جوزي وافق يتجوز عليا
جوزي وافق يتجوز عليا
مخبز مروة بقلم نرمين عادل همام
جوزي وافق يتجوز عليا فهربت وانا حامل.. وبعد 5 سنين، دخل المحل عندي وشاف البنت اللي ميعرفش عنها حاجة
فنجان القهوة وقع من إيدي اللحظة اللي عمر نطق فيها اسمي.
الفنجان خبط في الرخام واتدمر، وصوته كان عالي أوي كأنه ضرب نار هز أركان المحل. مفيش حد اتتحرك لثواني.. تراب السكر كان بيطير في خيط شمس الصبح اللي داخل من ورا ستارة القطيفة. قلبي كان بيخبط في ضلوعي بجنون.. وعمر الدالي، الراجل اللي مشفتهوش من 5 سنين، قام من على كرسيه كأني ميتة ورجعت للحياة قدامه.
مروة؟
لسه هو.. نفس الصوت. واطي، وهادي، وفيه نبرة خطر بتخلي أي راجل تاني صوته يبان مهزوز. 5 سنين عدوا، بس لما سمعته تاني، نبرة صوته قطعت كل الحواجز اللي بنيتها حوالين قلبي.
كانت قاعدة جنبه ست ، جميلة بجمال شيك وغالي، من النوع اللي يخليكي تفكري فوراً في مجوهرات محطوطة ورا فاترينات متأمنة. لفت وشها ببطء وبصت لي، ملامحها كانت باردة وعليها ضيق خفيف، كأني كسرت حاجة أغلى بكتير من مجرد فنجان بورسلين. وعلى الناحية تانية من عمر، كانت فيه بنت صغيرة، شعرها أسود ومموج ولابسة جزمة بتلمع.. البنت اتخضت من صوت الكسر، ومسكت في كم قميصه.
همست البنت وهي بتبص له ببراءة بابا.. هي مين دي؟بقلم نرمين عادل همام
الكلمة دي خبطتني أقوى من الفنجان اللي اتكسر. بابا.
الدنيا لفت بيا للحظة. اضطريت أمسك في الصينية الفضة عشان ما أقعش. برا الستارة، في قلب مخبز مروة الدافي، كنت سامعة صوت مكنة القهوة، وضحك زبائن، وصوت محمود المساعد بتاعي وهو بيزعق في المطبخ.. الحياة كانت ماشية عادي برا، بس حياتي أنا وقفت مكانها.
حاولت أصلب طولي ووطيت ألم القزاز المكسر أنا آسفة.. صوته طلع ضعيف ومخنوق هجيب فنجان غيره حالاً.
عمر لف من ورا التربيزة وقرب مني قبل ما ألحق أوطي بلاش إنتي.
إيده اتمدت بسرعة ومسكت معصم إيدي عشان يحميني قبل ما قطعة قزاز تعورني. صوابعه كانت دافية.. دافية أوي. جسمي اتفاعل مع لمسته قبل ما عقلي
يستوعب، اتعرف عليه بلهفة خلتني أتكسف من نفسي. شديت إيدي منه بسرعة مريبة، حركة كان باين فيها الخوف، والصدق.
عمر الدالي. جوزي. طليقي. شيطاني اللي هربت منه. أنا في يوم من الأيام حبيته لدرجة إني هديت حياتي كلها عشانه بقلم نرمين عادل همام
ودلوقتي، أنا واقفة بمريلة المخبز السوداء، وشوية دقيق على كمي، وريحة السكر في شعري، وببص في وش الراجل اللي وافق يتجوز واحدة تانية وأنا لسه في عصمته ولابسة دبلته.
تربيزة سبعة يا مروة، محمود همس لي في ودني من خمس دقايق وهو بينشف إيده بفوطة المطبخ، زبائن مهمين .. خليكي ذكية، مش عاوزه يشوفك. وأياً كان اللي بينك وبينه، ادفنيه لحد ما نخلص وردية الغدا.
كأن الحكايات والوجع صناديق ممكن نقفلها ب سوليتيب ونرميها في المخزن!
وقفت وفردت ضهري، وحاولت عيني ما تجيش في عينه، لأني عارفة الوش ده كويس أوي. الشفايف القوية.. الجرح اللي عند فكه اللي مكنش موجود آخر مرة شفته فيها. العينين السودة اللي ممكن تتحول من منتهى الحنية لمنتهى القسوة في ثانية. أنا في يوم شفت العينين دي وهي بتبقى ناعمة وهو بيقفل لي زراير البالطو بتاعي.. وشفتها برضه وهي بتبقى تلج ورجالة كبار واقفين مستنيين أوامره.
قلت وأنا بحاول أرسم ابتسامة الموظفة المثالية أهلاً بيكم في مخبز مروة.. هجيب قهوة تانية حالاً.
الست الشيك اللي معاه ساندت ضهرها على الكرسي وحطت رجل على رجل يا ريت.. ويا ريت المرة دي تحاولي متكسريش الأطباق.
كلامها كان فيه هزار، بس عينيها كانت بتقول حاجة تانية خالص.
عمر مبصش لها خالص، وقال بلهجة فيها تحذير نهى.
نطق اسمها بس، بس كان كأنه بيقولها اسكتي. إذن دي نهى.. الست اللي قالي في يوم إنه ممكن يضطر يتجوزها عشان يوقف الحرب.
من 5 سنين، لما كان عندي 24 سنة وكنت لسه بصدق إن الحب لازم يهزم أي مصلحة، عمر رجع البيت الساعة 2 بالليل، فك الكرافتة بتاعته، وقال لي بمنتهى الهدوء عمي منصور بيضغط عشان يخلص تحالف مع عيلة كامل بقلم نرمين عادل همام
وقفت وأنا حافية
في مطبخ بيتنا، وماسكة كباية آيس كريم بتسيح في إيدي، وقلت له وده معناه إيه؟
رد عليا معناه إن بنتهم معروضة على التربيزة.
أنا فاكرة كل تفصيلة في اللحظة دي.. صوت تلاجة المطبخ، وصوت المطر وهو بيخبط في الشباك، والطريقة اللي رفض بيها يقعد.. كأن القعدة هي اللي هتخلي الكلام حقيقي.
