القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

بدأ زوجي يجلب لي باقة من الزهور كل يوم جمعه

 


بدأ زوجي يجلب لي باقة من الزهور كل يوم جمعه





بدأ زوجي يجلب لي باقة من الزهور كل يوم جمعه


كنت أعرف ذلك البيت

عرفته حتى قبل أن يبطئ دان سيارته ويوقفها أمام الرصيف عرفته من الطريقة التي تلتمع فيها نافذته العليا حين تصعد الشمس قليلا من الظل المائل لعمود الإنـ ـارة على الجدار الحجري ومن صوت الريح الذي يمر دوما عبر شجرة القيقب الطويلة عند الحافة

وقف دان خارج سيارته أغلق الباب بهدوء غير معتاد ثم رفع ياقة معطفه كأنه يريد أن يختبئ من العالم لم يلتفت حوله لم يتردد بدا كأنه يعرف أين يضع قدمه وكيف يسير وكيف يفتح ذلك الباب الخشبي الذي كنت أظنه لم يعد يخص حياتنا منذ سنوات

وقفت داخل سيارتي لثوان بدت كأنها دقائق طويلة لا تنتهي

لم تتحرك يداي عن المقود

كنت أسمع دقات قلبي أعلى من صوت المحرك


شعرت بنفسي أتنفس بسرعة بيدين ترتجفان دون إرادتي شيء ثقيل مر واقف في حلقي يمنعني من البكاء ومن الكلام ومن الفهم

ثم خرجت

لا أتذكر كيف

ربما تحركت قدماي بلا وعي ربما دفعتني حاجة مؤلمة لمعرفة الحقيقة وربما كنت خائفة جدا لدرجة أن الخوف دفعني بدل أن يشلني

طرقت الباب

مرة

ثم


مرة أخرى أقوى

كانت يدي ترتجف من شدة ما ينتظرني خلفه

وانفتح الباب

ولم تكن هي

كانت امرأة لا أعرفها وجهها هادئ رغم التعب وعيناها فيهما مسحة قديمة من القلق والأرق ابتسامتها كانت صغيرة لكنها كانت من النوع الذي يلمس القلب قبل أن يفهم معناه

قالت بصوت خافت وكأنها تعرف سبب وجودي

أنت زوجة دان أليس كذلك

لم تكن في نبرتها قسوة لم تكن فيه شماتة كان فيه شيء أقرب إلى الحزن أو الشفقة أو شيء لا يعرفه إلا من رأى الكثير من الوجع

أومأت برأسي دون أن أستطيع الكلام

فتحت الباب قليلا أكثر وأشارت بيدها

ادخلي دان بالداخل

كان قلبي يضـ ـرب صدري بقوة لكنني دخلت

كان المكان أشبه ببيت تحول إلى عالم آخرمزيج من بيت دافئ وغرفة علاج ومساحة محاطة بالعناية الدقيقة كانت الرائحة


خليطا بين مطهر خفيف ورائحة نباتات طازجة مزروعة في أوان صغيرة وبين عطر خفيف يشبه شيئا مألوفا كأنه رائحة الأمس

وفي منتصف الغرفة كانت هناك هي

إيريكا

لكنها لم تكن تلك المرأة التي عرفتها في الماضي لم تكن تلك التي كانت ابتسامتها تملأ المكان ولا تلك التي كانت خطواتها سريعة وكلماتها ثابتة

كانت الآن على سرير طبي رأسها يستند إلى وسادة عالية وجهاز مراقبة بسيط يلتقط أنفاسها الخفيفة وجهها نحيل حد الألم وعيناها فيهما شرود بعيد كأنها تنظر إلى مكان لا يراه أحد غيرها

وبجانبها

كان دان

يجلس على كرسي خشبي صغير منحنيا قليلا نحوها يقرأ من كتاب أطفال ملون كان صوته منخفضا دافئا ناعما الصوت نفسه الذي كان يقرأ به القصص لأطفالنا وهم صغار حين كانت الدنيا أجمل وأبسط

كنت واقفة هناك قرب العتبة لا أستطيع التقدم ولا التراجع

كنت أراه

أراه بكل تفاصيله انحناءة كتفيه الطريقة التي يحمل بها الكتاب النظرة في عينيه وهو يتفقدها بين كل جملة وأخرى وكأنه يتأكد أنها ما زالت تسمعه أو تشعر به

ومع ذلك حين التفت نحوي

رأيت في عينيه شيئا لم أره منذ سنوات


الأسف

الخوف من أن يجرحني

الرغبة في أن يشرح ولا يعرف كيف

وقفت صامتة كنت أشعر أن الهواء أثقل من أن يدخل صدري

اقتربت المرأة الهادئة مني وهمست بصوت يكاد يكون اعتذارا

إيريكا فقدت ذاكرتها بعد الحـ ـادث لا تتذكر سنوات طويلة من حياتها تتذكر فقط طفولتها ومن طفولتها تتذكر دان أكثر من أي شخص آخر وجوده يهدئ خوفها

نظرت إليها ثم إلى دان ثم إلى إيريكا الهادئة في سريرها

قالت المرأة متابعة

لم نخبرك لأن دان لم يكن يريد أن يثقل عليك كان يزورنا كل جمعة يقرأ لها يطمئن عليها كانت والدتها تقطف له الزهور من حديقتها ليعود بها إليك كنوع من الشكر

رفعت يدي نحو فمي دون وعي

لم أستطع الرد ولا الحركة ولا حتى التفكير بوضوح


كان كل ما رسمته في ذهني يتهاوى

كل مخاوفي تتبدد

وكل شكوك الأسابيع الماضية تعيد صياغة نفسها بحقيقة أكثر تعقيدا وأشد صدقا

اقتربت ببطء حتى أصبحت خلف دان مباشرة

توقف عن القراءة عند سماعي

التفت نحوي عيناه تملأهما دهشة ممتزجة بالألم وكأنه خائف أن أنهار أو أغضـ ـب أو أبكي

همس

كنت سأخبرك فقط لم أعرف كيف ولا أين أبدأ

نظرت إليه طويلا

وقالت الكلمات بنفسها دون أن أنطقها

لماذا تحملت كل تلك الشكوك وحدي لماذا لم أترك


فرصة للحقيقة

مددت يدي ولمست كتفه بخفة

كانت اللمسة كافية لينهار التوتر في كتفيه

جلست على الكرسي الآخر وبقيت صامتة

لم يكن هناك شيء يمكن قوله

كل شيء كان أكبر من الكلمات

نظرت إلي إيريكا فجأة بابتسامة صغيرة غير واعية وقالت

أتجلسين معنا لسماع القصة


أومأت لها

رغم أنها ربما لا تعرف من أكون إلا أن دعوتها تلك اخترقت شيئا عميقا في داخلي

جلست وتركته يكمل القراءة

كنت أراقبه أرى ذلك الرجل الطيب الذي أحببته الذي لم يخنني يوما بل كان يخفي إنسانية أكبر مما توقعت لا خطأ أكبر

مرت ساعة كاملة لكنها كانت كأنها سنوات من الفهم من إعادة بناء الثقة من التخلي عن الصراعات الصغيرة التي كادت أن تبتلع

كل شيء

وحين خرجنا كان الجو باردا قليلا

وقف دان بجانبي أمام سيارتنا يضع يديه في جيبيه كولد يشعر بالذنب

قال بصوت مكسور

لم أرد أن أجرحك كنت أخشى أن تظني أنني أعود للماضي لكن الأمر لم يكن كذلك كان واجبا أخلاقيا إنسانيا لم أستطع تركها هكذا

نظرت إليه طويلا



رجل أعرفه منذ ستة عشر عاما

ومع ذلك اكتشفت فيه اليوم نسخة لم أرها من قبل

قلت بصوت أكثر هدوءا مما تخيلت

كان يجب أن تخبرني لكنك لم تخطئ أنت فعلت شيئا طيبا شيئا يستحق الاحترام لا العقاب

اقترب خطوة وكأنه لم يتوقع السماح

رأيت في عينيه شيئا يشبه الامتنان والراحة والعودة

ومنذ ذلك اليوم

لم تعد أيام الجمعة أياما للزهور والشك

بل صارت أياما للزيارة للهدوء للعناية المشتركة

كنت أجلس قرب إيريكا أسمح لها أن تمشط شعري أو تكرر نفس السؤال للمرة العاشرة دون أن أشعر بالضيق

وكان دان يقرأ ويسقي النباتات ويشعرها بالأمان الذي تحتاجه

ومع الوقت

أصبحت الزهور التي يعود بها ليست مجرد باقات بل رسائل صغيرة من حياتنا الجديدة

أحيانا أجد نفسي أقف عند باب المطبخ بصمت أراقبه وهو ينحني قليلا فوق الحوض يملأ المزهرية بالماء البارد ثم يلتقط الباقة برفق لم أتخيله يوما منه يمرر أصابعه بين السيقان يزيل الأوراق الذابلة يعيد ترتيب الأزهار كأنها شيء ثمين يحتاج إلى يد تعرف معنى الصبر أراه يرفع إحدى الزهور نحو الضوء ليتأكد من سلامتها يبتسم بارتياح صغير ثم يعيدها إلى مكانها

في تلك اللحظات لا يكون دان زوجي فقط

بل يكون رجلا آخر رجلا كشفته لنا التجربة رجل ضميره أكبر من كل مخاوفي وأرق من كل ظنوني

أحدق في وجهه طويلا الوجه الذي ظننته أصبح مألوفا للغاية لكني اليوم أرى فيه ما لم أكن أراه من قبل


أرى الخطوط الصغيرة التي حفرها القلق التعب الذي يحاول إخفاءه عني الحزن الذي كان يحمله وحده كي لا يثقل علي

أرى كل سؤال لم يجبني عنه وكل جملة ابتلعها كي لا يجرحني وكل مرة فضل الصمت على التفسير لأنه كان يعتقد ولو خطأ أنه يحميني من القلق

أرى في وجهه كل ما لم يقله

كل ما خاف أن يخبرني به

كل ما ظن أنه سيهز عالمي إن عرفته فاختار أن يحمله وحده بصبر رجل يحاول أن يكون جدارا لا يتصدع

وحين ينتهي من ترتيب الزهور حين يرفع المزهرية ويضعها على الطاولة ثم يتراجع خطوة ليتأكد أنها في المكان المناسب يحدث شيء داخلي شيء صغير لكنه قوي

أفهم فجأة أن الحب ليس ما نظنه لسنوات

ليس تلك اللحظات السريعة التي تذكر وتنسى ولا الهدايا التي تعمينا عن التفاصيل ولا الوردة التي نضعها في مزهرية لنلتقط لها صورة جميلة

ليس الغيرة التي نظنها دليلا على الاهتمام ولا الوعود الكبيرة التي ننتظر أن تتحقق


الحب الحقيقي

هو ما يفعله الشخص حين لا يراه أحد

حين يكون وحده أمام ضميره لا أمام العالم

حين يختار أن يتحمل عبئا لا يطالبه أحد به

حين يبقى وفيا لفكرة الخير حتى لو ظن الناس حوله أنه مخطئ أو غامض أو يخفي شيئا سيئا

الحب هو الامتحان الصامت الذي لا يعرف عنه أحد والذي لا يصفق له أحد

وأدركت الحقيقة الأكثر قسوة وجمالا في اللحظة نفسها

أنني حين رأيته يدخل ذلك البيت شعرت كأن شيئا انكسر داخلي كأن حياتي كلها أصبحت كومة رماد

ظننت أنني فقدته

ظننت أنني رأيت في أوضح صورها

لكن الحقيقة

أنا لم أفقده في ذلك اليوم


بل وجدته بشكل أعمق أنقى وأكثر صدقا مما عرفته في أي يوم مضى

وجدت الرجل الذي يستطيع أن يختار الخير حتى وهو خائف

الرجل الذي يظل وفيا حتى حين يسيء الناس فهمه

الرجل الذي

لا ينتظر كلمة شكر ولا اعترافا ولا حتى قبولا لكنه يفعل ما يراه صوابا

في ذلك المطبخ أمام تلك المزهرية البسيطة

وجدت زوجي الذي أحببته منذ سنوات

ووجدت معه نسخة جديدة منه نسخة أجمل وأقوى وأقرب إلى قلبي من أي وقت مضى


تمت 

تعليقات

close