رواية كاملة
رواية كاملة
ركعت ميا ببطء.
كأن الزمن توقف داخل مطعم لو سييل. غرق صوت أدوات المائدة في صمت ثقيل وأضحت الأضواء التي كانت تبرز الذهب والكريستال ببرود مفاجئ كأنها تشهد جريمة لا يريد أحد الاعتراف بها.
كان لحم الواغيو الفاخر ممددا على الأرض الطبق محطم والصلصة الحمراء منتشرة كأنها دم. كانت العيون كلها موجهة نحو ميا المستثمرون ببدلاتهم الرسمية السيدات بأقراطهن المرصعة بالألماس الطهاة خلف الزجاج وزميلاتها النادلات اللواتي ارتجفن على الأطراف.
ركعت ميا.
ارتسمت ابتسامة شماتة على وجه السيد غوزون.
قال بصوت منخفض لكن كلماته كانت مسمومة
هيا أسرعي. لا تضيعي وقت ضيوفي.
أخذت ميا نفسا عميقا. كانت يداها مستندتين إلى الأرض ترتجفان. الدموع ظاهرة على وجهها لكن شيئا ما تغير في ملامحها كأن بابا كان يفتح ببطء في داخلها.
لم تلتقط اللحم.
بل نهضت.
خطوة واحدة. ثم ثانية. ظهرها مستقيم. ورفعت رأسها.
قطب السيد غوزون حاجبيه.
ماذا تفعلين
لم تجب ميا. مدت يدها إلى رباط المئزر عند خصرها. وبهدوء تام بلا غضب ولا تسرع نزعته وأسقطته فوق الطبق المحطم.
كأن همهمة انفجرت في أرجاء المطعم.
ما هذا! صاح غوزون. هل فقدت صوابك!
نظرت ميا إليه. ولأول مرة منذ دخولها لو سييل كان نظرها مباشرا بلا انحناء بلا خوف.
قالت بصوت منخفض لكنه واضح
أنت مطرود.
عم الاضطراب.
ماذا! صرخ غوزون ضاحكا من شدة الغضب. أنت من يطرد! ومن تكونين حتى
لم يكمل
جملته إذ دوى تصفيق واحد.
تصفيق وحيد.
بطيء. ثابت.
صدر من الطاولة البعيدة طاولة كبار المستثمرين.
نهض رجل ببدلة رمادية. شعره أبيض عيناه حادتان وتحيط به هالة من سلطة لا تحتاج إلى صراخ. كان الجميع يعرفه.
لوران دوفال.
مؤسس مجموعة دوفال للضيافة. مالك مطعم لو سييل.
شحب وجه السيد غوزون.
سسيد لوران تمتم. لم أكن أعلم بوجودكم
قال لوران ببرود
رأيت كل شيء. وكنت أتمنى ألا أرى.
تقدم نحوه وكل خطوة كانت كأنها مطرقة تهوي على الأرض.
ساد صمت مطبق.
كانت ميا واقفة ما زالت ترتجف لكنها لم تعد تبكي.
قال لوران
السيد غوزون اشرح لي لماذا أجبرت موظفة على الإهانة أمام الضيوف.
قال غوزون مدافعا
لقد أخطأت يا سيدي أسقطت الطعام
قاطعه لوران
لأنك تعمدت عرقلتها. لدينا كاميرات مراقبة في هذا المطعم. لا تحاول أن تجعلني أحمق.
كأن دلوا من الجليد سكب على غوزون.
وأضاف لوران
وليس هذا فقط. سمعت أيضا قولك لها كلي الطعام ووصفتها بالمتسولة.
ابتلع غوزون ريقه.
كان مزاحا يا سيدي
صفعة!
دوى صوت صفعة قوية.
لم يكن لوران من صفعه بل امرأة أنيقة كانت تجلس بجانبه.
إيزابيل دوفال.
الشريكة المالكة للمجموعة والمعروفة بصرامتها التي تفوق صرامة والدها.
