القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 مصاريف دراسه 



مصاريف دراسه 

دفعت مصاريف دراسة أختي ٨ آلاف دولار وساعدت في إيجار البيت… لكن لما رجعت البيت لقيت أوضتي فاضية خالص. بصّتلي أمي بنظرة باردة وقالت:


“إحنا مش قادرين نستحمل قرفك هنا تاني… لُمّ حاجتك ودوّرلك على مكان تاني!”


ورمت عليّا فنجان القهوة.


وأختي كانت واقفة بتضحك…


مشيت من البيت وأنا مكسورة… لكن لما شافت عربية بوجاتي ميسترال واقفة برا… اتصدمت!


اسمي لورا محمود، واليوم اللي أمي طردتني فيه بدأ زي أي يوم اتنين مرهق عادي.


كنت لسه محولة آخر تحويشة معايا – حوالي ٨ آلاف دولار علشان أدفع مصاريف كلية أختي الصغيرة مي وكمان جزء من الإيجار المتأخر لبيتنا الصغير اللي فيه أوضتين في حي شعبي في القاهرة.


كنت بشتغل ممرضه في مستشفى وباخد شيفتات مضاعفة، وساعات كنت بنام في عربيتي بين الشيفت والتاني، وآكل أي حاجة فاضلة من كافتيريا المستشفى.


لكن كنت دايمًا بقول لنفسي إن التعب ده كله يستاهل…


أمي كانت دايمًا تقول:


“العيلة لازم تفضل جنب بعض.”


وكنت مصدقاها.


لما وصلت قدام البيت بعد ضهر اليوم ده، دماغي كانت تقيلة من شيفت ١٢ ساعة.


استغربت أول ما بصيت… عربيتي الكامري الفضية مش موجودة، ولقيت عربية مي الصغيرة مكانها.



البيت من برا شكله عادي…


الجنينة الصغيرة، والعشب اللي مش مهتمين بيه، وصندوق الجوابات المايل.


لكن جوايا كان في إحساس غريب…


كأنك داخل مكان وأنت حاسس إنك مش مرغوب فيك.


فتحت الباب… ووقفت مكاني.


ريحة كلور ومعطر جو رخيص ماليه المكان.


وكانت في كرتين كتير مرصوصة جنب الحيطان، مكتوب عليهم بقلم ماركر بخط أمي:


“المطبخ”


“الحمام”


“حاجات مي”


مشت بسرعة في الطرقة ناحية أوضتي…


الباب كان مفتوح.


قلبي وقع.


الأوضة فاضية.


كل حاجة اختفت.


البوسترات…


الدولاب القديم اللي جبته مستعمل…


الكومودينو اللي كنت مجمعاه من سوق الجمعة…


حتى السرير الصغير اختفى.


الستاير متشالة…


والنور داخل على أرضية فاضية تمامًا.


كان في حاجة واحدة بس في نص الأوضة…


كيس زبالة كبير مربوط.


كأنه آخر إهانة.


لسه واقفة ببص حواليا وأنا مش فاهمة…


وفجأة سمعت صوت أمي ورايا.


قالت ببرود:


“كويس إنك جيتي.”


لفيت لها وأنا مستنية تفسير… أي تفسير.


قلت:


“ماما… فين حاجتي؟”


بصّتلي بنظرة جامدة عمري ما شوفتها قبل كده وقالت:




“يا لورا… إحنا مش قادرين نستحمل عبئك هنا تاني.”


كملت بعصبية:


“إنتي قربتي على التلاتين! تعبت من إني مستنية تشوفي حياتك هتمشي إزاي. خدي كيس الزبالة ده… ولُمّي نفسك وامشي دوري على مكان تعيشي فيه.”


الكلام نزل عليّا زي الصفعات.


قلت بصوت مخنوق:


“بس أنا لسه دافعة الإيجار… ومصاريف مي… إنتي اللي طلبتي مني.”


قاطعتني بعصبية:


“الفلوس دي كانت للعيلة!”


وخبطت بإيديها على الترابيزة.


“والعيلة محتاجة المكان ده. مي هتعيش في أوضتك… عندها مستقبل فعلاً. مش هخليكي تجرّيها ورا مشاكلك وفواتيرك.”


في اللحظة دي ظهرت مي عند باب الأوضة…


الموبايل في إيدها، وبتحط جلوس.


وقالت بسخرية:


“إنتي لسه هنا؟


ماما… أنا كنت فاكرة إنك طردتيها خلاص.”


حسيت الدموع هتطلع من عيني… لكن حاولت أتمالك نفسي.



قلت بهدوء:


“أنا بشتغل ليل نهار علشانكم… علشانكم أنتم الاتنين.”


أمي قلبت عينيها ومشيت ناحية المطبخ.


ولما مشيت وراها أحاول أفهم…


مسكت فنجان قهوة من على الترابيزة… كان لسه فيه شوية.


صرخت:


“قلتلك خلصنا!”


وفجأة…


رمت القهوة عليّا.


السائل الساخن نزل على هدومي الطبية.


والفنجان خبط في الحوض.


مي ضحكت.


وأمي أشارت على كيس الزبالة اللي في الأرض كأنها قاضي بيحكم.


وقالت ببرود:


“اطلعي برا يا لورا.”


وسكتت لحظة…


“الليلة.”



وقفت مكاني لحظة…


حاسّة إن الأرض بتميد بيا.


القهوة بتنقط من هدومي… وريحتها مرّة أكتر من الإهانة نفسها.


بصّيت لأمي… يمكن ألاقي في عينيها أي ندم.


أي لحظة ضعف.


أي حاجة تقول إن اللي حصل ده مجرد غضب مؤقت.


لكن ماكانش في حاجة.


بس برود.


مي كانت لسه واقفة عند الباب، ماسكة الموبايل وبتصور تقريبًا.


وقالت وهي بتضحك:


“يا سلام… دراما حقيقية.”


وقتها فهمت إن مفيش حاجة هتتغير.


انحنيت بهدوء… وشلت كيس الزبالة الكبير.


كان تقيل.


تقيل مش علشان الحاجات اللي جواه…


لكن علشان الذكريات اللي اتحولت لزبالة.


مريت جنب أمي ناحية الباب.


ولا واحدة فيهم قالت كلمة.


فتحت الباب… وخرجت.


الهوا البارد خبط في وشي.


كان المغرب بدأ ينزل، والشارع هادي.


وقفت لحظة على الرصيف…


مش عارفة أروح فين.


ماكانش معايا غير شنطة هدومي اللي على كتفي… وكيس الزبالة.


وبس.


مشيت خطوتين بعيد عن البيت…


وقتها بس سمعت صوت غريب.


صوت مـ .ـوتور هادي… لكن قوي.


رفعت عيني.


قدام البيت مباشرة… كانت واقفة عربية سودة لامعة بشكل يخطف العين.


العربية كانت Bugatti Mistral.


عربية ما تتشافش أصلاً في شوارع حينا الشعبي.


وقفت أبص لها وأنا مستغربة.


وفجأة…


باب العربية اتفتح.



نزل منها راجل لابس بدلة سودا أنيقة.


كان في الأربعينات تقريبًا… شكله هادي لكن حضوره قوي.


مشى ناحيتي مباشرة.


اتجمدت مكاني.


وقف قدامي… وبص لي لحظة كأنه بيتأكد من حاجة.


بعدين قال بصوت هادي:


“آنسة لورا محمود؟”


اتصدمت.


قلت بتردد:


“أيوه… أنا.”


فتح باب العربية الخلفي بإحترام… وقال:


“أنا بدور عليك من زمان.”


سكت لحظة… وبعدين كمل:


“والدك طلب مني أوصلك.”


قلبي وقف لحظة.


قلت بصدمة:


“والدي؟”


الرجل هز راسه بهدوء.


“أيوه.”


بصيت للعربية… وبعدين للبيت ورايا.


النور كان شغال جوه…


وأختي ولسه بتضحك من الشباك.


رجعت أبص للرجل.


وسألته بصوت شبه هامس:


“حضرتك تقصد… أنهي والد؟”


ابتسم ابتسامة خفيفة.


وقال:


“الراجل اللي امتلك نص شركات الشحن في الشرق الأوسط…


واللي فضل سنين بيدور على بنته.”


دماغي وقفت.


قال بهدوء:


“والظاهر… إننا أخيرًا لقيناكي.”



وقفت قدام العربية… وإيدي لسه ماسكة كيس الزبالة.


الكلام اللي سمعته من الراجل كان أكبر من إن دماغي تستوعبه.


قلت بتوتر:


“حضرتك أكيد غلطان… أنا بابايا مات من سنين.”


الرجل فتح باب العربية الخلفي بهدوء، وكأنه واثق جدًا.


وقال:


“اللي انتي عرفاه غير الحقيقة يا آنسة لورا.”


وقفت لحظة أبص لبيتنا…


الشباك اللي كانت مي واقفة فيه اتقفل.


واضح إنهم فقدوا الاهتمام بيا خلاص.


ضحكت ضحكة خفيفة حزينة وقلت:


“حتى لو كلامك صح… أنا دلوقتي معنديش مكان أروح له.”


رد بهدوء:


“علشان كده أنا هنا.”


بصيت للعربية اللامعة مرة تانية…


وكان اسمها مكتوب على الخلفية: Bugatti Mistral.


حاجة ماكنتش حتى أتخيل إني أقرب منها.


تنهدت… وحطيت كيس الزبالة في الأرض لحظة.


وقلت:


“طيب… خلينا نفترض إني صدقتك. بابايا فين؟”


الرجل قال ببساطة:


“مستنيك.”


سألته:


“فين؟”


رد:


“المستشفى.”


اتصدمت.


“مستشفى؟!”


هز راسه بحزن بسيط.


“هو مريض بقاله فترة… وكان نفسه يشوفك قبل ما الوقت يخلص.”


الكلام ضـ .ـرب قلبي بقوة.


كل السنين اللي فاتت…


كل مرة كنت محتاجة حد يسندني فيها…


كان في أب حي… وأنا معرفش؟


ركبت العربية وأنا حاسة إن حياتي بتتقلب.


العربية اتحركت بهدوء في الشوارع…


وأنا ساكتة تمامًا.


بعد حوالي نص ساعة وصلنا قدام مستشفى خاص كبير.


نزلت بسرعة… وقلبي بيدق بعنـ .ـف.


دخلنا الدور الخامس.


الرجل وقف قدام أوضة… وخبط بخفة.


وبعدين فتح الباب.


أول ما دخلت…


شفت راجل كبير على السرير.


شعره أبيض… وجسمه ضعيف.


لكن أول ما عينه وقعت عليّا…


اتملت دموع.


مد إيده ناحيتي بصعوبة وقال بصوت مبحوح:


“لورا…”


وقفت مكاني.


حسيت قلبي بيتكسر.


قربت منه خطوة…


وبصيت في عينه.


كان في نفس لون عيني.


همس وقال:


“سامحيني… سيبتك سنين.”


قبل ما أتكلم… باب الأوضة اتفتح فجأة.


لفّيت أبص…


واتصدمت.


أمي… ومي… واقفين عند الباب.


وأمي قالت بسرعة بانفعال:


“استني يا لورا… إحنا لازم نتكلم!”


وقتها بس فهمت…


إن اللي حصل النهارده…


ماكانش صدفة خالص.


والحقيقة كلها لسه هتظهر.




الجزء الأخير


وقفت في نص الأوضة وأنا مذهولة…


أمي ومي واقفين عند الباب وكأنهم جريوا ورايا من البيت.


قلت بعصبية:


“إنتوا بتعملوا إيه هنا؟!”


أمي كانت بتتنفس بسرعة… وشكلها مش زي قبل كده خالص.


مش البرود اللي شفته في البيت… لكن خوف.


قالت:


“لازم تسمعيني يا لورا… قبل ما تفهمي الموضوع غلط.”


قبل ما أرد… صوت ضعيف طلع من السرير.


الرجل الكبير – والدي – قال بصعوبة:


“سيبوها… تتكلم.”


بصيت لأمي بصدمة.


قلت:


“يعني إيه؟! إنتي كنتي عارفة إنه عايش؟!”


أمي نزلت عينيها للأرض لحظة…


وبعدين قالت:


“أيوه.”


الكلمة نزلت عليّا زي صاعقة.


صرخت:


“وعيشتي عمري كله فاكرة إنه مات؟!”


مي قربت خطوة وقالت بسرعة:


“مش زي ما انتي فاهمة.”


لفيت لها بغضب:


“إنتي كمان عارفة؟!”


هزت راسها ببطء.


حسيت الدنيا بتلف بيا.


أمي أخدت نفس عميق وقالت:


“زمان… لما انتي كان عندك خمس سنين… أبوكي كان واحد من أكبر رجال الأعمال. بس شركته دخلت في مشاكل كبيرة، وكان في ناس خطيرة عايزين يضغطوا عليه.”


بصيت لوالدي على السرير…


وكان عينيه مليانة ندم.


أمي كملت:


“علشان يحميكي… اتفقنا إنك تختفي من حياته. غيرنا اسمك… وعشنا حياة بسيطة علشان محدش يوصلك.”


قلت بصوت مرتعش:


“طيب ليه دلوقتي؟”


والدي رد بصعوبة:


“علشان… معنديش وقت.”


سكت لحظة… وهو بيحاول يتنفس.


“دورت عليكي سنين… ولما أخيرًا قدرت أضمن إن الخطر انتهى… طلبت أشوفك.”


بصيت لأمي بدموع:


“بس ليه طردتيني بالطريقة دي؟!”


أمي مسحت دمعة من عينها.


وقالت:


“لأنك لو كنتي رفضتي تيجي… كنتي هتفضلي تضحي بحياتك علشاننا. كنا عارفين إنك عمرك ما هتسيبي البيت بإرادتك.”


مي قالت بهدوء:


“إحنا كنا بنمثل… علشان تمشي.”


افتكرت ضحكتها… وإهانة القهوة.


قلت بمرارة:


“تمثيل قاسي.”


أمي قربت خطوة:


“يمكن… لكن كان لازم.”


سكتت الغرفة لحظة.


والدي مد إيده ليا.


قربت منه ببطء… ومسك إيدي.


كانت إيده ضعيفة… لكنها دافئة.


قال بابتسامة متعبة:


“أنا فخور بيكي يا لورا… سمعنا عن شغلك كممرضة… وعن كل اللي عملتيه لعيلتك.”


دموعي نزلت.


كمل:


“وكل اللي عندي… هيبقى ليكي.”


في اللحظة دي…


فهمت إن العربية اللي كانت واقفة قدام البيت مش صدفة.


كانت Bugatti Mistral


واحدة من مئات الأشياء اللي كان يملكها.


لكن بصيت لإيده اللي في إيدي…


وفهمت إن أهم حاجة مش الفلوس.


قلت له بهدوء:


“أنا مش محتاجة حاجة… غير إنك تفضل هنا.”


ابتسم…


وقفل عينه لحظة.


والغرفة سكتت تمامًا.


أمي وقفت ورايا… حاطة إيدها على كتفي.


ومي واقفة جنبها.


ولأول مرة من سنين…


حسيت إن العيلة اللي كنت بدافع عنها طول عمري…


لسه موجودة.

تمت 


تعليقات

close