لما شفت مراتي واقفة في بلكونة بيتنا الساعة اتنين بالليل
لما شوفت
لما شفت مراتي واقفة في بلكونة بيتنا الساعة اتنين بالليل، والبرد بينخر في عضمها وهي بتنشر هدوم أخواتي وعيالهم، وعنيها غرقانة دموع مش قادرة تمسحها عشان إيدها مشغولة.. طلعت موبايلي وبعت رسالة واحدة على "جروب العيلة" خلت التليفونات كلها تترن في وقت واحد بصوت هز جدران البيت.
الرسالة دي كانت بداية النهاية لمرحلة "السكوت الجبان" اللي عشتها.
أنا اسمي سليم، عندي 36 سنة. مهندس، وناجح في شغلي جدًا، والناس كلها برا البيت بتعملي ألف حساب. لكن جوا البيت؟ كنت مجرد "الابن الطيب" اللي كلمته مابتكسرش للأهل.
أنا المتربي على جملة: "البيت اللي ملوش كبير ملوش تدبير".
وكبيرنا بعد وفاة أبويا كان أخويا الكبير "عصام"، ومعاه أختي "هناء".
أنا اتجوزت "ليلى" من خمس سنين. ليلى كانت اختيار قلبي وعقلي، بنت أصول، هادية، ومتربية على إن "بيت العيلة" ده أمانة.
بس الأمانة دي مع الوقت وبسبب سكوتي.. تحولت لسجن.
عصام وأسرته، وهناء وعيالها، كانوا بييجوا
يقضوا عندنا "الويك إيند" كله. ده غير الغدا الشبه يومي.
في البداية كنت بقول لليلى:معلش يا حبيبتي، إحنا بيت كرم، ودول أهلي، وأنتي عارفة غلاوتهم عندي.
وكانت ترد بابتسامة باهتة:حاضر يا سليم، اللي يريحك يريحني.
لكن "اللي يريحني" كان بيجي على حساب صحتها، ونومها، وكرامتها.
بدأت أشوف ليلى بتتحول من "ست البيت" لـ "شغالة بمرتبة شرف".
تصحى من الفجر تحضر فطار لـ 12 فرد.
تقضي اليوم كله بين البوتاجاز والحوض.
وعيال أخواتي يبهدلوا الشقة، ومحدش من أمهاتهم بيمد إيده يشيل ورقة من الأرض.
والأدهى.. إن الانتقادات كانت مابتخلصش.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
عصام يقول وهو بياكل: "الملح زيادة شوية يا ليلى، أمي كانت بتعمله أظبط من كدة".
وهناء تقول وهي قاعدة حاطة رجل على رجل: "يا ليلى، ابقي شوفي الغسيل اللي في الحمام، عيالي وسخوا لبسهم وعايزين يلبسوا بكره".
كنت بسمع.. وبسكت.
كنت بقول لنفسي: "مش عايز أعمل مشاكل.. دي عيلة، وبكره يمشوا".
بس هما مابيمشوش.. هما استحلوا
الراحة على حساب تعبها.
الليلة اللي غيرت كل حاجة كانت ليلة شتا قاسية جدًا.
كان عندنا "عزومة" كبيرة بمناسبة رجوع عصام من السفر.
البيت كان مقلوب، ضحك وهزار وصوت تلفزيون عالي.
ليلى كانت بقالها 14 ساعة واقفة على رجلها.
الساعة بقت اتنين بالليل. الكل نام في الأوض اللي جهزتها ليلى بفرش نظيف وريحة بخور.
دخلت الأوضة ملقتهاش.
خرجت أدور عليها، لقيت باب البلكونة موارب.
وقفت ورا السلك وشفتها.
ليلى واقفة في عز البرد، قدامها سبتين غسيل كبار "بتوع أخواتي وعيالهم".
كانت بتنشر الهدوم وإيدها بتترعش من السقعة.
وفجأة، شفت كتفها بيتهز.. كانت بتعيط بصوت مكتوم عشان محدش يصحى.
بتمسح دموعها بكتفها لأن إيدها مبلولة ومسقعة.
في اللحظة دي، شريط الخمس سنين مر قدام عيني.
شفت ليلى وهي بتخس.. وهي وشها بيبهت.. وهي بتفقد ضحكتها.
وفهمت إن "الرجولة" مش في إنك تفتح بيتك للكل وتتفرج على مراتك وهي بتتداس.
الرجولة إنك تكون "حامي" للشخص اللي ساب أهله
وجالك عشان يطمئن بيك.
دخلت الصالة، كان النور مطفي.
مسكت الموبايل، وبعت رسالة على جروب العيلة اللي فيه عصام وهناء ومراته وجوزها وأمي:
"كل واحد يصحى دلوقتي يلم شنطته ويلم غسيله.. البيت ده ليه حرمة، والحرمة دي اتهانت كتير، والنهارده آخر ليلة ليكوا عندي كضيوف تقال."
بعد دقيقة.. البيت كله اتكهرب.
النور اتفتح في كل الأوض.
عصام خرج وهو بيبرطم: "أنت اتجننت يا سليم؟ باعت لنا رسالة تطردنا الساعة اتنين بالليل؟"
وهناء بدأت تصوت: "بقى ده كرمك؟ بتطرد أختك عشان خاطر الهانم؟"
ليلى دخلت من البلكونة مخضوضة، ووشها أصفر زي الليمونة: "في إيه يا سليم؟ أنت عملت إيه؟"
بصيت لعصام وهناء، وبصيت لأمي اللي كانت واقفة مصدومة.
وقلت بصوت هادي بس يقطع الرخام:
"أنا مش بطردكم.. أنا برجع لمراتي حقها. الخمس سنين اللي فاتوا كنت فاكر إني بارّ بأهلي، بس اكتشفت إني كنت ظالم لشريكة حياتي. اللي عايز يدخل البيت ده بعد كدة يدخله وهو عارف قدر "صاحبة البيت"
، مش داخل لوكاندة."
أمي قربت مني وقالت بحدة: "هتكسر بكلمة أخوك الكبير يا سليم؟"
رديت عليها وأنا عيني في عينها:
"يا أمي، أنتي اللي علمتيني إن الظلم ظلمات.. وعصام وهناء ظلموا ليلى، وأنا كنت الشيطان الأخرس. من النهارده، مفيش مسمار هيتدق في البيت ده ولا طبق هيتغسل غير بإذن ليلى.. واللي مش عاجبه، بيته أولى بيه."
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
السكوت اللي ساد في الصالة كان مرعب.
لأول مرة، الكل شاف "سليم" تاني.. مش الابن المطيع الساكت، لكن الراجل اللي عرف إن بيته هو مملكته، مش ساحة مستباحة للكل.لكن اللي حصل بعد كده محدش توقعه من اهله 🫣🔥
الصمت اللي وقع في الصالة كان تقيل… تقيل لدرجة إن صوت نفس حد فيهم كان باين.
عصام بصّ لي بنظرة عمره ما بصها قبل كده… مزيج بين صدمة وغضب.
أما هناء فكانت واقفة فاتحة بوقها، كأنها مش مستوعبة إن “سليم الطيب” اتكلم كده.
ليلى كانت واقفة ورايا بخطوة… إيديها لسه حمراء من السقعة، وشعرها مبلول من بخار الغسيل.
كانت مرعوبة… مش من كلامي، لكن من العاصفة اللي
هتيجي بعده.
عصام ضرب كف بكف وقال بعصبية:
"يعني إيه الكلام ده؟ إحنا أهل البيت يا سليم! إحنا مش ضيوف!"
بصيت له بهدوء وقلت:
"الضيف اللي بيحترم البيت عمره ما يتحول لحمّل على اللي فيه."
هناء قاطعتني بصوت عالي:
"بقى الهانم لعبت في دماغك؟! دي من ساعة ما دخلت البيت وهي مغيرة أخويا!"
في اللحظة دي ليلى همست ورايا:
"خلاص يا سليم… سيبهم يناموا، الصبح نبقى نتكلم."
لفّيت وبصيت لها… لأول مرة أشوف في عينيها خوف عليّ أنا.
مسكت إيدها الباردة وقلت بهدوء:
"لا يا ليلى… الصبح جه خلاص."
أمي كانت واقفة ساكتة طول الوقت.
لكن فجأة قالت جملة هزت المكان كله:
"هو صحيح… ليلى بتعمل كل ده لوحدها؟"
محدش رد.
عيون أمي لفت على المطبخ… على الأطباق المكدسة… وعلى السبتين اللي لسه في البلكونة.
قربت من ليلى وقالت بصوت أخف:
"انتي اللي غسلتي ده كله؟"
ليلى نزلت عينها وقالت بهدوء:
"عادي يا ماما… البيت بيتنا كلنا."
أمي سكتت شوية… وبعدين
بصت لعصام وقالت:
"مراتك فين يا عصام؟"
مراته خرجت من الأوضة وقتها وهي متضايقة:
"في إيه يا ماما؟ الصوت عالي ليه؟"
أمي أشارت ناحية البلكونة وقالت:
"الغسيل ده بتاع مين؟"
قالت ببرود:
"بتاعنا… العيال وسخوا هدومهم."
أمي سألتها:
"وانتي كنتي فين وهي بتنشره الساعة اتنين بالليل؟"
مراته اتلجلجت:
"أصل… كنا تعبانين من السفر."
هنا أمي خبطت بعكازها في الأرض وقالت بغضب:
"تعبانين؟! والتعب ده كله على دماغ البنت الغلبانة؟"
المفاجأة دي خلت الكل يسكت.
أمي لفت ناحيتي وقالت:
"أبوك الله يرحمه كان دايمًا يقول… البيت اللي يظلم فيه الضيف صاحب البيت يبقى خراب."
وبصت لليلى بحنان لأول مرة من سنين:
"حقك علينا يا بنتي."
دموع ليلى نزلت في ساعتها… بس المرة دي مش دموع قهر.
عصام حاول يتكلم:
"يا أمي… انتي كمان؟!"
ردت عليه بحدة:
"اسكت يا عصام. أخوك عمل الصح… ومتأخر كمان."
وبعدين قالت بصوت حاسم:
"كل واحد فعلاً يلم حاجته… واللي عايز
ييجي بعد كده ييجي ضيف محترم."
الساعة كانت قربت على ثلاثة الفجر لما البيت أخيرًا فاضي.
أول مرة من سنين… الشقة بقت هادية.
ليلى كانت واقفة في الصالة كأنها مش مصدقة.
بصت لي وقالت بصوت مهزوز:
"أنا… أنا كنت هقدر أستحمل يا سليم."
ابتسمت وقلت لها:
"بس أنا مقدرتش."
سكتت لحظة… وبعدين سألتني:
"انت زعلان؟"
هززت راسي وقلت:
"لأ… أنا ندمان بس إني اتأخرت خمس سنين."
ليلى قربت خطوة… لأول مرة من زمان وهي بتعيط.
لكن العياط ده كان مختلف… كان عياط راحة.
بعد أسبوع…
ليلى كانت واقفة في نفس البلكونة…
بس المرة دي كانت بتسقي زرع صغير حطته هناك.
ضحكت وهي بتقول:
"غريبة… البلكونة دي كانت أكتر مكان بكرهه."
قلت لها وأنا بسند على الباب:
"دلوقتي بقت مملكة الملكة."
لفت لي وابتسمت… ابتسامة رجعت بعد غياب سنين.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة واحدة:
إن البيت مش بيت بالطوب…
البيت هو الشخص اللي لما الدنيا كلها تقسى عليك… يقف قصادها ويقول:
"كفاية."
ومن يومها…
باب بيتنا لسه مفتوح لأهلي.
لكن المرة دي…
الكل بيخبط قبل ما يدخل. ❤️
تمت


تعليقات
إرسال تعليق