قالوا إن إرثي مجرد كهفٍ عديم القيمة… لكن ما اكتشفته داخله هزّ شركةً كبرى وأنقذ قرية بأكملها!
قالوا إن إرثي مجرد كهفٍ عديم القيمة… لكن ما اكتشفته داخله هزّ شركةً كبرى وأنقذ قرية بأكملها!
عندما خرجت من دار الأيتام أخبروني أنني ورثت كهفا لا قيمة له لكن ما وجدته في داخله غير حياتي إلى الأبد.
كنت طفلا حين سلبتني الدولة كل شيء وصرت رجلا حين أعادت إلي ورقة واحدة ومفتاحا لمكان لم يكن أحد يرغب فيه. قالوا إنني ورثت كهفا عديم الفائدة غير أن ما اكتشفته في أعماقه أعاد تعريف معنى البيت والعائلة والوزن الحقيقي للإرث.
إن كنت يوما قد شعرت أنك تبدأ من الصفر بلا شيء سوى الملابس التي ترتديها وقصة لا يريد أحد سماعها فهذه الحكاية لك.
كان يوم بلوغي الثامنة عشرة هو اليوم الذي توقفت فيه عن أن أكون مشكلة لولاية خاليسكو. لم تكن هناك كعكة ولا احتفال بل صندوق كرتوني يضم بنطالين من الجينز وبعض القمصان وشهادة ميلادي وبطاقة تعريف شعرت أنها بالكاد تخصني.
على مدى اثني عشر عاما كنت ملفا رقما داخل نظام صمم ليقدم حلولا مؤقتة تتحول كثيرا إلى دائمة. ثم بتوقيع وثيقة لم يسمح لي حتى بقراءتها أصبحت حرا. لم أشعر بالحرية شعرت كما لو أنني دفعت من سيارة تسير بأقصى سرعتها.
كانت الأستاذة زونيغا الأخصائية الاجتماعية التي تابعت حالتي في العامين الأخيرين هي من أنهت إجراءات خروجي. كان وجهها يحمل ملامح تعاطف متعب ذلك التعبير الذي يبدو كزي رسمي لكل من يعمل في هذا النظام. جلست قبالتي في مكتب بلون باهت تفوح منه رائحة قهوة قديمة ومطهر. بيننا رزمة أوراق وجدار هش يفصل ماضي عن مستقبلي.
قالت وهي تنقر بإصبعها على أول ورقة
حسنا يا ليوناردو هذا كل شيء. رسميا أصبحت بالغا. مبروك على ما أظن.
كان جفاف الدعابة كافيا لإشعال نار. اكتفيت بهز رأسي ويداي مشبوكتان في حجري
حتى لا يظهر ارتجافهما. حياتي كلها كانت داخل ذلك الصندوق عند قدمي ولم تبد كافية لبناء حياة كاملة.
تابعت وهي تدفع نحوي ظرفا سميكا بلون بني
والآن علينا أن نتحدث عن إرثك.
رمشت بدهشة.
إرثي
نعم إرثك كررت بهدوء مشوب بالتوتر من جدك أرتورو فارغاس. ظل تحت وصاية الدولة منذ وفاته قبل أحد عشر عاما. وبما أنك كنت قاصرا دون وصي قانوني بقي محفوظا حتى تبلغ سن الرشد.
توقف الهواء في صدري.
جدي.
كان ذكرى ضبابية وجه مجعد طيب رائحة خشب وتبغ يدان قويتان تصلحان كل شيء. حاول أن يحتفظ بي حين مات والدي لكن للدولة أسبابها سن متقدم دخل منخفض منزل غير مناسب. لم يستوف الشروط.
لم أعرف عنه شيئا بعد ذلك. ظننت أنه مات دون أن يترك شيئا.
هل ترك لي شيئا خرج صوتي بالكاد مسموعا.
نظرت إلي الأستاذة زونيغا بتلك النظرة المتعاطفة مرة أخرى.
يا ليوناردو عليك أن تضبط توقعاتك. ليست ثروة. إنها قطعة أرض.
دفعت الظرف نحوي. كان اسمي مكتوبا عليه ليوناردو فارغاس. بدا رسميا ومهما.
فتحته بيدين مرتجفتين. في الداخل صك قديم ومفتاح صدئ.
تحدث الصك عن خمسة هكتارات في جبال دورانغو على بعد كيلومترات من أي مدينة كبرى. وفي وصف الأرض بين قوسين قرأت تشمل تكوينا طبيعيا لكهف.
كهف.
قالت الأستاذة بلطف
إنها أرض في وسط العدم. تقييم البلدية يقول إنها تكاد لا تساوي شيئا. أرض صخرية لا تصلح للزراعة ولا للبناء. هناك كوخ قديم ربما مهجور. أما الكهف فهو مجرد حفرة في الأرض. رسميا يعد بلا قيمة.
بلا قيمة.
سقطت الكلمة في صدري كحجر. كهف عديم الفائدة. ملكية منسية. إرثي.
شعرت بحرقة مرة. أهذا كل شيء حفرة في الأرض
أهذه كانت آخر ذكراه لي
أضافت وهي تخرج وثيقة أخرى
هناك عرض شراء قائم من شركة تطوير تدعى كوربوراتيفو تيتان. يشترون أراضي كثيرة في تلك المنطقة. يعرضون مئة ألف بيزو.
نظرت إلي مباشرة.
ليوناردو أنصحك بقبوله. ليس مبلغا ضخما لكنه بداية. يمكنك استئجار غرفة شراء طعام والبدء من جديد.
مئة ألف بيزو. بدت ككنز مال لم أملكه قط. تذكرة إلى حياة أخرى. بيع الأرض التي لا قيمة لها وأخذ المال ونسيان الجد وكهفه. كان ذلك منطقيا.
إذا كانت لا تساوي شيئا فلماذا يريدونها سألت.
تنهدت.
هكذا تعمل الشركات. يشترون بثمن بخس وينتظرون عقودا. ربما يبحثون عن حقوق معدنية أو ممر إلى أراض أخرى. لا أعلم. المهم أنهم يعرضون عليك مخرجا.
نظرت إلى المفتاح في يدي. كان قديما ثقيلا يكاد يبدو سحريا. مفتاح مكان لم أره قط. مكان لي. مكان يعتبره الجميع عديم الفائدة. مكان منسي مثلي.
كان المفتاح يثقل في كفي كأنه لا يزن معدنا فحسب بل يزن أعواما كاملة من الصمت. كنت أقلبه بين أصابعي فأشعر بخشونته كأنها بقايا يد قديمة حاولت أن تترك أثرها في هذا العالم قبل أن تمحى. لم يكن لدي في تلك الليلة سقف أعود إليه ولا سرير ولا عنوان أكتبه في أي استمارة. كان لدي صندوق كرتوني وورقة ملكية ومفتاح وهذا وحده كان كافيا ليجعل قلبي يرفض النوم.
جلست على مقعد إسمنتي أمام محطة الحافلات في غوادالاخارا والهواء يلسع وجهي برائحة العوادم والقمامة الرطبة وبقايا طعام أكله عابرون وتركوه قبل دقائق. كانت الحركة لا تهدأ. أصوات الحقائب صفير الحراس نداءات السائقين ضحكات سريعة تخرج من أفواه من يملكون وجهة. وأنا كنت
أملك وجهة أخيرا لكنني لا أعرف إن كانت وجهة ستحتويني أم ستبتلعني.
وضعت الصندوق عند قدمي وفتحت الظرف مرة أخرى. قرأت الأرقام ببطء كأنني أخشى أن تتغير مئة ألف بيزو. مبلغ يستطيع أن يصنع حياة لشخص مثلي أو يشتري له هدنة قصيرة ثم يعيده إلى الشارع. خمسة هكتارات في جبال دورانغو. كوخ قديم. وكهف.
ضحكت في داخلي ضحكة لم تخرج صوتا. كهف كأن الدولة تريد أن تقول لي هاك مكانا يليق بمن عاش عمره داخل جدران لا تشبه البيوت.
ومع ذلك كان هناك شيء في تلك الفكرة يشبهني. شيء وحيد منسي لا يريده أحد ثم يقولون عنه لا قيمة له. لقد قالوا هذا عني طوال اثني عشر عاما بطرق مختلفة أحيانا بنظرة لا تطيل الوقوف وأحيانا بعبارة تقال في الممر هذا الولد صعب هذا الولد ليس له أحد هذا الولد. وكأنني لم أكن ولدا بل مشكلة تحل بإبعادها.
أمسكت المفتاح بقوة حتى آلمتني راحة يدي ثم أرخيت أصابعي. لو قبلت المال سأكون مثل كل مرة أجبر فيها على الاختيار بين جوع حاضر وحلم لا يعرف إن كان حقيقيا. كنت أعرف الجوع. أعرفه جيدا. أعرف كيف يعلمك أن تقلص أمنياتك حتى تصبح بحجم لقمة. لكنني لسبب لا أعرفه لم أستطع أن أبيع الشيء الوحيد الذي تركه لي شخص حاول أن يحتفظ بي يوما ولم يسمح له.
لم يكن الأمر عن الأرض فحسب. كان عن أن أحدا في هذا العالم قال لي مرة أنت تستحق أن يكون لك مكان.
حين اقترب الفجر كان جسدي متعبا لكن رأسي صار أكثر وضوحا. نهضت حملت صندوقي ووقفت في الطابور لشراء تذكرة إلى دورانغو. لم أوقع على بيع الأرض. لم أوقع على أن أعود إلى الحياة التي يريدونها لي غرفة ضيقة عمل بأي شيء ثم اختفاء صامت.
كنت ذاهبا لأرى إرثي حتى لو كان لا يساوي
شيئا.
كانت الحافلة قديمة لكنها نظيفة بما يكفي. جلست قرب النافذة وضعت الصندوق بين قدمي كأنه طفل أخاف عليه من العالم وألصقت جبهتي بالزجاج. حين تحركت الحافلة شعرت بشيء غريب يفتح في صدري ليس فرحا كاملا ولا راحة. كان أشبه بإذن داخلي أن أجرب أن أكون صاحب قرار ولو مرة واحدة.
الطريق كان طويلا والسماء تتبدل ألوانها مع ساعات النهار. مررنا بامتدادات من الأرض الجافة التي تشبه جلدا تشقق من العطش وحقول بعيدة تقاوم الاصفرار وتلال لا ينبت فيها إلا الشوك. القرى التي عبرناها كانت صغيرة أبوابها مفتوحة على عتبات منخفضة والناس يجلسون كأنهم اعتادوا مراقبة العابرين دون أن يسألوهم إلى أين يذهبون.
كنت أراقب كل شيء بشراهة من لم يكن له وقت ليرى. طوال حياتي كان المكان يتغير حولي دون أن أملك قرارا. نقل كانت هذه الكلمة تكتب في ملفي كلما تغير الملجأ أو المشرف أو الغرفة. الآن أنا الذي أتحرك بإرادتي وأنا الذي أختار أن أبقى أو أذهب.
حين وصلت إلى دورانغو لم تنته الرحلة. كانت مجرد بداية لمرحلة أكثر صعوبة الوصول إلى الأرض ذاتها. سألت كثيرين وركبت حافلة أخرى إلى قرية صغيرة تدعى سان ميغيل دي لا سييرا. نزلت هناك وكانت الشمس فوق رأسي كأنها تجرب قدرتي على الاحتمال. الطريق الترابي أمامي يمتد كخيط من الغبار. قيل لي سر ساعة تقريبا. قالها رجل عجوز وهو يمسح عرقه ثم أضاف لن تجد شيئا هناك إلا الصخور. ونظر إلي نظرة سريعة كأنه يتساءل لماذا يذهب شاب وحده إلى مكان كهذا
سرت. وكل خطوة كانت ترفع غبارا يلتصق بحذائي وبساقي وبشفتي. كان الصندوق يثقل مع الوقت والظرف في
جيبي يلسعني كأنه سؤال لا يسكت لماذا لا تأخذ المال وتنتهي لكنني كلما تعبت أكثر شعرت أنني أقترب من شيء يشبه الإجابة.
ثم ظهرت.
في البداية كانت مجرد ظل بين الأشجار القليلة ثم صار شكلا واضحا كوخ خشبي صغير الخشب فيه متآكل كأنه عاش أكثر مما ينبغي. السقف منهار جزئيا والنوافذ مكسورة والباب يميل قليلا. كان المكان يبدو كأنه مسح من ذاكرة البشر. وكأنه لم يكن يوما بيتا.
وخلفه بين الصخور والشجيرات كانت هناك فتحة سوداء في الجبل. ليست كبيرة بما يكفي لتبدو كفم عملاق لكنها كانت كافية لتجعلني أشعر أن الجبل يراقبني من الداخل.
الكهف.
وقفت لحظة لا لأنني خفت فقط بل لأنني شعرت بثقل غريب من الرهبة. لم أزر مكانا لي من قبل. هذه أول مرة أصل فيها إلى شيء لا يستطيع أحد أن يقول لي هذا ليس لك.
تنفست بعمق وقلت بصوت حاولت أن أجعله ثابتا
حسنا يا جدي لنر ما تركت لي.
اقتربت من باب الكوخ. أدخلت المفتاح في القفل فقاومني. حاولت مرة ثم ثانية ثم ثالثة. كان القفل قديما كأنه لم يفتح منذ سنوات. وحين استجاب أخيرا ودار سمعت طقطقة صغيرة كأن المكان يتنفس. دفعت الباب فصرخ الخشب صرخة طويلة حزينة.
دخلت.
كان الغبار في الداخل كثيفا حتى شعرت أنه يغلق رئتي. الضوء يدخل من الثقوب والزجاج المكسور على شكل خطوط رفيعة. رأيت طاولة خشبية كرسيا واحدا سريرا بسيطا ومدفأة حجرية فيها رماد قديم. لم يكن المكان فخما ولا حتى مريحا لكنه كان يحمل أثر إنسان عاش هنا. أثر شخص لم يكن مجرد شبح.
وفي زاوية بعيدة رأيت صندوق أدوات قديما. وعلى رف منخفض أوعية زجاجية وعلبا معدنية بملصقات باهتة. كان
المكان أقرب إلى ورشة عمل منه إلى كوخ صيد وكأن صاحبه لم يأت للراحة بل ليصنع شيئا أو ليحرس شيئا.
ثم لمحت شيئا فوق الطاولة لوحا خشبيا مفكوكا قليلا. لم يكن المكان مرتبا لكن هذا اللوح بدا مقصودا كأنه يخفي شيئا عن عين فضولية.
رفعته.
ووجدت دفترا.
كان قديما أوراقه مصفرة غلافه خشن. فتحته ببطء كمن يفتح بابا آخر. وفي الصفحة الأولى بخط واضح قوي قرأت
إذا كنت تقرأ هذا يا ليوناردو فهذا يعني أن العالم فعل ما كنت أخشاه لكنني أثق أنك أقوى منه.
لم أعرف كيف دخلت الدموع. لم أكن أبكي بسهولة. تعلمت في دور الأيتام أن الدموع تستغل ضدك وأن البكاء قد يجعلك هدفا للسخرية أو الشفقة. لكن هذه الجملة كانت كأنها يد تمتد من الماضي وتقول أنا كنت أراك.
جلست على الأرض قرب الطاولة وبدأت أقرأ. كنت أقرأ بسرعة ثم أبطئ أقرأ مرة أخرى كمن يخشى أن يضيع المعنى. كان جدي يكتب عن الكهف عن الأرض عن الصخور. لكن بين السطور كان يكتب عني أيضا عن طفل لم يسمح له أن يحتضنه.
كتب عن تيارات جوفية لا تظهر على السطح وعن معادن تشكل لمعانا خفيفا في الجدران وعن خريطة بسيطة رسمها بخط يده. وكتب عن شيء واحد يتكرر الماء.
هذه الأرض لا تباع كتب.
بل تحمى.
قرأتها أكثر من مرة. كلمة تحمى وقعت في قلبي كأنها أمر لي أنا لا وصف للأرض.
في اليوم التالي عند الفجر حملت مصباحا يدويا قديما وجدته في صندوق الأدوات وربطت قطعة قماش حول فمي لأنني خشيت الغبار وأخذت نفسا طويلا ثم دخلت الكهف.
كان الهواء في الداخل مختلفا. باردا رطبا كأنه يحمل رائحة معدنية خفيفة ورائحة حجر قديم لم تمسه الشمس. خطواتي كانت
تصدر صدى والصدى يعود إلي كأنه يسأل من أنت ولماذا جئت
الجدران كانت تلمع قليلا تحت الضوء لمعانا خافتا كأنه سر لا يريد أن يرى كاملا. تقدمت بحذر أرفع المصباح أراقب الأرض أستمع إلى أي حركة. كنت أخاف من أن يكون الكهف فخا أو أن أجد داخله شيئا يثبت كلامهم لا قيمة له.
ثم سمعت صوتا.
لم يكن صوت حجر يسقط. كان صوت خرير خفيف كأن أحدا يسكب ماء ببطء.
توقفت. أطفأت المصباح لحظة ثم أشعلته كأنني أخشى أن يكون سمعي يخدعني.
تقدمت أكثر.
وهناك رأيته.
نبع صافي يخرج من بين الصخور يشق طريقه إلى حوض طبيعي صغير. الماء كان شديد الصفاء حتى بدا كأنه ليس ماء بل ضوء. انعكست شعاع المصباح عليه فصار يلمع كزجاج حي.
وقفت أمامه وأنا لا أفهم كل ما يعنيه هذا بعد لكنني فهمت شيئا واحدا بوضوح هذا ليس لا شيء.
ليس ذهبا. ليس ألماسا. ليس صندوق نقود.
إنه ماء.
وفي مكان تلاحقه مواسم الجفاف وتقل فيه الموارد الماء يصبح ذهبا من نوع آخر. يصبح حياة.
شربت منه بيدي. كان طعمه نقيا إلى حد جعلني أغمض عيني دون إرادة كمن يتذوق لأول مرة معنى الشيء الذي لا يشترى.
خرجت من الكهف وأنا أحمل في داخلي قرارا لم أعلنه بعد حتى لنفسي لن أبيع هذا قبل أن أفهمه.
عشت في الكوخ أسابيع. نظفت أصلحت ما استطعت. أغلقت بعض الثقوب رتبت المكان. كنت أنزل إلى القرية لأشتري طعاما بما بقي معي من المال القليل الذي ادخرته من أعمال بسيطة قبل خروجي. كان أهل القرية ينظرون إلي بفضول وشيء من الحذر. شاب وحيد جاء ليعيش في كوخ مهجور لا يبدو هذا طبيعيا.
وفي يوم من الأيام بينما كنت في متجر صغير أشتري خبزا ومعلبات دخل رجل يرتدي بدلة فاخرة لا تناسب غبار القرية. شعره
مصفف بعناية ورائحته عطر ثقيل. نظر حوله ثم سأل بصوت واثق
أين الفتى صاحب أرض الكهف
شعرت أن الدم يصعد إلى رأسي. قلت
أنا.
ابتسم ابتسامة مصقولة.
أنا ممثل لشركة كوربوراتيفو تيتان. نريد أن نحسن عرضنا. مئتا ألف بيزو.
كان الرقم كافيا ليوقظ داخلي الطفل الذي كان يحلم بأبسط الأشياء غرفة آمنة طعام دائم سرير لا يسلب. لكنني لم أعد ذلك الطفل وحده. كنت أيضا الرجل الذي رأى الماء يتدفق في جوف الجبل.
سألته
لماذا هذا الاهتمام
ثبت نظره في عيني ثانية واحدة ثم التف إلى كلام عام استثمار تخطيط طويل الأمد فرص مستقبلية. الكلمات كانت كثيرة لكن الحقيقة كانت غائبة.
عدت تلك الليلة إلى دفتر جدي وقرأته من جديد. في الصفحات الأخيرة كان قد كتب بوضوح أشد
سيأتون يوما من أجله. سيقولون إنه بلا قيمة. لا تصدقهم.
شعرت كأن جدي كان يتوقع كل خطوة كأن الزمن لم يكن يربكه. وأنا كنت فجأة أحتاج إلى شخص يفهم العلم أكثر مني. أنا لم أكن خبيرا بمياه جوفية ولا بأحواض مائية. كنت مجرد شاب خرج من نظام لا يعلمك إلا البقاء.
قررت أن أطلب المساعدة.
هكذا تعرفت إلى الأستاذة إيميليا توريس عالمة أحياء متقاعدة كانت تعيش في القرية بعد سنوات عمل في الجامعة. كانت امرأة في عمر لا يسمح لها أحد أن ترفع صوتها بسهولة لكن في عينيها ذكاء لا يشيخ. حين أخبرتها بما وجدت شكت في البداية. قالت إن كثيرين يبالغون وإن الينابيع قد تكون موسمية. لكنها وافقت أن تراها بنفسها.
دخلت
معي الكهف. وقفت أمام النبع ركعت لمست الماء ثم رفعت رأسها وعيناها تغيرتا.
قالت بصوت منخفض وكأنها تخشى أن يسمع الجبل نفسه
هذا غير معتاد.
ثم بدأت تتحدث بلغة العلماء نقاوة طبقات صخرية حماية طبيعية احتمال اتصال بحوض مائي كبير. أخذت عينات وضعتها في قوارير وطلبت وقتا للتحليل.
مرت أسابيع ثم أشهر. عملنا معا بصبر. وأنابينما كنت أتعلم معهاكنت أتعلم شيئا آخر أن القيمة ليست ما يكتبه موظف في ورقة تقييم بل ما يحفظ حياة الناس.
عادت الشركة مرة أخرى. هذه المرة كان العرض نصف مليون. وبدأت نبرة الرجل تفقد نعومتها.
قال
هذا أكثر مما يستحقه هذا المكان.
نظرت إليه وقلت
بل هو يستحق أكثر مما تتخيل.
وحين رأيت نفاد صبره فهمت. هم لا يريدون الأرض لأنها لا شيء. هم يريدونها لأنها شيء كبير يريدون الماء.
بدأت التفاصيل تتكشف استخراج تعبئة بيع. كمية كبيرة تكفي لتربحهم الملايين. لكنني كنت أقرأ دفتر جدي وأفكر إذا أخذوا الماء بهذه الطريقة سيجف النبع. ستبقى الصخور وسيموت كل شيء حولها.
كنت قد جئت من نظام يعلمك أن تحمي نفسك فقط. لكن الكهف علمني أن بعض الأشياء لا تحمى إلا إذا حميت الآخرين معها.
قلت للأستاذة إيميليا إنني لا أريد البيع. فقالت إذن عليك أن تحميه بالقانون لا بالمشاعر.
بدأنا نتواصل مع أهل القرية. المزارعون الذين يعرفون معنى العطش أكثر مني فهموا بسرعة. في البداية خاف بعضهم من مواجهة شركة كبيرة. لكن حين شرحت لهم إيميليا بلغة
بسيطة أن هذا النبع قد يكون سبب حياة لسنوات تغيرت الوجوه.
لم يكن الطريق سهلا. جاءت ضغوط. مكالمات مجهولة. زيارات لطيفة تحمل تهديدا بين الكلمات. قالوا لي إنني صغير وإنني لا أفهم وإن المال فرصة لا تعوض. وأحيانا حين كنت وحدي في الليل كان الخوف يقترب مني كظل طويل. أنا شاب بلا أهل من سيقف معي لو قرروا أن يسحقوني
لكنني لم أعد وحدي كما كنت أظن. القرية بدأت تقف. الأطفال الذين يركضون حفاة النساء اللواتي يملأن الجرار الرجال الذين يخرجون للفجر صاروا يرون في الكهف شيئا لهم أيضا.
بعد عام من وصولي بصندوق كرتوني ومفتاح صدئ تم الإعلان رسميا عن الأرض كمحمية مائية محلية. حين سمعت القرار شعرت أنني لا أصدق. الدولة التي دفعتني يوما خارج النظام كأنني عبء اضطرت الآن أن تسجل اسمي في وثيقة حماية.
عرضت الحكومة اتفاقا تمويل بنية بسيطة لقنوات ماء تصل إلى القرية مقابل تنظيم صارم يمنع الاستغلال التجاري. وافقت بشرط واحد أن يبقى القرار مجتمعيا لا بيد شركة ولا بيد مسؤول يأتي ويذهب.
أعيد ترميم الكوخ. لم يتحول إلى قصر ولا إلى حلم مزيف. صار مركزا صغيرا للتوعية البيئية يأتيه طلاب ليتعلموا كيف تحفظ المياه وكيف تدار الموارد. علقنا خرائط وضعنا لوحات تعليمية وصار المكان الذي وصفوه بأنه لا قيمة له مكانا يقصده الناس بفضول واحترام.
وأنا
أنا الذي خرجت من دار الأيتام بصندوق وورقة تعريف بدأت أجد شيئا يشبه البيت.
ليس البيت جدرانا جديدة
أو أثاثا فاخرا بل مكان لا تخاف فيه من أن يقال لك اخرج. مكان لا تعامل فيه كضيف ثقيل. مكان يشبهك ولا يعتذر عن وجوده.
في يوم الافتتاح الرسمي امتلأ المكان بأهل القرية. الأطفال يركضون ويضحكون والرجال يتحدثون بفخر والنساء يملأن القوارير من الماء الذي أصبح حقا لا صدفة. كانت الأستاذة إيميليا تقف بجانبي وحين انتهت الكلمات الرسمية والتهاني التفتت إلي وعيناها تلمعان وقالت
كان جدك سيفخر بك.
هذه الجملة وحدها كانت تعويضا عن سنوات لم أسمع فيها كلمة فخر واحدة تقال لي.
في تلك الليلة دخلت الكهف وحدي. لم أحمل سوى المصباح والدفتر. جلست قرب النبع واستمعت إلى خرير الماء كما لو أنه صوت يقرأ ما بين السطور. أخرجت الدفتر وقلبت صفحاته التي صارت الآن جزءا من تاريخي ثم كتبت في آخر صفحة
يا جدي لم أبع الكهف. حولناه إلى حياة.
وتوقفت لحظة قبل أن أضيف سطرا آخر لأنني أدركت فجأة أن القصة ليست قصة ماء فقط.
إنها قصة شخص قيل له إنه بلا قيمة ثم وجد ما يجعله قيمة للآخرين.
بدأت رشدي بصندوق ملابس مستعملة ومفتاح صدئ.
واليوم أملك ما هو أثمن من مئة ألف ومن نصف مليون ومن أي عرض آخر.
أملك إرثا.
الناس كانوا يقولون إنني ورثت شيئا عديم الفائدة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تماما.
لقد ورثت كهفا.
وفي داخله وجدت عائلة من نوع آخر أناسا لا تربطني بهم الدماء بل تربطني بهم الحياة.
وجدت هدفا لا يشترى.
واكتشفت أن البدء من الصفر لا يعني البدء بلا شيء
بل يعني أن تبدأ بما هو الأهم حقا ثم تبني عليه كل شيء.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق