القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 بعد م,ووت زوجي 



بعد م,ووت زوجي 


بعـد مـا دفنـت جـوزي… ما قلتـش لحـد عـن الـتذكرة اللـي اشتريتها لرحلة بحـرية سـنة كاملـة.

بعد أسبوع بس، ابني قال لي بكل بساطة:

“دلوقتي بعد ما بابا م,,ات، إنتِ هتفضلي هنا تخلي بالك من الحاجه بتاعتنا كل ما نسافر.”

ابتسمت له بس… لكن جوايا كنت عارفة الحقيقة…

أنا مش هعيش الحياة اللي هم اختاروها لي.

مع أول ضوء للفجر… السفينة هتتحرك.

وساعتها… بيتي الفاضي هيكون المفاجأة الحقيقية.

لما جوزي حسن م,,ات فجأة بسكتة قلبية، كل الناس في الحي كانوا متوقعين إني أفضل قاعدة في البيت… حزينة، ومستعدة أساعد أي حد في أي وقت.

أنا اللي رتبت الجنازة…. أنا اللي استقبلت المعزين.

وسمعت كلام المواساة اللي كله فاضي.

وسبت أولادي، محمود وليلى، يتكلموا معايا كأنهم خلاص قرروا مستقبلي.

مستقبلي بالنسبة لهم كان واضح:

الأم ” الارمله المفيدة”…اللي تفضل موجودة على طول.

اللي تربي الأحفاد وقت ما يحتاجوا.

واللي تفضل قاعدة جنب التليفون تحل مشاكل الكل.

لكن اللي ماحدش كان يعرفه…

إني قبل ما حسن يم,,وت بثلاث شهور…

كنت اشتريت في السر تذكرة لرحلة بحرية لمدة سنة كاملة.

رحلة هزور دول كتير…

البحر المتوسط… آسيا… وأمريكا اللاتينية.

مش كانت نزوة.

أنا عملت كده لأن سنين طويلة حسيت إن حياتي كلها بقت لخدمة الناس…

مش لنفسي.

بعد الجنازة بأسبوع، ابني محمود جه لي مرتين.

المرة الأولى كان مستعجل عشان يخلص ورق الميراث.

المرة التانية جه هو ومراته سمر… ومعاهم قفصين للكلاب.

كانوا مبتسمين ابتسامة مستفزة.

جوا القفصين كان في كلبين صغيرين صوتهم عالي ومتوترين.

قالوا إنهم اشتروهم عشان “يعلموا الأطفال المسؤولية”.

بس الحقيقة إن الأطفال أصلاً ماكانوش مهتمين بالكلاب.

هم كانوا عارفين كويس…

إني أنا اللي هتحمل المسؤولية كلها.

وأنا بعمل القهوة في المطبخ، محمود قال ببساطة:

“دلوقتي بعد ما بابا مش موجود… إنتِ تقدري تخلي بالك منهم كل ما نسافر.

إنتِ أصلاً لوحدك… والكلاب والولاد هتسليكي.”

هو ما سألنيش.

هو قرر بس… وسمر ضافت بابتسامة باردة:

“وبعدين… ده هيخليكي مشغولة شوية.”

في اللحظة دي حسيت بغض,,ب واضح جوايا.

كأنهم بيقسموا مستقبلي بينهم…

كأنه أوضة فاضية يقدروا يحطوا فيها أي حاجة.

لكنّي… ابتسمت.

ما اتخانقتش.

ما عيطتش.

ولا حتى رفعت صوتي.

ربّت على واحد من القفصين وسألت بهدوء:

“كل مرة تسافروا؟”

محمود هز كتفه بثقة وقال:”طبعًا. إنتِ دايمًا اللي بتحلي كل المشاكل.”

هو قالها كأنها مجاملة…

لكن بالنسبة لي كانت حكم بالسج,,ن.

في الليلة دي، فتحت الدرج اللي مخبية فيه جواز السفر والتذكرة.

بصيت على موعد الرحلة.

المغادرة من الإسكندرية…

الساعة 6:10 الصبح يوم الجمعة.

كان باقي أقل من 36 ساعة بس.

وفجأة… التليفون رن.

كان محمود.

أول ما رديت… قال الجملة اللي خلت قراري يبقى نهائي:

“ماما… صلي على محمد وآل محمد وتابع معايا

كان صوته على الهاتف عادي جدًا كأن الكلام اللي بيقوله طبيعي تمامًا وقال ماما إحنا هنسافر بكرة الصبح يومين بس الساحل وانتِ خدي بالك من الكلاب والأولاد لو احتاجوا حاجة ولو ممكن كمان تعدي على البيت كل يوم تشوفي كل حاجة تمام ماشي سكت لحظة كأنه مستني موافقتي كعادته طول عمره متأكد إن الإجابة هتكون حاضر يا حبيبي لكني هذه المرة ما قلتش حاجة في البداية حسيت إني بسمع حياتي كلها بتتلخص في جملة واحدة خدي بالك من كل حاجة لأنك فاضية أنا قلت بهدوء ماشي يا محمود ربنا يسهلكم الرحلة قفل الخط وهو مرتاح وأنا فضلت قاعدة على الكنبة في الصالة البيت كان هادي جدًا هدوء غريب كأنه عارف اللي ناوية أعمله بصيت حواليّا على الصور المعلقة على الحيطة صورة حسن وهو بيضحك يوم فرح ليلى صورة محمود وهو صغير لابس بدلة المدرسة وأنا واقفة جنبهم في كل صورة نفس الابتسامة ابتسامة الست اللي بتعمل كل حاجة علشان الكل مرتاح بس محدش بيسألها هي نفسها مرتاحة ولا لا قمت من مكاني وروحت الأوضة فتحت الدولاب وطلعت الشنطة اللي كنت مجهزاها من شهور كنت كل فترة أحط فيها حاجة صغيرة هدوم خفيفة كتابين قداميين كنت بحبهم صورة قديمة ليا وأنا صغيرة قبل ما أتجوز حسن كنت باصّة فيها للكاميرا بعينين مليانين حياة افتكرت نفسي وقتها بنت عندها أحلام كبيرة كانت عايزة تسافر وتشوف الدنيا لكن الحياة أخدتني في طريق تاني جواز شغل بيت



أولاد مسؤوليات سنين عدت وأنا بقول لنفسي لما الأولاد يكبروا لما حسن يرتاح لما الظروف تتحسن لكن الظروف عمرها ما بتتحسن لو الإنسان ما قررش يغيرها بنفسه الساعة كانت قربت على نص الليل وأنا لسه صاحيه مش قادرة أنام كنت سامعة صوت الكلاب اللي محمود سابهم في الجنينة بينبحوا من وقت للتاني كأنهم كمان مش مرتاحين قمت وروحت بصيت عليهم كانوا بيبصوا لي بعيون حائرة حسيت لحظة إني يمكن لازم آخدهم معايا بس طبعًا ده مستحيل السفينة ما تسمحش بالحيوانات فضلت واقفة شوية وبعدين رجعت دخلت البيت الساعة عدت ببطء شديد لحد ما أخيرًا بدأت خيوط الفجر تدخل من الشباك لبست هدومي بهدوء لبست جاكيت خفيف وحطيت جواز السفر والتذكرة في الشنطة الصغيرة اللي هتطلع معايا على السفينة وقفت لحظة في الصالة بصيت للبيت آخر مرة البيت اللي عشت فيه أكتر من ثلاثين سنة فجأة حسيت إني مش حزينة بالعكس حسيت براحة غريبة كأن باب كان مقفول طول عمري أخيرًا اتفتح كتبت ورقة صغيرة وسبتها على الترابيزة جنب التليفون كتبت فيها صباح الخير يا محمود ويا ليلى أنا سافرت رحلة كنت بحلم بيها من زمان ما تقلقوش عليا أنا بخير وهفضل أتواصل معاكم من وقت للتاني البيت ليكم زي ما هو بس حياتي من النهارده بقت ليا أنا بس لما خلصت الكتابة حسيت قلبي بيدق بسرعة بس مش خوف دي كانت حاجة تانية يمكن حماس يمكن حرية أخدت الشنطة وخرجت من الباب وقفلت بهدوء الشارع كان شبه فاضي الهواء بارد شوية والسماء بدأت تنور طلبت تاكسي ولما وصل السواق سألني على فين قلت له ميناء الإسكندرية بصلي في المراية وقال مسافرة بدري كده يا حاجة ابتسمت وقلت له أيوه مسافرة رحلة طويلة الطريق كان هادي وأنا باصّة من الشباك على المدينة اللي عشت فيها عمري كله كنت حاسة كأني شايفة كل حاجة لأول مرة لما وصلنا الميناء كانت السفينة ضخمة واقفة قدام البحر زي مدينة عائمة نورها منور في الفجر المنعكس على المية دفعت الحساب للسواق وشكرته ومشيت ناحية البوابة الموظف بص في التذكرة وابتسم وقال أهلاً بحضرتك يا مدام السفينة هتتحرك بعد نص ساعة دخلت الممر الطويل اللي يوصل للسفينة وأنا سامعة صوت الموج تحت رجلي أول ما طلعت على السطح وقفت لحظة أبص للبحر كان واسع جدًا أوسع من أي حاجة شفتها في حياتي في نفس اللحظة تقريبًا في البيت كان محمود بيصحى من النوم وهو متعصب لأنه اتأخر على الشغل خرج للصالة لقى الورقة على الترابيزة قراها مرة وبعدين مرة تانية مش مصدق اللي شايفه قال بصوت عالي سمر سمر تعالي شوفي أمك عملت إيه سمر خرجت من الأوضة وهي لسه نايمة وقالت في إيه رد محمود وهو ماسك الورقة ماما سافرت رحلة لمدة سنة سمر فتحت عينيها بصدمة وقالت إزاي يعني وسابت الكلاب هنا لوحدهم محمود كان واقف مش عارف يقول إيه لأول مرة في حياته حس إن أمه مش موجودة علشان تحل المشكلة بدل عنه رجع بص للورقة مرة تانية كأنها لغز وفي نفس الوقت على السفينة كنت واقفة على السطح والريح بتحرك شعري والسفينة بدأت تتحرك ببطء بعيد عن الميناء المية كانت بتتفتح قدامها كأنها طريق جديد حسيت بدمعة صغيرة بتنزل من عيني بس ما كانتش دمعة حزن كانت دمعة حد أخيرًا بدأ يعيش حياته.

وقفت على سطح السفينة وقت طويل أراقب المدينة وهي تبتعد ببطء خلفنا. المباني صغرت شيئًا فشيئًا، والضوضاء التي كنت أسمعها طوال حياتي اختفت تدريجيًا حتى لم يبقَ إلا صوت البحر وض,,ربات المحركات العميقة تحت قدمي. شعرت كأنني أتنفس لأول مرة منذ سنوات طويلة. لم أكن أعرف بالضبط ما الذي ينتظرني خلال هذه السنة، لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط… أنني أخيرًا خرجت من الدور الذي وضعني فيه الجميع.

دخلت إلى الداخل بعد قليل لأجد ممرات السفينة مليئة بالناس. بعضهم عائلات، بعضهم متقاعدون، وبعضهم مسافرون منفردون مثلي. كانت هناك موسيقى خفيفة في الردهة الكبيرة، وروائح قهوة طازجة ومعجنات. توقفت لحظة أتأمل كل شيء كطفلة تدخل مكانًا جديدًا.

اقتربت مني موظفة الاستقبال بابتسامة لطيفة وسألتني إن كنت أحتاج مساعدة. أعطيتها التذكرة فأرشدتني إلى غرفتي. كانت غرفة صغيرة لكنها جميلة، فيها شرفة تطل على البحر مباشرة. وضعت الشنطة على السرير وفتحت الباب الزجاجي للشرفة.

الهواء البحري كان باردًا ومنعشًا. وقفت هناك لدقائق طويلة أراقب الأمواج. في تلك اللحظة أدركت أنني فعلت شيئًا لم أفعله طوال حياتي… اخترت نفسي.

في نفس الوقت تقريبًا، كان محمود يقف في صالة البيت ممسكًا بالورقة التي تركتها. أعاد قراءتها مرة ثالثة، وكأن الكلم,,ات قد تتغير لو نظر إليها كفاية.

قالت سمر وهي تنظر إلى الكلاب التي بدأت تنبح في الجنينة: — يعني إيه سافرت سنة؟ هي بتهزر؟

محمود هز رأسه ببطء. — واضح إنها مش بتهزر.

— طب والبيت؟ والكلاب؟ والأولاد لما نرجع؟

لم يرد محمود فورًا. كان يشعر بشيء غريب… خليط من الغض,,ب والدهشة وشيء آخر لم يفهمه بعد. طوال حياته كانت أمه موجودة دائمًا. لم يخطر بباله أبدًا أنها قد تختار أن تغادر.

قال أخيرًا بنبرة ضيق: — أكيد هترجع بسرعة. أمي ما تقدرش تبعد كده.

لكن حتى وهو يقول ذلك… لم يكن متأكدًا.

عاد إلى غرفته وأخذ هاتفه. حاول الاتصال بي. كنت وقتها في المطعم الكبير على السفينة أتناول الإفطار مع عشرات المسافرين الآخرين. لم أسمع الهاتف. رن عدة مرات ثم توقف.

أرسل رسالة قصيرة: “ماما… يعني إيه سافرت؟ كلميّني.”

لكنني لم أقرأها إلا بعد ساعات.

بعد الإفطار، أعلنت السفينة عن جولة تعريفية للركاب الجدد. قررت أن أذهب. كان هناك مرشد يقود مجموعة من الناس عبر المسارح الصغيرة، والمكتبة، والمسابح، وصالات الرياضة.

شعرت بالدهشة من حجم المكان. السفينة كانت بالفعل مدينة كاملة.

خلال الجولة، تعرّفت على سيدة في مثل عمري تقريبًا اسمها نادية. كانت من بيروت، وقد قررت أيضًا أن تسافر بعد تقاعدها من العمل.

ضحكت عندما أخبرتها قصتي.

قالت: — أحيانًا الناس يعتقدون أن الأم لا تملك حياة خاصة. كأنها وظيفة دائمة.

هززت رأسي وأنا أبتسم.

— هذا ما شعرت به طوال حياتي.

جلسنا بعد الجولة في مقهى صغير على سطح السفينة نت,,حدث. أخبرتني عن أبنائها الثلاثة الذين يعيشون في دول مختلفة، وكيف قررت أن تبدأ حياة جديدة بدل أن تبقى وحدها في بيت كبير فارغ.

بينما كنا نت,,حدث، أخرجت هاتفي أخيرًا.

كانت هناك عدة مكالم,,ات فائتة من محمود ورسالة.

قرأت الرسالة ببطء.

تنهدت قليلًا ثم كتبت ردًا بسيطًا: “أنا بخير يا محمود. احتجت أعمل حاجة لنفسي. خلي بالك من البيت.”

بعد دقائق فقط رن الهاتف.

كان محمود.

ترددت لحظة قبل أن أرد.

— أيوه يا محمود.

صوته كان متوترًا قليلًا. — ماما… إنتِ بجد على سفينة دلوقتي؟

— أيوه.

سكت لحظة.

— يعني… هتفضلي مسافرة سنة؟

نظرت إلى البحر أمامي. الشمس كانت بدأت تميل نحو الغروب، والسماء صارت ذهبية.

قلت بهدوء: — احتمال.

— طب وإحنا؟

— إنتوا كبار يا محمود. تقدروا تهتموا بنفسكم.

لم يقل شيئًا لثوانٍ.

ثم قال بنبرة أخف قليلًا: — بس البيت… وإحنا كنا متعودين إنك…

توقف.

لأول مرة في حياته… لم يجد الكلم,,ات.

ابتسمت قليلًا.

— أنا برضه كنت متعودة على حاجات كتير يا محمود.

سكت مرة أخرى.

ثم قال: — إمتى هترجعي؟

نظرت إلى الأفق الواسع حيث يلتقي البحر بالسماء.

— لما أحس إني جاهزة.

أنهينا المكالمة بهدوء. لم يكن شجارًا. لكنه كان بداية شيء جديد… بالنسبة لي وبالنسبة له.

وضعت الهاتف على الطاولة وعدت أنظر إلى البحر.

كانت السفينة تتجه نحو أول محطة لنا في الرحلة… جزيرة صغيرة في اليونان.

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، شعرت أن الأيام القادمة ليست مجرد تكرار لما سبق… بل بداية قصة جديدة لم أكتبها بعد.


تعليقات

close