لعدو.
لفيت ضهري ودخلت أوضتي. حسن اللي كان لازم يقول كلمة أخيرة عشان غروره ضحك ضحكة شريرة
يلا يا صغيرة مش هتصمدي أسبوع بره. هترجعي زاحفة قبل معاد الإيجار.
قفلت باب أوضتي بإحكام. لكن ما بدأتش أجهز شنطتي فورا. كنت عارفة إنهم بيسمعوا حاطين ودانهم على الحيطان يستنوا صوت السحابات أو الكراتين.
استنيت.
تسللت للجراج متظاهرة إني بشوف الغسيل. الجراج كان ضلمة وريحته زيت قديم وتراب لكنه كان الملاذ الوحيد.
اتصدمت لما شفت ظل بيتحرك جنب ترابيزة الشغل. اتوترت مستعدة أواجه لكن ارتحت لما شفت يوسف.
ابن أختي عنده ستاشر سنة طالع من ورا كومة كاوتش قديم. شكله أكبر من سنه والهالات السودا مالية عينيه. ما اتكلمش. قرب مني وحط في إيدي كراسة صغيرة مهترئة.
فتحتها. كانت سجل. صفحات مكتوبة بخط إيده فيها تواريخ وأوقات.
التلات 8 مساء الأم والجدة بيتكلموا عن الإبلاغ
بسرقة عربية نهى لو حاولت تمشي.
الأربع 9 صباحا أمي بتتكلم عن إنها تستنفد الحد الأقصى من كارت نهى التاني.
يوسف همس بصوت متقطع
لازم تمشي الليلة. هيكلموا البوليس بكرة الصبح عن العربية. لازم تسبقهم.
بصيت للشاب الشجاع اللي ضحى بأمانه عشان يحميني. فهمت إن الرحيل مش هروب ده خطة. لازم أمشي عشان أستعيد قوتي وأرجع له.
الساعة 12 بالليل الضلمة غطت الضواحي. بدأت المرحلة الأخيرة من رحيلي.
تحركت في أوضتي بهدوء كإني شبح. أي صرير خشب كان ممكن يصحيهم. تجاهلت التذكارات العاطفية ألبومات صور هدايا كانت أثقال. ركزت على البقاء.
حشرت كل حاجتي في أكياس قمامة سودا متينة. كان ده اختيار استراتيجي لو سعاد أو حسن بصوا من الشباك يفتكروا إني بطلع الزبالة مش بنقل كل أغراضي من بيتهم.
تسللت في الممر معدية جنب أوضة النوم الرئيسية وصوت شخير حسن الخافت بيتردد من ورا الباب. قلبي كان بيدق جامد لدرجة إني افتكرت إنه هيصحي العيل.
وصلت لباب المطبخ. يوسف كان مستنيني في الضلمة.
ما اتكلمش. مسك اتنين من أتقل الشنط وقادنا لعربيتي السيدان اللي كنت راكنها في الشارع عشان أتجنب دوشة باب الجراج. حملنا الشنط في شنطة العربية تحت نور كهرماني خافت من أعمدة النور والهواء البارد بيقرص وشنا.
بصيت له آخر مرة. الذنب كان تقيل على صدري.
قلت بصوت مخنوق
يوسف
قرب مني بيرتعش في جاكته الخفيف وإيديه في جيوبه.
قال
يا خالتي امشي. ما تقلقيش علينا. لو فضلتي هنا هتموتي موت بطيء جوه الجدران دي.
مسكت إيديه وضغطت عليهم بقوة.
بوعدك إني هرجعلك. هبقى أقوى وهخرجك من هنا.
أومأ برأسه مرة واحدة زي جندي ثابت في معركة خسرانة وزقني برفق ناحية مقعد السواق.
شغلت العربية وسايبتها تتدحرج على المنحدر وهي على وضع الحياد قبل ما أدوس بنزين. وأنا سايقة في الشوارع الفاضية دموعي نزلت. لكن تحت الحزن كان فيه راحة عميقة لدرجة إنها دوختني.
وصلت لمجمع سكني متبهدل في طرف المدينة هالة كانت مأمنة لي فيه
شقة. ريحته سجائر قديمة ويأس لكن بالنسبة لي كانت ريحة نصر. جريت الأكياس لحد الدور التالت وانهرت على فرشة فاضية على الأرض.