قلت له تقصد جواز؟ هز راسه هزة بسيطة. سألته بقلب مقبوض وإنت هتقول لأ.. مش كده؟
سكت.. والسكوت كان هو الرد.
أنا كنت عارفة هو مين لما اتجوزته. مكنتش غبية.. كنت عارفة إن فيه اجتماعات بيكدب فيها، وصفقات بيسميها بيزنس وهي ريحتها دم حتى لو مشوفتوش بعيني. كنت عارفة إن عيلته بتلبس بدل غالية فوق تاريخ طويل من السلاح والقوة. بس اللي كنت مصدقة فيه بهبل، هو إن أنا أهم عنده من المكنة اللي بيديرها دي.
الليلة دي أثبتت لي إني مكنتش غالية كفاية.
قلت له وقتها إنت بتطلب مني أقف أتفرج وإنت بتتفاوض على زوجة تانية كأنك بتكتب عقد شحن؟
رد عليا بكلمتين أنا بطلب منك تفهمي إن ده هو اللي هيخليكي تعيشي. بصيت له ودموعي نازلة واللي بينا إحنا.. هيعيش إزاي؟
عمر حاول يقرب مني وقتها يا مروة، اسمعيني بس.. رجعت خطوة لورا لأ.. إنت اللي تسمعني. لو اتجوزت واحدة تانية، يبقى مفيش إحنا.. مفيش مروة وعمر تاني.
غمض عينه بضيق لسه مفيش حاجة حصلت، الموضوع مجرد اقتراح. رديت بحدة بس إنت وافقت تفكر فيه! ملامحه اتغيرت.. بقت أنشف وأقسى، الطريقة اللي وشه بيتحول بيها لما يحس إنه محشور في زاوية وميقدرش يبين حنية مروة، إحنا مش في مناظرة جامعة.. فيه رقاب ناس هتطير لو لعبت اللعبة دي غلط.
خلاص، بطل تخليهم ينصبوك ملك عليهم!
أول ما الكلمة طلعت من بقي، عرفت إني خبطت في العصب اللي بيحرك كل حاجة. عمر مكنش عاوز العرش ده، على الأقل في الحكاوي اللي حكاها لي.. بس هو قبله، وبعدين دافع عنه، وبعدين داب فيه لدرجة إني مبقتش عارفة فين عمر حبيبي وفين عمر الدالي.
قال لي أنا بحاول أحافظ على العيلة دي ملمومة. رديت بكسرة وأنا بحاول أحافظ على
جوازنا ملموم.
بصينا لبعض بنظرات حادة فوق رخام المطبخ الغالي وآيس كريم بيسيح.. مستقبلين مش ممكن يعيشوا في أوضة واحدة. وعلى الفجر، كنت لميت شنطتي ومشيت. مشيت وأنا معرفش إني حامل.
بعد تلات أيام، في حمام استراحة على طريق السويس، كنت قاعدة وإيدي بتترعش وأنا ماسكة اختبار حمل رخيص.. وشفت الخطين الوردي ظهروا قدامي كأنهم حكم إعدام. ضحكت الأول.. وبعدين عيطت لدرجة إني مكنتش عارفة أخد نفسي.
لما وصلت عين شمس عند قرايب بعيد، رجعت لاسمي القديم، مروة الشيمي. أجرت شقة رخيصة وقشرت دهانها، وحلفت يمين بكرره كل ليلة زي الدُعاء بنتي مش هتكبر وهي عارفة تميز بين صوت ألعاب النار وصوت الرصاص.
وبقيت مروة الشيمي تاني. بشتغل الصبح في المخبز، وبالليل بذاكر محاسبة في الكلية، وبنيت حياتي من مواعيد الأتوبيسات، وكوبونات الخصم، والعناد. بنتي حبيبة خلت معافرتي في الدنيا ليها طعم أحلى. بقى عندها أربع سنين دلوقتي.. بشعر منكوش، وسنة ناقصة من قدام، وأسئلة بتبدأ من قبل الفجر.
هي تعرف إن فيه بابا في القصص. تعرف إن فيه ماما بتحرق العيش المحمص وبتاخد تصفيق برضه. بس متعرفش أي حاجة عن عمر الدالي. لحد ما القدر، اللي باين عليه كان زهقان، قرر يقعده على واحدة من التربيزات عندي.
دخلت بالقهوة الجديدة وإيدي شكلها أثبت من اللي كنت حاسة بيه. عمر كان رجع قعد مكانه، بس كان قاعد مشدود أوي، ونظرته مركزة عليا بتركيز قناص. نهى كانت مشغولة بالموبايل. والبنت الصغيرة، اللي عندها 4 أو 5 سنين، كانت حاطة عروسة تحت دراعها وبترسم دواير في السكر اللي مدلوق على التربيزة.
حطيت الفناجين واحد ورا التاني. قلت لنهى بجمود القهوة بتاعتك يا فندم. بصت لي وقالت بترفّع مش عاوزة عجينة سكر فوندام على التورتة النهائية.. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
. قلت طبعاً، تحت أمرك.
البنت الصغيرة بصت لي طنط.. هو فيه بسكويت؟ صوتها كان ناعم وفيه رجاء.. قلبي خذلني واتعصر من جوايا. قلت لها بحنية فيه يا حبيبتي.. تحبيه بالشوكولاتة؟ هزت راسها ب أيوة بقلم نرمين
عادل همام
عمر نطق أخيراً اسمها ليلى.
الطريقة اللي قال بيها الاسم خلتني أحس إنه بيرد على سؤال أنا مسألتوش بس مكنتش عارفة أبطل تفكير فيه.
بصيت للبنت تاني. عينيها بنية واسعة، وكلامها فيه رزانة. مش شبه عينيه بالظبط.. بس شبهها كفاية إنها في أول صدمة، تعمل فيا الوجع ده كله.
قلت هجيب لك واحدة حالا. وأنا بلف، عمر قال بصوت واطي مروة.. استني بعد ما يخلصوا.
وقفت وضهري ليه. نهى ضحكت بسخرية مش شايفة إن ده كلام مش مناسب يا عمر؟ عمر رد بنبرة حادة ووطى صوته يبقى بطلي تسمعي.
كان المفروض أخرج ومأرجعش. كان المفروض أخد شنطتي ومرتبي وأي كرامة باقية لي وأهرب. بس الحقيقة إن الحياة الواقعية أوحش بكتير وأقل سينمائية من العقل. الحياة الواقعية فيها إيجار هيدفع كمان 6 أيام. فيها طفلة الجاكت الشتوي بتاعها بدأ يصغر على كتافها.
محمود بص في وشي وحلف بصوت واطي للدرجة دي الموضوع زفت؟
المكان بقى هادي لدرجة إني كنت سامعة صوت ليلى وهي بتمضغ البسكويت. عمر لف ليا ببطء وقال
البنت دي مش بنتي يا مروة.
كرهت إنه عارف بالظبط أنا بفكر في إيه.. ربعت إيدي وقلت له
وده بقى دفاعك الأول في القضية؟ رد بصدق دي الحقيقة. قلت له ببرود مبروك عليك.
أخد الصدمة وسكت لحظة، وبعدين كمل
ليلى تبقى بنت تامر، السواق بتاعي اللي مات من سنتين.. وأمها ماتت الشتا اللي فات.. أنا بس الوصي عليها وبحاول أجبر بخاطرها.
بصيت له بصدمة.. تامر! السواق بتاعه من سنين، اللي كان دايماً يهرب لي بسبوسة من محل عمه في السيدة.. مات! ضحية تانية في عالم مبيعرفش الرحمة.
عمر وطي صوته وقالبقلم نرمين عادل همام
أنا مش جاي هنا عشان أوجعك. ضحكت بسخرية والله؟ بس إنت أستاذ في الوجع عموماً.
عضلات فكه اتشدت، وسألني فجأة بسؤال جمد الدم في عروقي
مروة.. إنتي عندك بنت اسمها حبيبة؟
جسمي كله سقع.. ماردتش، مكنتش قادرة أنطق. قرب خطوة، وبعدين وقف وساب مسافة أمان بينا وقال
بصي لي يا مروة.
لا.
أرجوكي.
كلمة أرجوكي منه كانت غالية ونادرة لدرجة إنها خبطت في قلبي. رفعت عيني وبصيت له.. مكنش فيه أي
انتصار في وشه، كان فيه إرهاق.. وخوف.
قال بصوت واطي
عمي عرف عنوانك الأسبوع اللي فات.. ونهى عرفت قبلي، عشان كده جيت هنا في مكان عام وقدام الناس.. لو مكنتش وصلت لك الأول، هو كان هيوصل، وإنتي عارفة عمي كويس.
الدنيا بدأت تضيق عليا.. سألته
عرفت عن حبيبة منين؟
عشان واحد من رجالة عمي صورك وإنتي بتدخليها الحضانة الصبح.. صوته بقى خشن ومبحوح ولما نهى ورتني الصورة.. عرفت فوراً.
حسيت إني بطلت أتنفس.. قلت تلقائياً هي واخدة شعري.. قاطعني وهو بيبلع ريقه وواخدة شفايفك.. وعين أمي الله يرحمها.
كنت عاوزة أنكر، كنت عاوزة أتفل في وشه وأقول له حبيبة بنتي أنا وبس، مالكش دعوة بيها.. بس الكدب حمل تقيل، وأنا شيلته كتير أوي. همست أيوة.. هي بنتك.
حط إيده على بقه بصدمة، ولف وشه الناحية التانية، كتافه اتهزت كأنه اتضرب رصاصة في مكان مستخبي.. ولما رجع بص لي، كانت عينيه بتلمع بالدموع.
عندها كام سنة؟
أربع سنين.
أنا ضيعت أربع سنين من عمرها..
الوجع في صوته كان حقيقي لدرجة إنه حرك جوايا شفقة كرهتها. قلت له بحدة أنا اللي عشتهم لوحدي.. السخونية، والإيجار، وأول خطوة، وأول كلمة.. أنا اللي عملت كل ده وإنت عايش حياتك.
أنا عارف الكلام ده يبان إزاي..
إنت متعرفش أي حاجة عن اللي بحسه!
ليلى رفعت راسها من البسكويت، حست إن الجو بقى مشحون.. عمر هدى صوته فوراً وقال لها يا لولو، روحي شوفي السواق برا، مستنيكي. البنت قامت بذكاء وخرجت، والستارة قفلت وراها. بقينا لوحدنا.. والوحدة دي كانت أخطر من أي حاجة تانية.
قال لي وهو بيبص في عيني
أنا دورت عليكي كتير يا مروة.. سألته بمرارة دورت قد إيه؟ يومين ولا تلاتة؟
عمر كمل كلامه وصوته فيه نبرة تعب مكتوم
دورت عليكي لحد ما كنت هموت.. والبحث ده كان هيخلص عليا.
ضحكت بسخرية وذهول
والمفروض ده يطمني يعني؟
هز راسه بلا
لأ.. ده عشان تفهمي ليه بطلت أدور بالطريقة اللي بتعمل شوشرة. عمي منصور قالي لو اختفت يبقى نسيبها مختفية ده رحمة ليها.. صدقته لأني كنت محتاج أصدق أي حد، ولأن
وقتها كلام الجواز والتحالفات كان خانقني.. افتكرت إن البعد هو اللي هيحميكي. بص في عيني أوي وكمل طلعت غلطان.
كنت عاوزة أفضل غضبانه، لأن الغضب وقود أنضف بكتير من الأمل. بس شفت فيه حاجة جديدة.. مش حنية، لكن هدد وتعب إنسان بقاله كتير شايل سقف البيت فوق كتافه وهو بيكرهه.
سألته ونهى بتساعدك ليه؟ بص لي بحذر لأنها هي كمان مش عاوزة الجوازة دي. رفعت حاجبي يا سبحان الله.. صدفت يعني؟
الموضوع معقد يا مروة.