قالت بصوت بارد
في شركتنا لا مكان لمن يتلاعب بكرامة الآخرين.
ثم التفتت إلى ميا.
ما اسمك
مميا أجابت.
اسمك الكامل.
ميا ألونسو.
توقفت إيزابيل لحظة كأن الاسم أيقظ ذكرى.
ألونسو قالت بابتسامة
خفيفة. هل أنت ابنة الدكتور رافائيل ألونسو
اتسعت عينا ميا.
نعم.
تبادل الأب وابنته النظرات.
قال لوران
طبيب القلب الذي رفض رشاوى بملايين الدولارات لينقذ مرضاه
نعم أجابت بصوت خافت.
أومأ لوران.
لا عجب.
ثم واجه غوزون
من هذه اللحظة لم تعد مديرا في لو سييل.
سيدي! كاد غوزون يركع. أرجوكم فرصة أخرى
قالت إيزابيل بحدة
الأمن.
تقدم حارسان.
وأثناء سحبه خارجا صرخ غوزون نحو ميا
تظنين أنك انتصرت! أنت مجرد نادلة!
توقف لوران ثم قال
لا. إنها إنسانة.
واختفى غوزون خلف الباب.
سكون.
ثم انفجر التصفيق.
لم يكن بطيئا ولا مجاملا. وقف المطعم بأكمله.
شهقت ميا ولم تعرف أين تنظر.
اقتربت إيزابيل منها.
هل ما زلت ترغبين في أن تكوني نادلة
تفاجأت ميا.
ماذا
لدينا شاغر قالت إيزابيل. في برنامج التدريب الإداري. إن رغبت.
اتسعت عيون الموظفين.
لكن لم أمض سوى ثلاثة أيام
قال لوران
الكرامة لا تقاس بطول الخدمة.
جلست ميا على أقرب كرسي كأن ركبتيها خانتاها لكن هذه المرة ليس خوفا بل ثقل الفرصة.
في الخارج كان المطر يهطل.
أما في الداخل فقد وقفت
امرأة من جديدلا كنادلة بل كامرأة لن تركع مرة أخرى لأي شخص يحاول سحق إنسانيتها.
وكان ذلك مجرد بداية.
في صباح اليوم التالي استيقظت ميا وكأن كل ما حدث حلم.
غرفتها الصغيرة المستأجرة هادئة سرير مروحة قديمة وطاولة مغطاة بالكتبكتب استعارتها من المكتبة العامة عن الإدارة وعلم النفس والقيادة.
كانت تقرؤها ليلا رغم الإرهاق. حلم بعيد حتى الآن.
اهتز هاتفها.
رقم غير معروف.
صباح الخير يا ميا. إيزابيل دوفال هنا. السائق سيقلك في التاسعة صباحا. لا تتأخري.
جلست ميا فجأة. كان الأمر حقيقيا.
كان مقر مجموعة دوفال عالما آخر.
زجاج وفولاذ. هدوء منظم. لا صراخ. لا غضب. لكل شخص اتجاه.
وأثناء سيرها في الردهة شعرت بالعيون تلاحقها. همسات وتساؤلات.
إنها النادلة
التي صرخوا عليها في لو سييل
لماذا هي هنا
تنفست بعمق. ومضت مستقيمة.
في قاعة الاجتماعات كان لوران جالسا عند رأس الطاولة الزجاجية العريضة إلى جانبه إيزابيل وثلاثة من كبار التنفيذيين الذين اعتادوا اتخاذ قرارات تحرك أموالا وشركات لا مصائر أفراد.
كان المكان هادئا على نحو غير مريح لا أوراق تقلب لا أقلام تطرق على الطاولة فقط نظرات فاحصة تستقر على ميا التي وقفت لحظة عند الباب قبل أن تتقدم.
قال لوران بابتسامة خفيفة لا تخلو من الجدية
اجلسي.
