خسروني يوم طردوني… وبعد سنين شافوا الحقيقة قدام بوابة المدرسة الخاصة!
خسروني يوم طردوني… وبعد سنين شافوا الحقيقة قدام بوابة المدرسة الخاصة!
لن تنجبي طفلا أبدا لأنك عاقر! صرخت حماتي وهي تلقي بأغراضي في الشارع وبعد خمس سنوات التقينا مجددا في مدرسة خاصة وحين رأت طفلي التوأم سقطت فجأة على ركبتيها وحاولت أن تعانقهما.
اسمي كاترينا. كنت يوما ما ربة منزل بسيطة. كان زوجي جيسون الرجل الوحيد الذي أحببته في حياتي. لكن والدته ألينغ ميندا كانت تكرهني من أعماق قلبها.
والسبب مضت ثلاث سنوات على زواجنا ولم أرزق بطفل.
في إحدى الليالي عدت من السوق فرأيت حقائبي موضوعة خارج البوابة. كان المطر يهطل بغزارة وثيابي قد ابتلت تماما.
عند مدخل البيت وقفت ألينغ ميندا وجيسون. وإلى جانب جيسون امرأة تتشبث بذراعه ليني وكانت حاملا.
صرخت ألينغ ميندا
ابتعدي عن ابني يا كاترينا! أنت عاقر! رحمك لا فائدة منه! انظري إلى ليني إنها تحمل طفل جيسون! هي الأجدر بأن تكون زوجته!
نظرت إلى جيسون متوسلة
جيسون أرجوك دافع عني ألم تعدني
لكنه خفض رأسه وقال
آسف يا كات. أمي تريد حفيدا. وليني حامل. هذا هو القرار الصحيح.
أخرجوني إلى المطر. لم يكن لدي مال ولا مكان أذهب إليه وكان قلبي محطما بالكامل.
ما لم يكونوا يعلمونه أنني في تلك الليلة نفسها كنت قد دخلت الأسبوعين الأولين من حملي. كنت أنتظر عيد ميلاد جيسون لأفاجئه بالخبر.
لكن بسبب ما فعلوه أقسمت أن أطفالي لن يروهم أبدا.
بعد خمس سنوات
عملت بجد واجتهاد. وبمساعدة خالة ثرية آوتني في دافاو استطعت أن أعود إلى الدراسة وأن أبني عملي الخاص كاترينا للذهب والمجوهرات الذي أصبح اليوم من أشهر علامات المجوهرات في البلاد.
عدت إلى مانيلا وأنا أحمل في داخلي
مزيجا من الذكريات والانتصار الصامت. لم تكن المدينة بالنسبة لي مجرد شوارع مزدحمة وناطحات سحاب لامعة بل كانت مسرحا لألم قديم ولبداية جديدة في آن واحد. هذه المرة لم أعد تلك المرأة المطرودة تحت العاصفة بل عدت امرأة صنعت اسمها بيديها وأمسكت بزمام حياتها بثبات.
كان صباحا مشمسا حين وصلت إلى مدرسة برينتفيل الدولية لتسجيل ابني التوأم لوكاس وليام. بوابة المدرسة العالية الحراسة المشددة السيارات الفارهة التي تصطف أمام المدخل كل شيء كان يعكس مستوى المكان ومكانته. أمسكت بيدي صغيري وأنا أسير بثقة أشعر بأنني لا أرافق طفلين فحسب بل أرافق انتصاري الشخصي.
كان لوكاس يرتدي بدلة مدرسية جديدة بعناية وربطة عنقه مستقيمة كأنه رجل صغير يستعد لاجتماع مهم. أما ليام فكان أكثر حيوية يلتفت يمينا ويسارا بعينين فضوليتين تلتقطان كل تفصيل.
قال لوكاس بحماس طفولي
أمي انظري! هناك ملعب جديد! هل سنلعب فيه بعد المدرسة
ابتسمت وقلت
بالطبع لكن بعد أن ننتهي من التسجيل أولا.
وبينما كنا نسير في الممر الواسع المزين بلوحات إنجازات الطلاب وصور المتفوقين ركض صبي صغير بسرعة غير منتبه فاصطدم بليام بقوة.
آه! صرخ الصبي وهو يسقط أرضا واتسخ زيه المدرسي عند الركبتين.
تراجعت خطوة وأنا أطمئن ليام
هل أنت بخير يا حبيبي
هز رأسه مطمئنا لكن قبل أن أتم كلمتي جاءت امرأة مسنة مسرعة يتبعها رجل يبدو عليه الإرهاق.
صرخت المرأة بنبرة حادة
ألا تراقبين إلى أين يذهب أطفالك!
كان في صوتها شيء مألوف شيء أيقظ في داخلي ذكرى بعيدة كصوت باب يفتح على ماض لم يغلق تماما.
التفت
ببطء.
واتسعت عيناي.
كانت ألينغ ميندا.
وإلى جانبها جيسون.
تجمد الزمن لثوان. لم أعد أسمع أصوات الطلاب ولا وقع الأقدام. فقط قلبي ينبض بهدوء غريب وكأنني كنت أتهيأ لهذه اللحظة منذ سنوات.
كان الصبي الذي سقط هو الطفل الذي أنجبه جيسون من ليني. بدا شاحبا ملابسه قديمة مقارنة ببقية الأطفال وحذاؤه مستهلك الأطراف. لم يكن المشهد مؤلما لي بل كاشفا كأنه مرآة تعكس اختياراتهم.
أما جيسون فقد بدا مختلفا تماما عما عرفته. وجهه متعب تجاعيد مبكرة تحيط بعينيه وكتفاه منحنيتان كمن يحمل هما ثقيلا منذ زمن.
تمتم بصوت متردد
ككاترينا
نظر إلي مطولا. كنت أرتدي فستانا أحمر أنيقا وأقراطا من الألماس تتلألأ مع الضوء. لم أكن أحتاج إلى كلمات لأثبت شيئا حضوري وحده كان كافيا.
ثم انتقلت عيناه إلى لوكاس وليام.
توقف عند ملامحهما.
العينان الأنف انحناءة الحاجبين حتى طريقة الوقوف.
نسخة لا تخطئها العين.
شهقت ألينغ ميندا وشحب وجهها حتى خيل إلي أنها ستفقد توازنها.
قالت وهي تشير بأصابع مرتجفة
هذان الطفلان يشبهان جيسون حين كان صغيرا كاترينا هل هما
ابتسمت ابتسامة هادئة ووضعت يدي على كتفي ولدي.
مرحبا يا ألينغ ميندا. مرحبا يا جيسون. تعرفا على لوكاس وليام.
ساد صمت ثقيل.
ثم فجأة اندفعت ألينغ ميندا نحو الطفلين محاولة احتضانهما.
أحفادي! يا إلهي! لدي أحفاد! كم هما وسيمان! كم يبدوان أنيقين!
راحت تلاحقهما بعاطفة متأخرة كأن السنوات الخمس لم تمر وكأن المطر الذي طردت تحته لم يكن يوما.
أنا جدتكما! لوكاس! ليام! أنا جدتكما!
تقدمت بخطوة سريعة ووقفت أمامها وأبعدت
يدها بلطف حازم.
قلت ببرود محسوب
عذرا من أنت
اتسعت عيناها دهشة.
كاترينا! أنا أم جيسون! أنا جدتهما! لي الحق في رؤية أحفادي!
أطلقت ضحكة خافتة لا تحمل سخرية بقدر ما تحمل ذاكرة.
أحفاد ألم تقولي إنني عاقر ألم تقولي إن رحمي لا فائدة منه
تجمد جيسون في مكانه.
تابعت بصوت ثابت
ألم تطرداني تحت المطر ألم تقولي إن امرأة مثلي لا تستحق أن تكون زوجة فكيف لامرأة وصفتموها بالعقم أن تقف أمامكم اليوم مع طفلين
خفضت ألينغ ميندا رأسها للحظة ثم رفعت عينيها والدموع تملؤهما.
أما جيسون فاقترب خطوة وقال بصوت مكسور
كاترينا أرجوك سامحينا. لقد أخطأنا. ليني تركتني بعد فترة قصيرة وتركت الطفل أيضا. تراكمت علينا الديون. خسرنا الكثير. لم تكن حياتي كما تخيلت. أرجوك عودي. لنبدأ من جديد.
نظرت إليه طويلا.
رأيت الرجل الذي كنت أحبه يوما لكنني لم أشعر بأي ارتجاف في قلبي. لا غضب لا شوق لا ألم. فقط هدوء.
قلت وأنا أنظر في عينيه بثبات لم أكن أملكه يوما
تبدأ من جديد أنا بدأت منذ زمن يا جيسون. يوم طردتموني كان ذلك يوم نهايتي معكم وبدايتي مع نفسي.
لم يكن في صوتي غضب ولا ارتجاف ولا حتى عتاب. كان صوت امرأة تعلمت أن تقف وحدها ثم أدركت أنها لم تعد وحدها أصلا.
في تلك اللحظة شعرت بحضور هادئ يقترب. خطوات واثقة منتظمة لا استعجال فيها ولا تردد. التفت قليلا فرأيته يقترب نحوي رجل طويل القامة أنيق الهيئة ترتسم على ملامحه ثقة رجل يعرف مكانه في الحياة.
كان المحامي غيفارا خطيبي.
لم يرفع صوته ولم يسأل بقلق مبالغ فيه. فقط وقف إلى جواري ووضع ذراعه حولي بحماية طبيعية كما لو أن وجوده هناك أمر بديهي لا يحتاج إلى إعلان.
قال بهدوء عميق
هل
كل شيء بخير عزيزتي
رفعت رأسي إليه وابتسمت. كانت ابتسامة ممتنة لا استعراض فيها ولا رغبة في إثارة غيرة أحد.
نعم كل شيء بخير. مجرد أشخاص من الماضي.
لم أحتج أن أشرح أكثر. كان الماضي كله يقف أمامنا على هيئة رجل منكسر وامرأة ترتجف من الندم.
حمل ليام بين ذراعيه بمحبة صادقة كما يفعل دائما ومرر يده على شعره بحنان يعرفه قلبي جيدا. أمسك لوكاس بيده الأخرى فاندمج الطفلان في حضنه بثقة طبيعية كأنهما ولدا ليكونا هناك.
رأيت نظرة جيسون تتحرك بيننا ببطء. بيني وبين الرجل الذي يقف إلى جواري بثبات. بين الطفلين اللذين يحملان ملامحه بوضوح لكن لا يحملان اسمه في قلبي.
كانت تلك النظرة تحمل شيئا أكثر من الندم. كانت تحمل إدراكا قاسيا. إدراك أن الحياة لا تنتظر أحدا. وأن من يفرط في إنسان صادق قد لا يجد نسخة أخرى منه.
لم أقل كلمة متسولون هذه المرة. لم أحتج إلى تقليل أو سخرية. الزمن نفسه كان قد تكفل بكل العقاب.
تقدمت خطوة وأمسكت بيد لوكاس.
قلت بهدوء
هيا يا لوكاس يا ليام. لدينا يوم طويل ينتظرنا.
لوح الطفلان ببراءة طفولية
إلى اللقاء!
كانا يلوحان لرجل وامرأة لا يعرفان أنهما جزء من قصتهما البيولوجية لكن ليس من حياتهما.
الدم قد يجمع بين أشخاص لكن الحب هو الذي يصنع العائلة.
وبينما سرنا في الممر الطويل المؤدي إلى الإدارة سمعت خلفي صوت بكاء مكتوم. كان صوتا يخرج
من صدر أثقله الندم.
أحفادي كان يمكن أن تكون حياتنا مختلفة
توقفت قدماي للحظة ليس لألتفت بل لأتأكد من شيء واحد
أن قلبي لم يعد يتأثر.
لم أشعر بشفقة. لم أشعر بشماتة. فقط شعرت بالسلام.
سلام عميق يشبه هدوء البحر بعد عاصفة طويلة. كأن السنوات الخمس التي مضت كانت طريقا ممتدا بين ألم أول وطمأنينة أخيرة وها أنا أصل إلى نهايته دون أن ألهث دون أن أتعثر.
تعلمت أن الالتفات أحيانا يعيدك خطوة إلى الوراء. وأنا لم أعد تلك المرأة التي تمشي إلى الخلف. لم أعد المرأة التي تنتظر اعتذارا يرمم كرامتها ولا التي تبحث عن اعتراف بقيمتها. قيمتي لم تعد تقاس بكلماتهم ولا تمنح بتوقيعهم ولا تسلب بقرار ظالم.
خرجنا من المدرسة بعد أن أنهينا إجراءات التسجيل. كانت الشمس أعلى في السماء والضوء ينساب على الواجهات الزجاجية اللامعة فيعكس صورا جديدة لحياة جديدة. الهواء كان أكثر صفاء مما تذكرته يوما كأن المدينة نفسها قررت أن تتنفس معي.
كان لوكاس يركض بخطوات واسعة يسبقنا قليلا ثم يعود وكأنه يريد أن يتأكد أننا ما زلنا خلفه. أما ليام فكان يمسك بملفه الصغير بكل جدية يحدثني عن الصف الذي اختاره وعن حلمه بأن يصبح مديرا كبيرا يوما ما.
أمسك غيفارا بيدي وكانت يده دافئة ثابتة لا تشد ولا ترتجف. وجوده إلى جواري لم يكن استعراضا بل طمأنينة حقيقية. رجل لم يحاول يوما أن يكون بطلا في قصتي
بل كان شريكا في فصولها القادمة.
قال لي بهدوء ونحن نسير
هل أنت بخير حقا
كان سؤاله بسيطا لكنه لم يكن سطحيا. لم يسأل بدافع الفضول بل بدافع الاهتمام. لم يسأل ليعرف ما حدث بل ليطمئن إلى ما أشعر به.
نظرت إليه طويلا. إلى الرجل الذي لم يسألني يوما عن تفاصيل الماضي إلا حين أردت أنا أن أحكي. إلى الرجل الذي لم يشكك في ولم يحملني نقصا ولم يجعلني أشعر أنني مطالبة بإثبات نفسي.
قلت بابتسامة هادئة
أنا أفضل من بخير.
لم تكن عبارة عابرة. كانت خلاصة سنوات.
ابتسم وضغط على يدي وكأنه يقول دون كلمات أنا هنا.
في تلك اللحظة أدركت شيئا أعمق من مجرد مواجهة عابرة في ممر مدرسة.
أقسى انتقام ليس الصراخ.
ولا المواجهة.
ولا حتى الرفض.
أقسى انتقام أن تعيش حياتك كاملة ناجحة مطمئنة محاطة بالحب والاحترام بينما يقفون هم على هامشها يتفرجون على ما كان يمكن أن يكون لهم لو أنهم لم يختاروا أن يخسروك.
الانتقام الحقيقي هو أن تصبح قويا لدرجة أنك لم تعد بحاجة إلى الانتقام أصلا.
حين وصلنا إلى السيارة فتح غيفارا الباب الخلفي للصغيرين وجلس لوكاس في مقعده وهو يقول بحماس
أمي هل سنحتفل اليوم
التفت إليه عبر المرآة فرأيت عينيه تلمعان ببراءة لا تعرف شيئا عن الخذلان ولا عن المطر ولا عن الطرد.
ضحكت وقلت
سنحتفل دائما يا حبيبي. لأننا معا.
بماذا سنحتفل سأل ليام بفضول.
نظرت إلى الطريق
أمامي ثم قلت
سنحتفل ببداية جديدة. وبأننا لا نسمح لأحد أن يقرر لنا من نكون.
انطلقت السيارة مبتعدة عن المدرسة مبتعدة عن الممر الذي شهد مواجهة غير متوقعة ومبتعدة عن صفحة أخيرة أغلقتها الحياة نيابة عني.
مررنا بالشوارع التي كنت أسير فيها يوما وقلبي مثقل. اليوم كنت أعبرها وأنا خفيفة. ليس لأن الماضي اختفى بل لأنني لم أعد أحمله فوق كتفي.
تذكرت تلك الليلة تحت المطر. الحقائب المبللة. الكلمات القاسية. الشعور بأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
لو عاد بي الزمن إلى تلك اللحظة ووقفت أمام نفسي القديمة لقلت لها
لا تخافي. ما يبدو نهاية الآن سيكون بداية أقوى مما تتخيلين.
لم أحتج أن أقول سامحتكم.
ولم أحتج أن أقول لن أسامحكم.
فالغفران أحيانا ليس كلمة تقال بل مرحلة تتجاوز.
ببساطة لم أعد أنتمي إلى عالمهم.
انتمائي اليوم لقلبي لأطفالي لرجل اختارني عن وعي كامل لا بدافع ضغط أو رغبة في إرضاء أحد.
توقفت السيارة عند إشارة المرور والتفت إلى الخلف أراقب ولدي وهما يتجادلان بضحك حول من سيختار المطعم للاحتفال.
ابتسمت.
لم أعد المرأة التي تقاس قيمتها بقدرتها على الإنجاب.
ولم أعد المرأة التي يطرد وجودها بقرار عائلي.
أنا المرأة التي صنعت اسمها.
الأم التي حمت أبناءها.
والإنسانة التي اختارت أن تمضي قدما.
وهكذا أغلقت باب الماضي لا بغضب ولا بضجيج بل بهدوء امرأة عرفت قيمتها وتصالحت مع رحلتها ومضت نحو مستقبل لا مكان فيه للخذلان.
النهاية.


تعليقات
إرسال تعليق