القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 الاوضه اللي ساكن فيها 



الاوضه اللي ساكن فيها 

الاوضه اللي ساكن فيها كانت حر نار مع اني غيرت التكيف اربع مرات ياما حذروني صحابي وجيراني منها وقالولي انها منحوسه وفال وحش بس اللي شوفته فيها نشف الدم في عروقي


الأوضة اللي أنا قاعد فيها دي، حوالي 300 يوم في السنة حرارتها ثابتة على 38 درجة.

ومش ببالغ والله..

ده الرقم اللي ظاهر باللون الأحمر الفاقع على التيرمومتر الديجيتال اللي معلقه على الحيطة: 38°C.

رقم كفيل يخليك تحس إنك محبوس جوه حلة بريستو.

وعشان الرقم ده، أنا غيرت 4 تكييفات.

جبت الماركات المصري والمستورد، ومن أول الـ 1.5 حصان لحد الـ 3 حصان.

وكل مرة الصنايعي يركب التكييف، يخبط على صدره بثقة ويقولي:

"عيب يا أستاذ "يحيى"، ده تكييف جبار، ده يخليلك الأوضة تلاجة، ولو فتحت الباب هيسقع الصالة بالمرة!"

وأنا أصدق.

أشغل التكييف، أظبطه على 18، وأعلى سرعة للمروحة.

أسمع صوت الموتور بره بيزأر


زي الأسد المحبوس.

والهواء الساقع طالع بريحة الفابريكا.

أنام وأنا عندي بصيص أمل..

بس بعد نص ساعة..

البرودة بتتبخر.

الهواء لسه شغال، بس مابقاش ساقع.. بقى هواء فاتر ملوش طعم.

والتيرمومتر اللي على الحيطة، أرقامه الحمراء تبدأ ترفع ببرود من 28 لـ 30، وبعدين 35.. لحد ما ترشق عند 38.

مابيتغيرش سنتي واحد.

أربعة تكييفات.. أربع مرات أمل.. وأربع مرات قهر.

الفلوس اللي صرفتها كانت تخليني أدفع مقدم شقة في الأرياف.

بس اللي خدته في الآخر هو عداد كهرباء بيلف زي المجنون، وأوضة قالبة "سونا".

جبت كل اللي أعرفهم يشوفوا الحوار ده.

صاحبي "وائل" جه مرة، مكملش دقيقتين وقلع القميص وعرقه بقى يشر.

فضل يلف في الأوضة وعامل لي فيها "خبير" وقال بصوت واطي:

"بقولك إيه يا يحيى، الأوضة دي طاقتها وحشة، دي شقة "مكشوفة" والحرارة فيها مش طبيعية.. أنت لازم تجيب حد يقرأ

في المكان."

طردته بره طبعاً.

جارتي "طنط هدى" كل ما تشوفني تبص لي بصة شفقة وتقول:

"يا حبيبي يا "يحيى"، ما هو السكن في الروف كده، الصهد بياكل في السقف والشمس مابترحمش."

بس إحنا دلوقتي في الخريف!

ده ساعات بنبقى في عز الشتاء والجو بره تلج، وأنا أوضتي لسه فرن.

حتى مدير أمن الكومباوند جه، راجل أربعيني لابس اليونيفورم، ومعاه جهاز قياس وفضل يلف في الأركان.

وفي الآخر قالي ببرود:

"الكهرباء تمام، يمكن أنت محمل أجهزة كتير والجهد بيسقط."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

شاورت له على الأوضة اللي مفيهاش غير تكييف وتلاجة صغيرة.

ضحك بابتسامة صفراء وقال "هنبعت حد يفحص تاني" ومجاش من ساعتها.

كنت حاسس إني عايش في جزيرة معزولة عن العالم.. جزيرة ناشفة ومحرقة، القوانين الفيزيائية فيها بايظة.

لحد ما جه ميعاد التكييف الخامس.

ده بقى جبته "بواسطة"، تكييف مخصص لغرف السيرفرات الكبيرة.. بيسموه

"ملك التبريد".

جولي اتنين صنايعية قدام في الشغلانة، مبيتكلموش كتير.

خلصوا تركيب، وواحد منهم قالي وهو بيلم عدته:

"يا أستاذ، الجهاز ده غشيم، شغله على الهادي عشان متتعبش من السقعة."

ودعتهم وقفلت الباب، وبصيت للتكييف الجديد وأنا بعلق عليه أخر أمل ليا.

دوست على الريموت.

صوت الموتور كان قوي ومطمئن.. هواء متلج لدرجة إنه عمل "شبورة" بيضاء قدامي.

التيرمومتر بدأ ينزل بسرعة.

كنت هعيط من الفرحة.. أخيراً هعيش بني آدم.

نمت واتغطيت بلحاف خفيف، مستمتع باللحظة اللي افتقدتها من سنين.. وغرقت في النوم.

مش عارف فات قد إيه..

بس فقت على "هبّة" حرارة خبطت في وشي.

جسمي كان غرقان عرق، واللحاف لزق على جلدي.

قمت مفزوع.

الأوضة هس.. مفيش صوت غير مروحة التكييف.

التكييف شغال، بس الهواء.. بقى دافي.

بصيت على التيرمومتر: 38°C.

في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت تماماً.

مابقتش غضبان، ولا حتى يائس.

جالي هدوء مرعب.


 

فضلت نايم على السرير، وباصص للسقف.

سقف "جبسن بورد" أبيض ومستوي.

الشقة قديمة، وسقفها كان عالي فصاحبها القديم عمل السقف الساقط ده كديكور.

عمري ما فكرت أقرب منه.

بس المرة دي، كنت باصص له ومبرق.

التكييف متعلق تحت السقف ده بالظبط.

فكرة نورت في دماغي زي البرق.

العيب مش في التكييف.. ولا في الكهرباء.. ولا في الدور الأخير.

المشكلة جوه الأوضة دي.. في حتة أنا مش شايفها.

قمت وقفت عند الشباك، باصص على أضواء القاهرة والزحمة.

بس عالمي أنا مكنش فيه غير الفرن ده.

قررت.. أنا ههده.

بلاطة.. بلاطة.

تاني يوم الصبح، نزلت "الموان" اللي في الشارع ورجعت ومعايا صنايعي.

كان اسمه "الأسطى رجب"، راجل فوق الخمسين، رفيع بس عينيه زي الصقر.

دخلته الأوضة وشاورت على السقف:

"يا أسطى رجب، عايزك تشيل لي السقف ده كله."

بص للسقف باستغراب:

"يا أستاذ، السقف زي الفل وحرام تكسره، ده متكلف!"تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

"حران يا أسطى.. شيله."

مسألش تاني، قالي السعر، ودفعت له فوراً.

"هتبدأ إمتى؟"

"دلوقتي حالا."

نزل جاب عدته، وأنا بدأت أفضي الأوضة.. غطيت السرير والمكتب بمشمع بلاستيك.

الأوضة بقى شكلها زي المدافن المهجورة.. وكل ده وهي لسه بتغلي.

رجع الأسطى رجب ومعاه شنطة العدة والعتلة والسلم الألمونيوم.

نصب السلم في نص الأوضة.

"ابعد شوية يا أستاذ عشان العفرة.

"

وقفت عند الباب.. قلبي كان بيدق بسرعة مش عارف ليه.. خوف ولا ترقب؟

طلع السلم، خبط على السقف بإيده:

"الخشب والحديد اللي شايل تقال.. شغل نظيف."

وبعدين غرز العتلة في الفاصل بين البلاطات.. وضغط بكل قوته.

"ترااااخ!"

صوت شرخ قوي.. الجبس اتكسر.

وهجمت علينا ريحة كمكمة وتراب قديم تخنق.

كرمش وشه بس كمل.. بدأ يخلع حتة ورا حتة.

ظهرت "فتحة" سودة في السقف.

وقفت مكاني مسمر، باصص للفراغ الضلمة اللي فوق.. مش شايف حاجة.

الأسطى رجب وقف وطلع كشاف صغير من جيبه.

"استنى أما أشوف لك إيه اللي فوق ده."

ضرب الكشاف جوه..

وفجأة.. ثبت.

ماتحركش.. ولا نطق.. ولا حتى رمش.

بس الكشاف في إيده كان بيترعش رعشة خفيفة.

ثانية.. اتنين.. عشرة..

"يا أسطى رجب؟" ندهت عليه.

مردش.

"يا أسطى، في إيه؟ شفت إيه؟"

اتلفت لي فجأة، ووشه كان لونه مخطوف.. عينه مليانة رعب مش طبيعي.

بلع ريقه بصعوبة.. فتح بقه يحاول يتكلم، بس صوته مطلعش.

نزل الأسطى رجب من على السلم بخطوات مهزوزة، لدرجة إنه كاد يقع لولا إنه ساند على الحيطة. وشه اللي كان أسمر من الشمس بقى لونه أصفر باهت زي الورق القديم. لم عدته في الشنطة بإيد بتترعش، وعينه مش مفارقة الفتحة اللي في السقف.

"أنا ماشي يا أستاذ يحيى.. فلوسك أهي، مش عايز منها مليم، بس اعتبرها نصيحة لوجه الله.. سيب الشقة

دي الليلة، وما تباتش فيها دقيقة واحدة!"

قال الكلمتين دول وجري على باب الشقة وكأنه بيهرب من عزرائيل، سابني واقف في نص الأوضة، والسكوت اللي حل فجأة كان أتقل من الحرارة نفسها. بصيت للسلم الألمونيوم اللي لسه واقف في نص الأوضة، وبصيت للفتحة السوداء اللي بتبص لي زي عين عملاقة.

الظلام اللي فوق السقف الساقط مكنش ظلام عادي، كان تحس إنه "كتلة" سوداء ليها وزن. سحبت الكشاف اللي وقعه الأسطى رجب من الخضة، ورجلي بتترعش طلعت السلم درجة درجة. كل ما بطلع لفوق، الحرارة بتزيد بشكل مرعب، مش حرارة شمس، دي كانت حرارة "أنفاس". تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

وصلت لآخر درجة، وبقيت موازي للفتحة. ريحة الكمكمة بقت ريحة حاجة "شايطة"، ريحة لحم بيتحرق ببطء. وجهت الكشاف جوه الفراغ.. وفي أول ثانية، مكنتش فاهم أنا شايف إيه.

كان فيه "فرشة" كاملة محطوطة فوق الجبسن بورد، هدوم قديمة ومهلهلة، وكتب ورقها دايب، بس مش ده اللي جمد الدم في عروقي. في ركن الفراغ، فوق التكييف الجديد بالظبط، كان فيه "شخص" قاعد.. أو ده اللي افتكرته في الأول.

كان كيان نحيف جداً، جلده لازق على عضمه لدرجة إنك تقدر تعد فقرات ضهره، لون جلده كان رمادي غامق كأنه متغطي بالرماد. الكيان ده كان قاعد "متربع"، وحواليه دايرة من الشموع السوداء اللي مخلصتش، والحرارة كلها كانت طالعة منه هو! كان عامل زي "دفاية"

بشرية بتشع صهد يحرق الروح.

لما ضوء الكشاف جه على وشه، لف راسه ببطء.. ببطء مرعب. مكنش ليه عينين، كان مكانهم تجويفين غارقين في السواد، بس كان "شايفني". فتح بقه اللي كان عبارة عن شق مشقوق لحد ودانه، وطلع منه صوت فحيح زي غليان الزيت:

"لسه بدري.. لسه الأوضة مابقتش جاهزة."

في اللحظة دي، شفت "الترمومتر" الديجيتال اللي على الحيطة من بعيد، الأرقام بدأت تجري جنون: 40.. 45.. 50.. وبدأ البلاستيك بتاع التكييف الجديد "يسيح" وينقط على الأرض زي الدموع.

عرفت وقتها إن الأربعة تكييفات اللي باظوا مكنش عيب صناعة.. الكيان ده كان بيمتص "البرودة" عشان يغذي النار اللي جواه. رميت الكشاف وجريت، نزلت السلم في خبطة واحدة، وخرجت من باب الشقة بالهدوم اللي عليا.

وأنا بقفل الباب، سمعت صوت ضحكة مكتومة طالعة من سقف الأوضة، وصوت "تكة" الترمومتر وهو بيتحرق من كتر السخونية. نزلت الشارع وأنا بلهث، وبصيت لفوق على شباك أوضتي.. شفت دخان أبيض خفيف طالع من الشباك، بس الجيران كانوا ماشيين عادي، محدش حاسس باللي بيحصل، لأن النار دي كانت "ناري أنا" وحرارتها "ليا أنا" لوحدي.

من يومها وأنا ساكن في فندق، مش قادر أقرب من الشارع كله، وكل ما حد يسألني سيبت الشقة ليه، بفتكر الكيان الرمادي وهو متربع فوق راسي، وبفتكر الكلمة اللي قالها "لسه مابقتش جاهزة".. والسؤال اللي بياكل عقلي دلوقت: هو كان بيجهز الأوضة.. لمين؟

 

تعليقات

close