جلست ميا ببطء ووضعت يديها على ركبتيها كما اعتادت دائما عندما تحاول السيطرة على ارتجافها.
قالت إيزابيل دون مقدمات وبنبرة مباشرة لا تعرف المجاملة
لم نأخذك بدافع الشفقة.
أومأت ميا برأسها ولم تحاول تبرير نفسها أو الدفاع عنها.
أفهم.
قال لوران وهو يشبك أصابعه
أخذناك لأننا رأينا شيئا لا تعلمه أي شهادة ماجستير ولا تمنحه أي جامعة مهما بلغ اسمها.
رفعت ميا نظرها قليلا وترددت قبل أن تسأل
وما هو
قالت إيزابيل بوضوح قاطع
شجاعة منضبطة. واحترام للنفس حتى عندما يكون ثمنه مرتفعا.
ثم أضاف لوران وكأنه يريد كسر أي وهم
قد
يتشكل
لكن كوني على بينة من أمر واحد لست مميزة هنا. ستبدئين من الأسفل. من حيث يبدأ الجميع.
ابتسمت ميا ابتسامة صغيرة لا تحدي فيها ولا انكسار.
أنا معتادة على ذلك.
لم تكن الأسابيع التالية سهلة ولا رحيمة.
دخلت ميا عالما لا يشبه المطعم إلا في الاسم عالم الأرقام والتقارير والقرارات الباردة.
درست العمليات اليومية لكل فرع راقبت تدفق المال تعلمت كيف يدار البشر قبل أن تدار الطاولات وكيف يمكن لقرار صغير في قسم التوريد أن يخلق أزمة كاملة في تجربة الزبائن.
أحيانا كانت تجلس في زاوية الغرفة تراقب بصمت وتدون ملاحظات لا يطلبها منها أحد.
وأحيانا كانت تكلف بتقارير تبدو مستحيلة في الوقت المحدد وكأن أحدهم ينتظر فشلها ليقول ألم نقل إنها لا تنتمي إلى هنا.
كان هناك من عاملها بلطف حذر ومن تجاهلها ببرود مهني ومن أظهر عداءه بلا مواربة.
أشدهم كان فيكتور هيل.
مدير كبير خبر دهاليز الشركة قبل أن تطأها ميا بسنوات وحليف سابق لغوزون يحمل في صمته غضبا لم يهدأ بعد.
قال لها ذات يوم وهو يقلب تقريرها دون أن ينظر في عينيها
لا مكان لك هنا. مشهد واحد في مطعم وتظنين نفسك بطلة.
لم تجبه. تعلمت أن الصمت أحيانا ليس ضعفا بل انتظار.
ابتسم بسخرية وأضاف
هكذا علمك والدك الطبيب الصمت والتباكي
رفعت ميا نظرها إليه ببطء وقالت بهدوء لم يتوقعه
وماذا
علموك أنت
توقف صوته فجأة. انقبض فكه.
ومنذ تلك اللحظة عرفت ميا أن معركة صامتة بدأت وأنها لن تكون قصيرة.
وفي إحدى الليالي استدعتها إيزابيل إلى مكتبها.
كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة والضوء الخافت في الممرات يوحي بأن معظم الموظفين غادروا لكن هذا الاستدعاء لم يكن من النوع الذي يؤجل إلى صباح آخر.
دخلت ميا المكتب بخطوات حذرة.
كانت إيزابيل جالسة خلف مكتبها لا
أوراق مبعثرة ولا فوضى فقط شاشة مضاءة وملف مغلق بعناية.
وقف لوران قرب النافذة الزجاجية ينظر إلى المدينة التي لا تنام.
لم يكن الوقت مناسبا للحديث العابر.
قالت إيزابيل مباشرة من دون تمهيد
هناك مشكلة.
شعرت ميا بانقباض مفاجئ في صدرها ذلك الشعور القديم الذي كانت تعرفه جيدا شعور يسبق العواصف.
سألت بهدوء حاولت أن تخفي به ارتجافها
ما نوعها
قالت إيزابيل
أموال مفقودة من أحد الفروع.
توقف الزمن لثانية في أذني ميا.
كم
تبادلت إيزابيل ولوران نظرة سريعة ثم قالت
كثير. بما يكفي ليفتح تحقيقا رسميا. وبما يكفي ليجعل البعض يبحث عن كبش فداء سريع.
ارتجفت أصابع ميا رغم محاولتها السيطرة عليها.
لم تقل شيئا في البداية ثم سألت بصوت منخفض
وأنا
قال لوران من مكانه قرب النافذة بصوت هادئ لكنه ثقيل
تم التلاعب بسجلات الدخول. وأنت متدربة جديدة. الاتهام سهل ومريح للبعض.
شعرت ميا
وكأن الأرض تميل قليلا تحت قدميها لا سقوطا كاملا بل ذلك الميل الخادع الذي يسبق الانهيار.
لم يكن شعورا جديدا عليها عرفته في ليال كثيرة من قبل لكن هذه المرة كان مختلفا. هذه المرة لم يكن الخطر فقرا أو طردا بل ضياع شيء بنته ببطء حجرا فوق حجر.
ترددت لحظة.
مرت في رأسها صور متداخلة وجه والدها وهو يوصيها ألا تساوم على الحق أول يوم دخلت فيه هذا المبنى وهي تشعر بأنها دخيلة ثم تلك اللحظة في المطعم حين وقفت بدل أن تركع.
رفعت رأسها أخيرا وسألت بصوت حاولت أن تبقيه ثابتا
ماذا أفعل
نظرت إيزابيل إليها طويلا.
لم تكن نظرة تعاطف ولا اتهام ولا حتى تشجيع.
كانت نظرة وزن دقيق كأنها تضع ميا على كفة ميزان وتنتظر أن ترى إن كانت ستصمد.
قالت أخيرا ببطء محسوب
دافعي عن نفسك. لكن ليس بالدموع ولا بالانفعال ولا بالاستعطاف. بالحقيقة فقط. إن كانت معك فستكفي.
خرجت ميا من المكتب وهي تشعر بثقل جديد يستقر على كتفيها.
لم يكن الخوف وحده بل وعيا حادا بأن كل ما حققته في الشهور الماضيةثقة احتراما فرصةيمكن أن يتبخر في لحظة واحدة إن أخطأت خطوة واحدة.
مرت الليلة الأولى بلا نوم.
كانت مستلقية على سريرها تحدق في السقف تعيد ترتيب الاحتمالات في ذهنها.
وفي الليلة الثانية لم تعد تحاول النوم أصلا.
ثلاثة أيام لم تعرف فيها معنى الراحة.
عاشت بين
الشاشات والجداول والسجلات الإلكترونية.
انتقلت من ملف إلى آخر ومن نظام إلى نظام تقارن الأرقام كما لو كانت تحاول سماع نبض خفي بينها.
كانت تراجع الطوابع الزمنية بعين مجهدة وتدون ملاحظات صغيرة على دفتر مهترئ ملاحظات لا يراها أحد لكنها كانت تشعر بأنها تمسك بالخيط الرفيع الذي قد ينقذها.
في اليوم الثاني لفت انتباهها أمر بدا في البداية تافها.
دخول متكرر إلى النظام في أوقات محددة ثم خروج سريع بلا تعديل ظاهر.
أغلقت الملف ثم عادت إليه.
شيء ما لم يكن مريحا.
وفي اليوم الثالث حين قارنت تلك الأوقات بسجلات الحضور أدركت أن الأمر لم يكن صدفة.
كان نمطا.
صغيرا.
غير متسق.
يتكرر دائما في ساعات لم تكن فيها داخل المبنى أصلا ولا حتى في المدينة أحيانا.
