القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 دفن.ت ابنها



دفن.ت ابنها


أنا دفنت ابني من 10 سنين.. بس لما شفت ابن جيراني الجديد، كنت هحلف إنه هو، نفس الشكل اللي كان المفروض يبقى عليه دلوقتي لو كان لسه عايش.

ابني “دانيال” مات وهو عنده 9 سنين بس. خبطته عربية وهو بيلعب بالكورة جنب مدرسته. الوجع ده مابيروحش أبداً، ورغم إن فات 10 سنين على اليوم ده، بس ساعات بحس إني مش قادرة أخد نفسي من كتر الضيق.

مخلفنش تاني.. مكنتش هقدر أعمل كدة بعد اللي حصل. عشان كدة أنا وجوزي “كارل” عايشين لوحدنا، إحنا الاتنين وبس.

المقابلة الصدمة

من كام يوم، شفت عربية نقل عفش قدام البيت.. جيران جداد وصلوا. كان زوج وزوجة في الخمسينات ومعاهم ابنهم. وبما إني جارة طيبة، عملت صينية “فطيرة تفاح” ورحت إمبارح عشان أرحب بيهم وأديهم حاجة حلوة.

كنت شايلة الفطيرة وهي لسه دافية وخبطت على الباب. ابنهم هو اللي فتح لي. أول ما شفته اتسمرت مكاني، والصينية وقعت من إيدي اتدشدت ميت حتة.

حسيت إني شفت شبح!

ابني دانيال كان لون عينيه مختلف (واحدة زرقا وواحدة بني)، ورثهم عن جدته. والشاب ده كان عنده نفس العينين بالضبط! نفس ملامح الوش.. الشعر الأسود الكيرلي والدقن الرفيعة.

كان كأني شايفة ابني قدامي، كأنه لسه عايش.

رد الفعل الغريب

بدأ يلم بسرعة الحتت المكسورة، وأنا كنت واقفة متجمدة، وبحاول بالعافية أقول: “أنا أسفة جداً إن الطبق وقع مني.. ممكن أسألك عندك كام سنة؟”

رد بكل أدب إنه عنده 19 سنة.

نفس السن اللي كان دانيال هيبقى فيه دلوقتي.

لحظة واحدة وأمه جت تجري. بدأت أعتذر لها وأشرح لها إن ابنها شبه ابني جداً. الست توترت فجأة وقامت قافلة الباب في وشي وهي بتقول: “لازم


تمشي دلوقتي، ورانا شغل كتير!”

الحقيقة المرة

جريت على البيت بأقصى سرعة، دخلت على جوزي وحكيت له على اللي شفته وعلى ابن الجيران.

“كارل” نزل عينه في الأرض وقعد على الكنبة وبدأ يعيط.. بقالنا 28 سنة متجوزين، عمري ما شفته بيعيط أبداً.

قال وصوته بيترعش:

“كنت فاكر إني دفنت السر ده مع ابننا.. كنت عاوز أحميكي من كل حاجة.. بس لازم تعرفي الحقيقة.”

نظرت إلى “كارل” برعب، كانت دموعه تسيل بغزارة، وهو الرجل الذي لم تهزه وفاة والده ولا خسارة عمله. أمسكت بكتفيه وهززته بعنف: “أي سر يا كارل؟ ابني مات في حضني! أنا اللي غسلته وكفنته! أنا اللي وقفت على قبره! مين الولد اللي بره ده؟”

خفض كارل رأسه وقال بصوت مبحوح: “دانيال مامتش من حادثة العربية يا مريم.. دانيال اتخطف.”


تراجعت للخلف وكأن صاعقة ضربتني. “أنت بتقول إيه؟ الحادثة.. الإسعاف.. التقرير الطبي؟”


بدأ يحكي والكلمات تخرج منه كالسم: “يوم الحادثة، دانيال فعلًا اتخبط، بس إصابته مكنتش مميتة. لما وصل المستشفى، جالي راجل غريب، كان باين عليه الثراء الفاحش والسلطة. قالي إن ابنه الوحيد محتاج نقل نخاع وقلب فوراً، وإن دانيال هو المطابق الوحيد في السجلات. عرض عليا ملايين.. رفضت وصرخت فيه، لكنه هددني بيكي، قالي إنه هيقتلك ويقتل دانيال لو مخلصتش الصفقة.”


استطرد وهو يشهق: “الراجل ده كان واصل جداً. زوروا الأوراق، وخدوا دانيال وهو غايب عن الوعي، وجابوا جثة طفل تاني مشوهة تماماً من حادثة تانية، وقالوا لي ده ابنك. أنا دفنت طفل غريب يا مريم.. دفنته عشان أعيشك أنتِ.”


الفصل الثالث: مواجهة الشبح


لم أسمع باقي كلامه.


شعرت بنار تحرق صدري. ركضت نحو الباب، وخرجت إلى الشارع كالمجنونة. طرقت باب الجيران الجدد بكل قوتي. “افتحوا! رجعوا لي ابني!”

فتح الزوج هذه المرة، كان رجلاً بملامح باردة وقاسية. نظر إليّ باحتقار وقال: “اطلبي الشرطة لو عايزة، بس ابننا ده معانا من يوم ما اتولد، ومعانا شهادة ميلاده.”


في تلك اللحظة، ظهر الشاب من خلفه. “دانيال” -أو هكذا ينبض قلبي باسمه- نظر إليّ بحيرة. “يا مدام، أنا اسمي (زين)، وأنا مش ابنك. أنا مش فاهم أنتِ بتتكلمي عن إيه.”


نظرت في عينيه، تلك العين الزرقاء والأخرى البنية، لا يمكن للطبيعة أن تكرر هذه الصدفة مرتين بنفس الرسمة. صرخت فيه: “زين.. عندك علامة غرزتين في كاحلك الشمال؟ لما وقعت من على العجلة وأنت عندك 6 سنين؟”


ارتبك الشاب وتراجع خطوة. نظرت الأم بتوتر وقبضت على ذراعه بعنف لتسحبه للداخل، لكنه أفلت منها ورفع بنطلونه ببطء.. كانت الغرز هناك. واضحة وكأنها حُفرت بالأمس.


الفصل الرابع: الخديعة الكبرى


مرت الساعات كأنها سنين. الشرطة وصلت، “كارل” انهار واعترف بكل شيء، والتحقيقات بدأت. اكتشفنا أن “الجيران الجدد” لم يكونوا جيراناً بالصدفة. الرجل الذي اشترى دانيال منذ 10 سنوات هو “سليم الحسيني”، رجل أعمال هرب خارج البلاد بعد الحادثة بفترة.


لكن لماذا عادوا؟ ولماذا سكنوا بجوارنا؟


الحقيقة كانت أبشع. سليم الحسيني مات منذ شهر، وفي وصيته، طلب من زوجته والولد العودة إلى هذا الحي تحديداً. لم يكن دانيال يعلم أنه مخطوف، كان يظن أنهم عائلته الحقيقية، لكن الزوجة (التي قامت بدور أمه) كانت تشعر بالذنب القاتل بعد موت زوجها.


قالت


لي في التحقيق وهي تبكي: “سليم كان مريض بالسيطرة. مخدش دانيال عشان ينقذ ابنه، ابنه الحقيقي مات فعلاً قبل ما نوصل للمستشفى. هو خده عشان يعوض خسارته، عشان يربي طفل بمواصفات خاصة. ولما مات سليم، محستش بالراحة غير لما رجعته لمكانه.. كنت عاوزاكي تشوفيه، كنت عاوزة الحقيقة تظهر بس خفت من السجن.”

الفصل الخامس: اللقاء المستحيل


جلسنا في غرفة التحقيق. أنا ودانيال.. أو زين. كان ينظر إليّ برعب وتشتت. عشر سنوات من الكذب عاشها مع أشخاص ظنهم أهله.


مددت يدي ببطء ولمست وجهه. “دانيال.. أنا كنت بغني لك أغنية قبل ما تنام، فاكرها؟”


بدأت أدندن بلحن قديم وهادئ، لحن لم يسمعه أحد غيرنا. رأيت الدموع تتجمع في عينيه. بدأ يتمتم بالكلمات معي.. “العصفور الصغير.. نام في العش..”.


انفجر بالبكاء وارتمى في حضني. “أنا كنت بحلم باللحن ده كل يوم.. كنت بحس إن فيه حد ناقصني، إن حياتي كلها غلط!”




النهاية: عدالة القدر


كارل دخل السجن بتهمة التستر والتزوير، ورغم جرحي منه، إلا أنني علمت أنه فعل ذلك خوفاً عليّ. أما “الجيران”، فقد تم القبض عليهم بتهمة الاختطاف.


دانيال عاد إلى بيته. لم يكن الأمر سهلاً، كان شاباً غريباً عني بقدر ما هو ابني. احتجنا لشهور من العلاج النفسي والجلسات لنستعيد تلك العشر سنوات الضائعة.


الآن، وأنا أجلس في حديقة بيتي، أرى دانيال يدرس في كليته، يضحك بنفس الطريقة التي كان يضحك بها وهو في التاسعة. الطبق الذي انكسر يوم المقابلة، كان هو الثمن البسيط الذي دفعته لأستعيد روحي التي دُفنت لعشر سنوات تحت الأرض.


القدر لا ينسى أحداً، والحقيقة مهما طال دفنها،


لابد أن تخرج يوماً إلى النور.. تماماً كما خرج ابني من بين براثن الغياب


تعليقات

close