دائماً بسأل نفسي ليه مراتي ماتكنش شبه نيرة مرات سامح
"دائماً بسأل نفسي ليه مراتي ماتكنش شبه نيرة مرات سامح صاحبي.. نيرة اللي البصة منها بتخليني أنسى مراتي وبيتي وكل حياتي. من جوايا بتمنى إنه يطلقها وأنا أتجوزها.. ست متحررة، شكلها أصغر من سنها، الحياة معاها طعم تاني.. عكس مراتي تماماً." قصص وروايات أمانى سيد
كانت هناء واقفة قدام المراية بتحاول تظبط طرحتها وهي مستعجلة، كانت شايلة شنطة تقيلة فيها أغراض الولاد، وشكلها مجهد من قلة النوم. باهر كان واقف ساند ضهره على الباب، بيبص لها بنظرة "فحص" باردة، نظرة خالية من أي مودة، كأنه بيعايرها بكل تجعيدة بسيطة تحت عينها.
بص للساعة وقال بتأفف:
— "مش يلا بقى؟ نيرة وسامح زمانهم مستنيين في المطعم.. مش عايز أروح هناك وألاقيها قاعدة زي الملكة وأنتي داخلة بشنط الخضار دي!"
هناء بصت له بكسرة وقالت:
— "دي شنطة غيارات الولاد يا باهر، عشان لو الجو برد.. وبعدين أنا لسه جاية من الشغل وعملت الغدا، طبيعي أكون تعبانة."
باهر ضحك بسخرية، ومشى عينه على لبسها الواسع اللي بيخفي تعب جسمها، وقارنها في خياله بـ نيرة اللي لسه شايف صورتها "ستوري" وهي لابسة فستان بيحدد قوامها، وشعرها اللي ريحته بتوصل له من ورا الشاشة.
— "الشغل مش حجة يا هناء.. نيرة موظفة ومركزها أكبر من مركزك، ومع ذلك بتعرف تدلع نفسها وتدلع جوزها. شوفي الفرق في اللبس، في المشية، حتى في طريقة الكلام.. نيرة أنثى بجد، مش 'مديرة منزل' بتمشي على الأرض."
الكلمة نزلت على هناء زي السكينة، وقفت مكانها مش عارفة تتحرك، والدموع اتحبست في عينها. باهر مكملش كلامه، سابها وخرج يركب العربية وهو بيفكر:
"يا بختك يا سامح، واخد واحدة تفتح النفس على الحياة، مش واحدة بتفكرني بالهم والمسؤولية كل ما أبص في وشها."
وصلوا المطعم، وأول ما نيرة قامت تسلم عليهم بابتسامتها الساحرة، باهر حس بقلبه بيدق، وبص لسامح بحسد قاتل.. كان بيقارن بين "إيد نيرة" الناعمة اللي ريحتها براند غالي، وبين "إيد هناء" اللي لسه فيها أثر المطبخ والمنظفات مهما حاولت تخبي.
طول السهرة، باهر كان "غايب" عن مراته تماماً، عينه كانت بتراقب كل حركة لنيرة، كل ضحكة، وكل نظرة "دلع" بترميه بيها من تحت لتحت.. وفي كل مرة كان بيبص لهناء اللي قاعدة جنبه، كان بيحس بظلم لنفسه إنه متجوزها، وظلم أكبر لهناء لأنه مابقاش شايف فيها غير "خادمة" لبيته وولاده، مش شريكة لحياته. قصص وروايات أمانى سيد
على الطاولة، كان الضحك طالع من قلب نيرة وهي بتحكي عن رحلتها الأخيرة، وباهر مبهور بكل حرف بتنطقه، وكأنها بتقول حِكم مش مجرد حكاوي تافهة. فجأة، نيرة بصت لـ هناء اللي كانت قاعدة ساكتة وبتحاول تأكل ابنها الصغير في هدوء، وقالت بدلع مصطنع:
— "يا خبر يا هناء! إنتي لسه مهتمة أوي بموضوع الأكل ده؟ سيبي الولد ياكل لوحده، إحنا هنا عشان ننبسط.. بصي شكلك مجهد إزاي، لازم تهتمي ببشرتك شوية، أنا لسه راجعة من جلسة 'هيدرافيشل' خلت وشي ينور، مش كده يا باهر؟"
باهر لقى الفرصة اللي يثبت فيها لنيرة إنه "فاهم" ومقدر لجمالها على حساب كرامة مراته. ضحك بسخرية وبص لهناء بنظرة احتقار قدام الكل وقال:
— "تسمع منك فين يا نيرة؟ هناء مابتعرفش غير ريحة البصل والمنظفات، جلسات التجميل دي للستات اللي بيفهموا في الأنوثة.. إنما هي، كفاية عليها 'ماسك' الزبادي وهي بتطبخ، أصلها واخدة الحياة 'خدمة عسكرية'."
سامح ضحك بإحراج وحاول يلطف الجو:
— "يا عم ما تظلمهاش، هناء شايلة بيت وعيال.."
قاطعه باهر بقسوة وهو بيعدل جرافتته وعينه في عين نيرة:
— "لا يا سامح، البيت مش حجة. في ست بتعرف تكون 'ست' في كل الظروف، وفي ست بتستسهل وتتحول لقطعة من عفش البيت. أنا بجد بحسدك يا سامح إنك لما بترجع بتلاقي 'أنثى' تستقبلك، مش بتلاقي 'شغالة' بتشتكي من وجع ضهرها."
هناء في اللحظة دي حست إن المطعم كله بيبص عليها. السكينة اللي كانت في إيدها اتهزت، وبصت لباهر بذهول، كانت مستنية منه يدافع عنها أو حتى يسكت، لكنه اختار يذبحها قدام أكتر واحدة هي بتغير منها وتخاف من مقارنته بيها. الكاتبه امانى سيد
نيرة لوت بوزها بانتصار مخفي وراء ضحكة رقيقة:
— "حرام عليك يا باهر، هناء طيبة برضه.. بس فعلاً يا هناء، اللبس الواسع ده كبرك 10 سنين فوق سنك، لازم تغيري 'الستايل' ده خالص."
باهر كمل وهو بيشرب القهوة ببرود:
— "تغير إيه يا نيرة؟ اللي فيه طبع مابيبطلوش. هي خلاص اتبرمجت على دور الضحية والكد والتعب. أنا ساعات بحس إني متجوز واحد صاحبي مش واحدة ست."
هناء قامت فجأة، ملامحها كانت خالية من التعبير من كتر الصدمة. لمت شنطة الولاد بإيد بتترعش وقالت بصوت واطي ومكسور:
— "أنا هسبقكم على العربية.. الولد تعب ومحتاج ينام."
باهر لما شافها بتلم حاجتها عشان تمشي، محاولش حتى يقوم يسندها أو يفتح لها الباب، بالعكس، بصلها ببرود وكأنه بيطرد "دبانة" مضايقاه على التربيزة.
أول ما هناء قامت، باهر نادى عليها بصوت عالي خلى الناس في الطاولات اللي جنبه يلفوا وشهم ليهم، وقال بنبرة مليانة سخرية وقسوة:
— "إيه يا هناء؟ خلاص النفس ضاق؟ مش قادرة تقعدي وسط ناس 'نظيفة' وستات بتعرف تلبس؟ قولتلك من الأول القعدة دي مش شبهك، إنتي آخرك تقعدي في المطبخ قدام البوتاجاز، هناك بس بتحسي بكيانك."
هناء وقفت مكانها، ضهرها ليهم، وكتفها بيترعش من كتمة العياط، لكن باهر مِرجمش ضعفها، وكمل وهو بيبص لنيرة وسامح كأنه بيعتذر لهم عن "المنظر" اللي معاه:
— "شوفتوا؟ ده اللي فالح فيه.. 'قمصة' العيال الصغيرين والهروب. اقعدي يا هناء كملي فضيحتنا، بلاش حركات 'البيئة' دي قدام نيرة وسامح. إنتي فاكرة إنك لما تمشي وتسيبينا هصعب عليكي؟ بالعكس، ده أنا لسه هبدأ السهرة بجد وأنا مش شايف وشك اللي بيجيب الهم ده."
نيرة كانت بتبص لهناء من فوق لتحت بابتسامة شماتة، وباهر لاحظ ده فحب "يزود العيار" عشان يرضي غرور نيرة أكتر، فزعق في هناء قدام الجرسونات:
— "خدي الولد واطلعي استني في العربية، وأوعي تفتحي التكييف عشان بنزين العربية خسارة فيكي وفي نكدك. وقبل ما تمشي، هاتي المحفظة من شنطتك عشان أدفع الحساب، أصلك حتى دي مش فالح فيها، شايلة المحفظة وكأنك شايلة كنز وإنتي أصلاً عايشة بفلوسي."
هناء لفت وبصت له، عيونها كانت حمراء زي الدم، طلعت المحفظة وحطتها على التربيزة بإيد بتترعش، ومن غير ولا كلمة خدت ابنها وخرجت تجري وهي حاسة إن المطعم كله بيدوس على كرامتها مع كل خطوة.
لو قريت القصه صلى على الحبيب ولو لا اكتب اكمل.
قاعدت ورا الباب ساندة راسي على الخشب الساقع وأنا سامعة صوت تكة المفتاح وهو بيتلف مرتين، تكتين كانوا كأنهم ختم نهائي على حكم بالسجن، بس السچن المرة دي مش أربع حيطان، السچن كان جوه صدري، في اللحظة اللي عرفت فيها إن أمي بټموت وأنا مش جنبها، وإن الإنسان اللي المفروض يكون سندي اختار يبقى السجان، فضلت أصرخ وأنادي على عادل وأقوله دي أمي يا راجل حرام عليك لكنه كان بيرد بكلام حافظه زي الطالب الخايب، يقول أمي قالت وأمي شايفة وأمي أدرى، وكأن أمه بقت إله صغير بيحركه بخيط، والساعات عدت تقيلة وأنا بخبط على الباب لحد ما إيديا جابت ډم، وفجأة سمعت صوت حماتي نعمات وهي بتعزي في التليفون وبتقول إن عندي مغص ومقدرتش أروح، ساعتها بس فهمت إن أمي ماټت وأنا محپوسة، الدنيا اسودت ومابقتش شايفة غير صورة أمي وهي خارجة من بيتها للمرة الأخيرة من غير ما تبص في وشي، الليلة دي كانت أطول ليلة في عمري، فضلت أبكي لحد ما دموعي نشفت وبقيت مجرد حجر، تاني يوم فتحوا الباب مش عشان يواسوني لكن عشان يذلوني أكتر، ضړب عادل وإهانات نعمات وكلامها عن الأدب والتربية خلاني أفهم إن اللي حصل مش لحظة ڠضب، ده نظام كامل بيتبني على كسري، ولما حطت الشرط قدامي إني أروح أنضف شقة عبير الأول قبل ما يسمحوا لي أروح العزا حسيت إني واقفة على حافة هاوية، يا إما أرفض وأضيع حتى نظرة أخيرة لبيت أمي، يا إما أقبل وأدوس على كرامتي، ساعتها سكت، مش ضعف لكن تركيز، لبست هدومي السودا وروحت شقة عبير، دخلت وأنا حاسة إني داخلة معركة، عبير قاعدة تتأفف وتدي أوامر، وأنا مسكت المقشة وبدأت أنضف بس عقلي كان شغال أسرع من إيديا، افتكرت كل كلمة اتقالت وكل ضړبة اتاخدت وكل دمعة نزلت، وافتكرت قبلهم سنين كنت فيها بشتغل وبساعد عادل في مصاريف البيت وهو عاطل، وافتكرت إن الشقة اللي ساكنين فيها نصها
باسمي عشان كنت مشاركة في القسط، وافتكرت إن معايا نسخة من عقد الشراكة، وافتكرت كمان إني سايبة شغلي بعد الجواز بإلحاح منهم، وأنا بمسح الأرض بصيت في المراية وشفت واحدة غير نورهان اللي دخلت البيت ده من سنين، واحدة عينيها ناشفة ومفيهاش خوف، خلصت التنضيف وطبخت، لكن قبل ما أمشي مسكت تليفوني وبعت رسالة طويلة لأخويا الكبير وطلبت منه ييجي ياخدني من قدام شقة عبير من غير ما حد يحس، وفعلاً بعد ساعة عادل جه ياخدني على العزا، ركبت معاه وأنا ساكتة، دخلت بيت أمي والناس بتعزيني وأنا واقفة ثابتة، خدت عزاي وشميت ريحة البيت وحطيت وشي في طرحة أمي القديمة وحسيت إني بوعدها وعد، لما رجعت البيت مكنتش نفس البنت اللي خرجت، استنيت يومين بهدوء، لا خناقات ولا صړيخ، ولما عادل خرج الشغل جمعت هدومي وأوراقي ونزلت على بيت أهلي، سبت له جواب على الترابيزة بقوله فيه إن الجواز اللي يتحول لسجن ميبقاش جواز، وإن اللي يختار أمه عليا في مۏت أمي يستحمل يعيش معاها لوحده، بعدها بأسبوع رفعت قضية طلاق للضرر، وقدمت تقرير طبي يثبت الضړب، وشهود من الجيران سمعوا صړيخي يوم الحبس، والمحامي بلغهم إن في عقد شراكة في الشقة، وإن نصها حقي، وإن في محضر حبس واعتداء، فجأة البيت اللي كانوا فاكرينه مملكة نعمات بقى مهدد، وعادل بقى يجري ورايا يحاول يصالح ويقول إنه كان تحت ضغط أمه، بس أنا كنت خلصت، الألم علمني، بعد شهور خدت حكمي بالطلاق ونصيبي من الشقة وبعتّه وفتحت مشروع صغير باسم أمي، محل تفصيل بسيط كنت بحلم بيه زمان، وسميتّه “بيت الحاجة فاطمة”، وكل مرة زبونة تدخل وتقولي ربنا يرحمها أبتسم وأقول آمين، نعمات حاولت تشوه صورتي وتقول إني خرّبت البيت، بس الحقيقة كانت واضحة، البيت اللي يقوم على الظلم لازم يقع، وعادل عاش مع أمه زي ما اختار، وسمعت بعد سنة إن عبير اطلقت ورجعت عندهم، والدنيا ضاقت عليهم زي ما ضيقوها عليا، أما أنا فكنت كل يوم بقف قدام صورة أمي وأقول لها حقك ما راحش، يمكن محضرتش دفنتك ولا غسلتك، لكن خدت حقي وكرامتي وماسمحتش لحد يبيعني تاني، واتعلمت إن السكوت وقت التخطيط قوة، وإن أقسى لحظة في العمر ممكن تكون هي البداية الحقيقية للحياة.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق