العبي.طه والتمثيليه كامله
العبي.طه والتمثيليه كامله
“إنتي مجرد كوبري يا بت.. كوبري عدينا عليه عشان نوصل للي إحنا عاوزينه، حقه بقا يتجوز ويشوف حياته مع واحدة تليق بمقامه، واحدة هفرفشه بفلوسك اللي إنتي زي الهبلة كنتي فاكرة إنك بتنقذيه بيها!”.. الكلمات دي نزلت على ودن “نور” زي مية النــ,,ـــــار، كانت الحاجة “سميحة” أم جوزها بتقولها بمنتهى البرود وهي بتعدل طرحتها قدام المراية، ولا كأن ابنها لسه كاسر دراع مراته عشان يسحب منها ورق الشقة!
الوضع كان مأساوي، الساعة كانت داخلة على 12 بالليل في شقتهم في “الدقي”، وعلى السفرة كان فيه شقى 5 سنين جواز: موافقة بنكية بقرض قيمته مليون جنيه باسم نور، ودهبها كله اللي كان متجمع في علبة قطيفة عشان يتباع الصبح، وورقة تنازل عن عربيتها.. نور كانت فاكرة إنها بتنقذ “طارق” جوزها من الإفلاس والحبس، بس الحقيقة كانت أبشع بكتير من خيالها.
بدأت المصيبة لما نور دخلت أوضة المكتب تدور على بطاقة طارق، فتحت درج مستخبي، ولقت ظرف بني تقيل.. فتحته وهي قلبها مقبوض، لقت عقد بيع شقة في “الشيخ زايد” بـ 3 مليون جنيه، مدفوع كاش ومكتوب باسم الحاجة “سميحة”! وتحت العقد فاتورة شبكة ألماظ غالية جداً متسجلة باسم واحدة تانية خالص.
وقبل ما تصرخ من الصدمة، تليفون طارق نورت شاشته برسالة واتساب من رقم متسجل “المهندس”: “يا حبيبي الشقة خلصت فرش.. العبيطة مضت القرض ولا لسه؟ المليون جنيه دول اللي هنشطب بيهم فيلا الساحل.. بحبك.”.. هنا نور حست إن روحها بتتسحب، طارق مكنش بيفلس، طارق كان بيصفي ممتلكاتها هي، وبيسرق ورثها من أبوها عشان يبني حياة جديدة مع واحدة تانية، وأمه كانت هي “العقل المدبر” اللي بتمثل عليها المسكنة والفقر طول الأسبوع اللي فات.
لما واجهتهم، طارق متمسكش بأي ذرة رجولة، هجم عليها وكسر دراعها وهو بيخطف الورق والتليفون، وأمه وقفت تشمت فيها وتقولها إنها مجرد وسيلة للوصول للفلوس، وهددوها بشيكات قديمة مضياها كضمان إنها لو مفتحتش بوقها ومضت القرض الصبح هتبات في السجــ,,ـــــن.. رموها في أوضة الضيوف وقفلوا عليها بالمفتاح وهي بتنزف وجع وكسرة نفس.
بس نور في الليلة دي ماماتتش، نور اتولدت من جديد.. في سكات الفجر، وبالرغم من وجع دراعها، قدرت تفتح درج سري كانت مخبية فيه “فلاشة” عليها كل تحويلاته البنكية اللي سجلتها من غير ما يحس، ولمت دهبها الأصلي اللي كانت بدبته بـ “فالسو” من فترة لما شكت في تصرفاته، وهربت من شباك المطبخ والمطر بيغسل وجعها في الشارع.
راحت لخالها، المستشار “رفعت”، راجل قانون مابيرحمش، وقعدت معاه لحد الصبح بترتب لـ “المذبحة”.. وفي تمام الساعة 10 الصبح، كانت نور واقفة قدام باب البنك، لابسة بدلة سوداء شيك، حاطة روج أحمر صارخ كأنه لون دم أعداءها، وراسمة على وشها ثبات مرعب.. طارق وأمه كانوا واقفين مستنيين “الفريسة” وهي داخلة عليهم، وسميحة كانت بتبتسم بانتصار وهي شايفة نور بتقرب منهم.
طارق مسك إيد نور وضغط عليها ووشوشها: “تمضي من سكات، وإلا قسماً بالله هسلم الشيكات للنيابة وأنتي واقفة هنا”.. نور بصت له بابتسامة خبيثة وقالت بصوت مسموع للكل: “أنا مش همضي يا طارق.. أنا جاية أشوفك وأنت بتسلم نمر.”
في اللحظة دي، دخل من باب البنك شخص هيبته تخلي المكان كله يقف انتباه.. راجل وقور، وراه اتنين برتب عالية من مباحث الأموال العامة.. الراجل ده كان المستشار “رفعت”، خال نور، ومعاه “أمر ضبط وإحضار” لطارق ووالدته بتهمة النصب والاحتيال وتزوير أوراق رسمية واستيلاء على أموال قاصر (لأن جزء من الورث كان لسه تحت الوصاية قانوناً).
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
طارق وشه اصفر، والحاجة سميحة بدأت تصرخ وتلطم: “يا فضيحتنا! يا فضيحتنا!”.. بس نور قربت من طارق، وطلعت الفلاشة وحطتها في إيد الضابط وقالت له: “دي فيها كل الملايين اللي سرقها من الشركة وحولها لحسابات وهمية باسم أمه، وفيها تسجيلات وهو بيخطط لسرقتي.”
الناس في البنك بقوا يتفرجوا بذهول على طارق وهو بيترمي في الكلبشات، وسميحة وهي بتتحجر من الصدمة.. نور وقفت قدام طارق وهو راكع على ركبه بيحاول يتوسل ليها، وطت عليه وهمست في ودنه: “الشقة اللي في زايد؟ أنا حجزت عليها رسمياً الصبح.. والعروسة المهندسة؟ أنا بعت لها نسخة من تسجيلاتك وأنتي بتقول عليها إنها (مجرد نزوة) عشان تاخد منها مصلحة.. إنت مش بس خسرت فلوسي، إنت خسرت عمرك اللي جاي كله ورا القضبان.”
نور خرجت من البنك وهي رافعة راسها، العربية اللي كانوا عاوزين يسرقوها ركبتها بكل فخر، وسابتهم وراها وهم بيصرخوا وسط الفضيحة.. عرفت إن الست لما بتقرر تاخد حقها، مابتحــ,,ـــــرقش بس اللي ظلــ,,ـــــمها، دي بتمسحه من على وش الأرض.
طارق وهو بيتشد من العساكر كان بيصرخ زي الذبيحة، عينيه كانت طالعة لبرة من كتر الغل والزهول، والكلبشات وهي بتقفل على إيده كانت بتعزف لحن النهاية لكل جبروته.. الحاجة سميحة وقعت على أرض البنك تلطم وتصوت: “يا شماتة أبلة ظاظا فيا! يا خرابي على شقا عمر ابنك يا سميحة!”.. بس نور مكنتش شايفة غير صورة الكدمات اللي في دراعها، وصوت كسر عضمها اللي وجع روحها قبل جسمها.
المستشار رفعت قرب من طارق وهو بيترحل، وحط إيده على كتفه ببرود قتّال ووشوشه: “الشيكات اللي كنت بتهدد بيها نور؟ أنا بلغت بضياعها وعملت محضر تزوير فيها من أسبوع، يعني الورق اللي في جيبك ده دلوقتي هو اللي هيزود ميريتك في السجــ,,ـــــن تلات سنين كمان فوق قضية النصب.. اشرب بقا يا بطل.”.. طارق وشه قلب أزرق، وبص لنور بصه كره وحقد مابتطلعش غير من شياطين، بس هي ردت عليه بنظرة هدوء خلت عقله يطير.
نور مروحتش تعيط، نور راحت على شقة الدقي، الشقة اللي شهدت خيانتهم وخططهم القذرة.. جابت “شركات نظافة” وطلبت منهم يرموا كل هدوم طارق وأمه في زبالة الشارع، مش عاوزة ريحتهم تفضل في المكان.. وهي بتلم الكركبة، لقت تحت سرير سميحة علبة خشب قديمة مقفولة بقفل حديد.. كسرت القفل، ولقت الكارثة الأكبر.. لقت عقود تانية لبيوت ومحلات في البلد، كلها مسجلة بفلوس مسروقة من نور ومن أبوها قبل ما يمــ,,ـــــوت! سميحة مكنتش بس أم بتدعم ابنها، دي كانت “رأس الأفعى” اللي بتخطط لنهب العيلة كلها من سنين.
في اللحظة دي، جرس الباب رن.. كانت “مي”، المهندسة اللي طارق كان بيفرش لها الشقة.. مي دخلت وهي بتعيط ومنهارة، أول ما شافت نور ركعت تحت رجليها: “والله ما كنت أعرف إنه متجوز! قالي إنه مطلق وإنك كنتي بتخونيه وإن الفلوس دي فلوس ورثه من أمه! أنا كمان نصب عليا وخد مني تحويشة عمري عشان يكتب لي نص الشقة باسمي وطلع كداب!”.. نور بصت لها بقرف وشفقة في نفس الوقت، وقالت لها: “قومي يا مي، إنتي كمان كنتي كوبري، بس الفرق إن أنا كوبري بفلوس، وأنتي كنتي كوبري بمشاعرك.. اطلعي على النيابة والحقي حقك قبل ما يطير.”
المحاكمة كانت “نــ,,ـــــار”.. القاعة كانت مليانة ناس، وصحفيين بيغطوا فضيحة “نصاب الدقي وأمه”.. سميحة في القفص كانت بتمثل المرض والإغماء، وطارق كان بيحاول يرمي التهمة كلها على أمه، وهي تصرخ فيه وتلعنه: “أنا اللي عملتك يا كلب! أنا اللي خططت لك وأنت تنفذ! دلوقت بتبيعني؟”.. المشهد كان مقزز، اتنين شياطين بياكلوا في بعض قدام القاضي.. نور وقفت قدام المنصة، وصوتها كان ثابت زي الجبل، حكت كل تفصيلة، ورت القاضي الكدمات اللي لسه معلمة في جسمها، وقدمت “الفلاشة” اللي فيها تسجيلات بصوتهم وهما بيضحكوا على “هبلها” وبساطتها.. القاضي هز راسه بأسى، والحكم نزل زي الصاعقة: 15 سنة سجــ,,ـــــن لطارق، و10 سنين لسميحة مع الشغل والنفاذ، ومصادرة كل ممتلكاتهم لصالح نور.
بعد الحكم، نور راحت السجــ,,ـــــن عشان تقابل طارق لآخر مرة.. كان ورا القفص، دقنه نبتت، ووشه بقى باهت وذليل.. بص لها وقال بصوت مخنوق: “نور.. سامحيني، أنا ضعت، أمي هي اللي وزتني، أنا لسه بحبك.”.. نور ضحكت ضحكة هزت جدران السجــ,,ـــــن وقالت له: “بتحبني؟ إنت مابتعرفش تحب غير نفسك يا طارق.. إنت كنت فاكر إنك الصياد وأنا الفريسة، مكنتش تعرف إن الفريسة لما بتنجرح بتبقى أشرــ,,ـــــس من الصياد مية مرة.. الشقة اللي في زايد؟ أنا حولتها لدار أيتام وسميتها باسم والدي.. والفيلا اللي في الساحل؟ بعتها وتبرعت بتمنها لمرضى القلب.. أنا غسلت فلوسي من قرفك يا طارق.. عيش بقا العشرين سنة اللي جايين وأنت بتفتكر كل لحظة ظلــ,,ـــــمتني فيها، وعيشي يا سميحة في السجــ,,ـــــن وانتي بتفتكري إن (الكوبري) هو اللي وصلكم لجهنم وبئس المصير.”
نور خرجت من السجــ,,ـــــن، الهوا كان ريحته حرية، والشمس كانت طالعة بتنور طريق جديد.. مابقتش نور الضعيفة اللي بتخاف، بقت نور اللي الدنيا كلها بتعمل لها ألف حساب.. ركبت عربيتها، وبصت في المراية، وابتسمت لنفسها وقالت: “الدرس غالي يا نور، بس استحق كل مليم.. النهاية مكنتش في البنك، النهاية بدأت لما قررت إني مش هعيش ضحية لحد تاني أبدأ.”.. وسابت وراها ماضي محروق، ومستقبل بتبنيه بإيدها القوية، وعرفت إن الوجع مابيمــ,,ـــــوتش، الوجع بيبني بني آدم مابيتكسرش.
نور كانت فاكرة إن الحكاية خلصت بكلمة “رفعت الجلسة” وبصوت الكلبشات وهي بتقفل على إيد طارق وأمه، كانت فاكرة إن الوجع هيمشي مع أول ليلة تنام فيها وهي عارفة إن حقها رجع.. بس اللي نور مكنتش تعرفه إن الأفاعي لما بتتحبس، بتسيب وراها بيض مسموم ممكن يفقس في أي لحظة.
بعد شهر من الحكم، ونور بتبدأ تفتح صفحة جديدة وبترتب مكتبها في الشركة اللي استردتها، لقت باقة ورد أسود مبعوتة لها على المكتب.. الورد كان ريحته غريبة، ريحة تشبه ريحة المــ,,ـــــوت، ومعاها كارت مكتوب عليه بخط مرعب: “الكوبري لسه متهدش، إحنا بس بنغير السلالم.. استني الزيارة يا ست الهوانم.”.. نور جسمها قشعر، وحست إن فيه عيون بتراقبها من ورا الحيطان.
المصيبة بدأت تظهر لما اكتشفت إن طارق مكنش لوحده، كان فيه طرف ثالث في اللعبة مكنش حد يعرف عنه حاجة.. “جابر”، أخو طارق الكبير اللي كان عايش بره مصر ومحدش بيسمع عنه خبر، رد السجون اللي سميحة كانت مخبياه عن الكل وبتصرف عليه من ورا طارق نفسه.. جابر رجع مصر، ورجع مش عشان يلم الشمل، ده رجع عشان ينتقم لأمه وأخوه ويسترد “الميراث” اللي نور خدته بحكم المحكمة.
نور بدأت تحس بحركات غريبة حواليها؛ فرامل عربيتها اتمقصت ولولا ستر ربنا كانت عملت دــ,,ـــــادثة تمــ,,ـــــوتها، بيتها الجديد في زايد كان بيدخله حد ويغير مكان الحاجة ويخرج من غير ما يسرق مليم، كأنه بيقولها “أنا جوه حياتك ومقدر عليكي”.. الرعب بدأ ياكل في أعصاب نور، بس هي مكنتش لسه خلصت قوتها.. كلمت المستشار رفعت وقالت له: “يا خالو، الحكاية مخلصتش، سميحة لسه بتبخ سمها من ورا القضبان عن طريق ابنها التاني.”
في ليلة ضلمة والمطر فيها كان بيضــ,,ـــــرب الشباك بقوة، نور كانت قاعدة لوحدها، وفجأة النور انقطع عن الفيلا كلها.. سمعت صوت خطوات تقيلة ومستقرة بتمشي في الصالة بره.. خطوات حد مش خايف، حد جاي ينهي حكاية.. نور سحبت مسدس مرخص كانت شرياه للأمان، ووقفت ورا الباب وقلبها بيدق لدرجة إنها سامعة دقاته في ودنها.. الباب اتفتح ببطء، ودخل جابر، بطوله الضخم ووشه اللي كله ندبات، وفي إيده سكــ,,ـــــين مطبخ كبيرة كانت نور لسه شارياها.
جابر بصوت غليظ ومرعب قال: “نور.. أنتي فاكرة إن شوية ورق وقضاة هيحميكي مننا؟ سميحة هي اللي عملتني، وأنا جيت أرد لها الجميل.. المليون جنيه بتوع القرض؟ أنتي هتدفعي تمنهم دم يا حلوة.”.. نور ماردتش بالكلام، نور ردت بالفعل.. شغلت كشاف قوي في وشه عماه لثواني، وفي اللحظة دي ضــ,,ـــــربت طلقة في الهوا وصوتت بأعلى صوتها.. بس جابر مكنش بيخاف، هجم عليها وزقها على الحيطة وخنقها بإيده القوية: “محدش هيسمعك، الفيلا معزولة، والنهاردة هتمــ,,ـــــوتي مقتولة في محاولة سرقة، والورث هيرجع لورثة طارق الشرعيين.”
وهي بتنازع المــ,,ـــــوت، نور قدرت توصل لـ “جهاز إنذار” صغير كانت حطاه في جيبها، ضغطت عليه.. وفي ثواني، الفيلا كلها نورت بأنوار حمراء وزرقاء وصوت سرينة الشرطة ملى المكان.. مكنتش لوحدها، كانت عاملة “فخ” بالاتفاق مع رفعت والشرطة لأنهم كانوا مراقبين جابر من ساعة ما وصل مصر.. جابر حاول يهرب من الشباك، بس الرصاص كان أسرع منه، انصاب في رجله ووقع يصرخ زي الكلب المسعور.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
المستشار رفعت دخل والشرطة وراه، وقرب من جابر وهو بيترمي في الكلبشات وقال له: “أنت وعيلتك أغبياء.. افتكرت إن نور لسه البنت الهبلة اللي بتصدق التمثيل؟ نور هي اللي ججرتك لحد هنا عشان تقفل ملف عيلة طارق للأبد.”.. نور وقفت، عدلت هدومها، وبصت لجابر وهو بيتسحل بره، وقالت له ببرود يخلي الدم يتجمد: “قول لأمك إن الكوبري وقع فوق دماغكم كلكم.. والورد الأسود اللي بعته؟ أنا هبعتهولكم في السجــ,,ـــــن كل سنة في ذكرى اليوم اللي فكرتم فيه تلمسوا شعرة مني.”
نور مراحتش تنام بعد المعمعة دي، راحت السجــ,,ـــــن تاني الصبح.. طلبت تقابل سميحة.. سميحة كانت فاكرة إن جابر خلص المهمة، ودخلت بابتسامة نصر، بس أول ما شافت نور، وشها وقع.. نور طلعت صورة جابر وهو متكلبش ومصاب ورمتها قدامها: “ابنك التاني حصل أخوه.. وعقود البلد اللي كنتي مخبياها؟ أنا اكتشفت إنها متزورة بختم نسر مضروب، وده معناه قضية تزوير جديدة هتشيلك مؤبد يا سميحة.”
سميحة بدأت تصرخ وتخبط راسها في السلك، ونور وقفت بكل شموخ وقالت لها: “أنا مابقتش نور (الكوبري)، أنا بقيت نور (السد) اللي هيغرقكم كلكم.. الفلوس اللي كنتي عاوزة تسرقيها، أنا بنيت بيها مسجد ومستشفى غسيل كلوي في بلدكم، عشان كل ما الناس تدعي فيها، تفتكر إنها بفلوس الحرام اللي كنتي بتجمعيها وأنا اللي طهرتها بالخير.”.. سابتها وخرجت، وهي عارفة إن المرة دي الحكاية خلصت بجد.. مفيش أفاعي تانية، مفيش بيض مسموم.. فيه بس “نور” اللي قدرت تحول الرماد لدهب، والخيانة لدرع مبيخترقوش الرصاص.
نور النهاردة بتمشي في شركتها، الكل بيعمل لها ألف حساب، مش خوفاً منها، لكن احتراماً لست قدرت تفرم اللي ظلــ,,ـــــمها من غير ما توســ,,ـــــخ إيدها، ست عرفت إن القوة مش في سرقة الناس، القوة في إنك تكوني صخرة مابتتهزش مهما كانت العاصفة شديدة.. والدرس الأخير اللي علمته للكل: “إياك تستهين بدموع الست، لأن الست لما بتمسح دموعها، بتمسح معاها أي حد كان السبب فيها.”
نور كانت فاكرة إن بعد ما جابر اتمسك وإن سميحة وطارق بقوا ورا القضبان إن الدنيا هتضحك لها أخيراً، بس الحقيقة إن اللي بيزرع شر مابيحصدش غير شوية رماد بيفضلوا يطيروا في وشه طول العمر، القصة مكنتش مجرد سرقة فلوس ولا تمثيلية حب، القصة طلعت أعمق وأخطر بكتير من اللي نور كانت تتخيله، في يوم وهي بتصفي أوراق قديمة في مكتب أبوها الله يرحمه، لقت خزانة صغيرة مستخبية ورا البرواز الكبير، الخزانة دي مكنش حد يعرف سرها غير أبوها، وبصعوبة قدرت تفتحها، ولقت جواها مذكرات أبوها بخطه المهزوز، مذكرات كانت الصدمة اللي جمدت الدم في عروقها للمرة المليون، المذكرات بتقول إن طارق مكنش مجرد واحد دخل حياتها بالصدفة، ده كان “مشروع انتقام” متخطط له من عشرين سنة، أبو طارق زمان كان شريك أبو نور، وحاول يسرقه، ولما أبو نور كشفه وطرده، الراجل مات بجلطة من قهره، وسميحة من يومها ربت طارق وجابر على غل ملوش آخر، وحلفت إنها هترجع “حقها” عن طريق نور، يعني جواز طارق منها مكنش عشان فلوسها بس، ده كان عشان يكسر قلب بنت الراجل اللي دمر عيلتهم زمان.
نور حست إنها كانت عايشة وسط “تمثيلية” طول حياتها، إن كل كلمة حب، كل لمسة، كل ضحكة من طارق كانت عبارة عن طــ,,ـــــعنة متأجلة، الغريب إنها لقت في آخر المذكرات ورقة صغيرة مكتوب عليها: “لو مت يا نور، اعرفي إن طارق مش لوحده، فيه طرف رابع هو اللي بيمولهم، طرف مكنتش أتخيل إنه يغدر بيا”، وهنا الرعب الحقيقي بدأ، مين الطرف الرابع ده؟ وهي بتدور، لقت صورة قديمة لأبوها مع واحد صاحبه، الصدمة كانت إن الراجل اللي في الصورة هو “المستشار رفعت” نفسه! خالها اللي كانت فاكرة إنه ضهرها وسندها، طلعت الورقة بتقول إنه كان شريك في المؤامرة عشان ياخد نصيبه من الشركة اللي طارق كان هيسرقها، يعني رفعت كان بيمثل إنه بيساعدها عشان يضمن إن طارق يقع وهو اللي يسيطر على كل حاجة في الآخر، نور حست إن الحيطان بتلف بيها، الكل خاين، الكل بيمثل، الكل عاوز ينهش في لحمها وهي واقفة لوحدها في نص الدايرة.
نور مابينتش لرفعت إنها عرفت حاجة، فضلت تتعامل معاه بذكاء القطط، وفهمت إنه بيحاول يمضيها على ورق “توكيل عام” عشان يدير أملاكها بعد ما طارق اتسجــ,,ـــــن، وفي ليلة المواجهة الكبرى، نور عزمت رفعت في الفيلا، وقعدت معاه بكل هدوء، وقالت له: “عارف يا خالو، أبويا ساب لي أغلى حاجة في الدنيا قبل ما يمــ,,ـــــوت، ساب لي الحقيقة”، رفعت وشه اتقلب وسأل ببرود: “حقيقة إيه يا بنتي؟”، نور طلعت المذكرات ورمتها قدامه: “حقيقتك إنت وسميحة وطارق، حقيقة الغدر اللي عشت فيه سنين”، رفعت ملامحه اتغيرت تماماً، ضحك ضحكة قوية ومرعبة وطلع مسدس من جيبه: “كنت أتمنى إنك تفضلي غبية يا نور، بس إنتي اللي اخترتي النهاية، أنا اللي شجعت طارق يدخل حياتك، وأنا اللي كنت بخلص له الأوراق، والنهاردة الفيلم ده لازم يخلص، والورثة الشرعيين هما اللي هيستلموا كل حاجة بعد مــ,,ـــــوتك”.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات
نور كانت محضرة مفاجأة مكنتش تخطر على بال شيطان، الفيلا كانت متوصلة بـ “بث مباشر” لمكتب النائب العام، وكل كلمة رفعت قالها كانت بتتسجل صوت وصورة، وفي لحظة ما كان هيدوس على الزناد، الباب اتكسر ودخلت قوة من العمليات الخاصة، رفعت حاول يهرب بس الرصاص كان أسرع، وقع في نص الصالة والورق اللي كان عاوز يسرقه اتغرق بدمه، نور وقفت فوق راسه وهي بتبص له باحتقار: “كنت فاكر إنك الصياد يا رفعت؟ أنا اللي كنت بجرجرك للنهاية دي من يوم ما شفتك في البنك، أنا عمري ما وثقت في حد من يوم ما طارق كسر دراعي، أنا تعلمت إن السند الوحيد ليا هو ذكائي وعقلي”، رفعت مات وهو باصص لنور بذهول، وكأن الضحية هي اللي بقت الجلاد في الآخر.
نور راحت السجــ,,ـــــن للمرة الأخيرة، بس المرة دي دخلت لسميحة وطارق وهما في زنزانة واحدة قبل ترحيلهم للسجــ,,ـــــن العمومي، رمت لهم مذكرات أبوها وقالت لهم: “خالكم رفعت مات، والسر اللي كنتم مخبيينه بقا فضيحة على كل لسان، أبويا مكسركوش زمان، إنتوا اللي كسرتم نفسكم بطمعكم، وأنا النهاردة قفلت كتاب عيلتكم للأبد”، طارق كان بيعيط ومنهار، وسميحة كانت بتهلوس بكلام مش مفهوم، نور خرجت من السجــ,,ـــــن، وطلبت من المحامي الجديد بتاعها يبيع كل أملاكها في مصر، وقررت تسافر وتبدأ حياة جديدة في مكان ميهمش فيه حد هي بنت مين ولا معاها كام، وقبل ما تركب الطيارة، بصت للسما وقالت: “حقك رجع يا بابا، ونورك يا نور فضل منور رغم كل الضلمة اللي حاولوا يدفــ,,ـــــنوكي فيها”، وركبت الطيارة وهي عارفة إن القوة الحقيقية مش في إنك تأذي اللي أذاك، القوة إنك تمسحهم من ذاكرتك وكأنهم مكنوش موجودين، وتعيش حياتك بانتصار ملوش نهاية، وهكذا انتهت أسطورة “الكوبري” اللي تحول لسد عالي، غرق كل اللي حاولوا يعدوا عليه بالغدر.
إليك (بعد مرور 10 سنوات):
بعد عشر سنين من ليلة الفيلا والدم، وفي مدينة سياحية هادية في أوروبا، كانت فيه ست في الأربعينات، ملامحها هادية جداً بس فيها هيبة تخلي أي حد يوطي راسه وهو بيمر من جنبها. الست دي هي “نور”، بس مابقاش اسمها نور.. غيرت هويتها، وغيرت حياتها، وبقت صاحبة أكبر سلسلة فنادق دولية.
في يوم، جالها طرد على مكتبها من مصر.. فتحته ببرود، لقت فيه تقرير طبي وصور. التقرير كان بيقول إن “طارق” مات في السجــ,,ـــــن بعد صراع طويل مع المرض والوحدة، وإن أمه “سميحة” فقدت عقلها تماماً وبقت بتهيم في عنابر السجــ,,ـــــن وهي بتنادي على “نور” وتطلب منها لقمة، كأن الزمن دار ورجعت هي اللي شحاتة وذليلة.
نور مابكتش، ولا حتى فرحت.. هي بس طلعت من درج مكتبها “مفتاح” قديم، مفتاح شقة الدقي اللي شهدت كسر دراعها. بصت للمفتاح وقالت بابتسامة خفيفة: “العدل مش إنهم يمــ,,ـــــوتوا.. العدل إنهم عاشوا لحد ما شافوا الكوبري وهو بيتحول لبرج عالي هما مش طايلين حتى يبصوا عليه.”
نور قامت وقفت قدام الشباك اللي بيطل على البحر، وطلعت تليفونها وبعتت رسالة أخيرة للمحامي بتاعها في مصر: “نفذ الوصية.”
الوصية كانت عبارة عن قرار بهدم شقة الدقي، وبناء “مدرسة للحقوق والقانون” مكانها، مدرسة بتعلم الأجيال الجديدة إن “العقود” مش بس ورق، العقود دي عهود، واللي بيخون العهد، مكانه في مزبلة التاريخ.
وفي اللحظة دي، نور رمت المفتاح القديم في نص البحر، وشافت وهو بيغرق في الأعماق.. ومعاه غرقت آخر ذكرى لعيلة طارق وسميحة ورفعت.
نور النهاردة مش بس ست ناجحة، دي بقت رمز لكل ست اتكسرت وقامت أقوى.. والحكاية مخلصتش بمــ,,ـــــوتهم، الحكاية بدأت لما نور عرفت إن “أعظم انتقام هو إنك تنجح لدرجة إن أعداءك يمــ,,ـــــوتوا من القهر وهم بيتفرجوا عليك من بعيد.”
تمت الرواية بالكامل..


تعليقات
إرسال تعليق