اسم واحد ظل يظهر في خلفية السجلات لا في الواجهة بل في الهوامش حيث تختبئ الأشياء التي لا تريد أن ترى.
فيكتور هيل.
لم تشعر ميا بالانتصار.
ولا بالغضب.
شعرت فقط بثقل الحقيقة وهي تستقر في صدرها.
الحقيقة ليست مريحة لكنها واضحة والوضوح كما تعلمت قوة.
في اجتماع المجلس كانت القاعة ممتلئة بوجوه اعتادت الحسم وبأصوات تعودت أن يصغى لها.
وقفت ميا أمامهم ويديها ترتجفان قليلا لكنها لم تتراجع خطوة واحدة.
عرضت البيانات بهدوء.
شرحت التوقيتات بندا بندا.
ربطت بين السجلات الإلكترونية والتسجيلات الأمنية وأشارت إلى التناقضات دون أن ترفع صوتها.
لم تتهم أحدا صراحة
ولم تسم
الجشع
باسمه.
تركت الأرقام
تتكلم لأنها كانت تعرف أن الأرقام حين تكون صادقة لا تحتاج إلى صراخ.
ساد صمت ثقيل كأن القاعة تحبس أنفاسها.
قال أحد الأعضاء أخيرا
هل أنت متأكدة
نظرت ميا إليه مباشرة وقالت
بقدر ما يمكن أن تكون الحقيقة متأكدة.
قالت إيزابيل بنبرة لا تقبل الجدل
ليس خطأ النظام بل الطمع.
لم ينظر فيكتور إلى أحد وهو يغادر القاعة.
لم يكن مكبل اليدين لكن نظرته كانت فارغة كأن شيئا داخله انطفأ إلى الأبد شيء لم يكن مالا ولا منصبا.
على سطح المبنى كانت الرياح باردة تقطع السكون.
وقفت ميا تنظر إلى المدينة الممتدة تحتها تحاول استيعاب ما حدث وتحاول أن تقنع نفسها بأنها ما زالت واقفة.
اقترب لوران منها وقال بهدوء
كثيرون ينهارون عند أول اختبار حقيقي.
قالت ميا بصراحة من دون تظاهر بالقوة أو إنكار للخوف
ما زلت خائفة.
ابتسم لوران ابتسامة خفيفة وقال
هذا يعني أنك ما زلت إنسانة. والخوف ليس عيبا إن لم يحكمك.
مرت ثلاث سنوات.
تغير لو سييل ببطء لكن بعمق.
لم يعد أحد يرتجف عند مرور مدير.
لم يعد الصراخ وسيلة إدارة ولا الإهانة أداة للسيطرة.
تغير الإيقاع وتغير الصوت وتغيرت الطريقة التي ينظر بها الناس إلى بعضهم.
وقفت ميا ذات مساء خلف النافذة الزجاجية العالية تنظر إلى المدينة التي بدت أصغر مما كانت عليه يوما أو ربما أصبحت هي أكبر وأكثر ثباتا.
قالت إيزابيل وهي تقف إلى جوارها
هل أنت واثقة من قرارك
أجابت ميا دون تردد وبصوت يحمل يقينا هادئا لا يحتاج إلى تبرير
أنا هنا لأرفع غيري لا لأعلو وحدي.
وفي تلك الليلة عادت ميا إلى المطعم كضيفة.
لا بطاقة تعريف ولا نظرات خوف ولا همسات.
جلست في زاوية بعيدة تراقب المكان الذي بدأ منه كل شيء.
رأت نادلة شابة يداها ترتجفان وهي تحمل الصينية.
انسكب قليل من الماء على الطاولة فتجمدت الفتاة في مكانها تنتظر ما سيأتي.
ابتسمت ميا ونهضت بهدوء
واقتربت منها.
قالت بلطف صادق
لا بأس. خذي نفسا أنت بخير.
لم يكن في صوتها سلطة ولا شفقة.
كان فيه احترام فقط احترام.
وغادرت.
وفي الشرفة لاحقا وصلتها رسالة على هاتفها.
قرأت السطر الأول ثم أغلقت الشاشة.
لم تجب فورا.
لأن قصتها لم تعد بحاجة إلى نهاية مغلقة.
يكفي أن يعرف أن هناك من أجبر يوما على الركوع
وحين نهض لم يسمح للعالم أن يبقى كما كان.
سقط الفك السفلي للمدير غوزون من الصدمة تراجع للخلف وهو يصطدم بطاولة الزبائن والعرق يتصبب من جبينه. مالكة أنت لكنك كنت تنظفين الطاولات وتتعرضين للإهانة!.. صرخت ميا فيه بصوت هز أركان المطعم
نعم كنت أفعل ذلك لأرى بعيني كيف تدار أملاك والدي في غيابه. كنت أعلم أن هناك تسريبات مالية وشكاوى من الموظفين لكنني لم أتخيل أبدا أنني سأجد حيوانا يدير هذا المكان!
التفتت ميا للزبائن وقالت بكل رقي أعتذر منكم جميعا على هذا المشهد عشاء الجميع الليلة على حسابي الشخصي كتعويض عن سوء الإدارة الذي شاهدتموه. ضجت القاعة بالتصفيق بينما غوزون يحاول التودد آنسة ميا أرجوك كنت فقط أحاول الحفاظ على النظام...
أي نظام نظام العبودية قاطعته ميا وهي تشير لرجال الأمن الذين دخلوا المطعم فجأة. قبل أن تخرج مطرودا هناك حساب آخر. لقد قمت بتركيب أجهزة تسجيل صغيرة في مآزر الموظفين وسجلت كل قرش كنت تختلسه من فواتير الزبائن وتضعه في جيبك!.
لم يكتف غوزون بالسرقة بل كان يخصم مبالغ خيالية من رواتب العمال بحجة الكسر والتأخير ليحولها لحسابه الخاص. ميا أخرجت كشف حساب بنكي وقذفته في وجهه خمسة ملايين فرنك اختفت في سنة واحدة.. هل تظن أن والدي كان نائما.
هنا تحول غوزون من التوسل للهجوم حاول الانقضاض على ميا وهو يصرخ دمرت حياتي! لكن رجال الأمن طرحوه أرضا في ثوان وسط نظرات الاحتقار من الجميع.
نظرت ميا إلى زملائها الموظفين الذين كانوا يقفون بذهول وخوف. توجهت
نحو الطباخ العجوز شيف برنارد الذي كان غوزون يهينه دائما وأمسكت بيده وقالت أمام الجميع
من اليوم الشيف برنارد هو المدير التنفيذي لهذا الفرع. وكل موظف خصم من راتبه قرش واحد بغير حق سيعود له مضاعفا ثلاث مرات كاعتذار من عائلة لوران.
الدموع انهمرت من عيون العمال وأحدهم صرخ بامتنان لقد أنقذتنا يا آنسة ميا!. لكن ميا لم تنته بعد كان هناك شخص آخر في القاعة يجب أن يلقن درسا..
كان هناك مستثمر جالس على طاولة قريبة وكان يضحك مع غوزون عندما سقطت ميا في البداية. ميا توجهت نحو طاولته بكل هدوء وسحبت زجاجة النبيذ المتبقية وسكبتها على طبق طعامه!
ارتبك الرجل وقال ماذا تفعلين هل تعرفين من أنا. قالت ميا بابتسامة باردة أعرف تماما.. أنت الشريك الذي كان غوزون يغطي على اختلاساته مقابل صمتك. وبما أنني أصبحت الآن صاحبة القرار فقد تم إلغاء عقد الشراكة مع شركتك وسيصلك استدعاء من المحكمة غدا بتهمة التواطؤ في السرقة.
خرج الرجل يجر أذيال الخيبة بينما سحب غوزون مكلبش اليدين إلى سيارة الشرطة التي كانت تنتظر بالخارج.
في اليوم التالي لم يعد لو سييل مجرد مطعم فخم بل أصبح حديث المدينة كلها. ميا لم تترك العمل لكنها لم تعد نادلة متخفية بل أصبحت تدير المكان بروح الإنسان.
غيرت القوانين وأصبح لكل موظف كرامة فوق كل اعتبار. وضعت لافتة كبيرة على باب المطعم تقول في هذا المكان الزبون دائما على حق.. طالما أنه يحترم من يقدم له الخدمة.
أما ميا فقد تعلمت درسا لن
تنساه أن
القوة الحقيقية ليست في الصراخ أو السلطة بل في القدرة على رؤية الحقيقة من خلف الستار وفي الشجاعة لقول أنت مطرود لكل ظالم.
ظن الجميع أن القصة انتهت برحيل غوزون لكن ميا كانت تخطط لشيء أعمق. بعد أسبوع من الواقعة دعت ميا جميع الموظفين ل عشاء ملكي في نفس الصالة التي شهدت إهانتهم لسنوات.
جلست ميا على رأس الطاولة وقالت اليوم
أنتم الزبائن ونحن الإدارة في خدمتكم. وبينما كان الجميع يستمتع فتح الباب ودخل شخص لم يتوقعه أحد.. لقد كان غوزون!
لكنه لم يدخل ببدلته الفاخرة بل دخل بملابس عمال النظافة وبيده مكنسة. صدم الجميع فقالت ميا ببرود القاضي حكم عليه بالخدمة العامة لمدة 6 أشهر لرد المبالغ التي سرقها وأنا طلبت أن يقضي خدمته هنا.. ليتعلم كيف يلمس الأرض التي كان يأمر غيره بلمسها!.
بينما كان غوزون ينظف الأرض بذل تحت أنظار الموظفين الذين كان يضطهدهم قدم شيف برنارد لميا ظرفا أسود وجده في مكتب غوزون السري.
فتحت ميا الظرف وتغيرت ملامح وجهها تماما. الظرف كان يحتوي على صور لوالد ميا السيد لوران وهو في المستشفى ومعها تقارير طبية مزورة!
اكتشفت ميا أن غوزون لم يكن يسرق المال فقط بل كان يحاول تسميم والدها بجرعات دواء خاطئة ليخلو له الجو ويسيطر على الشركة بالكامل بمساعدة الشريك الخائن.
وقفت ميا أمام غوزون الذي كان يرتجف خوفا وقالت له بصوت فحيح الأفاعي كنت أظنك مجرد لص لكنك طلعت قاتل مأجور يا غوزون!.
في تلك اللحظة اتصلت ميا بوالدها عبر الفيديو كول. ظهر والدها وهو جالس على كرسي متحرك لكنه بوعيه الكامل وقال لغوزون لقد ربيت ابنتي لتكون ذئبة يا غوزون.. كنت أعرف أنك تخونني فجعلتها تدخل المطعم كنادلة لتمسك بك متلبسا!.
اتضح أن كل ما حدث من سقوط ميا على الأرض إلى كشف الاختلاسات كان فخا مدبرا بدقة من الأب وابنته للإيقاع برؤوس الفساد في الشركة دفعة واحدة.
بعد اعتراف غوزون بكل شركائه خوفا من السجن المؤبد تم تطهير الشركة بالكامل. ميا قررت أن تحول مطعم لو سييل من مجرد مطعم للأغنياء إلى مدرسة لتعليم فنون الضيافة للشباب الفقراء والمجتهدين بالمجان.
وفي ذكرى مرور سنة على الواقعة وقفت ميا في وسط المطعم ونظرت إلى المكان الذي سقطت فيه وابتسمت. لم تعد ميا النادلة الضعيفة بل أصبحت المرأة الحديدية
التي علمت الجميع أن المناصب تزول والمال يذهب لكن الكرامة والعدل هما ما يبقى.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق