طَفح الكَيـل كـاملة بقلـم انجي الخطيب
طَفح الكَيـل كـاملة بقلـم انجي الخطيب
اتفضلوا، اتفضلوا يا جماعة نورتونا! ادخلوا الصالون.. أنغام خلاص بتفنش الأكل، هي شيف ممتازة الصراحة، بس ساعات إيدها بتفرط في الملح شوية.
أنغام وقفت مكانها والمعلقة في إيدها.. حست بنغزة في قلبها تاني يا وائل؟ تاني! يا ربي هو ليه لازم يعمل كدة كل مرة قدام الناس؟
دخل الصالون أربعة.. شريف ومراته علا، وهاني ومراته منى. أنغام مكنتش تعرفهم أوي، مجرد زمالة شغل مع جوزها وبيقابلوا بعض في المناسبات الرسمية.
إزيك يا أنغام؟ علا دخلت المطبخ ووشها بشوش ما شاء الله، الريحة تجنن بجد!
الله يسلمك يا حبيبتي، نورتي أنغام رسمت ابتسامة بالعافية وبصت لجوزها بضيق مكتوم ثواني والأكل يكون جاهز.
أنغام عاملة لنا فراخ بصوص ملوش حل وائل قالها وهو بيصب العصير للضيوف، وكمل بضحكة باردة بس المرة اللي فاتت كانت دسمة
زيادة عن اللزوم، إن شاء الله تكون اتعلمت من غلطتها المرة دي.
أنغام جزت على سنانها من الوجع النفسي.. دسمة؟ ده المرة اللي فاتت الكل كان هيتجنن على طعمها وطلبوا منها الطريقة!
يا وائل متحبكهاش على مراتك شريف ضحك عشان يلطف الجو إحنا عندنا علا م بتدخلش المطبخ أصلاً، وعايشين على الدليفري.
علا ردت بدلع بس أنا عندي مواهب تانية كتير يا شيف شريف، والكل ضحك.
أنغام طفت النار وبدأت تغرف الأطباق وإيدها بتترعش من كتر الغيظ.. ليه بيعمل كدة؟ أنا مش طلبت منه مية مرة بلاش الهزار اللي بيقلل مني ده قدام الناس؟
العشا جاهز يا جماعة، اتفضلوا قالتها وهي بتحاول تداري ملامحها المرهقة بابتسامة باهتة.
الكل قعد وبدأوا يدوقوا.. وعلامات الرضا كانت واضحة جداً على وشوشهم.
لا يا أنغام، دي وهمية! منى شهقت من كتر الإعجاب
الصوص ده طعمه غني جداً.. بجد تسلم إيدك، جبتي الوصفة دي منين؟
أبداً يا حبيبتي، ده اجتهاد شخصي أنغام بدأت تهدا شوية أهم حاجة إن الفراخ متغيبش في النار عشان متشدش..
أيوه، أنغام عندنا غاوية تجارب وكيميا في المطبخ وائل اتدخل بسخرية وهو بيمضغ وساعات الحظ بيضرب معاها وبيطلع الأكل يتاكل فعلاً.
لحظة صمت غريبة سادت المكان.. الضيوف بصوا لبعض بذهول، مش عارفين يردوا على هزار جوزها اللي ملوش طعم ده إزاي.
وائل، إيه الكلام ده؟ علا بصت له بلوم الأكل طعمه خيالي، حرام عليك.
يا جماعة أنا بهزر وائل رفع إيده ببراءة مصطنعة أنا بس صريح.. وأنغام عارفة إني بحب الصراحة والوضوح في بيتنا.
أنغام كانت بتبص له والنار قايدة جواها.. صراحة؟ طب ما يصرح ويقول إنه مبيعرفش يسلق بيضة حتى!
وحضرتك بتعرف تطبخ يا أستاذ وائل؟ منى
سألت فجأة بنبرة باردة ومباشرة.
أنا؟ لا طبعاً رد بعدم اهتمام أنا راجل شغلي صعب ومسؤولياتي كتير، وبرجع البيت محتاج أرتاح.. المطبخ ده مملكة الست.
تمام.. وجهة نظر مريحة جداً منى هزت راسها بابتسامة صفراء كملت المعنى.
بقية السهرة عدت في هدوء تقيل.. أنغام كانت حاضرة بجسمها بس، بترد بكلمات مقتضبة. الفكرة كانت بتلف في دماغها زي الدوامة إزاي يهون عليه يكسر فرحتي قدامهم؟ أنا مش حذرته قبل كدة؟
أول ما الضيوف مشيوا، أنغام بدأت تلم الأطباق وترصها في الغسالة بعنف لدرجة إن الأطباق كانت بتخبط في بعضها وتعمل صوت عالي.. ووائل اتمدد على الكنبة بكل برود، وفتح التليفزيون على ماتش كورة وعلا صوته للآخر.
الليلة كانت لطيفة قالها وهو عينه على الشاشة شريف شكر جداً في الفراخ بتاعتك.
أنغام رزعت باب غسالة الأطباق بقوة لدرجة إن المواعين رنت جوه،
وبصت له بصة كانت كفيلة إنها تحرق الصالة كلها.
حقك عليّ، الصبر طيب! أنا فعلاً اندمجت في الحوار ونسيت إن القصة الأصلية فيها تفاصيل أكتر بكتير، خصوصاً المواجهة مع أهله وموقف تورتة النابليون.
إنت بتتكلم جد يا وائل؟ عشان جملة قولتها في وسط الناس، تنهي نظام البيت وتخليني أخدم نفسي؟
أنغام بصت له بمنتهى الثبات الموضوع مش موضوع أكلة يا وائل.. الموضوع إنك بقالك 14 سنة بتستصغرني قدام الناس، وبتبني كرامتك وهزارك على حساب تعبي. أنا قولتلك المرة اللي فاتت لو كررته هتاكل من إيدك، وأنا عند كلمتي.
سابته ونامت، ومن تاني يوم بدأ نظام الاستقلال. أنغام تقوم الصبح تفطر لوحدها، وتعمل لنفسها أحلى صنف غدا، وهو يدخل المطبخ يلاقي البوتاجاز بيلمع والأواني فاضية. في الأول وائل خدها بعند يعني هغلب؟ الدليفري
مالي البلد، بس بعد أسبوعين معدته بدأت تشتكي، وميزانيته بدأت تخرم، وبقى يرجع من الشغل يشم ريحة أكلها اللي يجنن وهو يروح يسلق بيضتين يشرق فيهم.
مر شهرين، ووائل لسه بيكابر.. لحد ما جه يوم عزومة أهله. وائل كان فاكر إن الواجب هيخلي أنغام تتنازل وتطبخ للكل، خصوصاً إن أمه بتموت في البط بالمرتة من إيد أنغام.
أنغام فعلاً وقفت في المطبخ من الصبح، والريحة كانت تجيب اللي في آخر الشارع. أهله وصلوا، والست والدته دخلت المطبخ وهي بتقول تسلم إيدك يا بنتي، الريحة فكرتني ببط ستي الله يرحمها.
لما جم يقعدوا على السفرة، الصدمة كانت كبيرة.. أنغام حطت لنفسها طبق واحد فيه قطعة بط وشوية محشي، ووائل دخل المطبخ وطلع ومعاه حلة مكرونة مسلوقة وعلبة تونة!
إيه ده يا وائل؟ أمه سألت بذهول فين البط يا ابني؟ وليه أنغام
بتاكل لوحدها كدة؟
أنغام ردت ببرود أنا عملت بط لنفسي يا طنط، ووائل قرر من فترة إنه يعتمد على نفسه في المطبخ، أصله شايف إن أكلي دايماً فيه غلطة، فقلت أسيب له المجال يبهرنا بمواهبه.
حماتها بصت لوائل بحدة بقى كدة يا وائل؟ ده إنت كنت بتيجي تحكي لي إن أنغام دي شيف برنسيسة، تقوم تكسر بخاطرها قدام الناس وتخليها تحلف ما تطبخ لك لقمة؟
وائل وشه بقى ألوان يا أمي كنت بهزر.. كانت نكتة!
أبوه اتدخل بصوت جهوري دي مش نكتة يا فلح، ده قلة أصل. اللي يقلل من قيمة مراته وتعبها عشان يضحك الناس، ميبقاش عارف قيمة النعمة اللي في إيده.
يومها وائل اتعشى مكرونة وتونة في ليلة كانت تقيلة على قلبه أكتر من معدته. وبعد ما أهله مشيوا وهم متضايقين من تصرفه، دخل لأنغام المطبخ وكان باين عليه إنه فعلاً اتهد.
أنغام.. أنا
خسيت النص، وميزانيتي ضاعت، وكرامتي قدام أهلي وصحابي بقت في الأرض. أنا عرفت إن الكلمة اللي كنت بستسهلها كانت بتموت فيكي حاجة حلوة.
أنغام وقفت وبصت له أنا مش عاوزة أذلّك يا وائل، أنا بس كنت عاوزاك تفرق بين الهزار و التحقير. لما تمدحني قدام الناس، إنت بتكبر بيا وبتكبر بيا.. لكن لما بتهزأني، إنت بتبان صغير في نظرهم قبل نظري.
حقك عليا.. والله ما هفتح بؤي بكلمة تضايقك تاني. أنا عرفت إن البيت من غير طفسك ونفسك في الأكل ملوش طعم.
أنغام ابتسمت نص ابتسامة وقالت له المرة دي سماح.. بس افتكر، المرة الجاية مفيش حتى مكرونة وتونة، هتبقى هي الجبنة القديمة وصحتين على قلبك.
ومن يومها، وائل بقى أول واحد يدافع عن أنغام، ولو حد فكر بس يهزر، يقولهم دي ست الكل، اللي ملوش
خير في أكله ملوش خير في أهله.
النهاية


تعليقات
إرسال تعليق