هو دايماً معقد معاك بقلم نرمين عادل همام
اتنهد بأسف وقال نتقابل يوم الخميس.. في حديقة الأزهر.. الساعة 12 الظهر. مكان عام وقدام الكل. هاتي حبيبة معاكي لو قررتي.. ولو مش عاوزة بلاش. بس اديني فرصة أشرح لك كل حاجة في مكان مفيش حد فيه هيعرف يكدب بدالي.
كان المفروض أقول لأ.. بس لقيتني بسأل وأنا إيه اللي يخليني أثق في كلامك؟ رد بهدوء لأني لو كنت عاوز أجرك لعالمي غصب عنك، مكنتش بدأت بإن أطلب إذنك.
دي كانت أكتر كلمة صادقة قالها.. وده اللي خلاني أقتنع بطريقة مريبة. بصيت ناحية الستارة اللي ليلى اختفت وراها وسألته وفرحك؟ ابتسم ابتسامة مريرة دي من ضمن الحاجات اللي لازم أشرحها.
في شقة عين شمس بالليل، حبيبة كانت نايمة على الكنبة ببيجامة عليها ديناصورات، وبتلون حصان بنفسجي بجناحات خضرا. أم سعاد جارتي، كانت قاعدة على الكرسي بوقار ملكة شافت إمبراطوريات بتقوم وبتقع، ودلوقتي بتراقب العيال بحكمة أكبر من الحكومة نفسها.
أول ما شافت وشي وأنا داخلة، قالت مين اللي مات يا بنتي؟
ممكن يكون راحة بالي هي اللي ماتت يا أم سعاد.
طقت بلسانها دي ماتت من سنين.. قولي لي إيه اللي حصل؟ حبيبة رفعت راسها ماما.. رسمتنا وإحنا في الجنينة. روحت لثمت راسها وأخدت الرسمة.. شمس كبيرة وبشرة ماسكة إيد بعض.
أم سعاد استنت لما حبيبة اتلهت في الألوان وهمست هو؟ هزيت راسي.
وعاوز إيه؟
عاوز يشوف حبيبة.
أم سعاد بصت لبنتي وبعدين بصت لي وإنتي عاوزة إيه؟ ده كان السؤال.. مش هو يستحق ولا لأ، السؤال حبيبة تستحق تعرفه ولا
لأ؟
قعدت جنبها حبيبة يا روحي.. في حد كنت أعرفه زمان.. راجل.. ممكن نقابله في الجنينة يوم الخميس. سألتني ببراءة هو طيب؟
افتكرت عمر وهو شايلني بحنية خلتني كنت هعيط.. وعمر وهو موافق يتجوز واحدة تانية عشان المصلحة.. وعمر وشكله المكسور لما عرف إنها بنته. قلت بصدق ساعات.
يوم الخميس جه، الجو كان مغيم وهوا حديقة الأزهر كان بارد. كنت هرجع مرتين قبل ما نوصل. حبيبة كانت بتنط جنبي بجاكت وردي وماسكة العروسة بتاعتها. كنت ببص ورايا كل ثانية.. العادات القديمة مش بتموت.
عمر ظهر كان لوحده.. مفيش عربيات سودا، مفيش حراسة باينة.. لابس جينز وبالطو صوف، وفي إيده بلونة حمرا. المنظر كان يضحك من كتر ما هو غريب.. افتكرت رسمة حبيبة وزوري اتخنق.
قرب ببطء كأنه بيقرب من عصفور خايف يطير. حبيبة شافت البلونة الأول ماما.. الراجل ده ذوقه عالي أوي. عمر سمعها وابتسم.. ضحكة حقيقية أول مرة أشوفها.
ممكن أقعد؟ هزيت راسي.
قعد على طرف الكنبة ومد إيده بالبلونة أزيك يا حبيبة.. أنا عمر. بصت لي عشان أوافق، هزيت راسي، وأخدت الخيط بتركيز كأنها بتستلم جايزة.
شكراً.
العفو.
كان بيبص لها كأنه بيحفظ رموش عينها رمش رمش.. وبعدين بص لي بوش مفيهوش أي دفاع جميلة أوي. حبيبة ردت بثقة عارفة. عمر ضحك ضحكة طالعة من قلبه.
أخدت نفس عميق وقلت حبيبة.. ده الراجل اللي حكيت لك عنه.. ده بابا.
سكتت الدنيا فجأة.. الهوا طير البلونة وشفايف حبيبة اترعشت. بصت لعمر يعني.. بجد؟ عين عمر دمعت فوراً وصوته اتكسر أيوة.. بجد.
الوضع كان هادي وطبيعي لمدة 6 دقايق.. سألها عن المدرسة، وحبيبة حكت له إن المدرسة مش بتحب الجليتر، وهو قال لها إن بط الجنينة هنا جدع أكتر من ناس كتير وفجأة.. صوت من ورانا قال يا محلاها لِمة العيلة!
عمر اتنفض ووقف بوش خشب. اتنين رجالة كانوا جايين، واحد لابس كاب والتاني لابس قميص كحلي. مش غريب.. عمر عرفهم فوراً وشفت في وشه رعب حقيقي. عمر قال بجمود يا منصور اسم دراع عمه اليمين.. إيه اللي جابك هنا؟
الراجل اللي بالكاب ضحك المعلم منصور الكبير باعت لك سلامه.. وبيقولك الوحش غاب بس
أهله موجودين.
عمر حرك دراعه ورايا كأنه بيحمينا امشوا من هنا. الراجل بص لبلونة حبيبة وابتسم ابتسامة خلت جسمي يقشعر المعلم بيقول البنت تمشي معانا.. أمانة بس لحد ما تفتكر ولائك لمين.
حبيبة استخبت في جنبي ماما؟ صوت عمر بقى هادي ومرعب قول لعمي لو قرب من بنتي، هحفر قبره بإيدي.
بعدها، كل حاجة حصلت في ثواني.. عمر زقني لورا بقوة وهو بيقول اجري! شلت حبيبة وجريت، صراخها كان في ودني. خطوات ورايا، زعيق، إيد مسكت طرف العباية بتاعتي وأفلتت. لفيت من ممر ودخلت في راجل تاني.
صرخت وضربته برجلي، وحبيبة بتصرخ، كنت بطلع سبراي الشطة من جيبي وهستخدمه، بس فجأة جسم خبط في الراجل ده من الجنب ووقعوا هما الاتنين في الأرض. محمود! السواق بتاعه اللي كان دايماً يهربلي الأكل.
عمر مكنش لوحده.. كان مخبي محمود في مكان قريب. الغضب من كدبه راح في ثانية لأن الغريزة بتقول اهربي. جريت..
طلعنا عند منطقة الألعاب، والناس بدأت تتجمع اطلبوا النجدة! حد عاوز يخطف بنتي! . الناس اتدخلت وعمر ظهر وهو بينهج، إيده متعورة، وعينيه تايهة بتدور علينا. لما شافنا كويسين، ملامح القسوة وقعت من وشه.
مروة.
إنت كدبت عليا وجبت رجالة.
جبت راجل واحد.. وهو اللي لسه منقذ حياتك.
في القسم، حبيبة نامت في حضني وهي ماسكة خيط البلونة. الضابطة ليلى قفلت الملف وبصت لي إنتي فاهمة إن ده مش حادث عشوائي.. بنتك دلوقتي بقت معروفة لناس بيحلوا مشاكلهم بالخطف.
عمر كان واقف بعيد بيكلم المحامي بتاعه، كان باين وسط إضاءة القسم كأنه ذئب في مكتب موظفين. الضابطة كملت أنا مش بطيق عمر الدالي.. بس في النقطة دي هو معاه حق. إنتي والبنت مش هينفع ترجعوا شقتكم في عين شمس النهاردة.
كنت عاوزة أعاند وأقول كرامتي.. بس الخوف على حبيبة كان أقوى.
نروح فين طيب؟ عمر قرب ووقف بعيد عني بخطوة بيتي.
ضحكت بمرارة تقصد القصر اللي هربت منه؟
أقصد المكان الوحيد في القاهرة اللي عمي منصور ميقدرش يضربه من غير ما يبدأ حرب علنية مش هيعرف يداريها.
بصيت لحبيبة وهي نايمة.. إيدها الصغيرة مكلبشة
في هدومي.. تستحق أكتر من كرامتي.
ليلة واحدة بس. الراحة اللي ظهرت على وش عمر كانت غريبة.. ليلة واحدة.
العودة للقصر الحنين المسموم بوابة القصر فتحت بهدوء.. البيت لسه زي ما هو.. بس مروة اللي كانت هنا وهي عندها 22 سنة، مبهورة بالحب والفلوس، ماتت. مروة اللي راجعة دلوقتي أم ومحاربة.
قبل ما العربية تقف، الحاجة فاطمة جدة عمر كانت واقفة على السلم. كانت أقصر من ما فاكرة وأقوى. أول ما شافتني، أخدتني في حضنها.. ريحة بخور وطبيخ وبيت بكل تعقيداته.
مروة يا بنتي.. وقبل ما أرد، شافت حبيبة.. وقالت بصوت مهزوز
يا رب.. سبحان اللي صورك يا بنتي.. دي نيرة أم عمر الله يرحمها مبعوثة من جديد.
بصيت لعمر.. كان واقف في الضلمة، بيراقبنا من بعيد، والبلونة الحمراء لسه في إيده.. مفسية شوية، زي أحلامنا اللي اتعجنت بالواقع
الصدمة خلت وش الحاجة فاطمة ينور بدموع الفرح
يا رب.. سبحان الله، دي الدالي حتة واحدة.. نفس الملامح يا مروة.
حبيبة بصت لها ببراءة وسألت إنتي تعرفيني؟ الحاجة فاطمة نزلت لمستواها بصعوبة وقالت أنا كنت مستنياكي من زمان يا قلب تيتة. حبيبة فكرت شوية، وبعدين رفعت العروسة بتاعتها دي فُلّة.. هي بتخاف من البيوت الكبيرة اللي فيها ناس غنية.
الحاجة فاطمة ضحكت من قلبها والله يا بنتي، إحنا الاتنين زي بعض في الموضوع ده.
دخلنا البيت، كان دافي ومنور، وريحته طبيعية لدرجة مربكة. ريحة تقلية، وصوت ماتش شغال في التليفزيون بعيد. وفجأة، ليلى جات تجري بالشراب في الطرقة، وقفت وبصت لنا وقالت بصوت عالي
دي طنط بتاعة البسكويت! عمر قال بهدوء ودي يا ليلى.. تبقى حبيبة.
البنتين بصوا لبعض بنظرة الأطفال لما بيحسوا إن الكبار اتجننوا وبقوا بيعملوا مشاكل وخلاص. ليلى مدت إيدها ب أرنب لعبة تعالي أوريكي مكان البسكويت فين؟ حبيبة وافقت فوراً، وكأن الأزمة اتأجلت بسلام.
بالليل، بعد ما البنات أكلوا واستحموا وناموا في سريرين جنب بعض في أوضة الضيوف، وقفت قدام الحوض وأنا ببص للجنينة في الضلمة. دخل عمر ومعاه كوبايتين قهوة.
لسه بتشربي
الكريمة زيادة. بصيت للكباية وبعدين لوشه لسه فاكر؟ عمر بص لي بصة عتاب كأني بسأل سؤال ملوش لازمة مروة!
أخدت الكباية ووقفنا في صمت تقيل.. صمت مليان كلام مش محكي. قلت أخيراً قولي حكاية نهى إيه؟
نهى تبقى بنت الحاج كامل.. شاطرة وقوية لما بتعوز، بس لا هي كانت عاوزاني، ولا طايقة الجوازة دي.
والخطوبة؟ تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
حقيقية لدرجة الخطر، وكدابة لدرجة إنها مخلية الكل تعيس. عمي منصور ضغط في الجوازة دي بعد وفاة أبويا، قال إنها لم شمل للعائلات عشان السوق يهدى.. بس الحقيقة إنها كانت كلبش في رقبتي عشان يربطني بيهم وبالشغل.
ونهى ساعدته؟
لعبت دورها.. وأنا كمان لعبت دوري. سألته بمرارة وليه حذرتك من حبيبة؟
لأنها عرفت إن عمي صورها.. لأنها عارفة إيه اللي بيحصل للعيال في الصراعات دي.. نهى فيها عيوب كتير، بس فيه خطوط حمراء حتى هي مترضاش تعديها.
شربت القهوة وحسيت إن إيدي أخيراً بطلت تترعش بتحبها؟ لف وشه ليا بحدة لأ طبعاً.
بس كنت هتتجوزها.
كنت همضي عقد عشان أعيش.. عشان النجاة.
وأنا؟ أخد نفس عميق أنا حبيتك قبل ما أفهم الحب ده تمنه كام.. وحبيتك بطريقة وحشة.. وبعدين حبيتك من بعيد لأني افتكرت إن البعد هو أقل حاجة ميتة أقدر أقدمها لك. وطي صوته وكمل بس الإجابة هي أيوة.. لسه بحبك.
سألته السؤال اللي كان شق في قلبي بقاله 5 سنين ليه متمسكتش بيا لما كان التمسك ينفع؟ حط الكباية بتاعته بحذر لأني اتربيت وسط رجالة علموني إن الحب نقطة ضعف الأعداء بيستخدموها عشان يقتلوك.. ولما جه وقت الاختيار، صدقتهم هما وصدقت خوفي، ومصدقتش نفسي.
تاني يوم الصبح بدأ بفطار وهزار حذر.. حبيبة بدأت تنادي عمر ب يا عمو بدل بابا لأنها قالت بابا دي رتبة عالية محتاجة وقت. عمر ضحك بوجع والحاجة فاطمة دمعت. الساعة 10 الصبح، الجو اتقلب. عربيات وقفت قدام القصر، ناس ببدل نزلت.. المحامي بتاعه ومعاه اتنين من مباحث الأموال العامة.
عمر فتح ملفات، صور، تسجيلات، شركات وهمية، وتواريخ.. ورق يدفن أي حد مهما كانت قوته. كان بيجمع أدلة بقاله سنين.. ضد عمه منصور.. وضد
الحاج كامل.. وضد نفسه كمان.
إنت بتبلغ عن أهلك؟ عمر ملامحه متهزتش أنا بنقذ الأهل اللي باقين لي وبحبهم.
المحامي بدأ يجهز ورق حماية الشهود.. أسماء جديدة، حياة جديدة، مفيش تواصل مع أي حد قديم. افتكرت حياتي البسيطة.. المحل.. عين شمس.. حياتي اللي بنيتها بالدموع. وبعدين افتكرت تامر اللي في الجنينة وهو بيهدد حبيبة.. مسكت القلم عشان أمضي.
الكل اتحرك.. الحراسة طلعت سلاحها، وعمر زقني اطلعي فوق بسرعة! وقبل ما نتحرك، باب المكتب اتفتح ودخلت نهى.. شعرها مبهدل، في إيدها سلاح، وفي إيدها التانية شنطة المدرسة بتاعة ليلى. ليلى كانت وراها وماسكة علبة عصير وبتبص بضيق كأن الفوضى دي معطلاها.
الكل وقف مكانه.. عمر اتجمد، والحراس رفعوا سلاحهم. نهى بصت للكل وتنهدت لو حد ضرب نار قبل ما أخلص كلامي، هزعل أوي. عمر سألها بحدة إنتي إيه اللي جابك هنا؟
عشان عمك منصور لسه قاتل أبويا حالا.
السكوت كان مرعب. نهى رمت فلاشة على المكتب وعشان يوم الجنينة ده مكنش فكرة أبويا.. دي فكرة عمك منصور.. طول عمره هو اللي بيخطط. عمر سألها بجمود فهميني.
ضحكت بسخرية ببساطة.. منصور كان بيقنع أبويا بالجوازة عشان يبقى قوي، بس الحقيقة إنه كان بيخطط يخلص علينا إحنا الاتنين أول ما نكتب الكتاب، عشان يلهف السوق لوحده وإنت تبقى تحت رجله. كملت كلامها بسرعة ومن 5 سنين لما مروة اختفت.. منصور هو اللي أمر يخلص عليها.. مش عشان بتهدد الجوازة، لا.. عشان إنت كنت بتحبها، وكان عاوز يشيل أي حاجة بتخليك إنسان من قدامه.
عمر طلع منه صوت مكنتش سمعته قبل كده.. صوت انكسار إنتي بتكدبي!
يا ريت! نهى بصت لي أنا اللي غيرت الأوامر ليلة الهروب.. أنا اللي خليت الرجالة يسيبوكي تهربي.. ده السبب الوحيد إنك لسه عايشة يا مروة.. لأني حبيت أديكي وقت، ومقدرتش أعمل أكتر من كده لأني كنت هموت معاكي.
بصيت لها بذهول.. نهى كملت وفي المحل، كنت قليلة الذوق عشان رجالة عمك كانوا بيراقبوا.. كان لازم أمثل إني مش طايقاكي عشان مياخدوش بالهم إني بساعد عمر.. أدينا طلعنا وحوش بس بماركات غالية.
حبيبة شدت طرف عبايتي ماما.. هي الست
الشيك دي بتساعدنا؟ رديت وأنا مش مصدقة تقريباً يا حبيبتي.
عمر سأل بصوت مهزوز وأبويا؟ منصور له علاقة بموت أبويا؟ نهى هزت راسها بأسف الفلاشة عليها تسجيلات من خزنة أبويا.. مكالمات وحسابات.. منصور هو اللي رتب لقتل أبوك، وبعدين باع لك الجوازة كأنها الحل للفوضى اللي هو اللي عملها بإيده.
عمر تراجع لورا خطوة.. اتنين.. كأن الحيطة بتقع عليه. كل حاجة اترتبت في ثانية.. منصور مش مجرد عم.. ده كان الشيطان اللي بنى سجنه حوالين عمر. المحامي مسك الفلاشة لو ده حقيقي، القوات لازم تتحرك حالاً.بقلم نرمين عادل همام
نهى قالت بجدية حقيقي.. ومنصور جاي ورايا بجيش.. وهيقنع الكل إن عمر هو اللي قتل أبويا وخطفني أنا والبنت! ليلى رفعت إيدها أنا مِتخطفتش.. أنا كنت في العربية عادي.
دي النهاية.. اللحظة اللي مروة قررت فيها إنها مش هتهرب تاني، واللحظة اللي عمر اختار فيها يكون إنسان بجد.
نهى قالت ببرود شكراً يا حبيبتي، وبعدها بثانية واحدة.. أول رصاصة خبطت في قزاز المكتب. القزاز اتدمر.. والمكان اتحول لفوضى مرعبة. الحراس بيزعقوا، محمود اتحرك كأنه آلة، والمحامية شدت الحاجة فاطمة للممر اللي ورا. حبيبة كانت بتصرخ وهي بتنادي عليا، وليلى مسكت إيدها بغريزة طفولية خلتهم حتة واحدة.
عمر كان بيزقنا ناحية ممر سري ورا المكتبة، ومسك دراعي وقالي بصوت واطي
خدي البنات واجري.. اطلعي من هنا! رديت بحدة لأ!
مروة عشان خاطري..
قولتلك لأ! كنت حاسة بطعم دم في بقي من كتر ما عضيت على شفايفي أنا مش ههرب تاني والرجالة هما اللي يقرروا كل حاجة.. كفاية سنين ضاعت في الهروب.
بص في عيني ثانية واحدة، وشفت في نظرته إنه فهم قصدي.. مش قصدي الممر، قصدي عمري اللي فات. هز راسه بالموافقة.. وفي اللحظة دي، دخل منصور من الباب المكسور كأن الأرض ملكه.
منصور كان في أواخر الستينات، شعره شايب، لابس بدلة شيك جداً، ووسيم وسامة تعبان مرعب. مبصش حتى للقزاز المكسر تحت رجليه.
عمر.. طول عمرك عاطفي، وده اللي كان هيضيعك في الآخر.
عمر وقف قدامه، وبقى ساتر بينا وبينه إنت قتلت أبويا. منصور هز كتافه ببرود أبوك كان بدأ يبقى طري.. وإنت كمان بدأت تبقى زيه. لا أنكر ولا ندم.. مجرد حسابات مكسب وخسارة.
سأله عمر ومروة؟ منصور بص لي نظرة سريعة وباهتة كأنها مطر خيط مقطوع كان لازم يتربط.. ولو إنها كلفتني أكتر
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
ما كنت متوقع.
نهى رفعت راسها بقوة وقتلت بابا كمان يا منصور؟ ابتسم ببرود أبوكي بقى وجوده مش مريح.. ودي حالة بتصيب ناس كتير.
الضابطة ليلى رفعت سلاحها منصور الدالي.. ارمي سلاحك وانزل على الأرض! منصور ضحك بسخرية.. وفجأة واحد من رجالته ضرب نار من الباب. محمود رد عليه، والرصاصة جت في الخشب، والعيال بدأوا يصرخوا تاني. عمر اتحرك بسرعة، زق مكتبة كتب كبيرة عشان تبقى ساتر لينا، وشالني أنا وحبيبة وليلى وراه.
منصور كمل كلامه وسط ضرب النار كأننا في قعدة قهوة فاكر إن الحكومة هتحميك؟ هيدفنوك تحت ورق وأسماء كدابة.. أنا بنيتك عشان تبقى ملك، مش عشان تروح تشتري خضار وتودي عيالك الحضانة.
عمر بص لحبيبة، وبعدين لليلى، وبعدين ليا. لما قام من ورا المكتبة والسلاح في إيده، افتكرت للحظة إنه هيقتل عمه.. جزء مني كان عاوزه يعمل كده.. العدل الغريزي كان بيقول لازم يموت. منصور شاف النظرة دي في عين عمر وابتسم أهو ده عمر الدالي اللي أعرفه.
بس عمر عمل حاجة مكنتش متوقعة.. رمى السلاح بعيد على الأرض. المعدن خبط عند جزمة منصور اللامعة. عمر قال بصوت ثابت زي الصخر لأ.. مفيش عمر الدالي خلاص. ابتسامة منصور اختفت.
عمر خد خطوة لقدام وإيده فاضية إنت مش هتاخد جيل تاني تلوثه يا منصور.. السلسلة انقطعت هنا. برا، صوت السرينة ملى المكان. الضباط بدأوا يحاصروا المكان من كل ناحية، ومنصور فقد السيطرة في اللحظة اللي افتكر فيها إن الخوف هو اللي بيصنع الولاء.
منصور حاول يوطي ياخد السلاح من الأرض.. نهى بشوزها الهاف بوت وبرغم كعبها العالي، شاطت المسدس تحت الكنبة بمنتهى القوة والغل. قالت له بحرقة دم اتمتع بالسجن يا معلم!
الحراس والشرطة هجموا على منصور قبل ما يتحرك. كلبشات.. زعيق.. عساكر داخلة وخارجة.. كل حاجة حصلت في ثواني، وكأنها حلم. خلص الموضوع.. كباية مكسورة، دم على السجاد من جرح بسيط في كتف محمود، وليلى بتعيط في هدوم حبيبة. الحاجة فاطمة كانت بتصلي وبتحمد ربنا بدموع. عمر كان واقف في نص المكتب المهدود، بينهج كأنه أخيراً نزل حمل تقيل كان هيموته.
بعد تلات شهور، وتحت حماية الحكومة وبأسماء جديدة، كنا في عربية رايحة لبيت صغير في المنصورة. البيت كان بسيط، أبيض، وعادي لدرجة تخليك تحس بالرفاهية. مفيش بوابات، مفيش حراسة متنكرة في صورة جناينية.. مجرد بيت بحديقة صغيرة
ومطبخ ضيق ميكفيش طلبات الحاجة فاطمة.
حبيبة قالت إن البيت ده شبه البيوت اللي في الأفلام اللي الناس فيها بتبطل تزعل. مكنتش غلطانة. عمر بقى اسمه حمزة.. وأنا بقيت مروة تاني، الاسم مكنش غريب بس وقعه بقى أحلى. حبيبة، بعد مفاوضات، وافقت يبقى اسمها حبيبة حمزة وقالت إن تغيير الاسم الأول ده نصب بس قانوني. الحاجة فاطمة بقت ست الكل وبدأت فوراً تتخانق مع بتاع الخضار في السوق على جودة الطماطم.
عمر حمزة لقى شغل عند نجار في البلد. أول مرة رجع فيها ونشارة الخشب في شعره وإيده متعورة، كنت هعيط. كان باين عليه التعب.. بس كان صادق.. كان إنسان حقيقي، القوة والفلوس الحرام مكنتش مخبية ملامحه خلاص.
أنا خلصت دراستي أونلاين، وحبيبة بدأت الحضانة، وقالت للمدرسة إن باباها كان وحش في المشاعر بس بيتحسن. المدرسة افتكرتها خيال واسع. نهى وليلى راحوا مكان تاني تبع برنامج الحماية.. مسمعناش عنهم حاجة، وده كان أأمن للكل. بس ساعات بالليل كنت بفتكر الست اللي أنقذت حياتي وهي لابسة أغلى الماركات، وأتمنى تكون لاقية مكان هادي تطلع فيه تناكتها بسلام بقلم نرمين عادل همام
المحاكمة أخدت سنة.. عمر شهد، ونهى شهدت بالفيديو.. منصور أخد مؤبد، والباقي حصلوه. الجرايد كتبت عن سقوط إمبراطورية الدالي، وإحنا مقريناش الكلام ده.. كنا مشغولين بنرتب ميزانية الشهر، وبنتعلم إزاي نختلف من غير ما نحس إننا في حرب عصابات.
الثقة رجعت حتة حتة.. مش عشان عمر اتحايل، لا.. عشان كان بيصحى من كوابيسه ويروح يودي حبيبة المدرسة. عشان كان بيقول الحقيقة حتى لما كانت بتبينه وحش. الثقة رجعت لما حبيبة تعبت بجد في الشتا، وفضل قاعد على كرسي بلاستيك في المستشفى 16 ساعة ماسك إيدها كأنه بيأدي أقدس وظيفة في العالم.
بعد سنة ونص، طلب مني أتجوز من جديد. مش في قصر.. في مطبخنا الصغير، وحبيبة بتلون في الأوضة التانية والحاجة فاطمة بتزعق مع التليفزيون. حط علبة قطيفة صغيرة وقالي دي من غير تحالفات، من غير كدب، ومن غير أوامر من حد. ضحكت وأنا بعيط.. الخاتم كان أبسط دهب شفته في حياتي.
إنت لسه محتفظ بالعلبة دي؟ هز راسه كنت مستني اللحظة اللي أستحق فيها اللي جواها.
اتجوزنا يوم جمعة في المحكمة، قدام قاضي ميعرفش إنه بيجوز اتنين بيبدأوا حياة من فوق ركام بيت قديم. حبيبة كانت لابسة فستان أصفر، والحاجة فاطمة
كانت بتزغرد بجد المرة دي.
وبعد سنتين، خلفنا تامر.. سميناه على اسم السواق اللي مات، عشان فيه ديون لازم تتسدد بالحنية. حبيبة بقت رئيسة اتحاد عمال البيت، مسيطرة على أخوها الصغير. عمر كان يرجع من الشغل، يشيل تامر، وينزل لمستوى حبيبة يسمع تقريرها اليومي الأول.. لأنه اتعلم إن تضييع التفاصيل الصغيرة هو اللي بيخلي الراجل يخسر كل حاجة غالية.
الحياة مبقتش حدوتة وردي.. كان فيه لحظات رعب لما عربية غريبة تهدي قدام البيت. كان فيه ليالي عمر بيصحى مرعوب إن فيه حد في الجنينة. كان فيه أيام بفتكر فيها القاهرة وأحس إن الهدوء ده خنقة. بس كان فيه حاجات تانية فطار يوم الجمعة، تامر وهو نايم على صدر أبوه، وحبيبة وهي بتعلم الحاجة فاطمة إزاي تبعت استيكرز على الواتساب.
وبعد 5 سنين من يوم ما عمر دخل المحل عندي.. وصل جواب مجهول المصدر. جواه كان فيه صورة.. ليلى، كبرت وبقت عروسة عندها 10 سنين، واقفة على مسرح المدرسة كماسكة كمانجة وبتضحك ضحكة جنان. وجنب الصورة ورقة صغيرة بخط مرتب
لسه بتحب الكوكيز بالشوكولاتة.. وع فكرة.. أنا طول عمري كنت بكره لبس اللولي والبرندات التقيلة دي. خليكي سعيدة.. نهى
وقفت
قدام رخامة المطبخ ماسكة الجواب، وشمس العصر مخيرة المكان ذهب. لما عمر دخل، اديته الصورة من غير ولا كلمة. بص لوش ليلى، وغمض عينه.. مش من الحزن المرة دي.. أعتقد من الامتنان. إن فيه ناس طلعت من الضلمة دي بأسماء جديدة.. بس بقلوب لسه حية.
بالليل.. حبيبة وتامر كانوا بيجروا ورا بعض في الجنينة. الحاجة فاطمة بتدندن في المطبخ.. والسما لونها بنفسجي هادي. عمر قعد جنبي على سلم البيت ومسك إيدي
عمرك ندمتي إنك مشيتي زمان؟ بصيت لعيالي.. وللبيت البسيط.. وللحياة اللي كلفتنا كل حاجة عشان تدينا في الآخر حقيقة أحلى من أي برستيج.
لأ.. الهروب هو اللي أنقذنا. بص لي وعينيه فيها لمعة والرجوع؟ ضغطت على إيده والرجوع هو اللي كملنا.
في الجنينة، حبيبة كانت بتشرح لأخوها الصغير إزاي يحافظ على الورد. عمر ابتسم.. لسنين طويلة كنت فاكرة إن النجاة هي النهاية.. بس اتعلمت إن النجاة مجرد كوبري. الشغل الحقيقي بيبدأ بعد ما تنجو، لما تحاول تبني حياة ناعمة بإيدين لسه فاكرة شكل الحرب.
إحنا عملنا كده.. مش بجمال مثالي، ولا بشياكة أفلام.. بس عملناه بجد. ولأول مرة من وقت طويل، كانت الحقيقة كفاية جداً.
بقلم نرمين عادل همام
تمت


تعليقات
إرسال تعليق