القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 كنت أقطع الخضروات في المطبخ



كنت أقطع الخضروات في المطبخ حين شدّت ابنتي آمنة، ذات الأربع سنوات، طرف ذراعي


كان وجهها شاحبًا وعيناها ممتلئتين بالخوف، وقالت بصوت خافت أمي لا أريد تناول الحبوب التي تعطيني إياها جدتي كل يوم هل يمكنني التوقف؟

في تلك اللحظة شعرت وكأن الدم انسحب من وجهي.

ناولته الزجاجة وأنا أتمسّك بيد ابنتي آمنة دون أن أتركها لحظة. أخذها في البداية بشرود، وكأنه يتوقع خطأً بسيطًا، لكن ما إن قرأ الملصق حتى تبدّل وجهه فجأة. استقام في جلسته، ونظر إليّ، ثم أعاد النظر إلى الزجاجة بجدية جعلت البرودة تسري في عظامي.

سأل بصوت حاد من أعطى هذا للطفلة؟

لم يعجبني أسلوبه في قول هذا على الإطلاق.

أجبت حماتي الحاجة فاطنة. على ما يبدو كل يوم. لا أعرف العدد بالضبط، لكن آمنة أخبرتني أنها لم تعد ترغب في تناول الحبوب التي تعطيها لها جدتها.

شدّ الطبيب على فكّيه، ثم استدعى ممرضة وطلب منها أن تأخذ آمنة لوزنها وفحص علاماتها الحيوية وإجراء بعض تحاليل الدم العاجلة. تشبثت بي ابنتي وهمست أمي؟

فانحنيت إليها فورًا وقلت برفق سأذهب معكِ يا حبيبتي. لكنها نظرت إليّ بقلق وقالت لن تغضبي من جدتي، أليس كذلك؟

عندها شعرت بشيء ينكسر في داخلي؛ ليس لأنها لم تغضب، بل لأنها كانت تحاول حماية من كان يؤذيها في الخفاء.


مسحت على شعرها وقلت بهدوء سأهتم بكِ الآن فقط، هذا هو المهم.

عندما أخذتها الممرضة للحظات لإجراء وخزة في إصبعها، طلب مني الطبيب إغلاق باب العيادة. أغلقت الباب ويدي ترتجفان. قال بوضوح هذا الدواء ليس فيتامينًا، بل دواء مضاد للقلق ذو تأثير مهدئ، يُستخدم للبالغين. 

أما عند طفلة في الرابعة، فقد يسبب نعاسًا شديدًا، وتشوشًا، وتهيجًا، ومشكلات في التنفس إذا زادت الجرعة بل وقد يؤدي إلى الاعتياد إذا استُخدم بشكل متكرر.

نظرت إليه مشوشة، لا أدري إن كنت لا أفهم أم أنني فهمت أكثر مما ينبغي، ثم سألته بصوت مرتجف هل كانت حماتي تُخدّر ابنتي؟

لم يجب فورًا، وكان صمته أشد وقعًا من أي كلام. ثم قال أخيرًا لا أستطيع الجزم بالنية قبل معرفة الكمية والمدة، لكن المؤكد أنه لم يكن ينبغي إعطاؤه لها تحت أي ظرف.

جلست من جديد، بينما عادت مشاهد الأسابيع الماضية تتدفق في رأسي دفعة واحدة آمنة نائمة في منتصف النهار، آمنة بطيئة في الصباح، آمنة تشتكي من دوار خفيف، والحاجة فاطنة تبتسم بثقة وهي تقول إن الطفلة أصبحت أكثر هدوءًا، وكأن ذلك أمر يُحمد عليه.

همست سأتصل بزوجي حسن.

أومأ الطبيب وقال افعلي، لكن قبل ذلك

أريدك أن تجيبيني بصدق هل حماتك وحدها في المنزل الآن؟

تذكرت المطبخ، ربما كانت تُعد الشاي، وتذكرت خزانة الأدوية، وحقيبتي التي تركتها على الطاولة، ثم أجبته نعم، وحدها.

نظر إليّ بجدية وقال إذن لا تعودي إلى المنزل وحدكِ مع الطفلة، ولا تواجهيها قبل وجود شخص معكِ. لم يعد هذا نقاشًا عائليًا، وقد يتحول إلى قضية قانونية، بحسب النتائج.

سقطت كلماته على صدري كحجر ثقيل، وبقيت كلمة واحدة تتردد في داخلي بإلحاح مرعب قانونية.

اتصلتُ بزوجي حسن، ويدي ترتجف من التوتر حتى أخطأت في طلب الرقم مرتين قبل أن يجيب في المرة الثالثة. جاء صوته شاردًا هل أنتِ بخير؟ بدا وكأنه ما يزال في عمله. 

قلت بصوت غريب عني استمع إليّ جيدًا ولا تقاطعني. والدتك تُعطي آمنة دواءً مهدئًا مخصصًا للبالغين بشكل يومي. أنا الآن عند طبيب الأطفال، وأريدك أن تأتي فورًا.

ساد صمت قصير، ثم خرجت منه ضحكة ساخرة ماذا؟ لا، أمي لا يمكن أن تفعل شيئًا كهذا. لا بد أنكِ فهمتِ الأمر خطأ. 

قاطعته بحدة حسن، الزجاجة معي، واسم الدواء واضح، والطبيب أكد لي أنه ليس فيتامينًا. تعالَ الآن. 

ثم أغلقت الهاتف قبل أن يمنح نفسه فرصة للإنكار

مرة أخرى.

بعد ساعة، ظهرت النتائج الأولية. أكد الطبيب وجود آثار للدواء في دم آمنة. لحسن الحظ، لم تكن الكمية خطيرة، لكنها كانت متكررة بما يكفي لتفسير خمولها في الأيام الأخيرة.

حين دخل حسن العيادة، شاحب الوجه ولاهثًا، أدركت من ملامحه أن شيئًا بداخله قد انهار. نظر إلى الزجاجة، واستمع إلى الطبيب، ثم التفت إلى آمنة النائمة على السرير تضم دميتها الصغيرة، وفهم دون حاجة إلى مزيد من الكلام. 

جلس بصمت، وغطى وجهه بيديه. لم يبكِ، لكنه بدا وكأنه يسقط من الداخل.

قال أخيرًا بصوت مكسور يجب أن نتحدث معها.

هزّ الطبيب رأسه ببطء وقال إن أردتم توثيق ما حدث، فعليكم إبلاغ الجهات المختصة، كحماية الطفل أو الشرطة. والأهم الآن إبعاد الطفلة فورًا عن الشخص الذي أعطاها هذا الدواء.

رفع حسن رأسه فجأة الشرطة؟ هذه أمي.

أجابه الطبيب ببرود وهي أيضًا من أعطت طفلة في الرابعة دواءً مهدئًا دون إشراف أو ضرورة طبية. سمّ الأمر كما تشاء، لكن الحقائق لا تتغير.

عدنا إلى المنزل مع الغروب، ولم نكن وحدنا. جاءت معنا شقيقته سارة، فقد أصرّ حسن على وجود شاهد من العائلة. لم أكن أرغب في وجود أحد، لكنني وافقت، لأنني لم أعد أثق بما قد يُقال لاحقًا

 

 

في الخفاء.

كانت الحاجة فاطنة تجلس في غرفة المعيشة، تغطي ساقيها ببطانية، وأمامها كتاب مفتوح لا تقرأه. وما إن رأتنا حتى ابتسمت بتلك السكينة المستفزة وقالت أرأيتِ؟ كل هذه الضجة بلا داعٍ. كنت أعلم أن آمنة متعبة فقط.

وضعتُ الزجاجة على الطاولة أمامها.

تجمدت ابتسامتها في لحظة.

شحب وجه سارة، بينما تقدم حسن خطوة إلى الأمام وسأل هل أعطيتِ هذا لآمنة؟

لم تستغرق الحاجة فاطنة سوى لحظة لتستعيد رباطة جأشها، وقالت بالطبع لا ليس بهذه الطريقة. أعطيتها القليل أحيانًا، أقل من نصف حبة مطحونة، فقط لتنام. الطفلة متوترة جدًا، وأنتما لا تعرفان كيف تضعان حدودًا.

تقدمت خطوة نحوها وقلت بصوت ثابت أنتِ كنتِ تُخدّرين ابنتي.

رفعت ذقنها وقالت ببرود لا تبالغي. في زماننا، كان هذا أمرًا عاديًا. كان يساعد الأطفال على الهدوء. ثم إنكِ دائمًا تشتكين من أنها لا تترككِ تُنهين أعمالك.

شعرت وكأن صفعة غير مرئية أصابتني. أدركت فجأة أنها لا ترى ما فعلته خطأ، بل تراه حقًا لها.

سأل حسن هذه المرة بصوت مرتجف منذ


متى؟

نظرت إليه بضيق وقالت أسبوعان، ربما ثلاثة. ليس كل يوم، فقط عندما تكون مزعجة أو كثيرة الحركة.

