الطيار ضد المليونيره
الطيار ضد المليونيره
الطيارة اللي طالعة من مدريد لنيويورك كانت خلاص فاضل لها دقايق وتتحرك، لما الكابتن "دانيال" لاحظ حاجة خلت قلبه مش مستريح. في الدرجة الأولى جنب الشباك، كانت قاعدة بنت شابة لابسة بمنتهى البساطة، قاعدة بتقرأ كتاب في هدوء تام كأنها مش شايفة الفخامة والوش اللي حواليها. كانت لابسة فستان كتان كريمي بسيط، لا مكياج ولا مجوهرات ولا أي حاجة توحي إنها غنية أو ليها شأن.
على بعد خطوات بسيطة، كانت مراته "فانيسا" واقفة، متغطية ببالطوهات ماركات وماظ بيلمع، ومش عارفة تداري ضيقتها. عينيها كانت على الكرسي "2A" - أحسن مكان في الطيارة وأحلى فيو. بالنسبة لها، مكنش ينفع واحدة شكلها "عادي" كده تقعد فيه، وهي اللي متعودة دايمًا إن الكل يبص لها وتكون لها الأولوية، تضطر تقعد في مكان تاني.
"دانيال"، بخبرته اللي عدت الـ 30 سنة وثقته اللي كانت واصلة لحد الغرور، مترددش لحظة. مشي ناحية البنت، وعينيه بتفحصها من فوق لتحت بنظرة كلها حكم وتقليل. وبصوت حازم ملهوش مراجعة، أمرها تقوم وتتحرك تروح "الدرجة الاقتصادية".
البنت رفعت عينيها براحة من الكتاب. كانت هادية ورزينة ومش مهزوزة خالص، بصت في عينيه وردت عليه بكل هدوء إنها تفضل تفضل في مكانها.
الرفض الهادي ده كان كفيل إنه يشعلل نار العصبية جواه. هو مش متعود حد يكسر كلمته، خصوصًا لو حد هو شايف إنه "قليل" ومينفعش يعارضه.
اللي "دانيال" مكنش يعرفه -واللي مفيش مخلوق على الطيارة كان يتخيله- إن البنت
دي أبعد ما يكون عن "العادية". شخص واحد بس على الطيارة كان عارف الحقيقة: "مايكل"، مدير شركة الطيران، اللي كان قاعد وراها بتلات صفوف، وبيراقب الموقف والتوتر باين على ملامحه.
البنت دي اسمها "إلينور". عندها 32 سنة.. وتمتلك ثروة بمليارات. من 6 شهور بس، كانت اشترت شركة الطيران دي بالكامل، بالطيارات، بخطوط الطيران، بكل العقود -بما فيهم عقد "دانيال" نفسه، الراجل اللي واقف بيتنك عليها دلوقتي.
بس مكنش حد عارفها، وده كان بمزاجها وطلبها.
"إلينور" كبرت في عيلة قوية. أبوها بنى إمبراطورية من الصفر، بس أمها كانت مدرسة بسيطة، وهي اللي علمتها إن قيمة البني آدم الحقيقية مش بفلوسه، لكن بمعاملته للناس.
المبدأ ده هو اللي شكل حياتها. حتى بعد وفاة أمها، وحتى بعد ما ورثت الثروة المهولة دي، اختارت "إلينور" إنها تعيش في هدوء، من غير منظرة ولا "فشخرة" بالمركز.. كانت بتحب تراقب الناس وهما فاكرين إن مفيش حد "مهم" باصص عليهم.
ودلوقتي، كان بيتحكم عليها لمجرد شكلها وبس.
الكابتن، اللي عصبيته زادت، علي صوته ووضح لها إن ده مش رجاء، ده أمر. بعض الركاب كانوا بيراقبوا بفضول، والتانيين بضيق. "فانيسا" كانت مبتسمة، ومتأكدة إنها ثواني وهتاخد اللي هي عايزاه.
"إلينور" قفلت كتابها بالراحة، وعلمت الصفحة اللي وصلت لها باهتمام. حطته على حجرها وبصت له تاني. ملامحها كانت لسه هادية، بس نظرة عينيها اتغيرت تمامًا.
الصمت ساد الكابينة.
صمت طول أكتر من
الخناقة نفسها.
وبعدين، ومن غير ما تعلي صوتها ولا تفقد أعصابها، "إلينور" قالت جملة واحدة خلت مدير الشركة، اللي قاعد وراها بتلات صفوف، ينط من مكانه...
"مايكل" مدير الشركة مالحقش حتى يقرب عشان يلحق الموقف، لما سمعها بتقول بكل برود: "يا كابتن دانيال، يا ريت تراجع بند (فسخ التعاقد الفوري) في عقدك الجديد، عشان واضح إنك ماقريتوش كويس لما أنا وقعت عليه الأسبوع اللي فات."
دانيال وشه جاب ألوان، والضحكة اللي كانت على وش مراته فانيسا اتجمدت. "إلينور" كملت كلامها وهي بتبص في ساعتها: "أنا اشتريت الشركة دي عشان أصلح نظامها، وأول حاجة محتاجة تتصلح هي الغرور اللي بيخلي كابتن طيار يفتكر إنه يملك الكراسي والركاب.. تقدر تتفضل دلوقتي على مكتب المدير، لأنك مش أنت اللي هتطير بالطيارة دي النهاردة، ولا أي يوم تاني."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
مايكل وصل عندهم وهو بينهج، وبص لدانيال اللي كان مذهول وقال له بصوت واطي ومرعوب: "أنت ضيعت نفسك.. دي إلينور هانيس، صاحبة الشركة."
في لحظة، الطيارة كلها سكتت، وفانيسا كانت بتتمنى الأرض تنشق وتبلعها وهي شايفة "البنت البسيطة" بتنهي مستقبله بكلمتين، ورجعت إلينور فتحت كتابها تاني وكملت قراية ولا كأن حاجة حصلت.
دانيال وقف مكانه زي الصنم، وشه بقى أبيض زي الورقة، ومش قادر ينطق ولا كلمة. فانيسا مراته، اللي كانت لسه من ثواني حاسمة المعركة لصالحها، شيلت إيديها من على شنطتها الغالية وبقت بتبص لـ "إلينور" برعب، كأنها شافت شبح.
مايكل،
مدير الشركة، قرب بلهفة وهو بيمسح العرق من على جبينه وقال بصوت مهزوز:
"أنا بعتذر جداً يا فندم.. كابتن دانيال أكيد مكنش يقصد، هو بس..."
قطعت كلامه "إلينور" بهدوء قاتل وهي لسه باصة في كتابها:
"هو مكنش يقصد لو كنت لابسة مجوهرات زي مراته يا مايكل. لكن بما إني في نظره مجرد ركابة (عادية)، فكان مسموح له يهينني. اللي يفرق بين الناس على أساس المظاهر، مأمنوش على أرواح الركاب بتوعي."
بصت لدانيال وقالت له بلهجة قاطعة:
"اتفضل انزل من طيارتي فوراً. الكابتن المساعد هيقوم بمهمتك النهاردة لحد ما نلاقي بديل يحترم البدلة اللي لابسها."
دانيال حاول يتكلم، حاول يعتذر، لكن نظرة واحدة من مايكل خليته يفهم إن مستقبله انتهى فعلاً. لملم اللي فاضل من كرامته وخرج من الطيارة وهو جاشر عينه في الأرض، وفانيسا وراه بتجري وهي بتحاول تخبي وشها من نظرات الركاب اللي كانوا بيتهامسوا ويضحكوا عليهم.
الهدوء رجع للطيارة، ومايكل سأل "إلينور" بتوتر:
"تحبي نغيرلك الكرسي يا فندم؟ نجبلك أي حاجة تانية؟"
إلينور رفعت عينيها وبصت له بابتسامة خفيفة وقالت:
"لأ طبعاً، الكرسي ده مريح جداً والمنظر منه يجنن.. يا ريت بس تطلب من المضيفات يبدأوا إجراءات الإقلاع، مش عايزين نتأخر أكتر من كده."
مايكل انحنى باحترام وانسحب، وإلينور رجعت لصفحتها في الكتاب، كأن مفيش إمبراطورية اتهزت من شوية، وكأنها لسه مجرد بنت بسيطة بتحب القراية والهدوء.. لكن المرة دي، مفيش حد في الطيارة
كلها تجرأ يقطع خلوتها بكلمة.


تعليقات
إرسال تعليق