حين عدنا من العناية المركزة ووجدنا بيتنا غريبًا
حين عدنا من العناية المركزة ووجدنا بيتنا غريبً
أنا عندي تلاتة وتلاتين سنة، متجوزة، وعندي طفلين، وطول عمري كنت فاكرة إن العيلة معناها أمان، وإن وجود الأهل حواليك بيبقى زي السور اللي يحميك من أي حاجة وحشة ممكن تحصل. كنت مقتنعة إن البيت مش بس حيطان وسقف، لكنه شبكة أمان، وإن اللي بينك وبين أقرب الناس لك عمره ما يوصل لدرجة الخذلان. بس الأسبوع اللي فات، الإحساس ده اتكسر من جواه، في واحدة من أسوأ ليالي عمري، ليلة ما كنتش متخيلة إنها هتغيّرني بالشكل ده.
كنا أنا وجوزي أحمد قاعدين في المستشفى جنب سرير ولادنا، يوسف ونور. الاتنين في العناية المركزة بسبب تسمم غذائي شديد. أجسام صغيرة موصولة بأنابيب، وأجهزة بتطلع أصوات منتظمة بس تقطع القلب، وشاشات أرقامها بتطلع وتنزل كأنها بتختبر أعصابنا. كنا واقفين مش قادرين حتى ناخد نفسنا من الخوف، وكل ثانية بتمر كانت تقيلة، وكل دقيقة كأنها ساعة.
حين عدنا من العناية المركزة النوم بقى رفاهية. كنا بننام على كراسي بلاستيك قاسية، واحد فينا يغفو شوية والتاني يصحى مكانه، وكل اللي في دماغنا دعاء واحد بيتكرر من غير ما نحس: يا رب يعدّي الليل… بس يعدّي. كنا بنمسك في الأمل كأنه خيط رفيع، نخاف نشدّه زيادة فيقطع.
وسط الفوضى دي، وفي وقت كنت أنا فيه مهدودة ومش قادرة أفكر كويس، حماتي، أم أحمد، كلمتني. صوتها كان قلقان، قالت إن الجو برد ومطر شديد، والكهربا قاطعة عندها، وخايفة تقعد لوحدها. إحساسي من جوايا قال لي إن الموضوع مش مريح، بس التعب كان مسيطر عليّ، وعقلي ما كانش قادر يحلل أو يعترض. ادّيتها نسخة المفتاح الاحتياطي، وطلبت منها طلب واحد بس، من غير لف ولا دوران: “خلي بالك من البيت لحد ما نرجع”.
قعدنا في المستشفى ست أيام كاملين. ست أيام من غير نوم حقيقي، أعصابنا مشدودة، وقلوبنا معلقة بأي كلمة من دكتور أو ممرضة. كنا بنعيش على أمل صغير بيتجدد كل شوية. ولما الدكاترة أخيرًا قالوا إن حالة الولاد اتحسنت، وإنهم يقدروا يرجعوا البيت، حسيت براحة عمري ما حسّيتها قبل كده. لحظة خلت جسمي كله يسيب توتره مرة واحدة.
ركبنا العربية وإحنا مش شايفين قدامنا من التعب. الولاد ورا، نايمين بنوم تقيل، وأنا وأحمد ساكتين. كل اللي نفسنا فيه إننا نوصل، ندخل البيت، نرمي نفسنا على السرير، ونقفل عينينا من غير ما نفكر في حاجة.
بس أول ما فتحت باب الشقة، بطني اتقلبت. ريحة غريبة ضربت في وشي، ريحة كحول بايتة مخلوطة بحاجة مسكّرة ومتكتّلة. الريحة كانت تقيلة، خانقة، وما تشبهش ريحة بيتنا أبدًا. حسّيت في اللحظة دي إن المكان اللي قدامي ما كانش بيتنا، وإن المشهد اللي بشوفه مالوش أي علاقة بالشقة اللي سيبناها وإحنا بنجري على المستشفى.
وقفت في الطرقة ثواني مش قادرة أتحرك. الولاد كانوا ورايا، تعبانين ووشوشهم شاحبة. حاولت غصب عني أوقفهم وما يشوفوش اللي قدامهم، بس كان خلاص. دماغي كانت بتطن كأن كل ضغط المستشفى رجع مرة واحدة. حسّيت بخيانة تقيلة، وحسّيت إني غبية إني افتكرت إن البيت هيتحترم لمجرد إنه بيتنا.
