سكريبت لورا كامله
لورا
لم يكن أحد في العائلة يشك لحظة واحدة في أن لورا كانت مركز الكون وأن كل شيء في البيت يدور حولها منذ أن فتحت عينيها على الدنيا فقد نشأت وهي محاطة بهالة من الإعجاب والتقديس وكأنها مشروع عظيم ينتظر لحظة اكتماله بينما كنت أنا الظل الذي يتحرك بصمت خلفها بلا صوت وبلا أثر تقريبًا
كانت أمي تنظر إليها نظرة امتلاك لا تخطئها العين وكان أبي يبتسم لها بابتسامة فخر وكأنه يرى فيها امتداد اسمه ومستقبله وحلمه القديم الذي لم يتحقق أما أنا فكنت مجرد اليد التي تنظف الفوضى وتصلح الأخطاء وتسد الثغرات وتختفي بعدها وكأنها لم تكن
كنت أسمعهم يصفونها بالمميزة وبالمستقبل وبالتي تستحق الأفضل دائمًا وكنت أسمعهم يصفونني بالهادئة وبالمطيعة وبالتي يمكن الاعتماد عليها وهي كلمات تبدو لطيفة في ظاهرها لكنها كانت تحمل في داخلها حكمًا صامتًا بأن مكاني الحقيقي ليس في دائرة الضوء بل في الهامش حيث لا أحد يلتفت
كبرت على هذا الإيقاع حتى صار طبيعيًا في داخلي وصرت أتعامل مع الحياة وكأن دوري فيها هو أن أفسح الطريق لغيري وأن أتنازل قبل أن يطلب مني التنازل وأن أقبل بما يُعطى لي دون أن أسأل لماذا لا أحصل على المزيد
لكن كل ذلك بدأ يتغير يوم علمت أنني حامل
لم يكن الخبر بالنسبة لي مجرد حدث عابر بل كان شعورًا بالنجاة وكأن بابًا انفتح أخيرًا في جدار طويل من الصمت وكأن شيئًا صغيرًا في داخلي يمنحني حقًا لم أحصل عليه من قبل حق أن أكون في مركز حياتي ولو لمرة واحدة
عندما أخبرت أمي عبر الهاتف ساد صمت قصير في الطرف الآخر من الخط ثم جاء صوتها دافئًا على غير عادته تسألني عن الطبيب وعن مواعيد المتابعة وعن الفيتامينات وتعرض علي ملابس أطفال قديمة كانت تحتفظ بها منذ سنوات حتى إنها بكت مرة وهي تقول إن الطفل ربما يعيد جمع العائلة من جديد
صدقتها
ربما لأنني كنت أريد تصديقها أكثر مما كنت أريد التفكير
مرّت الأشهر الأولى هادئة بشكل غريب حتى بدأت كلمات صغيرة تتسلل إلى الأحاديث العائلية كلمات تبدو عادية في ظاهرها لكنها كانت تحمل شيئًا آخر في عمقها
قال أبي ذات مساء إن لورا ستكون أمًا رائعة أفضل من كثير من النساء ثم تبعته أمي بابتسامة واسعة وهي تقول إن الأخوات يساعدن بعضهن هكذا تكون العائلة الحقيقية
سألتهم عمّا يقصدون لكنهم التفوا حول الإجابة كمن يدور حول نار يخشى الاقتراب منها وقالوا إنهم يتحدثون عن المستقبل وعن ترتيب مؤقت وعن مصلحة الجميع
لم أفهم يومها أو ربما لم أرد أن أفهم
حتى جاء اليوم الذي مات فيه جدي عبد العزيز
كان موته نقطة فاصلة لم أدرك حجمها في حينها فقد تغيّر كل شيء بعد الجنازة وكأن ستارًا خفيًا أُسدل على آخر ما تبقى من توازن هش في العائلة
في أحد الأيام جاءت أمي إلى شقتي ومعها لورا وكانت تحمل ملفًا سميكًا ضغطت به على الطاولة بقوة جعلت صوت الاصطدام يتردد في أرجاء الغرفة كإعلان رسمي عن بداية شيء لم أكن مستعدة له
قالت إن الميراث كله سيذهب إلى لورا لأن جدي أراد تأمين مستقبلها ثم نظرت إليّ نظرة باردة لم أعتدها من قبل وقالت إن المال يحتاج إلى حفيد يحمل اسم العائلة وإن لورا تحتاج طفلًا في بيتها وإن هذا هو الحل الذي يحقق العدل للجميع
شعرت حينها أن الهواء في الغرفة أصبح أثقل وأن قلبي بدأ يخفق بقوة غير مألوفة وأن الكلمات التي خرجت من فمي لم تكن سوى رد فعل غريزي لا إرادي حين قلت إنني لن أعطي ابني لأحد
في تلك اللحظة تغيّر وجه أمي تمامًا وتحولت ملامحها إلى قناع جامد بلا عاطفة وقالت إنني أنانية وإنني أفكر في نفسي فقط وإن لورا تستحق مستقبلًا أفضل بينما أنا لدي حياتي الخاصة
وضعت يدي على بطني دون وعي وقلت إنني أم وهذا طفلي ولن يكون موضوع تفاوض أو صفقة
لم تقل أمي شيئًا بعدها بل اقتربت مني ببطء وهمست بكلمات لم أنسها ولن أنساها ما حييت قالت إن الميراث للورا وإن عليّ أن أتخلص من الطفل أو أعطيه لها
لم أستوعب الجملة كاملة قبل أن أشعر بيدها تدفع كتفي بقوة مفاجئة جعلت قدمي تنزلق على حافة السلم
في تلك اللحظة القصيرة التي سبقت السقوط رأيت عينيها بلا رحمة ورأيت عيني لورا بلا صدمة وكأن ما يحدث كان جزءًا من حساب طويل بدأ منذ سنوات
سقطت
ارتطم ظهري بدرجات السلم وتفجّر الألم في جسدي كله بينما كانت يداي تبحثان بيأس عن الدرابزين لأحمي بطني قبل أي شيء آخر
ثم انفتح باب العمارة في الأسفل وسمعت خطوات رجل يعلن بصوت رسمي أنه من النيابة ويريد التحدث معي
رأيت وجه أمي يشحب ورأيت يديها ترتجفان للمرة الأولى منذ زمن طويل وعرفت أن شيئًا أكبر من السقوط كان على وشك الانكشاف
ولم أكن أعلم أن تلك اللحظة كانت بداية الحقيقة التي ستغيّر كل شيء
الباب انفتح ببطء كأن الهواء نفسه صار أثقل من أن يتحرك بسرعة
والرجل الذي وقف عند المدخل لم يكن يشبه أي زائر عادي يدخل بناية سكنية في منتصف النهار
كان صوته ثابتًا ونبرته حازمة حين كرر أنه من النيابة وأنه يبحث عني بالاسم
في تلك اللحظة أدركت أن ما حدث لم يكن مصادفة
لم يكن سقوطًا عابرًا ولا شجارًا عائليًا خرج عن السيطرة
كان هناك شيء آخر يسير في الخفاء منذ وقت طويل دون أن أعرف
ساعدني الرجل على الجلوس بينما كانت أمي تحاول استعادة صوتها
قالت بسرعة إنني انزلقت فقط وإن الحمل يجعل المرأة غير متزنة أحيانًا
لكن الرجل لم ينظر إليها أصلًا
كان يثبت عينيه عليّ وكأنه ينتظر أن أتكلم
سألني إن كنت بخير وإن كنت أحتاج إلى طبيب
ثم قال جملة واحدة قلبت كل شيء داخلي
قال إن هناك بلاغًا رسميًا يتعلق بميراث جدي وبمحاولة التلاعب في الوصية
لم أفهم فورًا ما يقصده لكنني رأيت وجه أمي يتحول إلى لون شاحب لم أره من قبل
ورأيت لورا تنظر إلى الأرض لأول مرة منذ دخولها البيت
جلسنا في غرفة المعيشة بصمت ثقيل
الرجل فتح حقيبته وأخرج ملفًا أزرق يشبه الملف الذي أحضرته أمي قبل دقائق
لكن الفرق أن هذا الملف لم يكن مرتبًا بعناية
كان ممتلئًا بأوراق مختومة وملاحظات مكتوبة بخط اليد وكأن الحقيقة خرجت منه بالقوة
قال إن جدي لم يترك وصية واحدة كما قيل لنا
بل ترك وصيتين
وصية رسمية قديمة
وأخرى جديدة وموثقة قبل وفاته بأسبوعين فقط
لم أشعر بقلبي وهو يخفق في تلك اللحظة
كنت أشعر فقط بفراغ واسع يتمدد داخلي
أمي قاطعته بصوت مرتفع وقالت إن هذا مستحيل وإن المحامي أكد أن كل شيء واضح
لكن الرجل فتح الملف وأخرج نسخة مختومة ووضعها أمامنا على الطاولة
كانت الوصية الجديدة تنص على تقسيم الميراث بين الحفيدين
وتؤكد أن جدي كان يخشى أن يُمارَس أي ضغط عليّ أو على طفلي في المستقبل
وأنه يطلب حماية قانونية لي ولطفلي حتى بعد وفاته
شعرت بأن الغرفة تدور حولي
لم يكن جدي يراني ظلًا كما كنت أظن
كان يرى كل شيء
لكن الصدمة الحقيقية لم تأتِ بعد
الرجل قال بهدوء إن سبب فتح التحقيق ليس الوصية فقط
بل بلاغ قديم قُدِّم قبل وفاة جدي بأيام
بلاغ يتهم فيه شخصًا من العائلة بمحاولة إجباره على تغيير وصيته بالقوة
لم أحتج إلى أن يذكر الاسم
كنت أعرفه
وأمي كانت تعرف أنني أعرفه
حاولت أمي الوقوف لكنها لم تستطع
جلست مرة أخرى وكأن الأرض لم تعد تحملها
أما لورا فبقيت صامتة بشكل غريب
صمت لم يكن خوفًا بل انهيارًا بطيئًا
الرجل نظر إليّ وقال إن جدي ترك رسالة صوتية مسجلة عند المحامي
وأنه يحق لي سماعها الآن إن كنت قادرة
لم أعرف كيف وافقت
لكن بعد دقائق كان صوت جدي يملأ الغرفة
صوته كان أضعف مما أتذكر
لكن كلماته كانت أوضح من أي وقت مضى
قال إنه يعرف أنني عشت دائمًا في الظل
وأنه يعرف أن العائلة ستطلب مني يومًا شيئًا لا يجب أن يُطلب من أم
وقال إنه خائف عليّ وعلى طفلي
وخائف من أن يتحول الحب داخل البيت إلى شيء يشبه الصفقة
ثم قال جملة كسرت شيئًا في داخلي وأعادت بناء شيء آخر مكانه
قال إن الطفل الذي أحمله سيكون أول شخص في هذه العائلة يولد حرًا من المقارنات والديون العاطفية
لم أتمالك دموعي
ولم ألاحظ أن أمي كانت تبكي أيضًا لكن بطريقة مختلفة
بكاء يشبه السقوط
الرجل أغلق التسجيل وقال إن التحقيق سيستمر
وإن ما حدث على السلم منذ دقائق سيُضاف إلى الملف
عندها فقط أدركت أن السقوط لم يكن النهاية
كان البداية
ولأول مرة في حياتي شعرت أنني لست الظل
وأن الضوء الذي كنت أفسح له الطريق طوال عمري
بدأ يتجه نحوي أخيرًا
لكنني لم أكن أعلم أن ما سيحدث بعد ذلك سيجعلني أعيد تعريف معنى العائلة بالكامل
مرت الأيام التالية ببطء ثقيل وكأن الزمن نفسه صار يتردد قبل أن يتحرك خطوة أخرى في حياتي
التحقيق بدأ رسميًا واستدعيت للشهادة أكثر من مرة ولم أعد مجرد ابنة في عائلة مضطربة بل أصبحت طرفًا في قضية تحمل اسم عائلتي في ملفات النيابة
أمي لم تتصل بي بعد ذلك اليوم
ولا لورا حاولت حتى إرسال رسالة قصيرة
البيت الذي كنت أعود إليه دائمًا شعرت فجأة أنه مكان بعيد ينتمي لزمن آخر
كنت أعيش بين زيارات الطبيب وجلسات التحقيق ومحاولات النوم التي تنتهي دائمًا عند نفس اللحظة
لحظة السقوط
اللحظة التي رأيت فيها عيني أمي بلا رحمة
لكن الحقيقة لم تتوقف عند ذلك الحد
بل بدأت تتكشف طبقة بعد أخرى كأنها كانت تنتظر فقط أن يُفتح الباب الأول
بعد أسبوعين اتصل بي الرجل نفسه من النيابة وطلب حضوري مرة أخرى
صوته كان رسميًا لكن فيه شيء يشبه الحذر
شيء جعل قلبي ينقبض قبل أن أعرف السبب
في غرفة التحقيق وضع أمامي ملفًا جديدًا أكثر سماكة من السابق
وقال إنهم وجدوا رسائل إلكترونية وتحويلات مالية مرتبطة بالمحامي الذي أعلن الوصية الأولى
تحويلات خرجت من حساب باسم أمي
لم أشعر بالصدمة كما توقعت
كنت أشعر فقط بتعب عميق
تعب من الحقيقة حين تتأخر سنوات ثم تأتي دفعة واحدة
لكن الضربة الأخيرة لم تكن قانونية
كانت إنسانية
قال الرجل إن لورا طلبت مقابلته بشكل منفصل
وقدمت شهادة كاملة
لم أفهم ما يقصده حتى شغّل تسجيلًا جديدًا
وكان صوت لورا يملأ الغرفة
كانت تبكي
بصوت لم أسمعه منها طوال حياتي
قالت إنها لم تكن تريد طفلًا مني
وأنها لم تطلب يومًا أن آتيه لها
وأن كل ما حدث بدأ عندما أخبر الأطباء أمي أنها لن تستطيع الإنجاب
وأن أمي لم تتحمل الفكرة
فقررت أن الحل هو أن يصبح طفلي طفلها
قالت إنها حاولت إقناعها بالتراجع
لكن أمي كانت ترى الأمر استحقاقًا
تعويضًا
حقًا طبيعيًا
ثم قالت جملة جعلتني أغمض عيني دون وعي
قالت إن أمي كانت تخطط لأخذ الطفل منذ بداية حملي
وأن الحديث عن الميراث لم يكن إلا وسيلة ضغط أخيرة
عندما انتهى التسجيل لم أستطع الكلام
شعرت بأن شيئًا في داخلي ينهار ببطء
ليس أمي فقط
بل صورة البيت كله التي عشت فيها سنوات
بعد شهرين بدأت جلسات المحكمة
كانت أول مرة أرى أمي منذ الحادثة
بدت أصغر بعشر سنوات
لكنها لم تنظر إليّ
ولا مرة واحدة
عندما صدر الحكم لم أشعر بالانتصار
شعرت فقط بنهاية فصل طويل ومؤلم
أدينت أمي بمحاولة التزوير والاعتداء
وحُكم عليها بعقوبة مع وقف التنفيذ بسبب سنها وحالتها الصحية
أما الوصية المزورة فأُبطلت رسميًا
وعاد كل شيء إلى ما أراده جدي منذ البداية
انتهت القضية
لكن العائلة لم تعد كما كانت ولن تعود أبدًا
بعد أشهر قليلة وضعت طفلي
ولدًا صغيرًا بوجه هادئ يشبه جدي أكثر مما يشبه أي شخص آخر
عندما حملته للمرة الأولى شعرت بشيء يشبه الصمت
ليس صمت الوحدة الذي عرفتُه طوال حياتي
بل صمت السلام
في تلك اللحظة أدركت أنني لم أعد أبحث عن مكان في دائرة الضوء
لم أعد بحاجة إلى اعتراف أو مقارنة أو رضا أحد
كنت أخيرًا مركز عالمي الخاص
مرّت سنوات بعد ذلك
بنيت حياتي بعيدًا عن الماضي
تعلمت أن العائلة ليست دائمًا الدم
وأن بعض الأبواب حين تُغلق تكون في الحقيقة قد أنقذتك
أما لورا…
فقد غادرت البلاد بعد انتهاء القضية ولم أسمع عنها شيئًا منذ ذلك الوقت
وأمي بقيت ذكرى ثقيلة لا تزورني إلا في الأحلام
أحلام لا تحمل غضبًا بقدر ما تحمل سؤالًا واحدًا يتكرر دائمًا
كيف يمكن للحب أن يتحول إلى امتلاك
وللعائلة أن تصبح مكانًا يجب النجاة منه
أطفالي يكبرون الآن في بيت لا يعرف المقارنات
ولا يعرف فكرة أن أحدهم أهم من الآخر
وفي بعض الليالي حين ينام الجميع
أقف عند باب غرفتهم وأتذكر السلم القديم
واللحظة التي سقطت فيها
وأبتسم
لأنني أعرف الآن أن ذلك السقوط
كان أول خطوة نحو الحياة.


تعليقات
إرسال تعليق