ما قفلتش المزلاج حتى. كنت مرهقة لدرجة إني ما اهتمتش.
السلام ما طولش.
صحيت تاني يوم مش على صريخ العيال لكن على موبايلي وهو بيتهز ويقع. 99 مكالمة فائتة. مئات رسايل. سعاد.
تجاهلتهم. لكن بعدين جت رسالة صوتية
يا جاحدة! هكلم البوليس وأقول إنك سرقت فلوسي! هتدفعي تمن تخليك عن العيلة دي!
احتفظت بالرسالة الصوتية. كانت دليل.
بعد أقل من 48 ساعة من وصولي وهم الأمان اتبخر. كنت قاعدة على الفرشة بحاول أركز في كتاب فجأة الأوضة نورت بأضواء صفارات البوليس الحمراء والزرقاء اللي بتخترق الستارة الخفيفة.
خبط عنيف هز باب الشقة.
بصيت من العين السحرية. اتنين ضباط واقفين بزي رسمي إيديهم قريبة من مسدساتهم. ووراهم على طول سعاد بتلعب دورها ببراعة عاملة نفسها أرملة مكسورة بتمسح دموعها.
فتحت الباب وإيديا باينة.
الضابط الأكبر قال بنبرة حازمة
آنسة نهى وصلنا بلاغ عن التحقق من سلامة قاصر وادعاء بسرقة كبرى سرقة أصول بعشرة آلاف جنيه.
اتصدمت. عشرة آلاف
سعاد اندفعت من الردهة دموعها نازلة
اقبضوا عليها! دي حرامية! خدت فلوس عيالي وسرقت مجوهرات جدتي فاطمة القديمة!
قلت بصوت مرتعش لكن ثابت
ما سرقتش حاجة. يا حضرة الضابط بص على المكان.
رجعت خطوة لورا. الأوضة فاضية غير فرشة وأكياس هدوم. مش شكل وكر حرامية مجوهرات.
فتشوا أغراضي. ما عنديش حاجة أخبيها.
بدأوا يفتشوا. سعاد واقفة عند المدخل ابتسامة ساخرة وسط دموعها المصطنعة. كانت فاكرة إنها مسكتني. فاكرة إنها كسبت.
التوتر كان خانق. لحد ما صوت لاهث قطع الجو
استنوا!
رفعت راسي. يوسف واقف في الردهة بيتنفس بسرعة عرق مغرق وشه. واضح إنه جري أو ركب مواصلة عشان يلحقهم.
سعاد اتفاجئت
يوسف ارجع للعربية!
هو تجاهلها وعدى جنبها ورفع موبايله المكسور في وش الضابط.
قال بصوت مرتعش لكنه عالي
أمي بتكدب.
ده الفيديو اللي سجلته امبارح.
الضابط شاف الفيديو. الشاشة عرضت مشهد واضح سعاد وهي بتلف علبة مجوهرات بمنشفة وتخبيها تحت سريرها وتضحك مع حسن إنها هتدمر حياة نهى.
الجو اتغير فجأة. الضابط الأصغر وقف عن التفتيش وبص لسعاد. الضابط الأكبر رجع الموبايل ليوسف وبص لأختي بنظرة مختلفة تماما.
قال بصوت هادي لكنه حاد
يا مدام تقديم بلاغ كاذب جريمة. وإهدار موارد الشرطة في ثأر شخصي جريمة خطيرة.
سعاد اتلعثمت
أنا هو بيكدب! الولد مش فاهم!
قال الضابط بحدة
الفيديو واضح. اخرجي للطرقة يا مدام دلوقتي.
شفت إزاي موازين القوة اتقلبت. سعاد فهمت إن محاولتها تدميري بقت سبب مثالي يخلي السلطات تحقق معاها.
العواقب كانت سريعة وقاسية.
الضابط قدم بلاغ إلزامي لإدارة حماية الطفل. كان قلقان من سلوك سعاد غير المستقر والأدلة المصورة اللي بتثبت إنها لفقت تهمة لحد من أهلها.
التحقيق كشف طبقات من الإهمال أنا كنت مخبياها سنين. الأخصائي الاجتماعي وصل البيت يعمل تفتيش مفاجئ. ومن غير وجودي أنضف العفن وأخفي الفوضى البيت كان شبه منطقة منكوبة.
لقوا عفن أسود في الحمام. التلاجة فاضية. الكهربا مقطوعة تاني. العيال الصغيرين كريم سارة وآدم باين عليهم سوء تغذية.
حسن أثبت ولاءه الحقيقي. أول ما الضغط زاد لم شنطته وسرق فلوس سعاد اللي كانت مخبياها في علبة بسكويت واختفى في الضلمة سايبها تواجه العواقب لوحدها.
جلسة الاستماع الطارئة كانت شكلية. القاضي شاف الصور وقرأ تقرير الأخصائي الاجتماعي.
سعاد اتجردت من حضانة العيال. واتحطوا في رعاية أسر بديلة مؤقتة.
يوسف اتفصل عن إخواته الحاجة الوحيدة اللي كنت بحاول أمنعها لكنه كان في أمان.
القاضي حكم على سعاد بخدمة مجتمعية وغرامة تقيلة. يائسة مفلسة ووحيدة لحقتني آخر مرة.
كنت في مكتب الشركة بخلص فترة تدريبي لما موظفة الاستقبال كلمتني
في ست هستيرية في الطرقة.
خرجت لقيت سعاد. شكلها شبح شعرها منكوش عينيها جاحظة هدومها متسخة.
أول ما شافتني وقعت على ركبها قدام الأمن وزمايلي.
صرخت
نهى! أرجوك! قولي لهم إنك هتدفعي الإيجار! حسن سابني! ماينفعش أخسر العيال! إنتي عمتهم!
كانت بتحاول تستغل حبي ليهم كسلاح آخر مرة.
بصيت لها. استنيت أحس بالذنب. استنيت رغبة أصلح. لكن ماكانش فيه حاجة. مجرد حزن أجوف.
رجعت خطوة لورا بعيد عن إيدها.
قلت بصوت مسموع في الطرقة
أنا ربيتهم 3 سنين يا سعاد وإنتي ما اتصرفتيش يوم كأم حقيقية. دي النتيجة اللي لازم تتحمليها. مش هانقذك المرة دي.
أشرت للأمن. خرجوها وهي بتعيط وأنا رجعت مكتبي أبني المستقبل اللي حاولت تهدمه.
بعد ست شهور.
كنت واقفة في الدور العلوي من مبنى في لاس فيجاس ببص على أضواء النيون وهي بتنور في سماء الصحرا.
خلصت تدريبي بتفوق. الشركة عرضت علي وظيفة محللة نظم مبتدئة بدوام كامل. المرتب أعلى من اللي سعاد وحسن جمعوه في 3 سنين. ساكنة في مجمع حديث الكهربا ما بتقطعش.
الحاجة فاطمة جالها جلطة خفيفة بعد الجلسات. الخزي كان شديد عليها. ومن غير دخلي اتنقلت لدار رعاية حكومية على أطراف المدينة. ريحتها مطهر وندم. بتتصل أحيانا لكن ما بردش.
تركيزي بقى على الأبرياء.
قابلت مستشار مالي وأنشأت صندوق تعليمي محمي ليوسف وإخواته. يفتح لما يتموا 18 سنة. الشروط صارمة سعاد ما ليهاش أي حق فيه.
يوسف دلوقتي عايش مع أسرة حاضنة بتشجع اهتماماته الهندسية. بنتواصل بالإيميل كل أسبوع. وعدته إن مستقبله مضمون وأنا بوفي بوعدي.
وسعاد
شغالة في وردية ليلية في مغسلة هدوم شغالة 24 ساعة في حي فقير من المدينة عشان تسدد غراماتها القضائية. ساعات بتخيلها هناك تحت نور فلورسنت باهت وهي بتطوي هدوم داخلية متسخة لناس غرباء ضهرها بيوجعها من الشغل اللي طول عمرها كانت شايفة نفسها أرفع منه.
أخيرا بقت عايشة واقع اختياراتها.
لفيت ضهري عن الشباك وشلت شنطتي الجلد. شفت انعكاسي في الزجاج ست ما بقتش تعبانة وما بقتش خايفة.
دخلت قاعة الاجتماعات مستعدة للقيادة. أنا عديت من تجربة خيانة عائلية قاسية وخرجت منها زي الفولاذ المصقول.
والسلام ختام
بقلم الكاتبة نرمين همام
تمت


تعليقات
إرسال تعليق