بابا… ضهري واجعني جدًا ومش قادرة أنام… وماما قالتلي ماقولكش."
"بابا… ضهري واجعني جدًا ومش قادرة أنام… وماما قالتلي ماقولكش."
كنت لسه راجع من شغل بره، داخل شقتي في مدينة نصر، لما بنتي الصغيرة همست بالسر اللي أمها كانت فاكرة إنه هيفضل مدفون.
ماعدّاش ربع ساعة على دخولي.
الشنطة لسه جنب باب الشقة…
والجاكيت مرمي على الكنبة…
وأول ما دخلت، حسّيت إن في حاجة غلط.
مافيش صوت رجلين صغيرة بتجري عليّ…
مافيش ضحك…
مافيش حضن…
بس سكون تقيل.
وفجأة سمعت صوتها من أوضة النوم…
ضعيف… مكسور… شبه الهمس:
"بابا… بالله عليك ماتزعلش… ماما قالت لو قلتلك، الدنيا هتبوظ… بس ضهري واجعني ومش عارفة أنام…"
اتجمدت مكاني في الطرقة…
إيدي لسه ماسكة الشنطة… وقلبي بيدق بعنف كأنه هيخرج من صدري.
دي مش دلع…
دي مش مبالغة…
دي خوف حقيقي.
لفّيت ناحية الأوضة… وشوفت بنتي مريم مستخبية ورا الباب نصها، كأنها خايفة حد ييجي يشدها تاني. كتافها مشدودة… وعينيها في الأرض… وشكلها صغير بطريقة توجع القلب.
قلت بهدوء:
"مريم… بابا هنا… تعالي يا حبيبتي."
ما اتحركتش.
سيبت الشنطة وقربت منها بالراحة… كأني لو استعجلت هتختفي. أول ما ركعت قدامها، جسمها اتهز… وساعتها حسّيت ببرودة غريبة جوايا.
"وجعك فين؟"
إيديها
الصغيرة كانت بتلف في طرف البيجامة لحد ما صوابعها بقت بيضا.
"ضهري…" همست… "بيوجعني طول الوقت… ماما قالت حصل بالغلط… وقالتلي ماقولكش… وقالت إنك هتزعل… وإن ممكن تحصل حاجات وحشة…"
في اللحظة دي… حاجة جوايا اتكسرت.
مديت إيدي، لكن أول ما لمست كتفها… شهقت وابتعدت:
"لو سمحت… لأ… بيوجعني."
سحبت إيدي فورًا.
الخوف طلع لحد حلقي… لكن تماسكت.
"احكيلي إيه اللي حصل."
بصت ناحية الصالة… كأنها خايفة حد يسمع.
وبعد سكوت طويل قالت:
"ماما اتعصبت… وقعت العصير… قالت إني عملت كده بقصد… زقّتني… ووقعت بضهري على إيد الباب… ماكنتش قادرة أتنفس… حسّيت إني هموت."
في اللحظة دي… نفسي اتقطع.
مش لأني مش فاهم…
لكن لأني فهمت كل حاجة.
فجأة البيت بقى غريب…
الحيطان…
السكون…
الهوا…
أنا كنت داخل على ليلة عادية…
لقيت بنتي بتتوجع وخايفة من أمها… وبتترجاني ماعرفش الحقيقة علشان ماكبرش المشكلة.
وساعتها عرفت…
إن ده لسه البداية.
لأن لما طفل يتكلم بالشكل ده…
مفيش حاجة بتفضل مستخبية.
فضلت راكع قدامها وقلت بهدوء:
"إنتِ عملتي الصح لما قولتيلي."
لكنها لسه مش قادرة تبصلي.
"بقالك قد إيه بتتوجعي؟"
"من امبارح…"
"قلتي لماما؟"
هزت راسها.
"قالتلك إيه؟"
بلعت
ريقها:
"قالت إني بكبّر الموضوع…"
الكلمة دي وجعت أكتر من أي حاجة.
قلت:
"ممكن أشوف ضهرك؟"
ترددت… وبعدين لفت ورفعت التيشيرت…
وساعتها…
الدنيا اسودت قدام عيني.
كدمة كبيرة لونها أزرق غامق… مالية أسفل ضهرها… وفي النص علامة واضحة شبه إيد الباب. وحواليها آثار قديمة مصفرة… كدمات أقدم لسه بتخف.
دي مش مرة واحدة…
ده تكرار.
نزلت هدومها بسرعة وهي مكسوفة:
"لو سمحت ماتزعقش…"
الجملة دي كسرتني.
هي مش خايفة من الألم…
هي خايفة من رد فعلي.
قلت بهدوء:
"مش هازعق… ومش هسمح لحد يأذيك تاني."
شفايفها كانت بتترعش:
"وعد؟"
"وعد."
في نفس الليلة خدتها على دكتور.
أكد الكدمات… وبدأ يسأل بحذر… وبلغ حماية الطفل.
مريم حكت الحقيقة… بصوت واطي… بس واضح.
إنها مش أول مرة…
وإن أمها بتتعصب…
وإنها كانت بتتقالها تسكت.
واتكتبت تقارير… واتسجلت أقوال…
ولأول مرة… الحقيقة ظهرت.
بالليل… أمها نهى كلمتني:
"إنتوا فين؟!" بصوت حاد.
قلت: "في المستشفى."
سكتت لحظة: "ليه؟"
"مريم قالتلي اللي حصل."
سكون…
وبعدين بسرعة: "دي بتبالغ."
"أنا شفت الكدمة."
"إنت مكبر الموضوع."
قلت بهدوء:
"لا… أنا لأول مرة بشوف الحقيقة."
قالت: "نتكلم وش لوش."
"مش النهارده… ومش هتشوفيها
غير لما تبقى في أمان."
صوتها اتغير فجأة:
"هي قالتلك إيه؟"
ساعتها فهمت كل حاجة…
ماقالتش: "هي كويسة؟"
ماقالتش: "أنا آسفة"
بس: "قالت إيه؟"
قلت:
"قالت الحقيقة."
وقفلت المكالمة.
الأسابيع اللي بعد كده كانت صعبة…
دكاترة… تحقيقات… محكمة…
مريم فضلت معايا. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
وأمها أنكرت… وبعدين قللت… وبعدين قالت ضغط… وبعدين لامتني أنا.
لكن الحقيقة كانت واضحة.
وخوف مريم كان واضح.
بعد كام شهر…
وقفت على باب أوضتها الجديدة وقالت:
"بابا… هو أنا السبب في اللي حصل؟"
ركعت قدامها وقلت:
"لا… إنتِ قلتي الحقيقة… وده مش غلط… ده شجاعة."
قالت بصوت صغير:
"بس ماما زعلانة…"
قلت بهدوء:
"الكبير مسؤول عن أفعاله… وإنتِ مش مسؤولة عن أذى حد… ولا عن نتيجة الحقيقة."
فكرت… وبعدين هزت راسها:
"تمام."
بعد سنة…
الدنيا مش مثالية…
بس أحسن.
مريم بقت تنام كويس…
بتضحك…
بتلعب…
ولو اتعورت… بتقول.
مابقتش تهمس…
وعرفت ساعتها إني خدت القرار الصح.
لأن القصة دي مش عن طلاق…
دي عن إنقاذ طفلة.
واتعلمت أهم درس:
الأطفال مش بيهمسوا بالحقيقة عشان هي صغيرة…
بيهمسوا عشان اتعلموا إنها خطيرة.
في الليلة اللي قالتلي فيها:
"ماما قالتلي ماقولكش…"
هي في الحقيقة كانت بتسأل:
"لو قلتلك الحقيقة… هتحميني؟ حتى لو كل حاجة اتغيرت؟"
وأنا…
حميتها.
آه… كل حاجة اتغيرت.
بس بنتي…
ماخسرتش نفسها علشان تعيش.
وده أهم نهاية ممكنة.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق