القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 هـوس النقـاء كـاملة 



هـوس النقـاء كـاملة 

طلعتني من السرير الساعة تلاتة الفجر عشان تحط وشي في كوباية مش مغسولة؟ أنت اتجننت؟ أنا راجعة من شغلي الساعة عشرة بليل ونسيت أغسلها ببساطة! أنت بتعمل كدة قاصد، مش كدة؟ عايز تهلكني عشان ميبقاش فيا حيل أحاربك، وأبقى سهلة في الإيد.. كفاية رعب لحد كدة، أنا مش عايشة في معسكر جيش، ولا أنا السجينة بتاعتك!

إنتِ فاكرة إنك ممكن تنامي قبل ما تخلصي اللي وراكي؟

صوت تكة مفتاح النور قطع سكون الأوضة زي طلقة رصاص. وفي لحظة، عيون إنجي اتحرقت من فيضان النور الأبيض اللي ملوش رحمة. مكنش نور وناسة هادي حد بيولعه في طوارئ، ولا خيط نور جاي من الشارع.. ده كان النجفة الكبيرة اللي وائل غير لمضها الأسبوع اللي فات بلمض ليد قوية جداً، وكان بيتحجج إن النور الدافئ بيخلي الناس كسلانة وبيداري التراب.

إنجي غمضت عينيها بقوة، ورفعت إيديها تداري وشها، متوفرة على روايات و اقتباسات بس الضلمة اللي كانت مستخبية فيها تحت اللحاف اختفت في شدة واحدة عنيفة. اللحاف اتمزع من فوق جسمها، وساب جلدها اللي لسه دفيان من النوم للهوا الساقع. لمت نفسها غريزياً، ورفعت ركبها لصدرها، وبتحاول تفتح عينيها اللي بتدمع من النور عشان تركز.

بقلم مني السيد 

وائل كان واقف عند رجلين السرير.

مكانش شكله واحد لسه صاحي من النوم.. كان لابس بيجامة كاروهات مكوية بالمسطرة، ومقفل الزراير لحد الزور. مفيش كسرة واحدة في لبسه، ولا شعرة واحدة منكوشة. واقف زي العسكري، بيبص لمراته بنظرة قرف ممزوجة بشفقة، زي ما يكون جامع تحف بيبص لصرصار ماشي في مكان مش مكانه. 

قال ببرود قومي.

صوته كان هادي، واطي، مفيهوش أي أثر للنوم.. كان شبه صوت حديد بيحك في حديد.

وهي لسه مشوشة،


إنجي بصت لساعة المكتب.. الأرقام الخضراء كانت بتنور في الضلمة 314. لعقله لثواني رفض يصدق إن ده حقيقي.

قالت بصوت مبحوح، وقلبها بيدق في زورها وائل؟ في إيه؟ في حريقة؟ حد جرى له حاجة؟

رد بجمود أوضاع أسوأ.. فوضى. أنتِ عملتي فوضى يا إنجي، ودلوقتي هتصلحيها. حالاً.

قرب منها، ولف حوالين السرير، وضله نزل على وشها لثانية رحمها فيها من زغللة النجفة. وقتها استوعبت.. مفيش طوارئ، مفيش تليفون جيه بليل، مفيش كارثة. 

مفيش غير وائل.. وجنونه.

شريط اليوم اللي فات عدا قدام عينيها وردية شغل ممدودة لحد الساعة عشرة، رجليها اللي كانت واجعة من الوقفة، ساندوتش كلته وهي واقفة، وشاي ملحقتش تشربه قبل ما النوم يسرقها. افتكرت لما رمت نفسها على السرير بهدومها، وبعدين قامت بالعافية غيرت ونامت تاني.

مصحيني تلاتة الفجر عشان كوباية مش نظيفة؟ أنت تعبان يا وائل؟ أنا جاية من الشغل عشرة بليل ونسيت أغسل كوباية واحدة! أنت بتعمل كدة عشان تكسرني، صح؟ بتسهرني عشان أمشي زي الزومبي وأسمع كلامك؟ أنا خلاص تعبت، ده تعذيب.. أنا مش في الجيش ولا في سجن!

حاولت تشد ملاية السرير تداري نفسها من نظراته الباردة اللي بتخترقها، بس وائل قفش القماش قبل ما تشده. وشه ماتهزش، ولا عضلة واحدة اتفاعلت مع زعيقها.. كان واقف زي خرسانة مسلحة.

بدأ يسمع الكلام كأنه بيقرا من كتالوج تعليمات الهستيريا دي دليل ضعف وقلة انضباط.. أنتِ كسرتي القواعد. المطبخ منطقة معقمة. متوفرة على روايات و اقتباسات كوني أسيب مواعين وسخة ده معناه إني بسمح بالعفن.. دي ظروف غير صحية. قمت أشرب مية لقيت المنظر ده.. فاكرة إني هعرف أنام وأنا عارف إن على بعد تلاتة متر مني في تفل شاي بيتخمر في الحوض؟


صرخت فيه، ودموع القهر نزلت على خدودها كنت اغسلها أنت! أنت عندك إيدين! مش هتاخد منك عشر ثواني!

مش أنا اللي وسختها. وطى ومسك معصم إيدها بقوة كانت كفيلة تسيب علامات زرقاء.. صوابعه كانت ناشفة وساقعة. والموضوع مش موضوع عشر ثواني، الموضوع موضوع انضباط. لو نظفت وراكي، مش هتتعلمي حاجة. هتبدأي تفتكري إن ده عادي، إنك ترمي حاجتك في أي حتة وتطنش نظام البيت.. لا يا حبيبتي، قومي.

شدها ناحيته.

إنجي غرست كعوب رجليها في المرتبة، بس مكنتش قد قوته. وائل كان يبان نحيف، بس كان فيه قوة غشيمة، قوة بشعة لأنها متغلفة بالنظافة والبرود. سحلها من على السرير كأن ملهاش وزن. رجليها الحافية لمست الأرض السيراميك، والرعشة مشيت في عضمها.

وقفت بقميص نوم مكرمش، وشعر منكوش، بتترعش من الإهانة والسقعة. وقدامها راجل متقفل لحد رقبته، متسرح ومنمق، لدرجة تخليها عايزة ترجع. مكنش فيه غضب في عينيه، اللي كان فيها أوحش يقين مريض زي المحققين اللي بيعتقدوا إن التعذيب هو اللي بيخلص النفوس.


حاولت بآخر أمل في العقل أنا لازم أصحى الساعة ستة ونص.. يا وائل، إحنا في فترة تقفيل الميزانية في الشغل، أنا محتاجة أنام.. أرجوك، هغسلها الصبح أول ما أصحى، أوعدك.

رد بسرعة على الصبح هتكون الميكروبات اتضاعفت بشكل مرعب.. والعقاب اللي بيتأجل بيفقد قيمته التربوية. يلا قدامي.

لف وسحبها وراه للطرقة. إنجي اتكعبلت في طرف السجادة وكانت هتقع، بس لحقها.. مش عشان يساعدها، بس عشان تفضل ماشية. مكنتش حاسة إن ده جوزها، كانت حاسة إنها مريضة بيسحلوها لأوضة الكشف.

سيبني، أنت بتوجعني! تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

رد ببرود وهو بيفتح باب الأوضة الوجع بيقوي الذاكرة.. عشان المرة الجاية تفكري مرتين قبل ما

تسيبي كوباية. بكرة تشكريني، النظام في البيت يعني نظام في العقل، وأنتِ عقلك فوضى يا إنجي.. فوضى كبيرة. متوفرة على روايات و اقتباسات

طلعوا الطرقة. نور تاني ضرب في وشها.. وائل بيكره الضل، مفيش ركن مطفي في شقته، مفيش مكان تستخبي فيه. كل حاجة مكشوفة.. كل حاجة تحت السيطرة. الجزم مرصوصة بالملي، الهدوم متعلقة بالطول واللون.. وإنجي، حافية ومش قادرة تفتح عينيها، بتتسحل لمكان الجريمة.

في آخر الطرقة، باب المطبخ كان مفتوح وضلمة. وائل مشي ناحيته من غير ما يهدي، وهي بتجرجر رجليها وراه عشان دراعها ميتخلعش. في اللحظة دي كرهت ضهره، كرهت شعره المترتب، كرهت ريحة المنظفات اللي طالعة منه. كانت عايزة تغرس سنانها في رقبته، بس جسمها المشلول من قلة النوم وخوفها من بروده خلوها تستسلم.

هنصلح كل حاجة دلوقتي، وائل همس وهو بيفتح باب المطبخ، هنرجع التناغم للبيت.. هتحسي إنك بتتنفسي أحسن لما مصدر التلوث ده يختفي.

دخلوا، وولع النور.

نور المطبخ كان أشد وأقوى من الأوضة. النور كان بيخبط في المطبخ الألوميتال الأبيض اللامع والأجهزة الاستانلس، فخلى المكان كأنه معمل تحاليل. مفيش ريحة أكل، مفيش دفا.. الهواء ريحته كلور وملمع زجاج. وائل كان فخور بالريحة دي، بالنسبة له دي ريحة الطهارة، وبالنسبة لإنجي دي كانت ريحة الرعب.

متوفرة على روايات و اقتباسات

وقفها قدام الحوض، وضغط على كتفها عشان تثبت في المكان اللي هو عايزه بالظبط. رجليها الحافية اتزحلقت على البلاط الساقع. لفت دراعاتها حوالين نفسها وبصت في الأرض.

في نص الحوض الاستانلس، كانت الكوباية. كوباية سيراميك عادية، بيضاء، عليها رسمة قطة تافهة إنجي كانت شارياها لنفسها من سنة. في القاع كان فيه حلقة ناشفة من الشاي، وعلى الحرف فيه أثر روج خفيف..

 

علامة تعبها بتاع امبارح.

بالنسبة للعالم، دي ولا حاجة.

بالنسبة لمطبخ وائل، دي جرح ملوث.

بصي، قالها وهو مقرب من ودنها بصوت ناعم يخوف. شعر جسمها وقف.

بصي كويس يا إنجي، شايفه إيه؟

همست وهي سنانها بتخبط في بعض كوباية.. مجرد كوباية يا وائل. أبوس إيدك، خليني أغسلها وأرجع أنام.

لأ، أنتِ مش شايفة. ضغط بإيده على قفاها، ونزل راسها لحد ما وشها بقى قريب من الحنفية الساقعة. الإهانة خلت معدتها تتقلب.. كأنه بيأدب حيوان أليف على غلطة عملها على السجاد. أنتِ شايفة جماد، أنا شايف حضانة. فات خمس ساعات يا إنجي.. خمس ساعات في درجة حرارة الغرفة. عارفة إيه اللي بيحصل للمواد العضوية في الرطوبة في الوقت ده؟

غمضت عينيها وهي حاسة بغثيان.. مش من الشاي، منه هو. من قربه، من نفسه المنتظم، من يقينه المرعب.

كمل محاضرته بكتيريا.. جراثيم عفن.. بدأوا يشتغلوا خلاص. أنتِ سبتي وسط غذائي ليهم. رُحتي نمتي واتغطيتي، وفي بيتي، في مطبخي، في نشاط بيولوجي بدأ. أنتِ فاهمة يعني إيه قلة نظافة؟ فاهمة إننا بنتنفس جراثيم بسبب كسلك؟

همست وهي بتحاول تفرد ضهرها بس إيده كانت منعاها ده شاي.. مبيعملش عفن في خمس ساعات.. أنت بتقول كلام مش منطقي...

ماتجادليش وأنتِ واقفة في القذارة! نتر فيها وصوابعه غرزت في رقبتها. القذارة مش بقعة، القذارة حالة عقلية.. استهتار. النهاردة تنسي كوباية، بكرة تنسي تشدي السيفون، وبعده نلاقي صراصير ماشية معانا. هو ده اللي عايزاه؟ عايزة تقلب الشقة دي لمزبلة زي اللي كنتِ عايشة فيها؟

دي كانت الضربة اللي عارف إنها بتوجع.

وائل عارف كويس إن إنجي تربت في شقة ضيقة ومكركبة مع أهلها، وإنها طول عمرها كانت بتتكسف من الزحمة دي. فتح الجرح ده قاصد، وبمنتهى القسوة.

أخيراً شال إيده من على

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

رقبتها، بس مابعدش. مد إيده وفتح الحنفية لآخرها، المية نزلت بضغط عالي في الحوض وطرطشت مية ساقعة على وشها. اتنفضت بس ملقتش مكان تروح فيه، هو كان واقف وراها زي الحيطة.

أمرها اغسليها.

إنجي مدت صوابعها المرتعشة للسفنجة.. كانت ناشفة ونظيفة تماماً. وائل كان بيغيرها كل تلات أيام عشان متبقاش بؤرة ميكروبات.

مش كدة، قال بحدة لما لقت نفسها بتمد إيدها للكوباية. إيه، كنتِ ناوية تشطفيها بس؟

عايزني أعمل إيه تاني؟ لفت وشها ليه والدموع محبوسة في عينيها. بص لها كأنه باصص في لوح زجاج.

قال بكلمات واضحة وقاطعة الحوض.. الكوباية كانت في الحوض. الشاي نقط على الاستانلس. والطرطشة وصلت للرخام. المنطقة دي كلها اتلوثت. أنتِ مش بتغسلي كوباية يا إنجي، أنتِ بتعقمي المطبخ.

فتح الضلفة اللي تحت الحوض. كل حاجة مترتبة بالملي أزايز المنظفات مرصوصة بالطول والعلامة التجارية باصة لقدام. طلع إزازة منظف قوي، وحطها قدامها برزعة.

البسي الجوانتي.. وادعكي. عايز أشوف وشي في الاستانلس ده، ومش هترجعي السرير إلا لما ده يحصل.

يا وائل أرجوك.. اتوسلت له وهي حاسة إن ركبها هتخونها من التعب. مش قادرة.. إيدي بتترعش، هكسر حاجة. أرجوك، بكرة.. هجيب شركة تنظيف، هعمل اللي أنت عايزه، بس سيبني أنام ساعتين.

لأ. ربع إيديه وسند بضهره على الرخامة. هتعمليها دلوقتي.. وبإيدك. ده درس يا حبيبتي.. الشغل بيبني الشخصية، وبيعالج النسيان. خدي السفنجة. 

إنجي بصت له ومبقتش عارفة الراجل اللي حبته في يوم من الأيام. اللي واقف قدامها ده مش جوزها، ده سجان.. مكنة متبرمجة تدمر أي حاجة مش ماشية على نظامها. وشه كان هادي، بس في سواد عينيه كان فيه متعة قديمة وبشعة.. متعة السيطرة على إنسان تاني.

ببطء،

كأنها بتتحرك تحت المية، لبست الجوانتي البلاستيك الساقع. مسكت إزازة المنظف التقيلة.. ريحة الكلور النفاذة خبطت في مناخيرها وخلت عينيها تدمع أكتر.

قال وائل متوفريش في المنظف.. حطي اللي يكفي عشان يقتل أي حاجة حية.

إنجي ضغطت على الإزازة، ونزلت كمية كبيرة من المنظف الكاوي على السفنجة. الرغوة بدأت تظهر.. ووائل لسه واقف ورا كتفها، بيراقب كل حركة، بيتأكد إنها مسابتش سنتي واحد. مكنش فارق معاه إنها مهدودة، مكنش فارق معاه شغلها ولا وجعها ولا مشاعرها. الحاجة الوحيدة اللي كانت تهمه هي لمعة الاستانلس.. السطح اللي هيشوف فيه انعكاس وشه المشوه والراضي عن نفسه.

مدت إيدها للكوباية.. صوابعها وهي جوه الجوانتي البلاستيك المبلول كانت متبنجة، بالعافية قدرت تقبض على الإيد السيراميك. الكوباية في إيدها كان ليها وزن غريب، كأنها صب حديد. مابقتش مجرد حتة فخار، دي بقت رمز ل العبودية بتاعتها.. دليل مادي إنها مجرد آلة في البيت ده، وظيفتها تخدم وسواسه القهري.

بحرص شوية، صوته جيه لزج عند ودنها. في حلقة جوه.. أيوة هي دي. ادعكيها بذمة، لازم تحسي إن الوسخ بيطلع.

إنجي اتصنمت.

صوت المية وهي بتخبط في قاع الحوض اتحول لزئير مرعب في ودنها. فضلت باصة للرغوة وهي بتدوب أثر الشاي، وفجأة استوعبت إنها مش قادرة تكمل.. مش جسدياً، لا.. نفسياً. في حاجة جواها، كانت مشدودة زي الوتر بقالها شهور، بدأت تتهز بعنف.. وخلاص، هتقطع.

السفنجة اتعصرت في إيدها، ونزلت فيضان من الرغوة اللي ريحتها تخنق. كانت شبه قلبها في السنتين اللي عاشتهم في الجوازة دي.. مضغوط، ساكت، مبيطلعش منه غير خضوع مكتوم. بس الخضوع خلص خلاص.

بصت للكوباية البيضاء اللي عليها رسمة القطة، والرسمة الرقيقة دي فجأة بقت أرذل حاجة شافتها في

حياتها. وائل كان مستني.. واقف وراها بالملي، أنفاسه في قفاها، بيتلذذ بلحظة السيطرة التربوية المطلقة. كان مستني يسمع صوت خربشة السفنجة على السيراميك.. صوت انتصاره.

بس اللي حصل إن إنجي، وبمنتهى البطء والقصد، رفعت الكوباية من الحوض.

المية كانت لسه بتطخ في الحوض الاستانلس، بس هي مابقتش سامعة. لفت بوشها كله لجوزها. حركتها كانت تقيلة وهادية، كأنها ماشية تحت المية.

وائل رفع حاجب واحد، وعلى شفايفه نفس الابتسامة المتعالية اللي بيديها لها لما تطبق الفوط بالمسطرة.

هز راسه برضا وقال إيه، قررتي تمسحيها من بره الأول؟ كويس.. والقاع كمان محتاج

ملحقش يكمل.

إنجي رفعت إيدها اللي ماسكة الكوباية لحد مستوى كتفها، ومع نفس خارج من قلبها، رمتها بكل قوتها للأرض. مش في الحوض، ولا على الرخامة.. رمتها تحت رجلين الجلاد بتاعها، على السيراميك اللي بيلمع زي المراية.

صوت الانفجار في المطبخ الضيق كان زي صوت قنبلة. السيراميك مكسرش بس، ده اتفتفت. الشظايا طارت في كل حتة.. خبطت في رجلين الكراسي، في الوزرة، في ضلف المطبخ اللامعة. حتة كبيرة ومشرشرة عليها وش القطة ردت من الأرض وجرحت رجل وائل، سابت خط أحمر رفيع.

سكون رهيب ومقبض ملى المطبخ، مكسرهوش غير صوت شلال المية اللي لسه شغال.

بقلم مني السيد 

وائل اتسمر في مكانه. وشه اللي كان منفوخ ثقة وبرود من ثانية، بقى لونه زي الورق الأبيض. فضل باصص للكسر اللي غرق أرضه المقدسة، وعينيه وسعت برعب حقيقي. مكنش رعب من مراته، كان رعب الكاهن وهو بيشوف معبده بيتنجس.

صوته طلع مخنوق، ولأول مرة فقد بروده المعدني أنتِ.. أنتِ كسرتايها.. ده سيراميك مستورد.. أنتِ فاهمة عملتي إيه؟ قلبتي البيت زريبة!

إنجي بدأت تقلع الجوانتي ببطء.. اليمين، وبعدين الشمال. رمتهم في الحوض، فسدوا المجرى. المية بدأت تعلى

 

بسرعة، وتختلط بالرغوة الوسخة، بس هي مكنش فارق معاها.

زريبة؟ كررت الكلمة ببرود يخوف، صوتها كان أهدى بكتير من رعب وائل، بس كان فيه تهديد خلى وائل يرجع لورا غصب عنه وهو بيدوس على الكسر بكعبه. لأ يا وائل.. دي مش زريبة. دي حرية.

خطت فوق بركة المية وقربت منه جداً. الصدمة خليته ينحني شوية وهو باصص للدمار، فبقوا في نفس الطول تقريباً. إنجي بصت في عينيه، مكنش فيه نوم، ولا خوف.. كان فيه كره صافي وواعي.

هست في وشها فاكر إن ده تربية؟ فاكر إنك بتعلمني النظام؟ لأ.. أنت مجرد مريض بيتغذي على إهانة الناس. أنت مش دقيق يا وائل، أنت سادي بتداري شهوتك في التحكم ورا شعارات النظافة.

صرخ وائل وهو بيحاول يسترد سيطرته اسكتي! أنتِ هببتي إيه! بصي للأرض! مين هينظف القرف ده؟

قالت إنجي وكل كلمة بتنزل زي الحجر مش فارق لي مين هينظفه.. الحسه بلسانك لو عايز. أنا خلاص مش هلعب معاك تاني. أنا مش عسكري في معسكرك، ولا سجينة في زنزانتك المعقمة. مصحيني في نص الليل عشان كوباية؟ بجد؟ بتهد نومي وصحتي وعقلي عشان حتة فخار ب تعريفة؟

وشه بقى عليه بقع حمراء من الغل وصاح فيها النظام هو أساس البيت! من غير نظام مفيش حاجة! أنتِ مهملة! أنتِ وسخة! مابتعرفيش حتى تديري بيت!

ضحكت إنجي ضحكة ناشفة كأنها بتهوهو بيت؟ ده مش بيت يا وائل.. دي أوضة عمليات. أنت عايش في متحف عامله لنفسك. أنت مش بتحبني، أنت بتحب رصات الهدوم ولمعة الحنفيات. أنت متجوزتش ست، أنت اتجوزت وظيفة تنظيف. بس عارف إيه؟ الوظيفة باظت. الروبوت بطل يشتغل.

شاطت حتة سيراميك كبيرة برجلها، فجريت على الأرض وعملت صوت صرير لحد ما خبطت في التلاجة. وائل اتنفض كأنها شاطته هو.

صوت وائل طلع مسرسع من الصدمة إياكي! أنتِ بتجرحي الأرضية! وقفي الجنان ده حالاً! هاتي المقشة.. حالاً!

ميلت راسها وبصت له بفضول ساخر وإلا إيه؟ هتعمل فيا إيه؟ هتخليني أغسل الوزرة بفرشة سنان؟ هتمنع عني العشا؟ هتحطني في الركن؟ أنت غلبان أوي يا وائل.. مجرد طاغية صغير ومهزوز بيخاف من ذرة تراب أكتر ما بيخاف من يوم القيامة.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

أنا أعيش في خرابة وسط الفيران والزبالة، ولا أعيش دقيقة واحدة تانية في المقبرة دي مع مريض زيك.

حاول يمسك كتفها مش هتخرجي من هنا إلا لما تنظفي ده!، بس إنجي نفضت إيده بقوة.

قالت بهدوء خلاه يترعش ماتلمسنيش.. إياك تلمسني بإيدك المعقمة دي تاني. كنت عايز نظافة؟ كنت عايز تخلص من القذارة؟ مبروك.. أنا القذارة اللي بوظت عالمك المثالي.. وأنا ماشية.

مش هتقدري، وائل كان بيتهته وهو باصص للكسر كأنه باصص لحياته وهي بتنهار، إحنا في نص الليل.. ملكيش حق.. لازم...

قاطعته مش لازم أعملك أي حاجة. الحاجة الوحيدة اللي كانت عليا هي غسيل الكوباية.. والكوباية راحت. يبقى المشكلة راحت هي كمان.

لفت عشان تمشي، بس عينيها وقعت على باسكت الزبالة الاستانلس اللي بيلمع تحت النور. آخر حصون نظامه. فكرة طرأت على بالها، فكرة مجنونة لدرجة إنها خليتها تبتسم. لو ماشية، لازم تسيب له حاجة ميتنسيش.. حاجة يشوفها كل ما يدخل المطبخ ده، مش يشوف لمعة المعدن، يشوف اللحظة دي.

خطت ناحية الباسكت. وائل شاف نظرتها وحس إنه نفسه انقطع.

همس برعب كأنه فهم إنجي.. لأ.. بلاش دي...

بس إيدها كانت سبقت.

وائل هجم عليها، نسي برستيجه ووقاره. وشه اتعصر، وبوقه اتفتح بصرخة مكتومة، ومد إيده يمسك معصمها. بس خلاص.. مكنش فيه أي ضعف في جسم إنجي، كان فيها بس دقة الجراح وهو بيفتح خراج. داست على دواسة الباسكت برجلها، الغطا اتفتح ب تكة ناعمة، وظهرت الشنطة السودة المنفوخة بزبالة امبارح.

صرخ وائل بصوت مسرسع إياكي! ده خطر بيولوجي! أنتِ مش عارفة بتعملي إيه!

إنجي مسمعتش. شدت الشنطة البلاستيك بكل قوتها، كانت تقيلة ومكبوسة، لأن وائل كان دايماً بيضغط الزبالة عشان يوفر في الشنط. وبحركة واحدة واسعة، كأنها بتبذر بذور في غيط، قلبت الشنطة في نص المطبخ.

صوت لغوصة مكتومة حصل، خلى جسم وائل يتنفض كأن كهرباء لمسته. محتويات الشنطة نزلت فوق كسر الكوباية، وفرشت على السيراميك المستورد. قشر بطاطس، تفل قهوة مبلول، ورق فويل عليه دهون فراخ، فتل شاي لزجة، علب زبادي فاضية.. كل ده

نزل في كومة واحدة ريحتها تقلب البطن تحت رجلين وائل الحافية.

ريحة الخضار المحمض والقهوة اختلطت بريحة الكلور الغالية، وعملوا كوكتيل يقرف.

وائل فضل واقف مكانه.. رافع رجل واحدة زي أبو قردان، خايف ينزلها في التلوث ده. عينيه كانت هتطلع من مكانها. كان باصص لخط زيت نازل من الزبالة وماشي ناحية صباع رجله الصغير، برعب مبيحسهوش بني آدم طبيعي إلا لو في مسدس متصوب لراسه. عالمه اللي مرسوم بالمسطرة انهار في ثانية.

أنتِ.. أنتِ.. كان بيشهق وهو مش لاقي كلام. أنتِ حيوانة.. بصي عملتي إيه! دي بكتيريا! مليارات البكتيريا! دي بقت في كل حتة! في الفواصل! في الجو!

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

إنجي قالت بابتسامة شماتة وهي بترمي جردل الزبالة الفاضي فوق الكومة اتنفس بعمق يا وائل.. دي ريحة الحياة. الحياة اللي كنت بتحاول تخنقها بالكلور في الشقة دي. عجبتك؟

نظفي القرف ده! صرخ وهو بيدبدب برجله، بس اتزحلق فوراً في قشرة موزة، ولحق نفسه بالعافية وهو بيمسك في الرخامة. انزلي على ركبك ولمي كل فتفوتة بإيدك! مش هسيبك تخرجي! هتلحسي الأرض دي بلسانك، سامعة؟ هدمَّرك لو فضلت بقعة واحدة!

إنجي بصت له بقرف. اللي واقف قدامها ده لا راجل، ولا جوز، ولا رب أسرة.. ده مجرد كائن مهزوز بيترعش من بقعة زيت أكتر ما بيترعش من ضياع مراته. في اللحظة دي فهمت إنها عمرها ما حبته، هي حبت صورة الأمان اللي رسمها، والصورة طلعت فاضية من جوه.. مفيهاش غير رعب من الفوضى.

قالت بهدوء وثبات أنا مش هلمس حاجة هنا تاني. دي مملكتك يا وائل.. ده معبدك. ودلوقتي دي قواعدك.. اشبع بيها. متوفرة على روايات و اقتباسات

لفت وضهرها له عشان تخرج. وائل حاول يروح وراها، بس الطريق كان مسدود بحقل ألغام من الزبالة والشظايا اللي زي الموس. مقدرش يطاوع نفسه ويدوس حافي في القرف ده. الحاجز النفسي جواه كان أقوى من رغبته في إنه يوقف مراته.

زعق وراها وهو محبوس في مطبخه استني! رايحة فين؟ إحنا تلاتة الفجر! هترجعي! هتيجي تزحفي لما تعرفي إنك ولا حاجة من غيري! هتغرقي في الوساخة وتموتي من الفقر!


إنجي ماردتش. دخلت الأوضة اللي كان لسه نورها الأبيض بيحرق العين. حركتها كانت سريعة ومحددة. ملمتش شنطة سفر، ولا دورت على مكياج ولا بلوزات. شدت بنطلون جينز من على الشماعة ولبسته، ورمت فوقيها بلوفر، وخدت موبايلها من على الكومودينو. بطاقتها وفلوسها كانوا في شنطتها في الطرقة. ده كان كفاية.

من المطبخ كان طالع صوت لخبطة وهمهمة بائسة. وائل كان بيحاول يلم الزبالة بجاروف وهو بيشتم وبيبكي في نفس الوقت من القرف. حتى محاولش يجري وراها. النظام عنده كان أهم من مراته وهي ماشية. كان بينقذ السيراميك، مش بينقذ

جوازه.

طلعت الطرقة. الدنيا كانت هدوء وضلمة، مفيش غير خط نور جاي من المطبخ وقاطع الأرض. لبست الكوتشي من غير ما تربطه، ولبست جاكتها. إيدها كانت لسه بتترعش، بس جواها كان فيه راحة غريبة، كأن جبل انزاح من فوق صدرها.

إنجي! صوته جيه من المطبخ، مكنش صوت آمر، كان صوت مسرسع وبيعيط فين الجوانتي؟! عملتي إيه في الجوانتي البلاستيك؟! مش قادر ألمس الحاجات دي بإيدي!

وقفت عند الباب، إيدها على الأكرة الساقعة. لثانية جالها رغبة ترجع وتقول كلمة أخيرة.. تطلع كل الوجع بتاع السنتين تفتيش التراب، الخناق على الفوط الموروبة.. بس فهمت إن الكلام ملوش لازمة. هو عمره ما هيسمع غير صوت شياطينه.

همست للطرقة الفاضية دور عليه في الزبالة يا وائل.. ده مكانك.

فتحت الباب. صوت التكة كان أعلى من أي حاجة في الدنيا. طلعت على السلم، في الضلمة والهدوء، وريحة السلم العادية اللي فيها تراب وسجاير. بالنسبة لها، الريحة دي كانت أحلى من أغلى برفيوم فرنسي.

سمعت وراها صوت حاجة تانية بتتكسر.. يمكن وائل وهو بيحاول ينقذ الأرض خبط سكرية، أو يمكن خبط حياته.

إنجي رزعت باب الشقة الحديد وراها. الرزعة سمعت في العمارة كلها كأنها حكم نهائي. مأستنتش الأسانسير، نزلت السلم جري، درجتين درجتين، بعيد عن الجحيم المعقم، بعيد عن اللمض اللي ملهاش ضل، بعيد عن الراجل اللي بيحب النظام أكتر ما بيحب البشر.

قدامها كان الليل، والمجهول، وحرية.. حرية مكركبة، وناقصة، بس فيها روح.

النهاية 

 

تعليقات

close