عمري ما كنت اتخيل
عمري ما كنت اتخيل
أنا نادية.. وعمري ما كنت أتخيل إن "غلطة صباع" على شاشة موبايل مكسورة ممكن تهد بنيان وتبيعه من جديد.
كنت قاعدة في أوضتي الضيقة فوق السطوح في "عزبة الهجانة". الجو كان ساقع وشوية الهوا اللي داخلين من شباك خشب موارب كانوا بيحسسوني إني عايشة في تلاجة. النور كان مقطوع.. مش عطل فني، لا ده عطل "جيبي" أنا، عشان صاحب البيت حلف يمين لو مدفعتش المتأخرات هيشيل العداد خالص.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
في الركن، كان ابني مروان، حتة من قلبي اللي ملحقتش تفرح، نايم وجسمه نار. مروان عنده 4 سنين، بس المرض خلى جسمه أرفع من سنه بكتير. كان بيأن أنة ضعيفة، وكل أنة كانت بتنزل على صدري تقطعه.
مسكت إزازة الدواء.. مفيش، فاضية. قلبتها على المعلقة نزلت نقطة واحدة يتيمة. بصيت في المحفظة، لقيت تلاتة وعشرين جنيه وكمشة فكة.. والروشتة اللي الدكتور قال لي فيها: "يا نادية الباد بوي ده (السخونية) لو منزلتش الصبح، الواد هيدخل في مضاعفات".
أعمل إيه؟ أروح لمين؟ الدنيا سدت في وشي.
مفيش غير "سيد" ابن خالتي، اللي كل ما بيساعدني بقرش بيفضل يذل فيا شهر. مسكت الموبايل وبإيد بتترعش من البرد والكسرة كتبت:
"يا سيد، أبوس إيدك مروان هيروح مني وسخن نار ومعيش تمن الدوا. سلفني 800 جنيه وهقبض من المشغل آخر الأسبوع وأردهم لك.. ابوس إيدك لا تكسفني."
دوست "إرسال" وغمضت عيني ودعيت ربنا يلين قلبه. خمس دقايق والموبايل نور.. فتحت الرسالة وأنا بجهز نفسي للتهزيء، بس لقيت جملة واحدة:
"أظن حضرتك بعتي الرقم غلط."
قلبي وقع! بصيت للرقم، لقيتني غلطانة في آخر رقمين.. بدل "05" كتبت "50". يادي الخيبة التقيلة يا نادية! كتبت له بسرعة وأنا كلي خجل: "أنا آسفة جداً، الرقم جه غلط، انسى الرسالة وحقك عليا."
كنت هقفل، بس الموبايل اتهز تاني: "الطفل ماله؟ وسخونيته كام؟"
استغربت.. مين ده اللي مهتم؟ وبيرد بالهدوء ده ليه؟ خفت يكون حد عايز يتسلى بيا، بس مروان كح كحة وجعته أوي وصرخ بصوت مكتوم: "ماما.. عطشان".
هنا انهرت.. ورديت
بصدق ووجع: "ابني بيموت ومعيش أجيب له خافض حرارة، ولازم الدوا قبل الفجر.. ادعي له حضرتك."
أنا مكنتش أعرف إن اللي بكلمه ده هو "آدم المنشاوي".
آدم ده اللي صوره في المجلات الاقتصادية، اللي بيحرك البورصة بكلمة. الراجل اللي السهر عنده في شقته اللي في الزمالك عبارة عن صفقات بالملايين ومزيكا هادية. بس آدم ده، كان جواه "تار" بايت مع السخونية دي.. تار قديم من يوم ما نار حرقت بيته وزمانه، وخدت منه مراته وبنته الوحيدة اللي كان عندها سنة واحدة.. بنته اللي قالوا له إنها "اتفتت" في الحريقة وملهاش أثر.
آدم رد عليا بلهجة فيها أمر: "ابعتي العنوان فوراً، هبعت لك الدوا."
قلت له: "لا ابعت الفلوس كاش وأنا هتصرف."
قال لي بحدة: "قلت العنوان.. مفيش وقت."
بعت العنوان وأنا مرعوبة.. وبعد نص ساعة، الحارة كلها نورت بنور عربية "رانج روفر" سوداء، وقفت قدام باب البيت المهدود. كنت فاكرة سواق اللي هينزل، بس اللي نزل كان هو.. هيبة، وطول، وشخصية
تخليكِ توطي راسك من غير ما تحسي.
فتح الباب ودخل الأوضة.. بص للمكان بقرف ممزوج بشفقة، وبعدين بص لمروان وحط شنطة الصيدلية على السرير. "أنا آدم.. وجبت الدوا بنفسي عشان أتأكد إنه وصل."
جيت أشكرُه وأنا بوطي عشان أرفع راس مروان أديله الدوا، الياقة بتاعتي مالت.. واللمبة السهارى اللي كنت منوراها ببطارية بينت السلسلة اللي في رقبتي.
السلسلة الفضة اللي فيها "فص فيروز ومحفور عليه حرف (A)".
آدم سكت.. كأن حد ضربه بالرصاص.
شنطة الدوا وقعت من إيده، وعينه برقت لدرجة خوفتني. مد إيده ببطء وهو بيترعش.. لمس السلسلة كأنه بيلمس "شاهد قبر".
"السلسلة دي.. السلسلة دي معاكي منين؟" صوته كان طالع مخنوق، كأنه بيغرق.
أنا اتخضيت ورجعت لورا: "دي بتاعتي.. ماما الله يرحمها سابتهالي وقالت لي دي أغلى حاجة تملكيها.. فيها حرف أول اسمي."
آدم صرخ فيا بهدوء مرعب: "انتي اسمك إيه؟"
قلت له: "نادية.."
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
ضحك بوجع ودموعه نزلت: "لا.. الحرف ده مش (نادية).. الحرف
ده (آمال).. بنتي.. دي السلسلة اللي أنا صممتها لمراتي وبنتي قبل الحريقة بيوم!"
أنا الدنيا لفت بيا.. السطوح، والفقر، ومروان، والملياردير اللي واقف قدامي وبيقول إني "بنته" اللي ماتت من 20 سنة!
وقفت مكاني مبرقة، حاسة إن الأرض بتميل بيا. مروان ابني كان نايم بيئن، والراجل اللي قدامي ده، اللي هدومه تمنها يبني عمارة، واقف بيترعش قدام حتة "سلسلة" مصدية في رقبتي.
"انتي بتقول إيه يا أستاذ؟" سألته وأنا صوتي طالع بالعافية، "بنتك مين؟ أنا نادية.. أمي ماتت من عشر سنين وهي اللي ملبساني السلسلة دي وقايلة لي إنها ورثي الوحيد."
آدم مقدرش يمسك نفسه، قعد على طرف الكرسي الخشب المكسور وكأنه جبل وانهد. "السلسلة دي مفيش منها اتنين في العالم يا نادية.. دي فضة إيطالي مخصوص، والحرف ده (A) اختصار لاسم بنتي (آمال).. والفتحة اللي في ضهر الدلاية دي، فيها صورة ميكرو لمراتي وليا."
قلبي وقع في رجلي. ميكرو؟ صورة؟ عمري ما فكرت أفتحها. وبإيد بتترعش، مسكت الدلاية وبضفري حاولت أفتح الغطا الصغير اللي ورا.. واتفتح.
شوفت صورة صغيرة أوي، لراجل وسيم في عز شبابه، وست زي القمر ضحكتها
تنور الضلمة.. الراجل كان هو، "آدم" اللي واقف قدامي بس من عشرين سنة.
الدنيا اسودت في عيني. يعني أنا مش "نادية"؟ يعني الست اللي ربتني دي مش أمي؟
آدم قام وقف، وعينيه فيها لمعة مرعبة: "الست اللي ربتك جابتك منين؟ قولي لي الحقيقة!"
قلت له وأنا بنهج: "كانت شغالة ممرضة.. وقالت لي إنها خدتني من ملجأ بعد حريقة كبيرة في مستشفى.. قالت لي إن أهلي ماتوا."
آدم خبط كفه في الحيطة: "لا ماموتوش! أنا اللي عشت ميت عشرين سنة! الممرضة دي خطفتك يا نادية.. خطفتك من وسط النار عشان كانت مابتخلفش، وخلتني أعيش أحرق في نفسي كل يوم."
فجأة، مروان صرخ صرخة قوية، السخونية كانت وصلت لقمّتها.
آدم انتبه، وبسرعة مذهلة، كأنه رجع "أب" في ثانية، شال مروان ببطانيته المقطوعة من على السرير.
"إيه اللي بتعمله ده؟" صرخت فيه.
بص لي بنظرة عمري ما هنسى قوتها: "مش هسمح للسخونية تاخد حفيدي زي ما النار خدت بنتي زمان.. اطلعي قدامي على العربية، مروان هيدخل أحسن مستشفى في مصر دلوقتي!"
العربية الرانج روفر شقت
شوارع القاهرة في نص الليل زي الطلقة. نزلنا قدام مستشفى فخم في المهندسين، الدكاترة والتمريض جريوا على "آدم بيه" كأن ملك الموت وراهم.
مروان دخل العناية، وأنا قعدت في الطرقة على الرخام الغالي، بصيت لشكلي في المراية.. هدومي مبهدلة، إيدي خشنة من شغل المشغل، ورقبتي فيها سلسلة بـ "ملايين".
آدم جه قعد جمبي، حط إيده على كتفي بحنان غريب، حنان كنت مفتقداه طول عمري.
"أنا عملت اتصالاتي.. الممرضة اللي ربتك دي، ماتت، بس ورقك في الملجأ لسه موجود، وهعمل تحليل DNA دلوقتي عشان أقطع الشك باليقين.. بس قلبي مش محتاج تحليل يا آمال."
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
قلت له ودموعي نازلة: "لو طلعت بنتك فعلاً.. هتعمل إيه؟ أنا حياتي كلها فقر وتعب، وابني محتاج عملية في القلب كنت بجمع تمنها بالقرش.. أنا مش شبهك يا آدم بيه."
آدم مسح دموعي بمنديل ريحته غالية أوي، وقال لي بصوت واثق: "انتي بنتي.. يعني انتي صاحبة كل اللي أنا بملكه. والعملية اللي كنتي بتجمعي تمنها دي، هتتعمل الصبح بأكبر دكاترة في العالم. مروان مش بس هيقوم، مروان
هينسى يعني إيه تعب."
بعد يومين، النتيجة طلعت.
آدم دخل عليا الأوضة في المستشفى، كان ماسك الورقة وإيده بتترعش. بص لي والدموع في عينيه وقال: "أهلاً بيكي في بيتك يا آمال المنشاوي."
في اللحظة دي، الموبايل المكسور بتاعي رن. كان "سيد" ابن خالتي.. قصدي ابن خالة نادية اللي ماتت.
رديت عليه ببرود: "عايز إيه يا سيد؟"
سيد بصوت واطي: "ها يا نادية، عملتي إيه في موضوع الفلوس؟ أنا ممكن أسلفك الـ 800 جنيه بس تمضي لي على وصل أمانة."
بصيت لآدم اللي كان مبتسم وهو سامع المكالمة، آدم خد مني الموبايل وقال بلهجة تخلي الواحد يركب خيله:
"يا سيد.. الـ 800 جنيه دول تمن المنديل اللي بنتي بتمسح فيه دموعها.. ابعد عن طريقها عشان لو شوفت وشك، هخليك تمضي على وصل أمانة لـ عزرائيل شخصياً!"
قفل السكة في وشه، وبص لي وقال: "يلا يا بنتي.. مروان فاق، وعربيتك مستنية تحت عشان تاخدكم القصر.. الحلم بدأ دلوقتي."
خرجت من المستشفى وأنا سانده على دراعه، بصيت للسما وقلت: "سبحانك يا رب.. بكلمة (إرسال) لـ
(رقم غلط)، بدلت حالي من السطوح لـ قمة الدنيا."


تعليقات
إرسال تعليق