في تلك اللحظة، خرجت آمنة من الممر، تحتضن دميتها، وقد سمعت آخر جملة. نظرت إلينا ببراءة وقالت بصوت خافت

جدتي قالت لي إنني إذا أخذتُ هذا سأصبح فتاة هادئة وجميلة.

ساد صمتٌ ثقيل، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. بدأت سارة تبكي بصمت، بينما شحب وجه حسن، وتقدّمت أنا نحو آمنة، حملتها بين ذراعيّ ودفنت وجهي في شعرها، أهمس لها نعم يا صغيرتي انتهى الأمر.

نهضت الحاجة فاطنة ببطء، وعلى ملامحها ضيق واضح، وقالت بنبرة دفاعية لا تنظروا إليّ هكذا، لقد فعلت هذا من أجل العائلة. تلك الطفلة كانت بحاجة إلى ضبط، وأنتِ 

وأشارت إليّ، رقيقة أكثر مما ينبغي.

عندها فعل حسن شيئًا لم أره يفعله من قبل. رفع يده، لا ليضربها، بل ليُسكتها. قال بصوت حاد كفى. كان صوته قويًا لدرجة أن آمنة تشبثت بي أكثر. 

رمشت الحاجة فاطنة بدهشة، وقد شعرت بالإهانة، وقالت أتكلمني هكذا بسببها؟ 

فأجاب بثبات أتكلم هكذا

من أجل ابنتي. اجمعي أغراضك الليلة.

ضحكت بسخرية قصيرة وقالت لن تطردني، أنا مريضة.

لكن حسن ردّ بصرامة لم أعهدها فيه ستغادرين.

تدخلت سارة، تمسح دموعها، واقتربت منها قائلة أمي، ستأتين معي، لكن لا يمكنك البقاء هنا.

نظرت الحاجة فاطنة بيننا جميعًا، وكأنها تنتظر أن يتراجع أحد، لكن أحدًا لم يفعل. قالت بمرارة هذا كله بسببكِ، كنتِ تريدين دائمًا أن تُبعدي ابني عني. 

لم أرد، لأن الوقت لم يعد وقت جدال، بل وقت حماية.

بعد نحو أربعين دقيقة، وصلت الشرطة. لم يتم توقيفها في تلك الليلة، لكنهم أخذوا إفادتها، وصوّروا الزجاجة، وتحدثوا مع الطبيب، وشرحوا لنا الإجراءات إن قررنا تقديم بلاغ رسمي، كما حرروا محضرًا بشأن إعطاء دواء لطفلة بطريقة غير قانونية.

حين رأيتها تغادر المنزل أخيرًا، متكئة على سارة، وما زالت تتمتم بأن كل هذا مبالغة، لم أشعر بالراحة كما توقعت، بل شعرت برجفة عميقة، تلك الرجفة التي تأتي بعد زوال الخطر، حين يدرك الجسد كم كان قريبًا.

في تلك الليلة، نمتُ إلى جوار آمنة في سريري.

عند منتصف الليل استيقظت، لمست وجهي وهمست لن يعطوني ذلك مرة أخرى أليس كذلك؟

احتضنتها بقوة وقلت لن يحدث هذا أبدًا. وإذا حاول أي شخص أن يعطيكِ شيئًا دون علمي، أخبريني فورًا، حتى لو قال لكِ إنه سر. 

أومأت برأسها بنعاس وهمست سأخبركِ بكل شيء يا أمي. عندها فقط بكيت بصمت، حتى لا أخيفها.

بعد أسبوعين، عادت آمنة كما كانت، أكثر نشاطًا وابتسامًا، وكأن البيت نفسه تنفس من جديد بعد أن اختفى ذلك الثقل الغريب. أرسلت الحاجة فاطنة رسائل عدة؛ بدأت غاضبة، ثم مكسورة، ثم تبرر ما فعلته، وتقول إن الأطفال كانوا يُربّون هكذا في السابق. لم نرد.

علمت لاحقًا أن سارة حجزت لها موعدًا مع طبيب نفسي، بعدما أدركت أن الأمر لم يكن مجرد مساعدة.

أحيانًا أفكر في مدى اقترابي من عدم اكتشاف الحقيقة، كم كان من السهل أن أُقنع نفسي بأن ابنتي تمر بمرحلة عابرة. يؤلمني ذلك التفكير لكنني أتذكر شيئًا أقوى.

يدها الصغيرة وهي تشدّ على ذراعي.

وصوتها الخائف وهي تقول إنها لا تريد تلك الحبوب.

وأدرك أن ابنتي نجت في اللحظة التي قررت فيها أن تثق بي.

 


 

تعليقات

close