ورقة الدكتور
ورقة الدكتور
حطيت إيدي على صدري وأنا بقرأ الورقة، حاسة إن النفس بيهرب مني… الكلمات كانت قليلة، بس كانت كفاية تقلب حياتي كلها:
الورقة وقعت من إيدي… بصيت على ليلى، كانت واقفة في الركن، حاضنة نفسها، وعينيها مليانة رعب… نفس النظرة اللي كنت بهرب منها كل يوم.
.
قربت منها ببطء… ركعت قدامها… وقلت بصوت مكسور: "ليلى… في حد بيضايقك؟"
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
بصتلي… وسكتت… نفسي جامد وبدأت تعيط بصوت مكتوم: "ماما… أنا كنت خايفة أقولك… هو قال لو اتكلمت هيوديني مكان وحش…"
جسمي كله اتجمد… بس دموعي نزلت وأنا بحضنها: "خلاص… خلاص يا حبيبتي… أنا معاكي… محدش هيقربلك تاني…"
في اللحظة دي، سمعت صوت باب الشقة بيتفتح.
مدحت رجع.
بصيت لليلى بسرعة، ومسحت دموعها: "ادخلي أوضتك واقفلي الباب… وماتفتحيش مهما حصل."
دخل مدحت وهو بيبصلي بنظرة شك: "إنتي رجعتي بدري ليه؟"
ابتسمت بالعافية: "تعبانة شوية…"
قرب… قرب زيادة عن اللزوم… نفس القرب اللي الدكتور كان شايفه… نفس القرب اللي كنت بغض الطرف عنه.
قال وهو بيبص ناحية أوضة ليلى: "هي فين؟"
وقفت قدامه فورًا: "نامت."
سكت شوية… وبعدين قال: "طب كويس…"
أنا في اللحظة دي كنت خلاص قررت… مش هستنى ثانية.
قلتله بهدوء: "أنا نازلة أجيب دوا."
نزلت بسرعة، وإيدي بترتعش، بس رجلي كانت بتجري… أول ما وصلت الشارع، وقفت تاكسي وقلت للسواق: "على أقرب قسم شرطة… بسرعة لو سمحت!"
وصلت القسم
وأنا مش شايفة قدامي… دخلت وأنا بحضن الورقة في إيدي كأنها طوق نجاة: "لو سمحت… عايزة أبلغ عن جوزي."
الضابط بصلي بتركيز: "اهدي يا مدام… في إيه؟"
مديت له الورقة… وصوتي بيتهز: "الدكتور كتبلي كده… وبنتي قالتلي كل حاجة…"
بدأت التحقيقات فورًا… وأنا قاعدة قلبي بيتقطع… بين خوفي على ليلى… ورعبي من إنه يحس ويهرب.
بس اللي مكنتش متوقعاه… إن مدحت ما حاولش يهرب.
لما الشرطة راحت الشقة… لقوه… قاعد… مستني.
كأنه كان عارف إن النهاية قربت.
ولما خدوه… بصلي وهو بيبتسم ابتسامة باردة: "أنتي اللي خسرانة…"
بس لأ.
المرة دي… أنا اللي كسبت.
رجعت البيت مع الشرطة… دخلت أوضة ليلى… كانت قاعدة على السرير، ضامة نفسها، وعينيها حمرا من العياط.
حضنتها بقوة: "خلص… خلاص يا حبيبتي… محدش تاني…"
بصتلي بخوف: "هو مش هيرجع؟"
مسحت دموعها: "لأ… مش هيرجع أبدًا."
مرت الأيام… .
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
بعد شهور… ليلى بدأت ترجع تضحك تاني… ببطء… بحذر… بس بترجع.
وفي يوم، وهي نايمة في حضني… قالتلي بصوت واطي: "ماما… أنا بقيت بحس بالأمان."
ساعتها بس… عرفت إني عملت الصح.
وإن أحيانًا… ورقة صغيرة… ممكن تنقذ حياة كاملة.
عدّت شهور على اللي حصل… بس الحقيقة إن الجروح مش بتختفي بسهولة، حتى لو السبب اختفى من حياتنا.
أنا وليلى كنا بنحاول نرجع نعيش… مش زي الأول، بس على الأقل من غير خوف.
في الأول، ليلى كانت بتصحى من
النوم مفزوعة… تصرخ، وتجري عليّا، تمسك فيا كأني آخر حاجة في الدنيا.