أحمد دخل ورايا ووقف مكانه. ما بصّتش عليه، بس كنت عارفة إنه شايف اللي أنا شايفاه. شد المفاتيح في إيده وعضّ على فكه بالطريقة اللي بعرفها كويس. الصمت اللي وقف بينا كان تقيل، صمت لو اتكسر كان هيطلع كلام كتير إحنا مش مستعدين نقوله ساعتها.
مشيت بالراحة في الصالة، كأني ماشية في شقة ناس غريبة. الأرض كانت مليانة زجاجات فاضية وكاسات عمرنا ما كانت عندنا. على الحيطان بقع ما كنتش حتى عايزة أعرف مصدرها. معدتي انقبضت لما تخيلت إن حد عاش هنا، وأكل وشرب وضحك، وإحنا قاعدين جنب سرير مستشفى بنعدّي الساعات ونعدّ الأنفاس.
حين عدنا من العناية المركزة في المطبخ، شفت ورقة سايبة على رخامة المطبخ. مسكتها، والخط كان خطها، واضح وواثق، كأنها كاتبة ليستة مشتريات مش تفسير للفوضى اللي حواليا. كاتبة إنها جابت “شوية ضيوف” عشان كانت حاسة بالوحدة، ومستنية إننا ما نعملش مشكلة على “حاجات تافهة”. وفي آخر السطر كانت كاتبة: “ما تقلقوش، كله هيتصلّح”.
ساعتها حسّيت جسمي كله بيترعش. ما عيطتش، بس كنت على الحافة. مش قادرة أفهم إزاي إنسان يبقى قاسي للدرجة دي، وما يحسش بوجع غيره. بيتي، المكان الوحيد اللي كنت حاسة فيه بالأمان، بقى فجأة مكان يخوّف.
أحمد قرأ الورقة، سيبها على الرخامة، وما قالش غير جملة واحدة، صوته كان واطي بس حاسم: “الولاد يدخلوا أوضتهم فورًا وما يبصوش وراهم”. في اللحظة دي عرفت إنه أخد قرار.
وأنا بودّي الولاد، لاحظت رسوماتهم مرمية على الأرض، مداس عليها ومبقعة. قلبي اتقبض. دي كانت الرسومات اللي عملوها قبل ما يمرضوا. المنظر ده وجعني أكتر من الكنبة المتوسخة أو اللمبة المكسورة. كان دليل واضح إن محدش اهتم، وإن وجودنا من الأساس ما كانش في الحساب.
حين عدنا من العناية المركزة الليلة دي ما نظفناش. قفلنا علينا باب الأوضة، وقعدنا على السرير، مرهقين زيادة عن اللزوم. أحمد قال لي إنه آسف إنه دخلني في موقف حسّسني الإحساس ده. قلت له بهدوء إن مش هو اللي المفروض يعتذر.
تاني يوم، كلم أمه. أنا ما كنتش في الأوضة، بس سمعت صوته لأول مرة من غير خوف ولا تبرير. قال لها إن اللي عملته مالوش أي مبرر، وإنها عدّت حد ما ينفعش يتصلّح. بعد المكالمة، حكالي إنها حاولت تبرر، وقللت من اللي حصل، وقالت إننا مكبرين الموضوع، وإنها كانت زهقانة والجو كان ضاغط. ولا مرة جابت سيرة الولاد، وده كان كفاية.
التنضيف أخد أيام. وأنا بغسل الأرض وبنضف الكوشن، كنت حاسة بغضب، بس كمان بحالة وضوح غريبة. فهمت إن الثقة مش إنك تدي المفتاح لأي حد يطلبه، الثقة إنك تختار مين يدخل حياتك ومين لأ.
الولاد بدأوا يتحسنوا واحدة واحدة، والبيت رجع يرتّب نفسه، بس في حاجة اتغيّرت للأبد. ما بقاش في مفاتيح احتياطي، ولا مساعدات تلقائية، ولا تنازلات باسم راحة البال. اتحطّت حدود.
أحمد قال لي إنه حاسس بالذنب عشان كان ساكت قبل كده، وقال إنه كان فاكر إن السكوت أسهل من المواجهة، بس دلوقتي شاف تمن السكوت ده. وإحنا الاتنين كنا عارفين إن اللي حصل ده مش هيتكرر.
بعد كام أسبوع، البيت رجع ريحته بيت. الولاد ضحكوا تاني، ورسوماتهم رجعت على التلاجة. غيرنا الكنبة، بس دي كانت مجرد حاجة. الأهم إننا حافظنا على نفسنا.
ما بقيتش أخاف أقول “لأ”. اتعلمت إن حماية العيلة أحيانًا معناها توقف، حتى قدام اللي اسمهم “أم”. مش مديونة لحد بحق الدخول لبيتي لو مش بيديني أمان.
الأسبوع ده كسّرني، بس كمان بناني. خسرت صورة العيلة اللي كنت متخيلاها، بس كسبت حاجة أصدق: بيت بحميه، مش بيت ببرره.
النهاية.
بعد اللي حصل، ما بقاش عندي رغبة أشرح أو أبرر لأي حد. اكتشفت إن في مراحل في الحياة الشرح فيها بيبقى رفاهية، وإن الصمت أحيانًا بيكون أوضح من ألف كلمة. ما رجعتش أفكر كتير في تفاصيل اللي حصل، ولا في ليه اتعمل كده، ولا في إزاي حد يهون عليه بيت ولاد. الأسئلة دي كلها فقدت معناها. اللي فضل كان الإحساس، وإحساس واحد بس: إن في حاجة لازم تتغير.
بقيت أبص للبيت بشكل مختلف. مش كملكية، ولا كمساحة، لكن كمسؤولية. كل ركن فيه بقى ليه وزن، كل تفصيلة صغيرة بقت مرتبطة بحماية حد ضعيف، حد لسه بيتعلم الدنيا. فهمت إن الأمان مش فكرة رومانسية، الأمان قرار يومي، وقرار صعب، وأحيانًا مؤلم.
علاقتي بأحمد اتغيّرت هي كمان. ما بقيناش بنهرب من الكلام التقيل، ولا بنأجل المواجهة بحجة الوقت أو الظروف. بقينا نحط الحاجة في اسمها الحقيقي، حتى لو الاسم كان موجع. يمكن لأول مرة حسّيت إننا فريق بجد، مش بس زوجين بيعدّوا الأيام.
أما عن حماتي، فالمسافة اللي اتحطّت ما كانتش انتقام، كانت وقاية. لا خصام معلن، ولا أبواب مقفولة بعنف، بس حدود واضحة، صريحة، من غير تبرير ولا تفاوض. تعلمت إن في علاقات ما ينفعش تتصلّح، لكنها ممكن تتنظّم، وده أحيانًا أرحم.
في ليالي كتير، وأنا نايمة، كانت تيجي في بالي صورة الباب وهو بيتفتح أول مرة، والريحة اللي دخلت معاه، والإحساس اللي ضربني فجأة. بس بدل ما الصورة تكسرني، بقت تذكير. تذكير إن اللي شوفته ده كان آخر مرة أتنازل فيها عن إحساسي، وآخر مرة أقدّم حسن النية على حساب الأمان.
الولاد كبروا شوية بعد التجربةدي، حتى وهم صغيرين. بقوا أقرب، أهدى، وكأنهم حسّوا إن في حاجة اتظبطت حواليهم. وأنا، من غير ما أخد بالي، كبرت معاهم. ما بقيتش بخاف من كلمة “لا”، ولا من إن حد يزعل، ولا من إن صورتي تهتز في عين حد.
حين عدنا من العناية المركزة فهمت أخيرًا إن العيلة مش دايمًا اللي بتشاركك الدم، العيلة اللي تشاركك الإحساس بالأمان. وإن البيت مش المكان اللي الناس تدخله، البيت هو المكان اللي تقدر تقفل بابه وانت مطمّن.
يمكن اللي حصل ما كانش عدل، ويمكن كان قاسي، بس كان صريح. شال عن عينيّ وهم قديم، وخلّاني أشوف الحقيقة من غير فلتر. الحقيقة إن حماية نفسك مش أنانية، وإن الحفاظ على بيتك مش قسوة، وإن السلام اللي جواك أهم من أي رضا خارجي.
ومن اليوم ده، وأنا كل ما بقفل باب الشقة، بحس إن القرار صح. مش لأن الباب اتقفل… لكن لأن اللي جواه بقى أمان بجد.


تعليقات
إرسال تعليق