القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت خيانه لا تغتفر كامل 




خيانه لا تغتفر 


قبل زفافي بيوم واحد استيقظت لأجد نفسي في غرفة بأحد الفنادق مع صديق زوجي الوحيد. لم يكن في المكان ما يدل على عنف أو إكراه ولا أي أثر جسدي يدل على ما حدث أو كيف حدث سوى أننا كنا كما ولدَتنا أمهاتنا وتبدو على وجوهنا ملامح رضا غامض أربكني أكثر مما طمأنني. شعرت بذعر شديد ثم حاولت أن أستعيد ما حدث في الليلة السابقة فلم أجد سوى شذرات متقطعة من الضحك والمشروبات الثقيلة وصوت الموسيقى البعيد. تذكرت أن زوجي استأذن مبكرا بسبب عملية طارئة في المستشفى وطلب من صديقه أن يوصلني فوافقت وبقيت معه ولم أتذكر بعد ذلك شيئا واضحا سوى أن الساعات انزلقت من يدي بلا وعي.

حين لم أجد أي أثر جسدي لما قد يكون حدث شعرت براحة خادعة وأقنعت نفسي أن شيئا لم يقع وأن الخوف وحده هو ما يصنع هذا الوهم. وفي ليلة الزفاف كنت سليمة تماما فازداد يقيني بأن صديق زوجي لم يلمسني وأن تلك الليلة لم تكن سوى ثغرة في الذاكرة لا أكثر. أغلقت على الأمر في داخلي وأقسمت ألا أعود إليه أبدا لا بالسؤال ولا بالذكرى.

مرت ثلاث سنوات كاملة كنت فيها زوجة منشغلة بالبيت والعمل وأما لطفلة ملأت حياتي ولم تترك فيها فراغا للشك أو التفكير. كنت أظن أن الماضي أغلق صفحته وأن الحقيقة لا تحتاج إلى إعادة فحص.

في صباح ذلك اليوم دخل زوجي إلى المنزل وهو يصرخ وملامحه مشدودة كأنها حجر وقال لي دون تمهيد من أبو ابنتك هذه الطفلة ليست ابنتي. لم أستوعب كلماته في البداية وظننت أنني أسيء السمع أو أن شجارا سابقا دفعه إلى هذا الجنون. سألني السؤال مرة ثانية بحدة أشد وأنا ما زلت غير مصدقة أنه يشك في أمر عبثي إلى هذا الحد. كان يعلم أنه الرجل الوحيد الذي دخل حياتي فكيف استطاع أن يصل إلى هذا الشك القاسي وكيف تجرأ على إدخال طفلتنا في هذا الاتهام.

صرخت فيه رافضة هذا العبث لكنه خلع قميصه ببرود وقال إن السؤال بسيط وإجابته أبسط من ذلك من أبو هذه الطفلة. قلت له بحدّة ممزوجة بالذهول إنه هو بالطبع فابتسم بسخرية واتجه إلى غرفة النوم حيث كانت ابنتنا نائمة. طلب مني أن آخذها وأخرجها من غرفته فاستيقظت الطفلة على صوته وبدأت تبكي. حملتها إلى صدري وأنا لا أفهم ما الذي أصابه ولا كيف تغيّر بهذه القسوة.

جلس على السرير وأخبرني ببرود قاتل أن تحليل الحمض النووي أثبت أنها ليست ابنته. تجمدت في مكاني حين أدركت أنه أجرى التحليل من دون علمي. حاولت أن أهدئ الموقف وألا يُقحم ابنتنا في خلافنا لكنه صرخ مطالبا بالحقيقة ومتهما إياي بالخيانة وأنني أدخلت دليلها إلى بيته.

اشتعل الغضب في داخلي وسألته كيف يشك بعد ثلاث سنوات من الزواج وكيف ينسى أن عمر الطفلة يطابق تماما مدة زواجنا وأنني لم أفعل يوما ما يبرر هذا الاتهام. لكنه أصر بعصبية على أنني حملت من رجل غيره وحاولت إلصاق الطفلة به. كانت ملامحه تتصلب أمامي والغضب يبتلع ما تبقى من ملامح الرجل الذي عرفته. ولأول مرة شككت في نفسي لا في أخلاقي بل في عقلي هل يمكن أن أكون فقدت شيئا من ذاكرتي هل يمكن أن أكون أخطأت دون أن أدري.

دخل الحمام وترك خلفه جملة قاسية مفادها أن قول الحقيقة مبكرا سيكون أفضل للجميع. جلست على السرير أهدئ طفلتي حتى نامت ثم بدأت أستعيد حياتي بتفاصيلها. لم يكن في السنوات الثلاث الماضية أي مجال لرجل آخر فقد كنت غارقة في العمل والبيت والأمومة حتى نسيت نفسي. لكن قبل الزواج توقف قلبي فجأة وعاد إليّ ذلك المشهد الذي دــ,,ـــــفنته قسرا.

ارتعشت يدي وأنا أتذكر تلك الليلة قبل الزفاف بيومين ليلة الضعف مع صديق زوجي التي أقنعت نفسي طويلا أنها لم تكتمل وأنني كنت سليمة تماما. كيف يمكن أن يحدث هذا وكيف يمكن أن تكون الحقيقة قد تسللت من ثغرة لم أعترف بها.

في اليوم التالي ذهبت إلى طبيب وسألته إن كان من الممكن حدوث حمل من دون أثر جسدي واضح فنظر إليّ طويلا ثم أجاب بنعم. كانت تلك الكلمة كافية لتهدم ما تبقى من يقيني.

عدت إلى المنزل وجلست أمام زوجي وقلت له بهدوء مرعب إنني لم أخنه بإرادتي لكن شيئا ما حدث قبل الزواج وكنت مخطئة حين أقنعت نفسي أنه لم يحدث. حكيت له كل شيء دون أن أرفع عيني إليه كأنني أسرد حكاية لا تخصني.

سكت طويلا ثم طلب اسم الرجل وحين نطقت به نهض وخرج بلا كلمة. عاد بعد ساعات وملامحه مكسورة لا غاضبة وأخبرني أن صديقه اعترف بكل شيء وأنه كان يعلم وأنه فعل ذلك ليضمن بقائي معه معتقدا أن الحمل لن يحدث.

انهرت داخليا بلا صراخ ولا دموع فقد كان الوجع أكبر من أي رد فعل. أخبرني زوجي أنه لن يترك الطفلة لكنه لن يستطيع الاستمرار معي. وبعد شهور تم الطلاق وبقيت الطفلة باسمه في الأوراق بينما خرجت أنا من الحياة التي ظننتها آمنة.

اليوم حين تناديني ابنتي بكلمة أمي وأراها تناديه أباها يتمزق قلبي لكنني أقول في سري إن الحقيقة وإن كانت موجعة فإن الكذبة كانت ست.نا جميعا.

صلوا على محمد وآل محمد









بعد الطلاق لم أخرج من البيت مباشرة كما يحدث في الحكايات بل بقيت أياما طويلة أتحرك داخله كالغريبة أنظر إلى الجدران وكأنها لا تعرفني. كان الصمت أثقل من أي صراخ وكل ركن يحمل ذكرى صغيرة تلسع القلب دون إنذار. لم أبك في البداية لأن الدموع كانت أضعف من أن تتحمل ما حدث لكنني كنت أستيقظ كل ليلة على شعور واحد أنني فقدت اسمي قبل أن أفقد بيتي.



ابنتي كانت تنام إلى جواري تتشبث بيدي وكأنها تشعر أن العالم لم يعد آمنا كما كان. كانت تسأل عن أبيها فأجيبها بإجابات قصيرة لا تشبه الحقيقة ولا تكذبها بالكامل. كنت أحاول أن أؤجل الصدمة قدر ما أستطيع لأن الطفولة لا تحتمل كل هذا الثقل.

خرجت إلى العمل من جديد لا هربا بل لأن الوقوف كان يعني الغرق. في المكتب كنت أبدو متماسكة إلى حد يثير الشفقة لكن داخلي كان ساحة مفتوحة للأسئلة. هل كنت ضحية أم شريكة صمت هل كان جهلي حماية أم خطيئة وهل الأمومة تكفي لتغفر كل شيء.

بعد أشهر وصلني خبر لم أكن مستعدة له أن صديق زوجي السابق تعرض لحاــ,,ـــــدث خطير ودخل المستشفى في حالة حرجة. حاولت تجاهل الخبر لكن اسمه ظل يطرق رأسي بعنف كأنه يطالب باعتراف متأخر. لم أذهب لزيارته ولم أسأل عنه لكن الفكرة وحدها كانت كافية لتعيدني إلى تلك الليلة بكل تفاصيلها المكسورة.

في إحدى الليالي جلست أكتب لأول مرة منذ سنوات لم أكتب لأحد بل لنفسي كتبت كل ما حاولت إنكاره كل ما أخفيته تحت خوف غير مسمى. أدركت أنني لم أكن بريئة تماما ولا مذنبة تماما بل إنسانة ضعفت في لحظة ولم تجد من يحميها ولا حتى نفسها.

بعد عام كامل بدأت أتعلم كيف أعيش دون أن أشرح نفسي لكل من يسأل ودون أن أبرر وجودي. تعلمت أن أضع حدودا لا أحتاج إلى تفسيرها وأن أقول لا دون خوف وأن أفهم أن الحقيقة لا تحتاج دائما إلى دفاع بل إلى شجاعة في حملها.

في يوم عادي جدا بينما كنت أعود من العمل وجدت ابنتي تنتظرني عند الباب تحمل رسمة صغيرة رسمتنا فيها معا وقالت لي بابتسامة صافية ماما انتي قوية. في تلك اللحظة فقط بكيت لأنني أدركت أنني رغم كل شيء لم أنكــ,,ـــــسر تماما وأنني ما زلت قادرة على أن أكون ملاذا آمنا لروح صغيرة لا ذنب لها.

لم أعد أبحث عن عدالة كاملة ولا عن اعتذار متأخر لأن بعض الخسائر لا تعوض وبعض الأسئلة لا تملك إجابة عادلة. لكنني تعلمت أن الحياة لا تنتهي عند خيانة ولا عند شك ولا حتى عند طلاق بل قد تبدأ من هناك بشكل أكثر صدقا وأقل خوفا.

وهكذا بدأت حكايتي الجديدة لا كامرأة نجت من فضيحة بل كامرأة تعلمت أخيرا أن تصدق نفسها.


قصه 3

بعد عامين من الطلاق لم أعد تلك المرأة التي خرجت من البيت تحمل طفلتها وارتباكها معا. لم أصبح أقوى بالمعنى الشائع للقوة لكنني صرت أكثر وضوحا مع نفسي وأقل ميلا للهروب من الحقيقة. كنت أعيش حياة هادئة من الخارج عمل ثابت بيت صغير وطفلة تكبر أمامي بسرعة تجعلني أراجع عمري كله كلما نادتني أمي.

لم يعد اسم زوجي السابق يتردد كثيرا في حياتنا لكنه لم يختف تماما فقد بقي حضوره في الأوراق وفي المواعيد الرسمية وفي أسئلة ليلى البريئة التي لم أجد لها إجابات كاملة بعد. كنت أقول لها إن بعض الأشياء تحدث لأن الكبار يخطئون أحيانا وإن الحب لا يكفي دائما ليحمي الجميع. كانت تهز رأسها وكأنها تفهم أكثر مما ينبغي لطفلة في عمرها.

في أحد الأيام تلقيت اتصالا من رقم غريب لم أرد في البداية لكن الإلحاح جعلني أرفع الهاتف فجاءني صوت متردد يسأل عني بالاسم. كان الصوت مألوفا حد الإزعاج احتجت لحظات حتى أدركت أنه صوت صديق زوجي السابق نفسه الرجل الذي حاولت سنوات أن أدــ,,ـــــفنه في زاوية معتمة من ذاكرتي. أخبرني أنه خرج من المستشفى وأنه يريد أن يراني ولو مرة واحدة فقط ليعتذر.

أغلقت الهاتف دون رد وبقيت واقفة في منتصف الغرفة أتنفس بصعوبة. لم أكن غاضبة فقط كنت خائفة لأن الماضي حين يطلب المواجهة لا يأتي وحده بل يحمل معه كل الأسئلة المؤجلة. تلك الليلة لم أنم وظل وجهه يعود إلي في صور متداخلة ليس كوحش ولا كضحية بل كرجل ارتكب جريمة صامتة ومضى.

بعد أيام قررت أن ألتقيه لا من باب الغفران بل من باب إغلاق الدائرة. اخترت مقهى عاما في وضح النهار وجلست بعيدا عن الزوايا المغلقة حين دخل رأيته مختلفا أكثر نحولا أقل ثقة كأن المرض نزع عنه ما تبقى من ادعائه. جلس أمامي ولم يرفع عينيه في البداية ثم قال بصوت مكسور أنا عارف إن مفيش حاجة هتصلح اللي حصل بس كان لازم أقول إني ندمان.

لم أقاطعه تركته يتكلم عن ضعفه وعن غيرته وعن خوفه من أن يخسر صديقه وعن الأنانية التي جعلته يقنع نفسه أن الخطأ يمكن أن يمر بلا ثمن. حين انتهى لم أشعر بالانتصار ولا بالراحة فقط شعرت بثقل أقل بقليل كأن كلمة واحدة صادقة أزاحت حجرا صغيرا من صدري. قلت له بهدوء أنا مش جاية أديك غفران ولا أخد اعتذار انا جاية أقول لك إن اللي حصل أثر في حياة طفلة مالهاش ذنب وإن ده ثمن أكبر من أي ندم.

نهضت وغادرت دون وداع وفي طريقي إلى البيت أدركت أن المواجهة لا تشفي لكنها تمنع الألم من التعفن في الداخل.

مرت الشهور وبدأت ليلى تدخل مرحلة الأسئلة الصعبة. سألتني يوما لماذا لا يعيش أبي معنا ولماذا أذهب وحدي للنوم في بعض الليالي حين تكون عنده. جلست معها على الأرض وقلت لها إن الكبار أحيانا لا يعرفون كيف يحافظون على بعضهم لكنهم يظلون يحبون أبناءهم بطرق مختلفة. لم أذكر الخيانة ولا الشك ولا التحاليل لأن بعض الحقائق لا تناسب طفولة لا تزال طرية.

في العمل بدأت أتقدم خطوة خطوة ليس لأنني أريد إثبات شيء لأحد بل لأن النجاح صار وسيلتي الوحيدة للشعور بالأمان. كل ترقية كانت تعني بابا أقل خوفا ومستقبلا أوضح لابنتي. تعلمت أن أطلب حقي وأن أقول لا وأن أميز بين الاحترام والشفقة.

وفي مساء هادئ بينما كنت أرتب أوراقي القديمة وقعت عيني على صورة زفافي. نظرت إلى الفتاة التي تبتسم فيها بوجه ممتلئ بالثقة والخوف معا وسألت نفسي إن كنت أكرهها أم أشفق عليها. أدركت أنني لا أستطيع فعل أي منهما لأنها كانت تفعل أفضل ما تستطيع بما تملكه من وعي في ذلك الوقت.

في تلك اللحظة فهمت أن التصالح الحقيقي لا يكون مع الآخرين بل مع النسخة القديمة منك تلك التي أخطأت وصمتت وخافت.

بعد سنوات جاء يوم وقفت فيه ليلى على المسرح في مدرستها تقرأ كلمة قصيرة عن الشجاعة قالت فيها إن الشجاعة هي أن تقول الحقيقة حتى لو خسرت أشياء تحبها. شعرت حينها أن شيئا ما اكتمل داخلي وأن الألم لم يذهب سدى.

لم أتزوج مرة أخرى ليس لأنني أغلقت قلبي بل لأنني تعلمت ألا أملأ الفراغ بأي وجود. صرت أؤمن أن الحب لا يأتي ليصلح حياتك بل ليشاركها حين تكون مستعدا.

واليوم حين أنظر إلى الماضي لا أراه كفضيحة ولا كجريمة بل كطريق قاس علمني كيف أكون أما أصدق وكيف أختار نفسي دون أن أؤذي أحدا.

هكذا انتهت حكاية وبدأت أخرى لا صراخ فيها ولا اتهام فقط امرأة وطفلتها تمشيان إلى الأمام بخطوات بطيئة لكنها ثابتة.



تعليقات

close