كنت بالساعات، أهوّن عليها… وأهوّن على نفسي.
بدأنا نروح لدكتورة نفسية… جلسات طويلة، دموع كتير، وسكوت أكتر.
في جلسة منهم، الدكتورة سألتها بهدوء: "تحبي تقولي إيه أكتر حاجة كانت ؟"
ليلى بصت في الأرض… وسكتت… وبعدين قالت جملة كسرتني: "إني أقول لماما… وماما متصدقنيش."
الكلمة دي فضلت ترن في ودني أيام…
أنا مكنتش بس غافلة… أنا كنت قريبة أكون سبب في استمرار ألمها.
لكن قررت إن ده مش هيكسرنا… ده هيخلينا أقوى.
واحدة واحدة، ليلى بدأت تتكلم أكتر… بدأت تحكي اللي حصل… بالتفاصيل اللي أي أم تتمنى عمرها ما تسمعها…
كنت كل مرة بحس إني بموت… بس كنت بفضل ثابتة عشانها.
القضية اتحولت للنيابة… والتحقيقات كانت تقيلة… أسئلة صعبة، ومواجهات أصعب.
طلبوا إن ليلى تدلي بشهادتها.
يومها، إيدي كانت في إيدها… وهي داخلة الغرفة.
قالتلي بصوت واطي: "ماما… أنا خايفة."
قلت لها وأنا ببوس راسها: "أنا معاكي… حتى لو مش جوه، أنا برا… ومستنياكي."
دخلت… وقعدت تحكي.
الطفلة اللي كانت بترتعش من مجرد نظرة… بقت بتواجه.
وبعد أسابيع… جه يوم المحكمة.
دخلنا القاعة… قلبي بيدق بعنف…
وبعدين شوفته… مدحت.
كان واقف في القفص… نفس الابتسامة الباردة… بس المرة دي، كان فيها خوف مستخبي.
أول ما عينه جت على ليلى… حاول يبصلها بنفس الطريقة القديمة…
طريقة الترهيب.
لكن المفاجأة… إن ليلى مسكت إيدي بقوة… وبصت له… من غير ما تتهز.
القاضي بدأ الجلسة… والمحامي حاول يدافع… يشكك… يلف ويدور…
لكن التقارير الطبية كانت واضحة… وكلام الدكتور كان حاسم… وشهادة ليلى كانت أقوى من أي حاجة.
في لحظة صمت… القاضي نطق بالحكم.
سجن مشدد… سنين طويلة.
مدحت فقد توازنه للحظة… وبعدين بصلي… نفس النظرة…
بس المرة دي، ماخفتش.
خرجنا من المحكمة… الشمس كانت ساطعة بشكل غريب… كأنها أول مرة تشرق.
ليلى شدتني من إيدي: "ماما… خلصنا؟"
نزلت على ركبي قدامها وقلت: "أيوه يا حبيبتي… خلصنا."
حضنتني… المرة دي مش بخوف… لكن براحة.
عدت سنة…
ليلى بقت أحسن… دخلت نشاط رسم… وبدأت ترسم كتير.
في يوم، جتلي بلوحة… فيها بنت صغيرة واقفة جنب ست كبيرة، وفي شمس كبيرة فوقهم.
سألتها: "مين دول؟"
ابتسمت وقالت: "أنا وإنتي… والشمس دي الأمان."
ماقدرتش أتكلم… حضنتها وبس.
وفي ليلة هادية… وهي نايمة جنبي… افتكرت كل حاجة… من أول نظرة الخوف… لحد حكم المحكمة…
وافتكرت الورقة الصغيرة… اللي غيرت كل حاجة.
قمت من جنبيها… وطلعت الورقة من درج الكومودينو… كنت محتفظة بيها.
بصيت فيها… ودموعي نزلت…
مش ضعف… لكن امتنان.
امتنان لإن في حد شاف… في وقت أنا كنت عمياء فيه.
ومن ساعتها… أخدت قرار.
بقيت أشارك قصتي… مش عشان أحكي… لكن عشان أنبه.
أي أم تشوف خوف في عين بنتها… متسكتش.
أي شك… حتى لو صغير… لازم يتسمع.
لأن الحقيقة… ممكن توجع.
بس تجاهلها… بيدمّر.
وليلة ما ليلى نامت وهي مبتسمة… عرفت إننا بدأنا حياة جديدة.
مش كاملة…
بس آمنة.


تعليقات
إرسال تعليق