وجع لا ينسي
وجع لا ينسي
كلمة لأ قولتها مرة واحدة، وكانت هي المرة اللي خلت جوز أمي يفك حزامه و وكأني حاجة ملهاش دية.. وأمي؟ واقفة بتتفرج عليا ودنيتي بتتهد فوق دماغي، لا حاشت ولا حتى نطقت، وبالعكس، كملت عليا واتهلت عني ورمت في إيدي خمسين جنيه وقالت لي لو رجعتي تاني هطلب لك البوليس.. وقتها افتكرت إن دي النهاية، مكنتش أعرف إن خسارة كل حاجة هي أول خطوة في طريق هما عمرهم ما يتخيلوه.
أنا كريمة، وطول طفولتي البيت مكنش بالنسبة لي سكن، كان عبارة عن مسرح وأنا فيه الخدامة اللي ملهاش صوت.. أمي ليلى كان عندها قانون واحد ماشي على الكل منصور جوزي لازم يفضل راضي، وطبعاً منصور معاه ابنه باهر اللي كان بيتعامل في البيت كأنه الملك المتوج وأنا مجرد آلة لتنفيذ طلباته.. كنت أطبخ وأكنس وأغسل المواعين وأطبق الغسيل، واتعلمت إزاي أمشي على طراطيف صوابعي عشان محدش يحس بيا.. باهر يعوز يشرب؟ أجري أجيب له.. منصور الأكل برد وعايزه يسخن؟ أعيده تاني.. ولو حد فيهم بس كح، أمي كانت بتبص لي بصه معناها إتحركي قبل ما يطلبوا.
عشت عمري كله خدامة ببلاش، ولو فكرت أزعل يبقى قليلة الأدب وعايزة تتربى، ولو عيطت أبقى بمثل وبتاعة دراما ، ولو حاولت أدافع عن نفسي أبقى
مجنونة ومحتاجة تترزي في أي داهية.. لحد ما صدقت فعلاً إن وجعي ده مجرد دوشة ملهاش لازمة ومن حقهم يزهقوا منها.
الليلة اللي كل حاجة فيها باظت بدأت بطلب تافه زي كل الكوارث.. كنا قاعدين على العشا وباهر اللي بقى شحط وشايل شيلته سحب ضهره لورا وقالي ببرود قومي هاتي لي كوباية ميا ساقعة من التلاجة.. كنت هلكانة، كتافي واجعاني من مسح الأرض وشيل العفش والتنضيف ، وفيه حاجة جوايا فجأة قالت كفاية.. بصيت له وقولت بكلمة واحدة هادية قوم هات لنفسك.
السكوت اللي ساد الأوضة كان مرعب.. وش أمي اتقلب، ومنصور قام فجأة لدرجة إن الكرسي صرخ وهو بيتمسح في البلاط.. وقبل ما ألحق أهرب، كان فك حزامه ونزل بيه عليا ضرب.. أول ضربة نزلت على كتفي خلت الدنيا تلف بيا، والتانية رمتني على حرف الترابيزة.. صرخت بأعلى صوتي بس أمي فضلت صنم، وباهر قاعد بيتفرج بدم بارد وبابتسامة شماتة.. حسيت بطقة في دراعي خلت عيني ترغرغ بالدموع ، وبوقي اتفتح ونزف، ووشي ورم في ثواني.
لما منصور زهق ووقف، كنت مرمية على الأرض مش قادرة أتحرك ودراعي مدلدل بطريقة غريبة ومكسورة.. قولت أكيد أمي هتحن، أكيد هتقوم تاخدني في حضنها وتغسل لي وشي.. بس ليلى بصت لي بقرف وكأني
بوظت لها القعدة وقالت لي اطلعي بره البيت ده ومش عايزة أشوف وشك تاني انتي عايزة تخربي بيتي .. وهتمشي من غير شال، ومن غير شبشب في رجلك هتمشي زي ما انتي كدا عقابا ليكي ، من غير ما أغسل وشي حتى من الدم.. زقت في إيدي الخمسين جنيه وقفلت الباب في وشي بالمفتاح، وسبتني واقفة في عز ليل الشتا حافية، مكسورة، وبدراع مدلدلة..
وقفت قدام الباب المقفول وأنا مش مصدقة، بصيت لورقة الخمسين جنيه اللي في إيدي الملطخة بالدم، كانت بتترعش زيي بالظبط.. حاولت أزق الباب بكتفي اليمين السليم وأصرخ يا ماما افتحي!، بس مفيش رد، غير صوت باهر وهو بيضحك جوه وصوت منصور وهو بيعلي التليفزيون كأن مفيش حاجة حصلت..
ومكنش قدامي غير الشارع وضلمتة نزات علي السلم بجر رجلي بالعافية
مشبت وسط الناس اللي كانت ماشية في وقت متأخر الناس كانت بتبص لي بخوف واستغراب، بنت بشنطة هدوم مقطعة ووش وارم ودموع محبوسة في عينها، بس مكنتش شايفة حد فيهم.. كنت شايفة صورة أمي وهي بترميني للكلاب عشان خاطر راجل ميسواش.. فجأة، لقيت نفسي قدام محطة قطر قديمة، قعدت على الرصيف وسندت راسي المكسورة على الحيطة الساقعة.. غمضت عيني وبعزها لاقيت ايد بتخبط علي كتفي وو
وقفت
قدام الباب المقفول وأنا مش مصدقة، بصيت لورقة الخمسين جنيه اللي في إيدي الملطخة بالدم، كانت بتترعش زيي بالظبط.. حاولت أزق الباب بكتفي اليمين السليم وأصرخ يا ماما افتحي!، بس مفيش رد، غير صوت باهر وهو بيضحك جوه وصوت منصور وهو بيعلي التليفزيون كأن مفيش حاجة حصلت.. البرد كان بينخر في عضمي، ورجلي الحافية بدأت تتخشب من سقعة البلاط، والوجع اللي في دراعي كان بيخليني أغيب عن الوعي وأفوق تاني على نغزة بتمزق لحمي.. مشيت وأنا بسحل رجلي على السلم، كل خطوة بعذاب، لحد ما طلعت للشارع وضلمته اللي مكنتش تفرق كتير عن ضلمة قلوبهم.. الناس اللي كانت ماشية في وقت متأخر كانت بتبص لي بخوف واستغراب، بنت بشنطة هدوم مقطعة ووش وارم ودموع حابسة في عينها، بس مكنتش شايفة حد فيهم.. كنت شايفة صورة أمي وهي بترميني للكلاب عشان خاطر راجل ميسواش.. فجأة، لقيت نفسي قدام محطة قطر قديمة، قعدت على الرصيف وسندت راسي المكسورة على الحيطة الساقعة.. غمضت عيني وقولت لنفسي يا كريمة، اللي انكسر فيكي النهاردة مش بس دراعك، ده البنت الهبلة اللي كانت مستنية الحنية من ناس ميتة.. في اللحظة دي، الخوف اللي كان مالي قلبي اتبخر، وحل محله غل ونار متببردش..
مسكت الخمسين جنيه وعصرتها في إيدي وكأنها رقبة منصور، وحلفت بربي إن اليوم اللي هرجع فيه، مش هيكون عشان أطلب السماح، ده هيكون عشان أحاسبهم على كل قلم، وكل وجع، وكل ليلة نمتها في الطل.. الدنيا كانت بتمطر، بس أنا كنت حاسة إن جسمي بيغلي، ومن اللحظة دي، مقتت كريمة الخدامة، واتولدت واحدة تانية خالص، واحدة هتحرق كل اللي حرقوا قلبها.
فضلت قاعدة على الرصيف وساندة ضهري على سور المحطة، والبرد كان بياكل في جسمي لدرجة إني مكنتش عارفة أنا بتعاش بسببه ولا بسبب القهرة اللي في قلبي.. بصيت للخمسين جنيه اللي في إيدي، الورقة كانت مبلولة وعليها نقط دم من شفايفي اللي اتفتحت، ضحكت بوجع وقولت في سري ده تمن العِشرة يا ليلى؟ ده تمن السنين اللي خدمتك فيها انتي والمحروس جوزك؟.. فجأة سمعت صوت خشخشة وجزمة ماشية على الأرض بتسحب، رفعت عيني بخوف ولقيت راجل عجوز بجلابية قديمة وفوقيها جاكيت مهلهل، كان بيلم بلاستيك من الشارع، وقف قدامي وبص لوشي الورمان ودراعي اللي مدلدل، وسكت ثانية وبعدين طلع من جيبه منديل قماش نضيف وحطه في إيدي وقالي بصوت واطي قومي يا بنتي، الشارع مبيحمش الضعيف، والدموع دي غالية بس مبيشوفهاش غير اللي قسى قلبه.. كلامه كان
زي القلم اللي فوقني، مسحت وشي بالمنديل وقمت وقفت بالعافية، وقررت إني مش هفضل مكان لليأس.. مشيت في شوارع القاهرة الضلمة لحد ما وصلت لبيت خالتي سعاد، الوحيدة اللي كانت بتشوف اللي بيحصلي وتسكُت خوفاً من لسان أمي، بس المرة دي مكنش فيه مجال للسكوت.. خبطت على الباب بإيدي السليمة، ولما فتحت وشافت منظري، شهقت وضربت على صدرها يا مصيبتي! عملوا فيكي إيه يا كريمة؟.. دخلتني وقفلت الباب ورايا بسرعة وكأنها بتخبي سر، قعدتني على الكنبة وجابت تلج ومطهر وهي بتعيط، بس أنا كنت ساكتة خالص، عيني كانت متبتة في الحيطة.. خالتي سعاد قالت وهي بتمسح جرحي خليكي هنا يا بنتي، منصور ده حسابه عند ربنا عسير، وأمك.. أمك دي جرى لعقلها إيه؟.. بصيت لها ورديت بمنتهى البرود اللي في الدنيا منصور وباهر وأمي ماتوا بالنسبة لي يا خالتي، من اللحظة دي أنا مليش حد، بس وحياة كل وجعة حسيت بيها، لهرجع وأخليهم يتمنوا التراب اللي بمشي عليه.. اليوم ده نمت في بيت خالتي، بس مكنش نوم، كان عامل زي غيبوبة، كنت بحلم بصوت الحزام وهو بيطرق في الهوا، وبوش باهر الشمتان، وصورة أمي وهي بتقفل الباب.. صحيت الصبح والشمس طالعة، بس جوايا كان فيه سواد مبيخلصش، قمت وقفت قدام
المراية وشفت كريمة الجديدة، البنت اللي ملامحها اتغيرت، مش بس من الضرب، لكن من الغدر.. وبدأت أرسم أول خطوة في طريقي، الطريق اللي هيخليهم يندموا إنهم في يوم من الأيام عرفوا واحدة اسمها كريمة.
عدى أسبوع والتاني وأنا محبوسة في أوضة عند خالتي سعاد، دراعي متجبس وقلبي هو اللي كان محتاج تجبيرة بجد.. كنت بسمع صوت أمي وهي بتكلم خالتي في التليفون وبتقول لها ببرود خليها عندك تتربى، عشان تعرف إن الله حق وتعرف إن كلمة منصور متبقاش اتنين.. كانت فاكرة إنها بتعاقبني، مكنتش تعرف إنها بتديني فرصة العمر عشان أنسلخ منهم للأبد.
في يوم، قمت وقفت قدام المراية، شلت الشاش اللي كان على وشي، الكدمات بدأت تصفر وتختفي، بس السواد اللي في عيني كان بيزيد.. قلت لخالتي سعاد أنا مش هفضل عالة عليكي يا خالتي، أنا هنزل أدور على شغل.. خالتي لطمت على صدرها وقالت تشتغلي إيه يا بنتي وأنتي لسه يدوب بتفكي الجبس؟ والناس هتقول إيه؟.. بصيت لها بثقة غريبة عليا وقولت اللي كان يهمني رأيهم رموني في التلج يا خالتي، الشغل مش عيب، العيب إني أستنى حد يحن عليا بلقمة.
نزلت الشارع، وبدأت أدور في المحلات والمصانع الصغيرة اللي في المنطقة.. الكل كان بيبص لدراعي المربوطة
ويقولي لما تخفي يا بنتي.. لحد ما وصلت لمطعم كبير في وسط البلد، صاحبه كان راجل سوري ملامحه طيبة بس شديد في الشغل، بص لي وقالي إنتي حكايتك إيه يا بنتي؟ شكلك مش بتاعة شغل مطاعم.. قولت له وعيني في عينه وحكتلة خكايتي وقولتلة انا محتاجة فرصة أثبت فيها إني بطلة مش ضحية.. الراجل سكت شوية وبعدين قالي هتغسلي صحون بإيد واحدة؟.. قولت له وأطبخ كمان لو عايز، المهم ميبقاش ليا جميل عند حد.
بدأت الشغل من النجمة، كنت بغسل الأطباق وأنا بضغط على وجع دراعي وبكتم صرختي، كنت بنضف الخضار وأنا بتخيل إن السكينة دي هي اللي بقطع بيها كل خيط بيوصلني بالماضيّ.. وفي يوم، الشيف الكبير تعب ومجاش، والطلبات كانت بالهبل، وقفت وسط المطبخ وبدأت أوجه الناس وأطبخ الأكلات اللي كنت بتفنن فيها عشان منصور يرضى عني.. الكل انبهر، وصاحب المطعم وقف يتفرج عليا وأنا لهلوبة في المكان.
مرت سنة، وسنتين، وكريمة الخدامة بقت شيف كريمة، ملامحي اتغيرت، لبسي اتغير، وطريقة كلامي بقت حادة زي الموس.. مكنتش بصرف مليم في الفاضي، كنت بجمع القرش على القرش وببني لنفسي كيان.. وفي ليلة، كنت قاعدة في مكتبي الصغير في المطعم اللي بقيت شريكة فيه، لقيت الموبايل بيرن برقم غريب..
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
رديت ببرود أيوة؟.. جالي صوت مرعوش وواطي، صوت كنت أحفظه من وسط ألف صوت، صوت أمي وهي بتقول الحقيني يا كريمة.. منصور تعب وباهر ضيع كل اللي ورانا وقدامنا في القمار والديون، والبيت هيتحجز عليه.. أنتي فين يا بنتي؟.
سكتت لحظة، وحسيت بنشوة غريبة مكنتش أتخيلها، مسكت القلم وضغطت عليه بقوة وقولت لها أنا في المكان اللي أنتي رمتيني فيه يا ليلى.. في الشارع، بس الفرق إن الشارع اللي رمتيني فيه، دلوقتي بقى ملكي.. منصور وباهر ملهومش عندي غير الخمسين جنيه اللي رمتيها في إيدي يومها، والبيت اللي خايفة عليه.. أنا اللي اشتريت ديونه من البنك الصبح.. يعني من هنا ورايح، أنتوا اللي خدامين عندي.
صوت أمي في التليفون كان فيه رنة ذل عمري ما سمعتها قبل كده، كانت بتنهج وبتحاول تستعطفني بكلمة يا بنتي، الكلمة اللي نسيت تقولها وأنا بترمى في عز البرد.. قفلت السكة في وشها من غير ما أسمع كلمة زيادة، وقمت وقفت قدام الشباك وبصيت على أضواء القاهرة، وحسيت إن الهوا اللي داخل صدري بقى أخيراً نضيف.
تاني يوم الصبح، ركبت عربيتي ورحت للحارة اللي اتربيت فيها.. الحارة اللي كانت شاهدة على ذلي.. نزلت من العربية ببدلتي السوداء وشياكتي اللي مكنوش يحلموا
يلمسوا طرفها.. الناس في الشارع وسعوا لي وهما مستغربين مين دي؟، لحد ما سمعت واحدة بتقول بصوت واطي دي كريمة! بت ليلى اللي كانت بتنضرب زي القلل!.
طلعت السلم، نفس السلم اللي نزلت عليه وأنا بسحل رجلي ودراعي مكسور.. خبطت على الباب بإيدي اللي بقت متزينة بخواتم دهب، وفتحت لي أمي.. وشها كان باهت، كبرت مية سنة في تلات سنين، وأول ما شافتني حاولت تاخدني في حضنها وهي بتعيط كريمة! يا حبيبتي يا بنتي، كنت عارفة إن قلبك أبيض وهتيجي تنقذينا.
زقيت إيدها ببرود ودخلت الشقة.. الشقة اللي كانت ريحتها هم وقرف.. لقيت منصور قاعد على الكرسي، مشلول نصفي، عينه مكسورة ومبيقدرش ينطق غير تمتمة ميتفهمش منها حاجة.. وباهر؟ باهر الشبح كان قاعد في الركن، دقنه طويلة وهدومه مش نظيفة، وأول ما شافني قام وقف بخوف.. بصيت لهم واحد واحد وطلعت من شنطتي ورقة الخمسين جنيه المبلولة اللي كنت محتفظة بيها في محفظتي طول السنين دي كأنها تميمة حظي.
رميتها على الترابيزة قدامهم وقولت بصوت زي الرصاص الخمسين جنيه دي هي اللي فاضلة لكم عندي.. البيت ده بقى بتاعي قانوناً، والورق أهو.. منصور اللي كان بيفتري بحزامه، النهاردة مش قادر يرفع إيده يهش دبانة من على
وشه.. وباهر اللي كان بيأمر ويطاع، النهاردة مش لاقي تمن سيجارة.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
أمي صرخت حرام عليكي يا كريمة، ده مهما كان جوز أمك وأخوكي، هنروح فين في السن ده؟.. ضحكت بصوت عالي خلى باهر يتنفض هتروحوا في نفس المكان اللي رميتوني فيه.. الشارع.. بس أنا أحسن منكم، أنا مش هرميكم حافيين.. هسيبكم هنا في الأوضة الصغيرة اللي كنت بنام فيها على الأرض، وهتخدموا في البيت ده زي ما كنت بخدمكم.. ملقم لقمة، ونفس بنفس، والبيت ده إدامي هيتكنس ويتمسح كل يوم من غير غلطة، وإلا.. الشارع أوسع من البيت.
باهر حاول ينطق ويقول إنتي اتجننتي؟، بس بصة واحدة مني ومن الحرس اللي كانوا واقفين ورا الباب خلته يبلع لسانه.. في اللحظة دي، شفت في عيونهم نفس الرعب اللي كنت بحسه وأنا طفلة.. الفرق الوحيد إني مكنتش ظالمة زي فرانك، ولا خاينة زي ليلى، أنا كنت بس برد الديون.. وقفت على الباب وقلت لهم قبل ما أمشي الشغل هيبدأ من بكرة يا ليلى هانم.. وممنوع العياط، أصل أنتوا عارفين.. العياط بيبقى دراما ومحن، مش كده؟.
نزلت السلم وأنا حاسة بتقل انزاح من على قلبي.. مكنتش فرحانة في وجعهم، بس كنت حاسة إن الحساب اتقفل، وإن كريمة اللي انكسرت زمان، النهاردة جبّرت خاطر نفسها
بنفسها.
مرت الشهور والحال اتقلب في الشقة.. أمي ليلى اللي كانت بتعيش دور الهانم، بقت هي اللي شايلة الفوطة والمقشة، وباهر اللي كان مبيشلش كوباية من مكانها، بقى هو اللي بيغير لمنصور ويغسل له هدومه.. كنت بروح هناك كل أسبوع، مش عشان صلة رحم، لا، كنت بروح عشان أتأكد إن العدل بيتحقق.. كنت بقعد حاطة رجل على رجل، وأشاور لأمي على تراب فوق الدولاب وأقول لها ببرود إيه يا ليلى؟ البيت مش نظيف ليه؟ أنتي كبرتي ولا إيه؟.. كانت تبص لي وعينها مليانة دموع وتقول ارحمي كبري يا كريمة، أنا أمك، كنت أرد عليها بضحكة رنانة الأم هي اللي بتشيل بنتها من التلج يا حبيبتي، مش اللي بتفتح لها الباب وتقول لها غوري في داهية.
باهر حاول في يوم يتمسكن، جالي المكتب وبدأ يمثل دور الأخ الغلبان كريمة، أنا أخوكي، افتحي لي مشروع، خليني أقف على رجلي، بلاش الذل اللي إحنا فيه ده، بصيت له من فوق لتحت وطلعت له كوباية ميا ساقعة من تلاجة المكتب، حطيتها قدامه وقولت له فاكر يوم ما قولت لي قومي هاتي لي كوباية ميا؟ يومها كان نفسي حد يحس بيا، دلوقتي أنا بحس بيك أهو، اشرب الميا وغور على البيت عشان منصور محتاج حد يسنده يروح الحمام.
منصور كان أصعبهم حالاً، كان بيبص
لي بعجز وقهر، وعينه بتدور في المكان وكأنه بيدور على الحزام اللي كان بيجلدني بيه، بس إيده كانت خشب مابتتحركش.. في ليلة، أمي اتصلت بيا وهي بتصرخ منصور بيموت يا كريمة! تعالي بسرعة!، روحت، ولقيته فعلاً في أنفاسه الأخيرة، مالت عليه وهمست في ودنه أنا مسمحاك يا منصور، مش عشان طيبة قلبي، بس عشان ربنا جاب لي حقي وأنا لسه عايشة وبصحة، شفتني وأنا الهانم وشفت نفسك وأنت مش لاقي اللي يغطيك.. مات منصور،
وبموتة اتقفلت صفحة الوجع الجسدي للأبد.
بعد العزا اللي مكنش فيه غيري أنا وخالتي سعاد، أمي وباهر افتكروا إن الورث هيتحل والبيت هيرجع لهم، بس الصدمة كانت لما طلعت لهم عقد البيع النهائي اللي مسجل في الشهر العقاري البيت ده هيتباع الصبح، وكل واحد فيكم هياخد شنتطة هدومه وبس، الخمسين جنيه اللي اديتها لكم زمان، كانت أول وأخر مليم هتاخدوه مني.
أمي صرخت هترمينا في الشارع يا بنتي؟، قولت لها بابتسامة هادية
لا يا ليلى، الشارع قاسي قوي وأنا مش زيك.. أنا حجزت لك أوضة في دار مسنين محترمة، وباهر الشحط ده يروح يشوف له شغلانة بواب ولا سواق، يكدح زي ما كنت بكدح وأنا طفلة.. وفعلاً، نفذت كل كلمة.. وقفت قدام باب الشقة وهو بيتقفل بالمفتاح، بس المرة دي أنا اللي كنت ماسكة المفتاح، وأنا اللي كنت لابسة الجزمة الغالية، وأنا اللي قلبي بقى حديد.
بصيت ورايا لآخر مرة وقولت وداعاً يا كريمة الضحية، وركبت عربيتي ومشيت،
وفي طريقي، شوفت بنت صغيرة حافية بتبيع مناديل، وقفت العربية، ونزلت لها، واديتها مبلغ كبير وقولت لها اوعي تخلي حد يكسرك، ولو الدنيا قست عليكي، افتكري إنك قوية لوحدك.. مشيت وأنا حاسة بسلام داخلي مكنتش عرفته من سنين، الحكاية مخلصتش بالانتقام، الحكاية خلصت لما بقيت أنا اللي بكتب السطر الأخير في حياتي، من غير خوف، ومن غير وجع، ومن غير لأ تانية تنكسر قدام حزام.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق