رواية كاملة
رواية كاملة
ابنتي لم تكن تعرف أنني أستطيع الدخول إلى حسابها الاحتياطي في الهاتف وحين قرأت أول رسالة أدركت أن هناك من يهددها منذ أشهر وأنا آخر من يعلم
ابنتي لم تكن تعرف أنني أستطيع الدخول إلى حسابها الاحتياطي في الهاتف.
كانت تظن أنني لا أجيد التكنولوجيا ولا أفهم تفاصيلهم الرقمية الحديثة.
كانت تثق بذلك ثقة مطلقةثقة الأبناء في سذاجة آبائهم وثقة المراهقين في أن أمهم أبعد ما تكون عن تعقيد الإنترنت.
لكنني لم أكن كذلك. كنت أعرف أكثر مما تظن وأستوعب أسرع مما تتخيل.
والسبب بسيط كنت أما قبل أن أكون أي شيء آخر.
ومساء ذلك اليوم حين فتحت حسابها الاحتياطي وظهرت لي الرسالة الأولى شعرت أن الحرارة تتجمد في عروقي.
كانت رسالة قصيرة لكنها حملت ما يكفي لتغيير كل حياتي
لن تخرجي الليلة. لن تكرري ما فعلت. وإن حاولت إبلاغ أحد ستندمين.
أغمضت عيني. لم أكن أعلم أن ابنتيطفلتي التي ربيتها بين يدي كانت تهدد طوال هذه المدة وأنا آخر من يعلم.
الفصل الأول البداية والصدفة التي غيرت كل شيء
بدأ الأمر صدفة بحتة. فقد نسيت ابنتيهياهاتفها على السرير قبل خروجها إلى المدرسة. كنت أرتب الغرفة حين رأيت رسالة مكتوبة على شاشة الإشعارات. الرسالة لم تظهر بالكامل فقط
سأتأكد أنك
ثم اختفت الشاشة.
لم أكن أملك كلمة سر هاتفها. لكنني كنت أعرف شيئا لا تعرفه هيا
قبل سنوات حين اشترينا الهاتف أضفت حسابا احتياطيايحفظ النسخ التلقائية. وفي كل مرة يتصل الهاتف بالإنترنت تنسخ الرسائل والصور إلى ذلك الحساب.
لم أخبر أحدا. لا لأني أردت التجسس
بل خوفا من زمن لم أعد أثق فيه.
جلست على الكرسي فتحت الحاسوب ودخلت إلى الحساب الاحتياطي
وظهرت الرسالة كاملة.
عندما قرأت السطر الأول شعرت كأن أحدا صفعني على وجهي.
الفصل الثاني الشرارة التي لا تطفأ
تتبعت الرسائل القديمة. كل رسالة كانت تحمل ظل تهديد. لكن الأسلوب كان غريبا لم يكن سبا ولا شتيمة ولا ابتزازا مباشرا.
كان أقرب إلى مراقبة تحذير ومة صامتة ووعيد غير مباشر.
الأخطر من ذلك المرسل لم يكن رقما مجهولا. كان اسما مألوفا
عمار
زميل الدراسة. الصديق الذي طالما ظننت أنه لطيف هادئ ومحترم.
لكن الرسائل أظهرت شيئا آخر. أعمق وأخطر.
الفصل الثالث وجوه الأبناء التي لا نعرفها
في مساء ذلك اليوم جلست مع هيا. أحضرت لها وجبتها المفضلة وأطفأت التلفاز بلطف.
هيا هل كل شيء بخير
ابتسمت ابتسامة سريعة ابتسامة من يتدرب على الإخفاء.
كل شيء ممتاز يا أمي.
رفعت حاجبي
ووضعت يدي على يدها.
هل هناك أحد يزعجك
في المدرسة
في الطريق
أو عبر الهاتف
اهتزت يدها.
ارتعشت ارتعاشا صغيرا
لكني رأيتها.
أمي لا تغفل عن رعشة ابنها.
رفعت رأسها إلي
وقالت بصوت ثابت
لا. لا يوجد شيء.
كذبت.
لمحتها في عينها.
ذلك الوميض الذي لا يخطئه قلب أم.
لكنني لم أظهر شيئا.
كان علي أن أمسك الخيط لا أن أقطعه.
الفصل الرابع الغرفة التي تحمل سرا
بعد نومها
دخلت غرفتها بخطوات خفيفة.
جلست على الأرض
فتحت الحاسوب
وتتبعت بقية الرسائل.
رسالة
وراء رسالة
وراء رسالة
وظهر النمط. كلها تأتي في الليل بين الساعة التاسعة والثانية فجرا.
كان عمار يكتب
أنت
لا تفهمين ما أفعل لأجلك. لو خرجت الليلة سأكون هناك. لا تظني أن أمك تستطيع حمايتك. أنا أراقب.
وبين سطر وآخر كانت تظهر جملة
لا أريد أن أؤذيك.
وهذه الجملة التي تطلق كل أجراس الخطر.
من يكرر أنه لا يريد الإيذاء هو بالعادة أول من يؤذي.
الفصل الخامس الحقيقة المدفونة
مرت ثلاث ليال وأنا أقرأ وأجمع الأدلة وأبحث.
إلى أن وجدت الصورة. صورة واحدة فقط.
كانت مأخوذة من كاميرا قديمة في المدرسة. ظهر فيها عمار واقفا خلف هيا في الممر بعيدا قليلا لكن عينيه عليها.
نظرة ليست نظرة طفل نحو زميلته. بل نظرة امتلاك.
وكتب تحت الصورة
لو تركت المدرسة دون أن تخبريني
ستفهمين كم أهتم.
جسدي ارتجف.
أطفأت الشاشة
سندت رأسي إلى الجدار.
كانت ابنتي تلاحق
من طفل في عمرها
لكن روحه أكبر من عمره بكثير.
الفصل السادس ليلة المواجهة
في ليلة اليوم الرابع سمعت باب غرفتها ينفتح.
قمت فورا.
فتحت بابي بهدوء.
رأيتها تقف عند الشباك
تنظر إلى الخارج.
قلت
هيا ماذا تفعلين
التفتت.
كانت باكية
لكن صامتة.
ركضت إليها.
أمسكت وجهها بين يدي.
قولي لي ما الذي يحدث
أنا أمك ولن أتركك تواجهين شيئا وحدك.
انهارت فجأة.
جعلت قلبي يتشقق.
قالت بين شهقات
أمي هو يهددني.
قال إنه أخبر أصدقاءه
وأنهم ينتظرونني في الطريق.
وقال لو قلت لك سيعرف.
سألتها ولماذا لم تقولي لي منذ البداية
قالت جملة تني من الداخل
لأنني أعرف أنك تخافين علي ولا أريد أن أحملك أكثر.
يا الله أي قلب تحمل هذه الصغيرة
الفصل السابع وجه أم لا يرحم
مسحت دموعها. قلت لها بصوت ثابت
لن
يقترب منك أحد.
أمسكت يدها وأخذت هاتفي وخرجنا من البيت.
لم أكن أعرف إلى أين بالضبط لكنني كنت أعرف شيئا واحدا
هذه الليلة لن تكون ككل ليلة.
ذهبت مباشرة إلى بيت والدة عمار. طرقت الباب بقوة لم أعهدها في نفسي.
فتحت الأم نظرت إلي بدهشة.
قلت بلا مقدمات
أريد عمار. الآن.
ظهر خلفها. كان واقفا وعيناه تتسعان حين رأى هيا خلفي.
قلت له بصوت ثابت لا يرتجف
إذا أرسلت لها رسالة واحدة أخرى واحدة فقط أقسم أن الأمر لن ينتهي بكلام.
ابتسم. طفل صغير لكن ابتسامته لم تكن ابتسامة أطفال.
وقال بصوت خافت
هي التي تخصني ليست لك.
صفعته. لم أشعر بيدي. لم أفكر. لم أتردد.
تجمدت الأم. صرخت بي. لكنني لم أسمع شيئا.
قلت له وهو يرتجف
إن رأيتك تقترب منها يوما أو كتبت كلمة أو نظرت بغير احترام سأجعلك تواجه ما لا يخيف الأطفال بل الرجال.
هيا كانت ترتجف خلفي لكنها أمسكت بثيابي بقوة كأنها أخيرا ترى أمها الحقيقية.
الفصل الثامن ما بعد العاصفة
في اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة وقدمت شكوى رسمية. وتواصلت مع المجلس المختص ومع الأخصائي الاجتماعي. وفتحت بلاغا مكتوبا.
لم يكن الهدف إيذاء أحد بل حماية ابنتي.
تم استدعاء أهل عمار. دخل في برنامج مراقبة سلوكية. ومنع من الاقتراب من هيا.
لكن أهم من ذلك كله أن هيا بدأت تستعيد نفسها.
بدأت تنام دون خوف. بدأت تذهب إلى المدرسة بروح مختلفة. وعادت تضحك بعد أشهر من الصمت.
وفي إحدى الليالي دخلت غرفتها قبيل النوم. قالت لي
أمي هل كنت خائفة
ابتسمت وقلت
كنت جبلا. ثم صرت سيفا. لأنك ابنتي.
نامت هيا تلك الليلة
وكأن شيئا لم يمسها قط.
أما أنا
فوقفت قرب النافذة
أراقب الليل.
وأدركت شيئا
الأم التي تحب
هي أخطر مخلوق خلقه الله.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق