القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 نعمة والست المجهولة



نعمة والست المجهولة

 

اسمي نعمة، عندي 19 سنة، وعايشة مع أهلي في شارع قديم في حي شعبي. شارعنا دايمًا زحمة ودوشة، ورش ومحلات وبياعين، وناس رايحة وناس جاية طول اليوم، وللأسف فيه كمان شحاتين وناس كتير بيقولوا عليهم "مجاذيب" عايشين في الشارع. الحكومة حاولت تمشيهم كذا مرة، لكن كل مرة كانوا بيرجعوا تاني كأن الشارع ده بقى بيتهم الحقيقي. وسط كل الوجوه الغريبة دي، كان فيه ست معينة كل الناس في الشارع عارفاها… ست في الأربعينات تقريبًا، شعرها منكوش، هدومها قديمة، لكن الحاجة اللي كانت مخلياها مختلفة فعلًا إنها دايمًا ماشية وهي شايلة تابوت خشب صغير فوق دماغها. محدش عارف جابته منين، ومحدش عمره شافها تحطه على الأرض. العيال الصغيرة كانوا بيجروا وراها


ويضحكوا ويغنوا بسخرية: "بصوا الست أم صندوق! بصوا الست اللي شايلة الميت!" وهي ولا كأنها سامعة حاجة. تمشي ببطء، عينيها باصة للفراغ، والتابوت متوازن فوق راسها بشكل غريب يخليك تحس إن فيه حاجة مش طبيعية. عمرها ما آذت حد، ولا طلبت فلوس، ولا اتخانقت مع حد. بس في نفس الوقت… كان في حاجة فيها تخوف أي حد يشوفها.

اليوم اللي غير حياتي كان يوم عادي جدًا في البداية. كنت راجعة من السوق شايلة كيسين خضار، والشمس كانت حامية لدرجة إن عرقي نازل على وشي. كنت بفكر بس إني أوصل البيت بسرعة وآكل لقمة دافية وأريح شوية. وأنا داخلة من بوابة البيت، حسيت بحد بيبص لي. رفعت عيني لقيتها هي… الست المجنونة واقفة في نص الشارع والتابوت فوق دماغها. أول


مرة أشوفها واقفة كده ومش ماشية. عينيها كانت مركزة عليّ بشكل يخوف. فجأة نادتني باسمي بصوت ناشف: "يا نعمة!" اتجمدت مكاني. قلبي دق بسرعة. إزاي عرفت اسمي؟ قبل ما أستوعب، قالت الجملة اللي لحد النهارده بتطاردني في أحلامي: "الدور عليكي… تدخلي الصندوق ده!" حسيت بقشعريرة عدت في جسمي كله. حاولت أضحك لنفسي وأقول يمكن بتهزر زي ما بتعمل مع العيال، لكن صوتها كان جاد بطريقة مرعبة. صرخت فيها: "بعد الشر! في وشك يا بعيدة!" وطقطقت صوابعي فوق راسي زي ما الستات بتعمل عشان يردوا العين والحسد، وبعدين جريت بسرعة ودخلت البيت وقفلت الباب ورايا.

جوه البيت لقيت أمي وأبويا قاعدين في الصالة. أمي بتهوي نفسها بجريدة، وأبويا ماسك الموبايل. قلت لهم


وأنا بنهج: "مش هتصدقوا الست المجنونة أم صندوق دي قالت لي إيه!" أبويا شال النظارة وسأل: "قالت إيه؟" حكيت لهم. أمي صرخت وقالت إنها مجنونة ومافيش داعي أفكر في كلامها. أبويا حاول يهديني وقال إن المجانين كتير في الشارع ومش لازم آخد كلامهم بجد. لكن المشكلة إن فيه حاجة افتكرتها وقتها… من حوالي 3 شهور، نفس الست قالت نفس الجملة لشاب ساكن في آخر الشارع. اسمه كريم. وقتها كل الناس ضحكت وقالوا إنها بتخرف… وبعد أسبوع واحد بس كريم مات فجأة. قالوا جلطة أو حاجة كده، بس الشارع كله فضل يحكي إن الست كانت عارفة. الليلة دي حاولت أنام، لكن الجملة فضلت تتكرر في دماغي: "الدور عليكي تدخلي الصندوق." كل ما أغمض عيني أحس إني شايفة التابوت فوق دماغها.


 

عدت أيام وأنا بحاول أنسى، لكن إحساس الخوف ما كانش بيروح. بقيت أتجنب الشارع اللي بتمشي فيه. مرة وأنا راجعة من الدرس، شفتها من بعيد. كانت واقفة قدام دكان عم سيد. أول ما شافتني ابتسمت ابتسامة غريبة… ومشيت. يومها حسيت إن رجلي مش شايلاي من الرعب. في نفس الأسبوع بدأت أحلم أحلام غريبة. كنت أحلم إني في شارع فاضي، والست ماشية قدامي، وبعدين توقف وتحط التابوت على الأرض وتفتح الغطا… ولما أبص جوه ألاقي نفسي أنا اللي نايمة جواه. كنت بصحى مفزوعة وقلبي بيدق بجنون. أمي قالت إن ده من التفكير زيادة. لكن الموضوع ما وقفش عند الأحلام. بعد كام يوم حصل حادثة في الشارع. عربية مسرعة خبطت واحد من الشحاتين. الناس اتلمت حواليه. وسط الزحمة شفت الست المجنونة واقفة بعيد، وبصت لي نفس البصة… وكأنها بتأكد إن الدور قرب.


في يوم قررت أعرف الحقيقة. سألت


عم سيد البقال: "يا عم سيد… الست دي حكايتها إيه؟" اتنهد وقال: "القصة دي قديمة يا بنتي. زمان كان ليها بنت صغيرة ماتت… من يومها وهي اتجننت وبقت شايلة التابوت." قلت له: "بس إزاي عرفت اسمي؟ وإزاي قالت نفس الكلام لواحد مات بعدها؟" عم سيد سكت لحظة وقال: "في ناس بتقول إنها بقت تشوف حاجات قبل ما تحصل." الكلام ده خلاني أخاف أكتر. لكن فضلت أسأل لحد ما عرفت عنوان بيت قديم كانت ساكنة فيه زمان. في ليلة قررت أروح أشوف المكان. البيت كان مهجور، الشبابيك مكسورة والتراب ماليه. وأنا واقفة قدامه سمعت صوت خشب بيخبط. بصيت لقيت الباب بيتفتح ببطء… وهي طالعة منه والتابوت فوق دماغها. اتجمدت. قربت مني وقالت بهدوء مخيف: "خايفة ليه؟ كلنا داخلين الصندوق في الآخر." قلت لها بصوت مرتعش: "إنتِ ليه قلتي إن دوري جه؟" سكتت لحظة… وبعدين نزلت التابوت من على

دماغها لأول مرة وشاورِت لي أبص جواه. قلبي كان هيقف. قربت وبصيت… ولقيت جواه صور قديمة لطفلة صغيرة… وصورة تانية ليا وأنا طفلة. رجعت خطوة للخلف وأنا مصدومة. قالت بصوت هادي: "أنا مش مجنونة يا بنتي… أنا بس شايلة ذكرى. اللي بيموتوا بشوفهم قبلها." قلت لها: "يعني أنا هموت؟" ابتسمت بحزن وقالت: "الموت مش دايمًا موت الجسد."

رجعت البيت وأنا دماغي بتلف. بعد أسبوع حصلت مشكلة كبيرة في حياتي. اكتشفت إن واحد قريب لينا كان بيخطط يضحك علينا وياخد فلوس أبويا في صفقة نصب. لو الموضوع تم كان هيضيع كل اللي نملكه. وقتها افتكرت كلام الست. "دورك تدخلي الصندوق." فهمت فجأة إن الصندوق مش لازم يكون موت حقيقي… ممكن يكون نهاية لحياة وبداية لحياة تانية. بلغت أبويا بالحقيقة، والموضوع اتكشف قبل ما يحصل. أبويا كان هيخسر كل حاجة… لكن ربنا نجاه. بعد ما


المشكلة خلصت، نزلت الشارع أدور على الست. مشيت نفس الطريق اللي بتمشي فيه… لكن ما لقيتهاش. سألت الناس… قالوا إنها اختفت من أيام. لا حد شافها ولا حد شاف التابوت.

مرت شهور، والحياة رجعت طبيعية. لكن أحيانًا وأنا ماشية في الشارع أحس إن فيه حد بيبص لي. أبص حواليّ ما ألاقيش حد. وفي ليلة وأنا راجعة متأخر، شفت حاجة خلّت قلبي يقف لحظة… على ناصية الشارع، تحت نور عمود كهربا ضعيف، كان فيه تابوت خشب صغير متسند على الحيطة… من غير ما تكون الست موجودة. قربت بخوف… ولقيت مكتوب عليه بقلم قديم كلمة واحدة: "الدور." ساعتها بس فهمت إن بعض الحكايات في الشوارع القديمة… ما بتخلصش أبدًا. وبعض الناس اللي بنفتكرهم مجانين… يمكن يكونوا شايفين الحقيقة قبلنا… ويمكن الصندوق اللي كانوا شايلينه طول عمرهم… كان بس مستني الشخص اللي هيفهم معناه في يوم من


الأيام.

 تمت 

تعليقات

close