الهدوم القديمة تكشف السر
الهدوم القديمة تكشف السر
مختفية من 14 سنة.. أخوها لقى "فانلة" وردي تحت مرتبة جده، وفي اللحظة دي كل اللي العيلة دفنته بدأ يتنفس تاني! جمال كان عنده 18 سنة لما طلع أوضة جده "الحاج محمود" عشان يساعد في رمي المرتبة القديمة، الجو كان تقيل كأن المكان شايل سر ومش عايز يطلعه، أول ما الفانلة وقعت على الأرض وقلبه اتقبض، حس إن فيه حاجة أكبر من مجرد ذكرى، حاجة مدفونة ومستخبية بقالها سنين طويلة، ولما قال إن دي بتاعة مريم، الاسم اللي محدش في البيت بقى يجيبه غير همس، الدنيا سكتت كأن الزمن رجع لورا فجأة، ومبقاش في صوت غير دقات قلبه اللي بتخبط في صدره، عم مارك حاول ينكر بس عينيه فضحته، لإنه هو كمان فاكر، فاكر اللي حصل يوم ما مريم اختفت فجأة من غير أي أثر، البوليس جه وبدأ يقلب الأوضة، ولما الظابطة نهى نورت الكشاف تحت السرير، عنيها وسعت بصدمة، لإن اللي كان مستخبي هناك مكانش جثة زي ما الكل متوقع، كان باب خشب صغير مدفون في الأرض،
باب واضح إنه معمول بإيد حد وعليه مسامير قديمة، كأنه متقفل بسرعة وخوف، جمال قرب وهو مش فاهم، والظابطة قالت بصوت واطي: “حد كان مخبي حاجة هنا… مش من قريب”، فتحوا الباب بصعوبة، صوت الخشب وهو بيتفك كان مرعب، ومع أول فتحة، طلعت ريحة تقيلة، خليط بين عفونة ورطوبة وزمن متحبس، نزلوا بكشاف في الفتحة، لقوا مساحة ضيقة تحت الأرض، زي سرداب صغير، وعلى الأرض كان فيه بقايا قماش، زجاجة مية فاضية، وسلسلة حديد متربطة في حلقة في الحيطة، قلب جمال وقع في رجله، لإن الحقيقة كانت أوضح من أي كلام: مريم ماكنتش ميتة وقتها… كانت محبوسة، ليلى الأم وقعت على الأرض من غير صوت، دموعها نازلة بس كأن روحها هي اللي بتصرخ مش جسمها، الظابطة طلبت دعم فوري، وبدأ التحقيق الحقيقي، ومع أول استجواب، عم مارك انهار، اعترف إن الحاج محمود كان شايف إن مريم “خرجت عن طوعه” لما حبت واحد من برا العيلة، شاب بسيط مكنش على مزاجه، وفي ليلة سودا،
بعد خناقة كبيرة، اختفت مريم، الكل افتكر إنها هربت، بس الحقيقة إنها اتحبست تحت البيت، بإيده هو، وبمساعدة مارك اللي خاف يعارضه، قال إنهم كانوا بيدوها أكل ومية في الأول، وكان الحاج محمود بيقول إنها “هتتعلم الأدب وترجع لعقلها”، بس الأيام عدت، ومحدش لاحظ إن صوتها اختفى تدريجيًا، لحد ما بقى في صمت تام، مارك قال وهو بيعيط: “أنا افتكرت إنها ماتت… وهو قالي إنه دفنها بره… وأنا صدقته… خفت… سكت”، لكن لما فتحوا المكان بالكامل، الحقيقة كانت أقسى، لقوا بقايا عظام، صغيرة وهشة، ومعاها نفس الفانلة الوردي، وكأنها كانت آخر حاجة حضنتها قبل ما الدنيا تقفل عليها، الطب الشرعي أكد إن الوفاة حصلت بعد فترة من الحبس، مش فورًا، يعني مريم عاشت أيام، يمكن أسابيع، وهي تحت البيت، لوحدها، بتستنى حد ينقذها ومحدش جه، جمال ساعتها حس إن البيت كله بيقع عليه، كل ذكرى، كل ضحكة، كل لحظة كانت كدبة كبيرة، ليلى فضلت شهور مش بتتكلم،
قاعدة قدام أوضة بنتها الفاضية كأنها مستنية ترجع، أما مارك اتحاكم، وكل كلمة قالها كانت بتغرقه أكتر، أما الحاج محمود، فحتى بعد موته، الحقيقة لحقتو، بقى اسمه مربوط بجريمة محدش كان يتخيلها، وبعد كل ده، جمال قرر يسيب البيت، لأنه مبقاش بيت، بقى شاهد على خيانة وخوف وسكوت قتل إنسانة بريئة، بس قبل ما يمشي، رجع وقف قدام المكان اللي كان تحت السرير، وبص وقال بصوت مكسور: “حقك رجع يا مريم… بس يا ريتنا كنا لقيناكي بدري”، وفي اللحظة دي بس، حس إن الحمل اللي على صدره خف شوية، بس الندم… الندم فضل ساكن جواه للأبد.
بعد ما الحقيقة خرجت للنور، الكل كان فاكر إن القصة خلصت، وإن أقصى وجع خلاص اتقال واتشاف، بس اللي محدش كان مستعد له إن الحكاية لسه في أولها، لأن مش كل الأسرار كانت تحت السرير… بعضها كان مستخبي جوه القلوب، وجمال، اللي حاول يمشي ويهرب من البيت اللي بقى كابوس، مقدرش يبعد فعلاً، كان فيه إحساس بيشده
يرجع،
إحساس إن مريم لسه ما حكتش كل اللي حصلها، وإن اللي اتكشف مجرد أول طبقة من مصيبة أكبر بكتير.
في أول ليلة بعد دفن بقايا مريم، جمال نام بالعافية، ولأول مرة من سنين، شافها في الحلم… مريم، مش صغيرة زي ما فاكرها، كانت أكبر، وشها شاحب بس عينيها فيها نفس النظرة، نظرة خوف واستغاثة، وقفت قدامه وقالت جملة واحدة بس: “مش لوحدي…” وصحى مفزوع، قلبه بيدق بعنف، الجملة دي فضلت ترن في ودانه طول اليوم، مش لوحدي؟ يعني إيه؟ يعني كان فيه حد تاني؟
رجع البيت تاني يوم، رغم إن كل حاجة جواه كانت رافضة، دخل أوضة جده، اللي بقت متقفلة بالشمع الأحمر، بس قدر يدخل بتصريح من الظابطة نهى، اللي بدأت هي كمان تحس إن في حاجة مش مظبوطة، خصوصًا بعد ما جمال حكى لها الحلم، حاولت تقنع نفسها إنه مجرد صدمة نفسية، بس حدسها كان بيقول غير كده.
بدأ جمال يبص في كل تفصيلة في الأوضة، مش كواحد بينضف، لكن كواحد بيدور على روح تايهة، فتح
الأدراج، قلب الورق القديم، لحد ما لقى دفتر صغير مستخبي ورا لوح خشب مفكوك، الدفتر كان قديم، وغلافه مهري، فتحه بإيد مرتعشة، واكتشف إنه مذكرات… مش بتاعة جده، لكن بخط بنت، أول صفحة كان مكتوب فيها: “أنا مريم… لو حد لقى الدفتر ده، يبقى أنا غالبًا مش عايشة.”
نفسه اتقطع وهو بيقرا، وكل كلمة كانت بتكسر فيه حتة، مريم كانت بتكتب عن أول يوم اتحبست فيه، عن صراخها، عن توسلاتها، عن خوفها من الضلمة، عن صوت الخطوات فوقها وهي بتستنى حد ينزل، ووسط الكلام، جملة خلت الدم يجمد في عروقه: “مش أنا بس… في واحدة تانية قبلي… سمعت صوتها… كانت بتعيط في الضلمة…”
جمال حس إن الأرض بتميد بيه، واحدة تانية؟ يعني مريم ماكنتش أول ضحية؟ جري على الظابطة نهى، واداها الدفتر، قعدت تقراه بتركيز، وكل ما تكمل صفحة، ملامحها كانت بتتغير، لحد ما قفلت الدفتر وقالت بحزم: “إحنا لازم نفتح المكان ده تاني… بالكامل.”
رجعوا للسرداب، المرة دي مش
بس يفتشوا، لكن يحفروا، يكسروا الأرضية، يشيلوا كل حاجة، وفعلاً، بعد ساعات من الحفر، لقوا حاجة تانية… بقايا عظام أقدم، أقدم بكتير، ومعاها خاتم فضة محفور عليه اسم: “نادية”.
الاسم وقع زي الصاعقة على ليلى، اللي كانت واقفة بتتفرج، أول ما سمعت الاسم، صرخت ووقعت، لأنها كانت عارفة… نادية كانت أختها… اختفت من 25 سنة، وقالوا وقتها إنها هربت، نفس الكدبة… نفس السيناريو… نفس النهاية.
الحقيقة بقت أوضح وأبشع: الحاج محمود ماكنش مجرد راجل قاسي… كان بيخبي جرايمه تحت رجليهم، وكل مرة يختار ضحية، وكل مرة العيلة تسكت، تخاف، أو تتغاضى.
مارك، لما واجهوه بالاكتشاف الجديد، انهار أكتر، واعترف إن نادية كمان اتحبست بنفس الطريقة، وإنه كان أصغر ومش فاهم وقتها، وإنه عاش عمره كله خايف، وإن مريم لما حصل لها نفس اللي حصل لنادية، حس إن التاريخ بيعيد نفسه، بس جبنه خلاه يسكت تاني.
القضية قلبت البلد، بقت حديث الناس، مش مجرد
اختفاء بنت، لكن سلسلة جرايم مدفونة سنين، والبيت اتحول من بيت عيلة لمسرح رعب حقيقي.
جمال، رغم كل الألم، قرر يكمل، بدأ يدور في تاريخ جده، علاقاته، أي حد اختفى فجأة وكان ليه علاقة بيه، وكل ما يحفر، يلاقي خيوط أكتر، كأن الحكاية مالهاش نهاية.
وفي ليلة تانية، بعد ما رجع مرهق، حلم بمريم تاني، بس المرة دي ماكنتش لوحدها، كانت واقفة جنب بنت تانية، ملامحها شبه ليلى، فهم على طول إنها نادية، الاتنين كانوا بيبصوا له، ومريم قالت له: “فيه غيرنا… دور كويس…”
صحى وهو عارف إن النهاية لسه بعيدة، وإن اللي حصل لعيلته ممكن يكون جزء من حاجة أكبر، شبكة أسرار، أو تاريخ أسود محدش فتحه قبل كده.
وقف قدام البيت، بص له نظرة طويلة، وقال لنفسه: “أنا مش همشي… مش قبل ما أعرف كل حاجة… ومش قبل ما كل اللي اتظلموا يرتاحوا.”
ومن اللحظة دي، جمال مبقاش مجرد أخ بيدور على حق أخته… بقى واحد بيحارب ماضي كامل، ماضي مليان دم وسكوت،
ومهما كان التمن… كان مستعد يدفعه.


تعليقات
إرسال تعليق