وصيه في كتاب الله بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
وصيه في كتاب الله بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
وصيه في كتاب الله بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
من يوم ما أبويا "الحاج كامل" مات من شهر، والبيت في المنصورة مابقاش بيت، بقى عامل زي "المندرة" المهجورة اللي سكنها الغراب، الكل فيها بيخبط في بعضه بقلوب قاسية. إخواتي محمود وسعد وجوههم اتقلبت، مفيش سيرة على لسانهم غير الأرض والمصنع والحسابات اللي في البنك. كنت الوحيدة اللي في عالم تاني، مش زهد في المال، بس حاسة إن اللي ضاع مني أغلى بكتير من أي مليم.. أنا ضاع مني الأمان اللي كنت بستخبى فيه من الدنيا.
في صباحية يوم الحزن كان مالي قلبي ، ريحة الرطوبة فيه كانت بتخنق الصدر، رجلي خدتني لأوضته. كانت أول مرة أدخلها من ساعة ما طلع بجنازته. ريحة عطره كانت لسه مالية الجو، كأنها "عِـند" مع الموت، كأنها بتقول إنه لسه هنا بيراقب خيانتهم. ملمستش حاجة من هدومه، قلبي مكنش مستحمل، بس عيني وقعت على "المصحف" بتاعه اللي كان دايمًا في حضنه.
خدته وقعدت على طرف السرير، ضميته لصدري وفتحته وأنا بترعش.. وفجأة، وقعت منه ورقة مطوية، ورقة صفراء قديمة، رنتها على الأرض خلت قلبي يقع بين رجليا.
فتحتها والحروف بدأت ترقص قدام عيني زي الشياطين.. مكنتش مصدقة! وثيقة تنازل رسمية، ممضية ومختومة، بتقول إن أبويا باع كل حاجة — البيت، المصنع، الأرض — لبنت اسمها "مريم". قعدت أدور على اسمي أو اسم إخواتي، مفيش! إحنا اتمسحنا من تاريخه بجرّة قلم. بس اللي قتلني بجد الجملة اللي كاتبها بخط إيده ورا الورقة: عشان دي الوحيدة اللي شالتني لما ولادي رموني.
الجملة دي كانت زي السكينة اللي اتغرزت في قلبي. إحنا رميناه؟ ده إحنا كنا حواليه! ولا يمكن كنا حواليه بجسمنا بس وكل واحد غرقان في دنيته؟ مسكت نفسي، وخدت العنوان اللي في الورقة وطلعت زي المجنونة في شوارع المنصورة. كنت متخيلة إني هقابل واحدة نصابة، خطفت عقل راجل عجوز.
وصلت الحي ، قدام باب شقة بسيط، خبطت بقلب بيدق زي الطبل، وأول ما الباب اتفتح، الدنيا
اسودت في عيني. اللي فتحت كانت بنت في العشرينات، ملامحها كانت صدمة.. نفس عيون ابويا نفس ملامحي وملامح اخواتي .بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
البنت بصت لي بهدوء غريب وقالت بصوت واطي: "انتي (هناء).. صح؟ أنا كنت مستنياكي على فكرة." قعدت قدامها وأنا مش حاسة برجليا. مريم مسكت إيدي وقالت الجملة اللي قسمت حياتي نصين: أنا مش غريبة يا هناء.. أنا أختك.
الحكاية طلعت أبعد بكتير من اللي عقلي رسمه. مريم حكت لي بمرارة إن أبويا اتجوز أمها ممرضته من 22 سنة في السر، لما كان تعبان ومحتاج اللي يسنده وإخواتي مشغولين في مصالحهم. ولما محمود عرف، ملقاش في قلبه رحمة، راح وهدده بالفضيحة وإنه هيحجر عليه ويقول للناس إنه خرف. أبويا خاف علينا، خاف على شكلنا، فطلقها وبعدهم عنه، بس عمره ما سابهم من بعيد لبعيد.
والأصعب من كدة، إن محمود "الشيخ" الوقور، راح لمريم في أيام أبويا الأخيرة، وحاول يشتري سكوتها بفلوس، ولما رفضت، هددها بسجن أمها. مريم طلعت موبايلها ببرود
مرعب وسمعتني تسجيل.. صوت محمود وهو بيكلم أبويا وهو بيموت.
صوت محمود كان طالع بارد زي التلج في التسجيل وهو بيقول: امضي يا حاج وخلصنا.. امضي على التنازل ده ليا لوحدي، وإلا والله هرميك في دار مسنين ومحدش هيعرف لك طريق، وهقول للناس كلها إنك خنت أمي وتجوزت ممرضة.. اختار يا تمضي يا الفضيحة والرمية السودة. وأبويا كان بيرد بصوت غرقان في الوجع: ارحمني يا محمود.. أنا بين إيدين ربنا.. مريم دي بنتي زي هناء بالظبط.. اتقي الله.
خرجت من عند مريم وأنا مش شايفة السكة من دموعي. رجعت البيت، لقيت محمود وسعد قاعدين في الصالة، والورق مالي التربيزة، بيحسبوا "الفدادين" والميراث بمنتهى القسوة.
دخلت عليهم وريته "المصحف" ورميت الورقة في وش محمود، وقلت بصوت زلزل البيت: الورث اللي بتدوروا عليه طار! طار بالغل اللي في قلوبكم يا ولاد كامل! الحاج كامل ساب لنا المصحف ده عشان نفوق، وساب لمريم الأرض والبيت.. ساب للي صانته مش للي كان ناوي يرميه في دار مسنين
عشان شوية طوب!بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
محمود وشه بقى لون الكفن، حاول يتكلم بس صوته هرب منه. بصيت له بقرف وقلت له: سمعت صوتك وأنت بتهدده وهو بيموت يا محمود.. سمعت جبروتك. الفلوس اللي كنت هتاكل بيها حق أختك وحقي، مابقتش ملكك. أبويا حمى مريم منك، وحمانا إحنا من طمعك.
ملامحه اتخشبت وهو باصص للورقة اللي في إيدي كأنه شايف حبل المشنقة، وسعد وقع من طوله على الكرسي، مش قادر يشيل جسمه من هول الصدمة. أنا في اللحظة دي مكنش فارق معايا الأرض ولا المصنع ولا مليم واحد من اللي بيتخانقوا عليه، أنا كان بياكل في قلبي وجع إن أبويا، السند والشقا، مات وهو حاسس إنه وحيد وسط ولده.. إن "مريم" ا طلعت هي اللي شايلة سره وصاينة كرامته لحد آخر نفس، وهي اللي كانت بتطبطب على وجعه وإحنا غرقانين في حسابات المكسب والخسارة.
أنا انهرت تماماً.. حسيت إني كنت عايشة في كذبة كبيرة، ومغفلة لدرجة توجع. أبويا مكنش بيكتب التنازل ده عشان غضبان مننا، ولا ساب ممتلكاته لمريم عشان بيفضلها علينا.. لأ، ده كان بيحاول
يحمينا كلنا من طمع "محمود"، الشخص اللي كنا بنثق فيه أكتر من نفسنا، وبنعتبره "كبيرنا" اللي بيخاف علينا.بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
في اللحظة دي، فهمت الجملة اللي شخبطها بخط إيده ورا الورقة بوجع.. مكنش يقصد إننا رميناه في الشارع بجد، كان يقصد إننا "رمينا وجعه" ورا ضهرنا، إننا كنا بعيد كفاية لدرجة إننا سيبناه يحارب لوحده في معركته الأخيرة ضد جبروت ابنه الكبير. ومريم، رغم إنها مكنتش بتتعامل معانا، كانت هي "الوتد" اللي فضل جنبه من غير مقابل، لا طلبت ورث ولا طمعت في مال، كانت بتصونه بس عشان هو أبوها.
لما رجعت البيت في اليوم ده، بصيت لكل ركن بنظرة تانية خالص.. الصور اللي على الحيطان بقت باهتة، الكرسي الهزاز اللي كان بيقعد عليه بقى يوجع العين، حتى صوت إخواتي وهم لسه بيعافروا ويحاولوا يلاقوا ثغرة في تقسيم الميراث.. كل ده بقى غريب عليا فجأة. حسيت إني مابقتش أنتمي للمكان ده، ولا للناس دي.. الأمان اللي كان بيجمعنا مات مع الحاج كامل.
تاني
يوم، وقفت قدام محمود كنت فاكرة إنه هيعيط، هيعتذر، هيقول إنه كان خايف على الورث.. بس محمود مأنكرش، ولا حتى رمشت عينه باعتذار. اكتفى بالسكوت ونظرة باردة، نظرة خلتني أتأكد إن الطمع لما بيسكن القلب بيقتل فيه أي رحمة، وبيحول الأخ لغول.
محمود (ببرود): "أنا كنت بحمي اسم العيلة يا هناء.. أبوكي اللي غلط لما فكر يفتح بيت تاني ويجيب لنا واحدة تقاسمنا في شقانا." هناء (بدموع قهر): "اسم العيلة؟ إنت قتلت أبوك بالحيا يا محمود.. سيبتله الوجع والوحدة وصُنت الفلوس؟ مبروك عليك الفلوس اللي مابقاش ليها صاحب، ومبروك عليا أختي اللي طلعت أشرف منك."
خدت قراري في لحظتها.. قطعت علاقتي بيه تماماً، وجمعت كل حاجة تخصني وخرجت من البيت من غير ما أبص ورايا، سيبت له الحيطان يشبع بيها.
الغريب ان مريم ادتنا حقنا زي ربنا امر وبالعدل الشرعي عرفت وقتها ان فعلا ان وجهه نظر ابويا صح وانه كان عارف ان محمود كان ممكن ياكل حقنا
النهاردة، أنا وعايشة
مع مريم في نفس البيت البسيط اللي سابه أبويا. مش حاسين إننا ورثنا مجرد طوب وأرض، إحنا ورثنا "قصة كاملة".. قصة راجل عاش ممزق بين خوفه علينا وحبه للي صانته، بين عيلته اللي خذلته وضميره اللي صحي في الآخر، بين ماضي مكنش قادر يعترف بيه وحاضر مكنش عارف يهرب منه.
كل ليلة، بفتح المصحف اللي سابه لنا.. مابقاش بالنسبة لي مجرد كتاب بقرأ فيه وبس، بقى رسالة صامتة منه لينا كل ما ألمس صفحاته، بتفكرني إن الحقيقة ساعات بتستخبى بين السطور، وإن الإنسان قيمته مش في اللي بيجمعه في البنك، قيمته في الأثر اللي بيسيبه في قلوب اللي حبوه بجد وشالوه في وقت الضيق.
اتعلمت من كل اللي حصل إن أقسى طعنة مش اللي بتيجي من الغريب، دي اللي بتيجي من "دمك"، من الناس اللي فاكرين إنهم حتة منك وهم في الحقيقة أبعد ما يكون عنك. بس اتعلمت كمان إن العدل ممكن يتأخر بس عمره ما بيضيع، وإن الحب الصادق، حتى لو عاش في الضلمة سنين طويلة، لازم في الآخر يخرج للنور ويحرق كل الوشوش الكدابة.
بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
تمت


تعليقات
إرسال تعليق