ياابنى حرام عليك
ياابنى حرام عليك
صحّيت فاطمة الساعة 3 الفجر.
النوم مبقاش سهل خالص من ساعة ما السـ,ـرطان خد جوزها حسام من سنتين. زي كل الليالي اللي فاتت من يوم وفاته، نزلت بهدوء من السرير ومشيت للمطبخ من غير ما تولّع النور، كل حاجة كانت مألوفة قدامها.
بقلم منــال عـلـي
في ضوء الشباك الخافت، فتحت درج الأدوات الصغيرة وأخرجت نظارة حسام للقراءة. قعدت على الترابيزة وأجبرت نفسها تبص على الورقة اللي قدامها:
إشعار الحجز التنفيذي.
عندها 60 يوم تسيب البيت.
مدّت إيدها على صورة حسام، وإبهامها بيتبع ابتسامته اللي متعودة عليها حصري على صفحه روايات واقتباسات همست: «بوعدك هاهتم بيهم، حسام.»
انعكاسها في الشباك كان شبه غريب. شعرها بدأ يشيب بدري، ووشها غايب منه الحيوية من الحزن والقلق. الأرملة كانت محاطة بألمها زي الكهرمان، محافظ على حزنها وصعب عليها تمشي قدام.
الساعة 6 الصبح دقت المنبه.
ارتدت فاطمة هدومها بعناية، في اللبس المهني الوحيد اللي فاضل معاها. ابنها يوسف اللي عنده 16 سنة دخل المطبخ لابس شورت كورة وقميص فيه ثقب عند الرقبة، وحذاءه بدأ ينفصل من اللحامات، وفاطمة لاحظت ده بحزن.
بقلم منــال عـلـي
سأل يوسف: «ماما، مقابلة تانية؟»
ردت: «وظيفة منسقة تسويق في شركة النيل للصناعات. مناسبة جدًا، شبه شغلي القديم.»
أومأ يوسف: «هتنفع معاكي.»
قالت: «أكيد هتنفع.»
وكان ده كذب.
ضيفت:
«فلوس الغدا على الرصيف.»
تردد يوسف: «أمينة اتصلت امبارح… حاجة عن قسط المدرسة.»
قالت له: «هكلمها من العربية.»
المشوار للشركة أخدها قدام أماكن شكلت فصول من حياتها: الكلية اللي كانت بتدرس فيها إدارة أعمال، المدرسة الابتدائية اللي يوسف اتعلم فيها القراءة، المستشفى اللي قعد فيه حسام آخر أيامه. كل مبنى كان فصل في كتاب نهايته مكتوبة بالحبر الأحمر.كتب وآداب
اتصلت بابنتها أمينة وهي سايقة، بصوتها اللي متعودين عليه: «كل حاجة تمام.»
قالت أمينة: «ماما، وصلني إيميل إن حسابي متأخر. لو ما دفعتش قبل الجمعة الجاية مش هقدر أسجل الفصل القادم.»
طمأنتها فاطمة: «ده بس غلطة في خطة الدفع، هاعتني بيه النهارده.»
اعترضت أمينة: «متأكدة؟ ممكن أشتغل ورديات زيادة في الكافيه.»
قالت فاطمة بحزم: «ممنوع. شغلك الدراسة، ده اللي بابا عايزه.»
وطمأنتها: «بوعدك يا أمينة، كل حاجة هتتظبط.»
المقابلة في الشركة مشيت زي الثلاث مقابلات اللي فاتت بالظبط.
مدير التوظيف، أصغر منها بعقد على الأقل، ابتسم طول الاجتماع ابتسامة ودودة—زيادة عن اللزوم.
قال: «لديك خبرة كبيرة، مدام فاطمة، بس خايف إنك ممكن تكوني مؤهلة زيادة للوظيفة دي.»
فاطمة فهمت الكلام على طول: كبيرة في السن، يائسة، محملة بأعباء كتيرة.
حافظت على ابتسامتها: «أؤكد لك إن أنا بدور على استقرار، مش ترقية. هكون ملتزمة بالوظيفة على
المدى الطويل.»
رد المدير: «هنتواصل معاك آخر الأسبوع الجاي.» وقام من الكرسي.
ركبت فاطمة عربيته وجلست دقيقة ساكتة بالظبط.
لا دموع. لا صراخ.
بس 60 ثانية تخلي الهزيمة تغمرها قبل ما تعيد بناء الدرع اللي لابسته عشان أولادها.
رن التلفون برسالة من يوسف: «المقابلة راحت إزاي؟»
بقلم منال علي
أجابت: «تمام.»
فاطمة أخدت الطريق الطويل للبيت، مؤجلة لحظة ما تقول لأولادها إن الأم—اللي كانت مديرة تسويق ناجحة وبتخطط لحملات لماركات كبيرة—مش لاقية وظيفة تكفي تحافظ على البيت.
وكان الشتاء جه بدري السنة دي
ركنت فاطمة العربية قدام البيت… وفضلت قاعدة شوية قبل ما تنزل.
البيت اللي عاشت فيه مع حسام أكتر من 20 سنة بقى فجأة مهدد يضيع منها.
طلعت الورقة من الشنطة تاني…
“إشعار الحجز التنفيذي — 60 يوم للإخلاء.”
همست لنفسها:
“لازم ألاقي حل… أي حل.”
دخلت البيت بهدوء.
يوسف كان قاعد على الكنبة، بيحاول يذاكر لكن واضح إن دماغه مش معاه.
رفع عينه وقال:
«عملتي إيه يا ماما؟»
ابتسمت فاطمة نفس الابتسامة اللي بقت تحفظها كويس.
«كويس… قالوا هيكلموني آخر الأسبوع.»
يوسف سكت لحظة… وبص لها نظرة طويلة.
كان أكبر من سنه بكتير.
قال بهدوء:
«ماما… أنا ممكن أسيب المدرسة سنة وأشتغل.»
وقعت الجملة على قلبها زي الحجر.
قربت منه بسرعة وقالت بحزم:
«مستحيل يا يوسف. مش بعد كل
اللي عمله أبوك عشان تعليمك.»
يوسف حاول يعترض، لكنها مسكت إيده:
«إنت هتكمل تعليمك… وأمينة كمان. دي وصية أبوكم.»
سكت يوسف… لكنه ما اقتنعش.
تاني يوم الصبح، فاطمة صحيت بدري كعادتها.
لكن قبل ما تنزل من السرير سمعت صوت خبط خفيف على الباب.
فتحت… لقت يوسف واقف.
ناولها ظرف أبيض وقال:
«ده جه من شركة بابا القديمة.»
اتجمدت مكانها.
شركة حسام.
فتحته بإيدين بترتعش.
الخطاب كان قصير:
السيدة فاطمة حسام،
أثناء مراجعة ملفات الشركة القديمة، اكتشفنا أن المرحوم حسام كان شريكًا في مشروع تسويقي لم يُصرف عائده بعد.
نرجو حضورك لمناقشة المستحقات المالية الخاصة به.
جلست فاطمة على الكرسي كأن رجليها مش شايلينها.
همست:
«مستحقات؟ بعد سنتين؟»
يوسف قال بسرعة:
«يمكن فلوس قليلة بس تساعد…»
لكن لما راحت الشركة بعد يومين…
الحقيقة كانت أكبر بكتير.
مدير الشركة قال لها وهو بيقلب الملفات:
«المرحوم حسام كان عبقري في الحملة دي… المشروع كبر جدًا بعد وفاته.»
بص لها وقال:
«نصيب شراكته… بعد الحسابات…»
وسحب ورقة ناحيتها.
فاطمة قرأت الرقم…
ومع كل رقم كانت عينيها بتتوسع أكتر.
المبلغ كان كافي يسدد كل الديون… ويحافظ على البيت… ويكفي تعليم أمينة ويوسف سنين.
سكتت لحظة…
وبعدين دموعها نزلت لأول مرة من يوم وفاة حسام.
لكن المرة دي…
ما كانتش دموع كسر.
كانت دموع وعد اتحقق.
رفعت عينيها للسقف وهمست:
«كنت عارف إني هحتاجك حتى بعد ما تمشي… صح يا حسام؟»
وفي البيت…
كان الشتاء لسه موجود.
لكن لأول مرة من سنتين…
الشمس دخلت من الشباك.


تعليقات
إرسال تعليق