الكل ضحك عليه
الكل ضحك عليه
الأرملة الفقيرة قبلت الكل ضحك عليه غارقا تحت جبال من الأوراق اليابسة لكن عندما كنست الأرض
ضحك الجميع بصوت عال حين وافقت فلورا فرنانديز الأرملة المثقلة بالديون على الانتقال إلى منزل في الغابة بدا كأنه مقپرة خريف مهجورة. كانت الملكية بأكملها مدفونة تحت جبال من الأوراق المېتة والطحالب وآثار الإهمال. أبناء إخوة المالكة المترفون أولئك الذين لا يظهرون إلا عندما يشمون رائحة الميراث قالوا لها بابتسامة ازدراء إن الأفضل لها أن تذهب لتعيش مع الجرذان.
فلورا لم تبك.
أمسكت غصنا يابسا وشدت الملفة حول خصرها وبدأت تكنس أرض الغابة كما لو كانت تكنس قدرها.
وحين أزاحت طبقة التعفن السميكة اكتشفت ما لم يرد أحد غيرها أن يراه ذلك الخړاب كان يخفي أساسات مثالية لبناء ثروة.
لكن قبل ذلك كان على الحياة أن تكسرها.
ولدت فلورا في قرية صغيرة في خاليسكو من تلك القرى التي يعرف فيها الجميع بعضهم ويتحدث الجميع عن الجميع. كان والدها فلاحا شريفا علمها عبارة حفرت في صدرها
الكرامة لا تورث يا فلوريتا بل تكتسب بالعمل.
كبرت بلا ترف لكن بيدين قويتين وقلب مستقيم. وحين تزوجت رودريغو فرنانديز اعتقدت أنها أخيرا وجدت رجلا يشبه والدها مجتهدا حنونا حالما.
أنجبا ثلاثة أطفال. بيدرو الأكبر وكان في التاسعة بعينين تشبهان عيني رجل متعب. آنا ذات الأعوام الثلاثة كانت فضولا وأسئلة لا تنتهي. ولونا الصغيرة ذات العام الواحد لم تكن تفهم شيئا لكنها كانت تبكي حين تبكي أمها كأن قلبها يعرف قبل الجميع حين ينهار العالم.
ماټ رودريغو فجأة. نوبة قلبية خاطفة لم تترك وقتا لوداع أو تفسير.
وترك خلفه ما كان أثقل من الغياب.
ديون للبنك. ديون للجيران. مشروع لم ينجح قط ممول بقروض لم تكن فلورا تعلم بوجودها أصلا. حين بدأت الأوراق والدائنون يتوافدون فهمت فلورا أن زوجها لم يورثها الفقر فحسب بل العاړ.
في القرى الصغيرة تنتشر الأخبار السيئة بسرعة. كانت النساء يهمسن حين تمر فلورا مع أطفالها في السوق.
ها هي أرملة الفاشل
لا عجب أنه ماټ صغيرا كان يفسد كل شيء
كانت فلورا تسمع. تمشي مرفوعة الرأس لكن صدرها في الداخل كان كمن يبتلع جمرة. وأكثر ما كان يؤلمها أن ترى بيدرو في المدرسة معزولا موسوما بلقب مثقل بالديون لم يختره.
استولى البنك على البيت. خرجوا بحقيبة وكيس بسيط. ناموا أسبوعين في بيت عمتها كونسويلو التي كانت تطعمهم الفاصولياء بمحبة وبضيق أيضا.
ليس أنني لا أريدكم يا فلورا لكن لدي همومي كذلك.
كانت فلورا تفهم. لكن الفهم لا يمحو إهانة أن تشعر بأنها عبء.
فبحثت عن أي عمل تنظيف طبخ غسل ملابس.
وهكذا وصلت إلى بيت دونيا ريميديوس ألكانتارا.
كانت دونيا ريميديوس في الثانية والسبعين أرملة بلا أبناء. منزل كبير في وسط القرية مليء بالأثاث العتيق وصور أشخاص رحلوا. وحولها كنسور تحلق عائلة بالمصاهرة تنتظر سعلتها الأخيرة لتتقاسم ما لم تعمل من أجله.
حين طرقت فلورا الباب ولونا على صدرها وبيدرو وآنا ممسكان بيديها نظرت إليها دونيا ريميديوس في صمت ولحظة واحدة لان شيء في عينيها.
أحتاج إلى عمل يا سيدتي. أي شيء. أعرف الطبخ والتنظيف والخياطة. لن أخذلك.
ترددت ريميديوس ثواني كأنها تزن العالم.
ثم فتحت الباب.
ادخلي.
منذ ذلك اليوم عملت فلورا كما قلما يعمل أحد. تصل باكرا وتغادر متأخرة وتفعل كل شيء بإتقان. ليس لترضي أحدا بل لأن عبارة والدها كانت ما تزال حية في قلبها الكرامة تكتسب بالعمل.
مع الوقت بين مسح الأرضيات وقهوة الثالثة عصرا والصمت المشترك ولد أمر لم تسع إليه أي منهما لكنه كان ضروريا لكلتيهما صداقة صامتة.
كانت ريميديوس
تقول أحيانا حقيقة كأنها تلقي حجرا
إنهم كالذباب يا فلورا. حيث يكون العسل يكونون.
وكانت فلورا تومئ. وأحيانا حين كانت ريميديوس تحدق في صورة قديمة بحزن كانت فلورا تضع يدها على كتفها. بلا كلمات. وذلك كان يكفي.
حتى جاء يوم ثلاثاء من أكتوبر وصار كل شيء عاجلا.
سمعت فلورا صوت ارتطام في الحديقة الخلفية. ركضت. وجدت ريميديوس على الأرض يدها على صدرها ووجهها شاحب.
لا أستطيع التنفس
لم تدخل فلورا في ذعر. لم يكن هناك وقت.
بيدرو! اتصل بالإسعاف! فورا!
چثت بجانب ريميديوس أرخت عقدة قلادتها وهمست في أذنها
لا تتركيني يا سيدتي. ابقي معي. تنفسي معي.
وصلت سيارة الإسعاف بعد اثنتي عشرة دقيقة بدت كاثنتي عشرة سنة. في المستشفى قالوا ما كانت فلورا قد شعرت به لو تأخرت خمس دقائق أخرى لما نجت ريميديوس.
زارتها فلورا كل يوم. كانت تجلب لها حساء في وعاء بلاستيكي وتحدثها بأحاديث بسيطة كي لا تشعر بالوحدة. ظهر أبناء الإخوة بالمصاهرة كذلك لكن ليس حبا بل حسابا.
بعد أسبوع في البيت استدعت ريميديوس فلورا إلى الصالة.
أريد أن أعطيك شيئا ولا أريدك أن ترفضي.
شعرت فلورا بضيق في صدرها.
سيدتي أنا
دعيني أكمل. لدي عقار. منزل قديم في أطراف البلدة في الجبل. مهجور منذ سنوات. لا أحد يريده لأنهم يقولون إنه بلا قيمة. لكن الأرض جيدة والبيت جدرانه متينة رغم ما يبدو.
توقفت ونظرت إليها بثبات.
أريده لك. لك ولأطفالك. بكل ما فيه.
كاد الهواء يفارق فلورا.
لا أستطيع قبول ذلك
أنت أنقذت حياتي قالت ريميديوس برفق وحزم. وعشت طويلا بما يكفي لأعرف أن حين يرسل الله لك إنسانا كهذا إلى بابك فليس ذلك صدفة.
في تلك الليلة لم تنم فلورا. كانت العبارة تتردد في رأسها وكل ما فيه لك أيضا.
بعد يومين ذهبت لترى البيت.
وحدها.
سلكت الطريق
الترابي بين أشجار السلسلة الجبلية قرب مازاميتلا حيث تفوح رائحة الصنوبر والمطر القديم. وحين رأته انقبضت معدتها كان أسوأ مما تخيلت. واجهة مغطاة بالطحالب. نوافذ مکسورة. سقف مڼهار. والحديقة بحر من الأوراق اليابسة المتراكمة حتى الركبتين.
في الداخل رائحة انغلاق وتراب رطب. آثار فئران. أغصان دخلت من النوافذ المکسورة كأن الغابة انتقلت إلى الداخل.
وقفت فلورا وسط الصالة. تنفست. نظرت إلى الخړاب. ثم بدل أن تدير ظهرها وتهرب فعلت أمرا بسيطا وعظيما.
انحنت التقطت غصنا من الأرض.
وبدأت تكنس.
كنست ساعات. أزاحت أغصانا أزاحت طينا أزاحت أوراقا متعفنة. وحين ظهر أخيرا البلاط تحت قدميها توقفت فلورا في مكانها.
تحت كل ذلك الۏسخ كانت هناك ألواح داكنة
سميكة متقنة. خشب قديم من النوع الذي لم يعد يصنع لأن أحدا لم يعد يملكه صبرا كهذا ليعمله. خشب فاخر. خشب ثمين.
ثم خرجت إلى الحديقة وأزاحت الأوراق بيديها. كانت التربة تحتها سوداء رطبة سخية. ومع استمرارها في التنظيف اكتشفت شيئا آخر خطا حجريا مدفونا كطريق منسي. تبعته.
وهناك حيث لم يكن أحد ينظر لأن أحدا لا يريد أن يتسخ وجدت الكنز الحقيقي عين ماء صغيرة نبعا مختبئا بين الجذور صافيا كالكريستال باردا وحيويا. منبعا خاصا. صامتا. كاملا.
جلست فلورا على صخرة استمعت إلى خرير الماء وشمت رائحة الغابة بعد المطر وتذكرت والدها
الذهب لا يلمع دائما حين تجديه يا فلوريتا. أحيانا يأتي مغطى بالطين وعليك أنت أن تنظفيه لتري قيمته.
هناك قررت.
لم تكن تعرف كيف. لم يكن لديها مال. لم يكن لديها معارف. لكنها كانت تملك يدين ووقتا وعنادا مباركا.
عادت في اليوم التالي مع بيدرو.
نظر الطفل إلى البيت طويلا.
سنعيش هنا
هنا.
أومأ بجدية طفل عرف العاړ مبكرا.
إذا يجب أن ننظفه جيدا.
انتقلوا بأقل ما يملكون. كانت الليلة الأولى قاسېة
كرتون في النوافذ أغطية قديمة صرير الغابة آنا تستيقظ خائڤة لونا تبكي. فلورا لم تنم تقريبا لا خوفا بل لأن عقلها كان يبني.
في العالم الخارجي كان أهل المدن يدفعون أموالا طائلة مقابل ما كان هناك فائضا صمت هواء نقي أشجار سماء وقت.
بدأت فلورا بالأساسيات. صنفرت الألواح ودهنتها بالورنيش. بيضت الجدران. وضعت بلاستيكا متينا بدل الزجاج المفقود. أصلحت الباب المنتفخ. شيئا فشيئا لم يعد المكان يبدو خړابا.
بعد ستة أسابيع كانت الغرفة الأولى جاهزة سرير ريفي أغطية صوفية شمعة نبتة ونافذة واسعة تطل على الغابة.
ساعدها بيدرو في إنشاء صفحة على الإنترنت. تعلمت آنا أسماء الزهور. كبرت لونا ورائحة الصنوبر في شعرها.
جاءت أولى الحجوزات.
أول زوجين قدما من غوادالاخارا. نزلا من السيارة استمعا إلى الصمت دقيقة كاملة ثم قال الرجل بهدوء
متى كانت آخر مرة تنفسنا فيها هكذا
استقبلتهم فلورا بشراب دافئ من الجوافة وخبز الذرة. غادروا يوم الأحد واعدين بالعودة وعادوا. مع أصدقاء. ثم مع آخرين.
بعد ثلاثة أشهر كانت عطلات نهاية الأسبوع محجوزة بالكامل.
وحينها ظهر أبناء الإخوة.
وصلوا بسيارة سوداء كأنهم يريدون إخافة الغابة.
كان المتحدث يدعى غوستافو ريفاس في الأربعين سلسلة ذهبية نظرة من يظن أن العالم يشترى.
إذا هنا اختبأت قال دون تحية. جئنا لنقول إن ما فعلته العمة ريميديوس لا قيمة له. هذه الملكية للعائلة.
مسحت فلورا يديها في المئزر.
مع كامل الاحترام هذا ليس ما تقوله أوراق المحامي فوينتس.
تغير وجهه عند سماع الاسم.
اسمعي يا أرملة إما أن تغادري بهدوء أو نغرقك في المحكمة. سنقول إنك تلاعبت بعجوز مريضة.
تنفست فلورا ببطء.
أفضل أن تغادروا ملكيتي.
ضحك غوستافو.
ملكيتك سنرى.
غادروا يثيرون الغبار. وبقيت فلورا تراقب الغبار يبتلع الضجيج.
في تلك الليلة كتبت إلى المحامي فوينتس. أجاب سريعا
لا تقلقي. الهبة موثقة تماما. إنهم يحاولون إخافتك.
لكن غوستافو لم يكتف بالترهيب.
ليلة ما استيقظ بيدرو ليشرب ماء فرأى ضوء مصباح يتحرك في الحديقة قرب المخزن.
أمي هناك أحد في الخارج.
نهضت فلورا دون إضاءة الأنوار. أمسكت الهاتف. اتصلت بالمحامي وفتحت تطبيقا كاميرا رخيصة نصحها دون براوليو صاحب المنشرة بتركيبها.
على الشاشة رأت رجلين يحاولان كسر القفل.
سجلت.
بعد خمس وعشرين دقيقة وصلت الدورية. ألقي القبض عليهما والأدوات بأيديهما. لم يكونا وحوشا بل أناسا دفع لهم لارتكاب دناءة.
خرجت فلورا إلى الباب وقلبها يخفق بقوة. نظر أحد الضباط إلى بيدرو.
عمل ممتاز يا فتى.
لم ينم أحد تلك الليلة. لكن الخۏف انكسر داخل فلورا وتحول إلى شيء آخر عزيمة.
في اليوم التالي اتصل المحامي غوستافو شخصيا.
هناك تسجيل. وهو الآن لدى السلطات. وإن حاولت الترهيب مجددا فسيصبح الأمر قضية جنائية.
ابتلع غوستافو كبرياءه وأغلق الخط پحقد.
ما لم يكن يعلمه هو أن دونيا ريميديوس فعلت أمرا آخر حدثت وصيتها وأنشأت صندوقا ائتمانيا لتعليم الأطفال. وحين أخبر المحامي فلورا سألت فقط
هل تعلم دونيا ريميديوس أنك تخبرني
طلبت أن يكون الوقت مناسبا.
ذهبت فلورا لرؤيتها. كانت ريميديوس في مقعدها تشرب الشاي.
لماذا سألت فلورا دون التفاف.
ابتسمت ريميديوس بسلام.
لأنني كنت أنت قبل خمسين عاما. ومد أحدهم لي يدا. هكذا تسير الأمور ليست صدقة بل سلسلة.
حاول أبناء الإخوة رفع دعوى بدعوى فقدان الأهلية العقلية. منحهم القاضي ثلاثين يوما لإثبات ذلك. لم يستطيعوا. ثلاثة أطباء شهدوا بسلامة عقل ريميديوس. رفضت الدعوى. دفعوا المصاريف. خسروا.
فلورا لم تذهب إلى المحكمة. كان لديها نزلاء في عطلة نهاية الأسبوع.
واستمر النزل في النمو.
سنة بعد سنة صارت الغابة وطنا والوطن مشروعا. درس بيدرو هندسة الغابات. درست آنا العمارة وصممت أكواخا تحترم الضوء والأشجار. درست لونا الإدارة وحدثت المكان دون أن تسلبه روحه.
عاشت
دونيا ريميديوس
لترى كل ذلك. ماټت وكتاب مفتوح بين يديها وسکينة تشبه الامتنان. في جنازتها وقفت فلورا دقيقة وحدها قرب النعش وهمست
شكرا على الثقة. على تعليمي أن أفضل الهدايا أحيانا تأتي ملفوفة بأوراق يابسة.
اليوم يضم نزل فلورا أكواخا وحديقة حائزة على جوائز وقائمة انتظار وزوارا من أنحاء المكسيك. ومع ذلك ما زالت تستيقظ قبل الفجر.
لا حاجة بل وفاء للذاكرة.
تخرج بملفتها إلى الحديقة حين يملأ الضباب الغابة وتكنس الأوراق بهدوء كما في اليوم الأول.
وحين يسألها صحفي عن سر ثرائها تشير إلى الأشجار وتقول
لم يكن هناك سر. كان هناك بيت لا يريده أحد وأيد مستعدة للعمل. والباقي جاء بعد ذلك.
وفي صوتها ما هو أكبر من المال يقين بأن الحياة تمنحك أحيانا شيئا قبيحا مكسورا منسيا لتختبر إن كان لديك الشجاعة لتبقى وتكنس حتى تعثر على الذهب.
عندما غادر الأقارب وهم يضحكون، أغلقت فلورا الباب الخشبي المتهالك الذي كان يصدر صريراً مرعباً. لم يكن هناك كهرباء، ولا ماء جارٍ، فقط ضوء القمر الذي يتسلل من الثقوب في السقف.
احتضنت فلورا أطفالها الثلاثة في زاوية الغرفة. بيدرو، الصغير الذي أصبح رجلاً قبل أوانه، همس لها أمي، هل سنمو,ت هنا من البرد؟. مسحت فلورا على رأسه وقالت بصوت ثابت هذا البيت ليس خرباً يا بني، إنه بذرة.. ونحن من سنسقيها لتكبر.
لم تنم فلورا تلك الليلة. كانت تسمع أصوات الرياح تداعب أوراق الشجر اليابسة في الخارج، وكأن الغابة تتحدث إليها. وفي الفجر، وقبل أن تشرق الشمس، كانت قد اتخذت قرارها لن تخرج من هنا إلا وهي منتصرة.
في الصباح، بدأت فلورا معركتها. لم تكن تكنس لتنظف فقط، بل كانت تبحث عن روح هذا المكان. وبينما كانت تزيح جبال الأوراق المتعفنة من الصالة الكبيرة، اصطدمت مكنستها بشيء صلب ولامع.
چثت على ركبتيها وبدأت تحفر بيديها.. لتجد قطعة من الرخام الأسود الملكي نادرة الوجود! لم تكن قطعة واحدة، بل كانت الأرضية بأكملها عبارة عن لوحة فنية أثرية تعود لعصور قديمة، غطاها الزمن بالإهمال.
بيدرو! أحضر الماء! صړخت فلورا. بدأوا بغسل الأرضية، ومع كل لتر ماء، كان المكان يتحول من خړابة إلى قصر أثري. لكن الجمال لا يطعم الخبز.. كانت تحتاج لسر يدرّ عليها المال لتعيل أطفالها.
خلف المنزل، وسط غابة من الأشواك، وجدت فلورا بئراً قديماً مسدوداً بجذوع الأشجار. بم مساعدة بيدرو، استطاعوا فتح الفوهة. فاحت رائحة غريبة.. ليست رائحة عفن، بل رائحة عطرية قوية ومنعشة.
اكتشفت فلورا أن البئر يمر عبر عروق نباتات نادرة جداً تنمو تحت الأرض، مما جعل مياهه مشبعة بزيوت عطرية طبيعية لا توجد في أي مكان آخر في العالم!
بدأت فلورا في جمع هذه المياه وتصفيتها بطريقة بدائية تعلمتها من والدها. وباعتها في القرية المجاورة ك زيت للشعر والبشرة. وفي غضون أسابيع، بدأ الناس يتزاحمون أمام باب منزل الغابة للحصول على هذا السحر.
وصلت السيارات الفارهة إلى الغابة. نزل منها أبناء الإخوة الذين سخروا منها سابقاً، لكن هذه المرة لم يكونوا يضحكون. كانت أعينهم تلمع بالطمع بعد أن سمعوا عن ثروة الأرملة.
فلورا.. لقد انتهت مدة إقامتك المجانية. نحن قررنا هدم هذا الكوخ وبناء منتجع سياحي. اجمعي أسمالك وارحلي الآن! قالها كبيرهم بوقاحة.
وقفت فلورا أمامهم، وعلى كتفها لونا الصغيرة، وبجانبها بيدرو الذي أمسك بفأس العمل. وقالت بهدوء هذا البيت لم يعد كوخاً.. لقد سجلتُه باسمي في الشهر العقاري ك محمية طبيعية بعد أن اكتشفتُ فيه نباتات نادرة، والقانون يمنعكم من لمس حجر واحد هنا!
صُعق الجميع.
الأرملة الفقيرة كانت أذكى منهم جميعاً.. لقد استخدمت أول أرباحها لتأمين نفسها قانونياً.
لم تكتفِ فلورا بطردهم، بل قامت بشراء كل الديون التي كانت تحاصرهم في شركاتهم المتعثرة. وفي يوم واحد، أصبح الأثرياء مدينين ل الأرملة الفقيرة!
استدعتهم إلى مكتبها الفخم الذي بنته وسط الغابة، وقالت لهم تذكرون عندما قلتم لي اذهبي لتعيشي مع الجرذان؟ اليوم.. أنا أمنحكم فرصة للعمل ك عمال نظافة في مشاتل الزهور الخاصة بي. لعلكم تتعلمون أن الكرامة تُكتسب بالعمل، وليس بالاستهزاء بظروف الناس.
عاشت فلورا فرنانديز ملكة في غابتها، وأصبح أطفالها من أنجح الناس في المكسيك. وظلت مكنستها القديمة معلقة على مدخل القصر، لتذكر كل من يدخل أن تحت الركام.. دائماً ما يختبئ الذهب لمن يملك الصبر.
بعد أن استقرت الأمور قانونياً لفلورا، بدأت تلاحظ شيئاً غريباً في هندسة البيت. الرخام الأسود الذي اكتشفته في الصالة لم يكن مجرد أرضية، بل كان مرتباً بنسق معين يشبه الخريطة.
وفي ليلة عاصفة، بينما كان البرق يضيء الغابة، لاحظ بيدرو أن ضوء البرق عندما يسقط على زاوية معينة في الأرضية، ينعكس ليشير إلى حائط خلف المدفأة القديمة.
أمسكت فلورا بمطرقة ثقيلة، وبدأت تهدم الحائط المتآكل.. لتجد خلفه سُلماً حجرياً ينزل إلى أعماق الأرض!
أمي.. لا تنزلي! صړخ بيدرو خوفاً. لكن فلورا، التي واجهت الجوع والذئاب البشرية، لم يعد الخۏف يعرف طريقاً لقلبها. نزلت وهي تحمل شعلة صغيرة.. لتكتشف أن البيت بُني فوق مخزن سري يعود لقرن مضى!
داخل القبو، لم تجد فلورا صناديق ذهب، بل وجدت مئات القوارير الزجاجية المغطاة بالشمع، ورفوفاً تضم كتباً جلدية قديمة.
اكتشفت فلورا أن صاحبة البيت الأصلية لم تكن مجرد امرأة غنية، بل كانت كبيرة صانعي العطور
في القصر الملكي قديماً، وقد هربت بأسرار مهنتها إلى هذه الغابة لتخفيها عن الطامعين.
الكتب كانت تحتوي على وصفات سرية لعطور لم يشمها العالم منذ عقود، وصفات تعتمد على مياه البئر العطرية وزهور الغابة النادرة التي زرعتها فلورا.
هذا هو كنزنا الحقيقي يا بني، همست فلورا وهي تفتح أحد الكتب، هذا الكتاب سيجعل العالم كله يقف طوابير أمام بابنا.
وصلت مروحية خاصة إلى الغابة، ونزل منها رجل يرتدي بدلة ثمنها يعادل ثمن القرية بأكملها. كان يمثل أكبر شركة عطور في باريس.
سيدة فلورا، نحن نعلم ما وجدتِ في القبو. نعرض عليكِ 50 مليون دولار مقابل الكتب والبئر، وسنؤمن لكِ ولأطفالكِ حياة الملوك في أي مكان في العالم.. فقط وقعي هنا.
نظر بيدرو إلى أمه بعيون لامعة، فهذا المبلغ سينهي كل معاناتهم للأبد. لكن فلورا نظرت إلى يديها الخشنتين من العمل، وإلى الغابة التي احتضنتها عندما طردها الجميع.
50 مليوناً؟ ضحكت فلورا بسخرية، هذا المبلغ لا يساوي ثمن العرق الذي بذلته وأنا أكنس أوراق الشجر اليابسة. عروضي ليست للبيع.. أنا سأنتج عطري الخاص، وسأنافسكم في عقر داركم!
بعد عام من التجهيزات، أقيم المعرض الدولي للعطور في باريس. كانت كل الشركات الكبرى تعرض منتجاتها الفخمة، وفي زاوية صغيرة، وقفت فلورا فرنانديز بزيها التقليدي البسيط وبجانبها أطفالها.
كان عطرها يحمل اسماً واحداً أوراق الخريف Autumn Leaves. بمجرد أن فُتحت الزجاجة الأولى، توقفت الحركة في المعرض. كانت الرائحة ساحرة، تحمل عبق الغابة، وقوة الأرض، وشموخ امرأة لم تنكسر.
في تلك الليلة، فاز عطر فلورا بالجائزة الكبرى، وتهافتت عليها الطلبات من كل أنحاء العالم. عادت فلورا إلى غابتها، ليس لتهرب منها، بل لتبني فيها أكبر مصنع عطور صديق للبيئة في العالم، ووظفت فيه كل نساء القرية الأرامل والفقيرات.
أما أبناء الإخوة
الذين سخروا منها، فقد انتهى بهم الأمر يجمعون أوراق الشجر من غابتها لصناعة السماد، تحت إشراف ابنها بيدرو.
الدرس عندما تكنس أوراق الفشل من حياتك بجدية، سيفتح الله لك أبواب كنوز لم تكن تخطر على بال بشړ.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق