القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 حماتي بصت لبطني



حماتي بصت لبطني

 

حماتي بصت لبطني وأنا في الشهر التاسع، وقالت لجوزي "اقفل الترباسين وسيبها تولد مع نفسها"، وسابتني وسافرت تصيف في شرم الشيخ بفلوسي أنا. بعد أسبوع، رجعوا وشهم محروق من الشمس والابتسامة من الودن للودن، وشايلين شنط مشتريات قد كده... بس نظرة واحدة للباب عرفتهم إنهم عدوا حدود مفيهاش رجوع.

أول وجع حقيقي جالي مكنش مجرد مغص؛ ده كان زلزال شق حوضي نصين وكسر ضهري. وقعت على الرخام وضوافري بتغرس في الكنبة من كتر الألم، وقولت وأنا بطلع الكلمة بالعافية: "بدأ يا محمود.. متسبنيش.. اطلب الإسعاف بسرعة".

محمود اتسمر مكانه وعينه وسعت، بس فضل باصص لأمه. حماتي "فوزية" حتى متهزتش ولا كوباية العصير اللي في إيدها وقعت، اتنهدت ببرود وقالت: "متبدأيش الدراما بتاعتك دي يا هناء، بقالك أسبوعين كل شوية تقولي بولد وتطلعي كدابة".

عدلت طرحتها وبصت في المراية وقالت الجملة اللي نهت أي علاقة


بينا للأبد: "مش هنضيع حجز بخمسين ألف جنيه عشان سيادتك عاوزة شوية اهتمام دلوقتي".

خمسين ألف جنيه.. دي كانت تمن قيمتي عندهم. أنا اللي شايلة حفيدهم وفي حالة طوارئ وغرقانة في عرقي على السجادة، وهي كفة الميزان عندها طبت ناحية البحر والشاليهات. والمصيبة الأكبر؟ إن مرتبي وتعبي هما اللي دفعوا كل مليم في الرحلة دي.

وفجأة، مية الولادة نزلت وغرقت الأرض. غمضت عيني وبصيت للراجل اللي كان مفروض سندي وقولتله: "اطلب الإسعاف، ابوس إيدك".

بس محمود فضل واقف زي الصنم، وش راجل ضعيف بيختار اختيار ملوش مغفرة.

الباب الخشب التقيل اتفتح، وصوت عجل الشنط بدأ يتحرك لبرا.

ومن عند الباب، جه صوت فوزية حاد وزي السكينة: "اقفل الترباسين يا محمود.. سيبها تولد في هدوء، مش عاوزينها تحصلنا على المطار وتعملنا شوشرة".

"تكة".

صوت القفل وهو بيلف في الباب رن في البيت كله. وبعده القفل التاني.

حبسوني لوحدي وأنا بطلق عشان ميفوتهمش الطيارة.

فضلت مرمية على البلاط الساقع، سامعة صوت شنطهم وهي بتبعد في الممر.

استلقيت على البلاط وأنا حاسة ببرودة الرخام بتمتص حرارة جسمي المحروق من الوجع. كل صرخة كانت بتطلع مني كانت بتخبط في الحيطان وترجع لي صدى، مفيش حد يسمعني، ومفيش غير السكوت القاتل اللي سابه محمود وأمه وراهم.

بين كل طلقة والتانية، كنت بحاول أسحب نفسي لغاية الكومودينو عشان أوصل للموبايل. إيدي كانت بترتعش، وعرقي غرق الأرض لدرجة إني كنت بتزحلق. في اللحظة دي، مكنتش بفكر في الخيانة، كنت بفكر في الروح اللي جوايا اللي ملهاش ذنب.

بأعجوبة، وصلت للموبايل. اتصلت بوالدتي، وصوتي كان طالع حشرجة: "إلحقيني يا ماما.. قفلوا عليا الباب وسابوني".

بعد نص ساعة، الباب اللي حماتي أمرت إنه "يتقفل بالترباسين" اتكسر بصوت عالي. الجيران مع الإسعاف دخلوا لقوني غرقانة في دمي

ومية الولادة، وشبه غايبة عن الوعي.

مرت ساعات في المستشفى زي الكابوس، بس ربنا سترها، وقومت بالسلامة وجبت "ياسين". أول ما فتحت عيني وشفت ابني، حلف بجد إني مش هسمح لـ "محمود" ولا أمه يلمسوا طرفه.

بعد يومين، الباب اتفتح ودخل محمود وبيلف في إيده مفاتيح البيت، ووشه فيه بقايا التان بتاع المصيف. أول ما شافني قاعدة في البيت ومعايا أهلي والبيبي، حاول يرسم الابتسامة: "حمد لله على السلامة يا حبيبتي، شوفتي؟ قولتلك إنتي بتهولي والموضوع بسيط وأهو ياسين جه زي الفل".

قومت وقفت بصعوبة، وشاورت على الباب:

"محمود، الترباسين اللي قفلتهم بوجع قلبي، هما نفسهم اللي هيتقفلوا في وشك النهاردة. الشقة دي بفلوسي، والعفش ده بفلوسي، والرحلة اللي روحت تتدلع فيها بفلوسي.. وابني ده، ملوش أب ضعيف زيك."

حماتي دخلت من وراه، وبكل بجاحة قالت: "جرى إيه يا بنتي، ما إنتي قمتي وزي القردة أهو، لازمته إيه النكد؟"

 


 

بصيت لها بكل هدوء وقولت: "يا فوزية، أنا كلمت المحامي، وقضية التمكين والخلع هتوصلكم بكرة. والـ 50 ألف جنيه اللي صرفتيهم في المصيف، هعتبرهم صدقة جارية على روح العشرة اللي انتوا دفنتوها بأديكم."

خرجوا من البيت وهما مش مستوعبين إن "هناء" الضعيفة اللي سابوها بتموت، هي اللي طردتهم النهاردة بكرامتها. قفلت الباب وراهم بالترباسين، ولأول مرة، حسيت إن البيت بقى أمان.

مرت الأيام، ومحمود مسبش باب مكلمنيش منه، رسايل اعتذار وتوسلات، وعياط في التليفون: "سامحيني، مكنتش في وعيي، أمي هي اللي ضغطت عليا". بس كل ما كنت بفتكر صوت "التكة" بتاعة القفل وهو بيقفل عليا وأنا بصرخ، قلبي كان بيتحول لحجر.

في يوم، لقيت فوزية جاية ومعاها ناس من قرايبنا عشان "يصلحوا النفوس". قعدت بكل برود وقالت: "يا بنتي البيوت مبيتحربش فيها كدة، والراجل ملوش غير مراته، والضفر مبيطلعش من اللحم".

بصيت لها وقولت: "فعلاً يا حماتي، الضفر


مبيطلعش من اللحم، بس إنتي جيتي في وقت كنت أنا فيه 'اللحم' اللي بيتقطع، والضفر ده كان ابنك اللي اتفرج عليا وأنا بتمزع من الألم ومتهزش.. اللي هان عليه ابنه وهو لسه بيجي الدنيا، يهون عليه أي حد".

طلعت ورقة من شنطتي ورميتها قدامهم:

"دي فاتورة المصيف اللي دفعته بفيزا المشتريات بتاعتي، ودي صور محضر إثبات الحالة اللي الجيران عملوه لما كسروا الباب ولقوني بموت، وده توكيل للمحامي برفع دعوى نفقة وحبس بمؤخر الصداق".

وش محمود اصفرّ وبدأ يتلفت حواليه، وكأنه بيدور على مخرج. كملت كلامي:

"أنا مش عاوزة صلح، أنا عاوزة حقي. والبيت اللي كنتوا فاكرين إنكم بتملكوني فيه، النهاردة أنا اللي بخرجكم منه بالقانون. اتفضلوا برا، ابني نايم ومش عاوزه يصحى على صوت ناس غريبة".

خرجوا وهما بيجروا أذيال الخيبة، والمرة دي مكنش وراهم شنط مشتريات، كان وراهم فضيحة في العيلة كلها.

بعد شهور، قضية الخلع خلصت. وقفت قدام المراية، كنت

بقيت واحدة تانية، أقوى وأهدى. شيلت "ياسين" وخرجت بيه للبلكونة، وبصيت للسما وقولت: "يا رب، زي ما نجيتني وأنا لوحدي، خليك معايا وأنا بربيه لوحدي".

أهم درس اتعلمته إن الباب اللي يتقفل في وشك وقت الشدة، ميتفتحش تاني أبداً حتى لو كان مقبضه من دهب. الدنيا لفت، ومحمود فضل لوحده، وفوزية ملقتش اللي يصرف على رحلاتها، وأنا وياسين بدأنا حياة جديدة، ببيبان مفتوحة بس للناس اللي تستاهل تدخلها.

وبعد ما الكل خرج، البيت هدي تماماً. بصيت لياسين وهو نايم في سريره، ملامحه هادية ميعرفش إن أمه خاضت حرب عشان تضمن له عيشة نضيفة بعيد عن ناس معندهمش رحمة.

الغريب إن محمود محاولش يسكت، بدأ يبعت رسايل تهديد إنه هياخد الولد، ويقولي: "المحاكم بينا، ومش هسيبك تتهني". رديت عليه بجملة واحدة: "اللي ساب ابنه يموت في الولادة عشان يلحق طيارة، ملوش عين يطلب يشوفه وهو حي". وعملت له بلوك من كل حتة.

مرت سنة، وياسين بدأ يمشي. في

يوم كنت في السوبر ماركت، وشفت فوزية من بعيد. كانت واقفة وشها ذبلان، وهدومها مش بنفس الشياكة اللي كانت عليها بفلوسي. أول ما شافتني حاولت تقرب، بس أنا لفت وشي وكأني شفت سراب. مفيش عتاب ينفع مع ناس شافوا الموت بعينهم وسابوه يكمل طريقه.

اشتغلت على نفسي أكتر، والبيزنس بتاعي كبر، وبقيت بخرج وبسافر مع ابني ومع أهلي اللي وقفوا جنبي. كل صورة بنزلها وأنا بضحك كانت سهم في قلبهم، مش عشان بنتقم، بس عشان أثبت لنفسي إن "القفل" اللي قفلوه عليا كان هو البداية لحريتي.

محمود النهاردة عايش مع أمه في شقة إيجار، بعد ما المحكمة مكنتني من شقتي، وبيحاول يجمع قرش على قرش عشان يدفع النفقة اللي عليه عشان ميتسجنش.

القصة مخلصتش بوجع، القصة خلصت وأنا واقفة على رجلي، ماسكة إيد ابني، وببص لبكرة من غير خوف. والباب اللي اتقفل زمان بالظلم، أنا النهاردة فاتحاه على آخره للدنيا وللرزق وللحب اللي بجد، بس المرة دي.. المفتاح في إيدي أنا لوحدي.

 


 

تعليقات

close