صوت اربع ابواب حديده قفلت فجاه
صوت اربع ابواب حديده قفلت فجاه
صوت 4 أبواب حديد اتقفلت فجأة عالي فوق صوت الرعد. من خلال الشباك الضبابان من البرد، فاطمة شافت 3 رجالة ماشيين ناحية بابها. الطين تحت الجزمة الجلدية الثقيلة بتاعتهم كان بيعمل صوت تحذير. في النص كان سيد، لابس جاكيت جلد غامق ووشه متصلب من الغرور، كأنه فلوسه ممكن تشتري الحياة نفسها.
ليلى اتكورّت على الكرسي، بتعيط بصمت. —ده هو —همست وهي بترتعش—. ست فاطمة، بالله عليكي سلميني. مش عايزة يحصل له حاجة عشان أنا. أنا خسرت خلاص.
بس فاطمة مش ست تهزم بسهولة. في الـ68 سنة حياتها، اتعلمت إن في معارك مش بتختارها، هي اللي بتختارك. افتكرت ابنها، الطفل اللي ماقدرتش تنقذه من 30 سنة، وغضب قديم، وحشي وأمومي، اتولد جوه صدرها. مسكت ليلى من كتافها بقوة خلت الكل يتفاجئ.
—اسمعي يا بنتي. في البيت ده أنا اللي باقّي، مش الكلاب دول. هتروحي أوضه آخر، اللي بابها خشب تقيل، وتقعدي تحت السرير وماتطلعيش ولا تعملي أي صوت، مهما حصل. فهمتي؟
ليلى أومأت بخوف وركضت تختبي. فاطمة طفت النور الرئيسي بسرعة، وسابت لمبة زيت وحدها تعمل ظل يخوف. بعدين مسكت المنجل وخبّته ورا ضهرها تحت الشال، وراحت على الباب الرئيسي وقت ما حد خبط 3 خبطات جامدة على الخشب.
فاطمة فتحت الباب بهدوء، ووشها باين عليه الانزعاج المحسوب.
—ايه اللي جابكم هنا بالليل تخبطوا على باب حد تاني؟ —قالت بصوت خشن.
سيد بص لها بازدراء. وراها كان في 2 بلطجي مسلحين، إيدهم على الأحزمة.
—مساء الخير يا ست —قال سيد متظاهر بالتهذيب—. بندوّر على ستة هاربة من المزرعة. قالولنا شافوها بتركض هنا. شابة، متسخة، وحامل.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
—هنا مافيش غير فراخ وطين يا ابنّي —ردّت فاطمة بلا تردد—. ولو سمحتوا، البرد بيقـ,ـتلني. روحوا دوروا في حتة تانية.
سيد ابتسم نص ابتسامة، باردة، من غير ما عيونه تتحرك. —ماتعمليش نفسها قوية يا ست كبيرة. إحنا شوفنا آثار رجلك على الباب. الآثار الصغيرة مش بتاعتك.
قبل ما فاطمة ترد، واحد من البلطجية خد خطوة لقدام ودفع الباب بعنف، فارتدت للخلف. دخلوا الصالون الصغير، والريحة تبع التبغ الغالي والمطر مالي المكان.
—هنفتش الحظيرة دي —أمر سيد.
—مش هتعبروا! —صاحت فاطمة، ماسكة المنجل ونايلة على صدر سيد—. أي خطوة زيادة وأنا بوعدكم بالخروج من هنا على رجليكم قدام.
الرجالة ضحكوا، بس سيد رفع إيده يوقفهم. العزم في عيون الست دي مش تمثيل. بس القدر كان ليه رأي تاني. في اللحظة دي، صرخة موجعة وجايه من أوضة آخر، عالية ومليانة ألم.
ضغط، خوف، المطر البارد والجري في الأرضيات، كله خلاه يحصل. ليلى دخلت في مرحلة الولادة.
سيد ابتسم ابتسامة شريرة. —شايفين؟ المشكلة هتحل لوحدها. اطلعوا.
الرجالة اتقدموا، بس فاطمة وقفت زي أسد مصاب. عملت ضـ,ـربة بالمنجل في الهوا، لمست دراع واحد منهم، رجع وراه متأذي.
—ده طفل بريء! —صرخت الأرملة، والدموع في عيونها—. ربنا مايعاقبكمش!
فجأة باب الأوضة اتفتح على طول. ليلى وقعت على الأرض، بتتلوّى من الألم، ماسكة بطنها، وسيبت أثر من الماي والدم. —ست فاطمة، أنا بمـ,ـوت! الطفل جاي! —صاحت بكل قوتها.
سيد مشي ببطء ناحية ليلى، طالع مسدس من جاكيت. —حضرتك قلتلك، ليلى. أخوك مش هيفسد حياته ولا يشارك في الميراث عشان ابن حرام.
فاطمة حست إن الدنيا وقفت. الموقف خطر جدًا. لكن فجأة، صوت موتور مختلف هز المكان. مكنش رعد، كان صوت عربية بتمشي بسرعة، بتزحف في الطين. كشافات عربية تالتة ضوت الصالون من الشباك.
واحد نزل يجري، رجله ضـ,ـربت الباب الرئيسي بعنف كاد يشيله من المفصلات.
كان راجل طويل، مبلول، عيونه محمرة من الغضب.
—سيب المسدس يا سيد! —صوت عالي.
ليلى من على الأرض رفعت عينيها وبكت. كان محمود.
الأب الحقيقي للطفل رجع.
سيد شاحب. —محمود؟! إنت هنا ليه؟ المفروض تكون في القاهرة.
—كدبت عليا! —صرخ محمود، جامد—. واحدة من الخدم ماقدرتش تكتم وبلغتني قبل ما أركب الطيارة. كل حاجة قالتها. أنت قلتلي إنها خدعتني ورجعتش، وعايزة تقتـ,ـل مراتي وطفلي!
—البنت دي عايزة فلوسنا بس! —رد سيد، موجه المسـ,ـدس لأخوه—. بابا بنى الامبراطورية، ومش هسيب ابن حرام يسرقها!
محمود مترددش، هجم على أخوه. المسدس اتطلق، كسر فازة على الحيطة، بس محمود قدر يضـ,ـربه على فكه وسيد وقع أرض. البلطجية شافوا إنه شجار دموي بين الورثة، فتركوا أسلحتهم ورجعوا وراهم.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
—اطلعوا من هنا لو مش عايزين السجن! —صاح محمود. البلطجية مش فكروا مرتين، خدوا سيد نصف مغشي عليه وهربوا تحت المطر.
لكن المأساة لسه بدأت.
ليلى صرخت مرة تانية. وشها أبيض وشفايفها بنفسجية. كانت بتفقد دم كتير.
—حبيبي! —محمود ركع جنبها، ماسك وشها بإيده—. أنا هنا، سامحيني، سامحيني بالله…
فاطمة مهدتش ثانية. نزعت المنجل وركعت جنبهم. الغريزة سيطرت.
—بطلّي تعيطي كأنك مريم المجدلية وساعدني يا ولد! —أمرت محمود—. هات فوط نظيفة من الدرج وخلي المية تسخن أكتر! الطفل جاي، لازم نتحرك بسرعة وإلا هيمـ,ـوتوا الاتنين!
الساعتين اللي بعدهم كانوا جحيم من الألم والعرق والدم. فاطمة حولت بيتها الصغير لأوضة ولادة. استخدمت خبرتها القديمة في القبالة، رتبت بطن ليلى بتدليك قوي مؤلم. محمود ماسك إيدها، بيعيط من العجز وهو شايفها بتعاني.
—ادفعي يا بنتي، ادفعي بكل قوتك! —صاحت فاطمة، تمسح عرقها—. متطلعيش، ماتستسلميش، خلاص غلبتي المـ,ـوت!
وبصرخة أخيرة مزقت الليل، حصلت المعجزة.
صوت بكاء طفل جديد ملي الصالون، أعلى من صوت العاصفة. كان ولد. صحي، قوي، مليان حياة.
فاطمة مسكت الطفل بإيدين مرتعشتين. الدموع اللي مكناش نزلت 30 سنة، نزلت دلوقتي. راحت فتحت شنطة قديمة في الركن، طلعت بطانية كحلي كانت ملفوف فيها ابنها اللي مات زمان. بغيت تحمي الطفل بعناية، وسلمته لليلى ومحمود.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
—جميل أوي… —بكت ليلى، وبوسّت جبينه.
محمود بوس مراته وبص لفاطمة. مفيش كلمات تكفي للشكر على اللي عملته.
—انتي أنقذتي حياتنا، ست فاطمة —قال محمود، صوته مكسور.
—لأ، يا واد —ردت فاطمة، تمسح دموعها—. الطفل ده جاي ينقذني أنا. بيتي سكت سنين كتير، الوقت جه يبكي حد هنا ويطرد الأشباح.
الصبح، العاصفة وقفت. الشمس طلعت على أوراق النبات، كأن العالم اتغسل من الشر.
محمود ما رجعش للمزرعة فورًا. ودّى ليلى والطفل للمستشفى، وبعدها استخدم نفوذه عشان يبلغ عن أخوه. بشهادات العمال والأدلة ضد سيد، محمود أخد السيطرة على البيزنس، وطلع أخوه برا للأبد.
بعد سنة، مزرعة فاطمة بقيت متغيره تمامًا. تم ترميمها كله، لكن فضلت محافظة على تواضعها. في الحوش، بدل الطين، بقى فيه جنينة مليانة بوغانفيليا.
في كنيسة القرية، اتعمل فرح الكل هيفتكره سنين. ليلى لابسة أبيض، ماشية على المذبح ومحمود مستنيها وهو عياط فرح. وفي الصف الأول، فاطمة بوشها أحسن شال، ماسكة الطفل الصغير أحمد —مسميينه على اسم ابنها اللي مات زمان—، كانت العرابة الكبيرة.
الست الشجاعة دي أثبتت إن العيلة الحقيقية مش اللي دمك زيهم، لكن اللي مستعد يضحّي بحياته عشانك في أحلك العواصف. وأحيانًا، أكبر أعمال الحب بتبدأ في أماكن غير متوقعة: تحت حظيرة فراخ قديمة.


تعليقات
إرسال تعليق