القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 أصبح الحنش الذي أربيه غريبًا



أصبح الحنش الذي أربيه غريبًا


أصبح الحنش الذي أربيه غريبًا في الأيام الأخيرة.

في الليلة الماضية، رفض الطعام فجأة.

ولم يكن هذا أكثر ما أخافني…

بل الشيء الذي يفعله كل ليلة.

كان يتمدد بطوله كاملًا بجواري أثناء النوم، مستقيمًا تمامًا، ويلتصق بجسدي كأنه يقيسه.

في البداية، كنت أضحك كلما استيقظت ووجدته هكذا.

كنت أقول في نفسي:

“يبدو أن ميمون اعتاد عليّ أكثر من اللازم.”

حتى إنني التقطت له صورة وأرسلتها إلى صديقي البيطري في الرباط لأتباهى به.

لكن بعد دقائق، وصلتني منه رسالة صوتية، وصوته يرتجف بطريقة غريبة:

“هل جننتِ؟! الحنش لا يفعل هذا من باب الألفة… إنه يقدّر حجمك! أبعديه عنك فورًا!”

ضحكت رغم القشعريرة التي مرّت في ظهري.

لم أكن أعلم وقتها…

أن نساء الحي كنّ على حق حين قلن بعد وفاة جدتي:

“حنش الدار لا يؤذي أحد… إلا إذا شعر بالخطر.”

اسمي غيثة.

أعيش وحدي في رياض قديم بمدينة فاس، بعد وفاة جدتي “لالة رقية” منذ أشهر قليلة.

حياتي بسيطة، تتكرر كل يوم بين عملي وعودتي إلى البيت.

أما الشيء الوحيد غير الطبيعي في حياتي…

فكان ميمون.

حنش أسود ضخم، ربّته جدتي منذ سنوات طويلة داخل البيت.

لا أعرف من أين جاء أصلًا.

كل ما أعرفه أنني منذ طفولتي كنت أراه ملتفًا قرب نافورة الفناء الداخلي، هادئًا كأنه جزء من الرياض نفسه.

الغريب أن أحدًا في الحي لم يطلب منا قتله يومًا.

بل كانوا يتجنبون النظر إليه فقط.

وأذكر جيدًا ما قالته إحدى الجارات بعد جنازة جدتي:

“حنش الدار عمره ما يؤذي أهل البيت… إلا إذا سبقهم الخطر إليهم.”

لم أفهم كلامها حينها.

ظننته مجرد كلام عجائز فاس القديمة.

حتى اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء.

توقف ميمون عن الأكل.

حتى الدجاج الذي كان يلتهمه فورًا، صار يبتعد عنه.

وأصبح يخرج من الحوض الزجاجي وحده كل ليلة.

يزحف بصمت داخل غرفتي.

ثم يتمدد قرب سريري بطوله الكامل.

مستقيمًا.

تمامًا.

كأنه يقيس المسافة بين رأسي وقدمي.

في الليلة الأولى ضحكت.

وفي الثانية شعرت بالانزعاج.

أما في الثالثة…

فلم أستطع النوم.

ظللت مستلقية أحدق في سقف الغرفة، بينما أسمع صوت تنفسه البطيء قرب السرير.

كان البيت ساكنًا بشكل غريب.

حتى نافورة الفناء لم أعد أسمع صوت الماء فيها ليلًا.

وفوق ذلك كله…

بدأت رائحة بخور جدتي تعود إلى البيت.

رغم أنني لم أشعل شيئًا.

كنت أستيقظ أحيانًا على تلك الرائحة الثقيلة تملأ الغرفة، ثم تختفي فجأة.

وفي كل مرة…

كنت أجد ميمون يحدق في زاوية معينة من الغرفة.

في البداية، حاولت إقناع نفسي أن الأمر طبيعي.

وأن الوحدة تجعل الإنسان يتوهم.

لكن في إحدى الليالي، بينما كنت أستعد للنوم، سمعت صوتًا خافتًا خارج غرفتي.

خطوات بطيئة داخل الممر.

توقفت أنفاسي.

رفعت رأسي نحو الباب.

الصوت اختفى.

لكن ميمون لم يتحرك.

ظل منتصب الرأس، يحدق نحو الباب بعينين ثابتتين.

ثم بدأ يصدر فحيحًا منخفضًا لم أسمعه منه من قبل.

شعرت بقلبي ينقبض.

أمسكت هاتفي بسرعة وصورته، ثم أرسلت الفيديو إلى صديقي البيطري.

بعد أقل من دقيقة، اتصل بي فورًا.

“غيثة… راقبيه جيدًا.”

كان صوته متوترًا.

قلت محاولة الضحك:

“إنه فقط يتصرف بغرابة منذ فترة.”

سكت لثوانٍ قبل أن يقول:

“الحناش لا تتمدد بجانب البشر هكذا.”

في تلك الليلة، عاد ميمون إلى غرفتي كعادته.

زحف ببطء فوق السجاد.

ثم تمدد بجوار السرير.

مستقيمًا.

ثقيلًا.

صامتًا.

لكن هذه المرة، لم أستطع تجاهل الخوف داخلي.

فتحت هاتفي لألتقط صورة جديدة له.

وفجأة…

توقف كل شيء.

بدأ جسد ميمون يرتجف ببطء.

ثم رفع رأسه فجأة، وحدّق نحوي لثوانٍ قصيرة.


فتحت هاتفي لألتقط صورة جديدة له.

وفجأة

توقف كل شيء.

بدأ جسد ميمون يرتجف ببطء.

ثم رفع رأسه فجأة، وحدّق نحوي لثوانٍ قصيرة.

لكن نظراته لم تتوقف عندي.

ببطء تحرك رأسه مبتعدًا عني نحو الجانب الآخر من الغرفة.

وعندها فقط انتبهتُ إلى أنه كان يحدق في زاوية الغرفة المظلمة.

الزاوية نفسها.

وحين التفتُّ نحوها أخيرًا

سمعت صوت امرأة يهمس باسمي من داخل الظلام.

غيثة

تجمّد الدم في عروقي.

كان الصوت خافتًا جدًا

لكنني سمعته بوضوح.

غيثة

صوت امرأة.

خرج من الزاوية المظلمة نفسها التي ظلّ ميمون يحدّق فيها طوال الأيام الماضية.

تراجعتُ ببطء فوق السرير، بينما بقي الحنش منتصب الرأس، وعيناه ثابتتين نحو الظلام.

ثم بدأ فحيحه يعلو.

فحيح طويل، غاضب، لم أسمعه منه طوال السنوات التي عاشها معنا.

شعرتُ بأنفاسي تختنق.

وحين حاولت تشغيل ضوء الغرفة

انطفأ البيت كله دفعة واحدة.

غرقت الغرفة في الظلام.

ولثانية واحدة فقط

رأيت شيئًا قرب الباب.

ظلّ امرأة طويلة.

شعرها يغطي وجهها بالكامل.

ثم اختفى.

صرخت دون وعي، وقفزت أبحث عن هاتفي، لكن ميمون تحرّك فجأة بسرعة مرعبة، وصعد فوق السرير حتى أصبح بيني وبين الباب مباشرة.

كأنه يمنع شيئًا من


الاقتراب.

ظلّ هكذا لثوانٍ طويلة

ثم عاد كل شيء ساكنًا.

عاد الضوء.

واختفى الظل.

أما أنا

فلم أنم حتى الصباح.

في اليوم التالي، خرجت من البيت باكرًا رغم أنني لم أنم سوى ساعة واحدة.

كنت أريد الهرب من الرياض بأي طريقة.

حتى ضوء النهار بدا أرحم من الجلوس داخل تلك الجدران القديمة.

لكن الغريب

أنني طوال الطريق كنت أشعر بأن رائحة الحرمل ما تزال عالقة في ملابسي.

وفي كل مرة أتذكر الظل الذي رأيته قرب الباب، أقول لنفسي

شلل نوم فقط.

توتر.

الوحدة تجعل الإنسان يتوهم أشياء كثيرة.

لكنني لم أصدق نفسي.

عند الظهيرة، عدت إلى البيت وأنا أحاول التصرف بشكل طبيعي.

وجدت ميمون داخل الحوض الزجاجي.

هادئًا.

ملتفا حول نفسه.

كأن شيئًا لم يحدث.

اقتربت منه بحذر.

ولأول مرة منذ سنوات

شعرت بالخوف منه.

فتح عينيه ببطء حين شعر بي.

ثم رفع رأسه قليلًا، واتجه بنظره مباشرة نحو الممر المؤدي إلى غرف جدتي القديمة.

ليس نحوي أنا.

بل خلفي.

استدرت بسرعة.

لا شيء.

الممر فارغ.

لكنني سمعت بوضوح صوتًا خافتًا جدًا

كأن أحدًا يسحب قدمه فوق الأرض.

تراجعت إلى الخلف فورًا.

وفي تلك اللحظة، ضرب ميمون الزجاج بذيله بعنف حتى ارتج البيت كله.

شهقت بفزع.


أما هو

فظل يحدق في الممر.

في المساء، جاءت لالة زهور، جارتنا العجوز، بعدما أخبرتها أن الكهرباء انقطعت ليلًا.

كانت تعرف جدتي جيدًا.

وحين دخلت البيت، تغير وجهها فورًا.

توقفت وسط الفناء الداخلي، ثم رفعت رأسها ببطء نحو الطابق العلوي.

الرائحة رجعت.

قالتها كأنها تحدث نفسها.

سألتها بتوتر

أي رائحة؟

نظرت إليّ طويلًا قبل أن تجيب

الجاوي.

ثم أضافت بصوت منخفض

جدتك كانت تشعله كل ليلة.

حاولت الضحك.

كل العجائز يفعلن هذا.

لكنها لم تضحك.

بل اقتربت أكثر وهمست

ليس هكذا.

ثم التفتت فجأة نحو الحوض الزجاجي.

كان ميمون قد رفع رأسه بالكامل، يراقبها دون حركة.

تغير لون وجهها.

وتمتمت

ما زال يحرس

شعرت بانقباض في صدري.

يحرس ماذا؟

لكنها تجاهلت سؤالي، وسارت ببطء نحو غرفة جدتي المغلقة منذ وفاتها.

وفجأة توقفت أمام الباب.

أنتِ لم تدخلي هذه الغرفة بعد موتها صحيح؟

هززت رأسي بالنفي.

كانت تمنعني دائمًا.

وضعت لالة زهور يدها فوق المقبض القديم.

ثم سحبتها بسرعة، كأنها لمست شيئًا ساخنًا.

لا تفتحيها ليلًا مهما حدث.

قالتها بجدية جعلتني أتوتر أكثر.

لماذا؟

التفتت نحوي ببطء.

ثم قالت الجملة التي جعلت معدتي تنقبض

بعض الأبواب حين تُفتح

لا تُغلق بسهولة.

في تلك الليلة، لم أشعل أي ضوء داخل البيت.

كنت أريد النوم فقط.

أن تنتهي هذه الأيام الغريبة.

لكن منذ اللحظة التي أغلقت فيها باب غرفتي

بدأت أسمع الصوت.

خطوات بطيئة داخل الممر.

مرة.

ثم مرة أخرى.

توقفت أنفاسي.

حاولت إقناع نفسي أن الصوت صادر من الجيران أو من خشب البيت القديم.

لكن الخطوات توقفت تمامًا خلف باب غرفتي.

ثم

سمعت تنفسًا.

شعرت بجسدي يتجمد.

أما ميمون، فكان ملتفًا قرب الباب، رافع الرأس، وفحيحه يزداد تدريجيًا.

وبعد لحظات

سمعت امرأة تهمس باسمي مرة أخرى.

غيثة

كانت قريبة جدًا هذه المرة.

كأن فمها ملاصق للباب.

ثم بدأ المقبض يتحرك ببطء.

صرخت

من هناك؟!

توقف كل شيء فورًا.

لا صوت.

لا حركة.

ركضت نحو الباب وفتحته دفعة واحدة.

الممر فارغ.

لكن الهواء كان باردًا بشكل غريب.

ورائحة البخور خانقة أكثر من أي وقت مضى.

ثم وقع بصري على شيء جعلني أتراجع فورًا.

باب غرفة جدتي

كان مفتوحًا.

شعرت بقلبي يهبط داخل صدري.

أنا متأكدة أنني تركته مغلقًا.

بل ومقفلاً.

أما الآن، فكان مفتوحًا قليلًا.

فتحة سوداء وسط الظلام.

وميمون

كان يحدق نحوه مباشرة.

ظللت واقفة دقائق طويلة دون حركة.

لا أعرف لماذا شعرت أن الاقتراب من الغرفة خطأ.

لكن الفضول كان أقوى.

تقدمت ببطء داخل الممر.

الأرضية الباردة تصدر صريرًا خافتًا تحت قدمي.

أما ميمون، فقد تبعني بصمت.

حين وصلت إلى

 

الباب

شعرت برائحة الحرمل تضرب وجهي بقوة.

الغرفة كانت مظلمة إلا من ضوء خافت يتسلل من النافذة القديمة.

كل شيء فيها بقي كما تركته جدتي.

السرير.

السجادة الحمراء.

المبخرة النحاسية.

حتى عباءتها السوداء كانت معلقة خلف الباب.

لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.

خزانة صغيرة في زاوية الغرفة

مفتوحة.

اقتربت منها ببطء.

وفي الداخل وجدت صندوقًا خشبيًا قديمًا.

ترددت قبل لمسه.

ثم فتحته.

في البداية ظننت أنني أرى أوراقًا عادية.

لكنني أدركت بعد لحظات أنها ليست كذلك.

كانت صفحات مكتوبة بخط جدتي.

أدعية.

آيات.

وكلمات لم أفهمها.

وبين الأوراق

وجدت صورة قديمة بالأبيض والأسود.

جدتي شابة.

تقف وسط الفناء الداخلي.

وبجوارها

ميمون.

نفس الحنش.

بنفس

حجمه تقريبًا.

شعرت بقشعريرة تزحف داخل ظهري.

الصورة تعود لأكثر من ثلاثين سنة.

كيف لم يتغير؟

سمعت فجأة صوت ارتطام خلفي.

التفت بسرعة.

كان ميمون قد اندفع نحو باب الغرفة، ووقف أمامه كأنه يمنع شيئًا من الدخول.

ثم بدأ يصدر ذلك الفحيح الغاضب نفسه.

وفي اللحظة التالية

انطفأ الضوء القادم من الممر.

غرقت الغرفة في ظلام كامل.

تجمّدت في مكاني، وأنا أسمع صوتًا غريبًا بالخارج.

ليس خطوات.

ولا صوت إنسان.

بل احتكاكًا خافتًا، كأن شيئًا يُسحب ببطء فوق الأرض القديمة.

أما ميمون

فبدأ يضرب ذيله بعنف.

مرة.

ثم مرة أخرى.

حتى اهتزّ باب الغرفة.

أردت الصراخ، لكن صوتي اختفى تمامًا.

وفجأة

ساد الصمت.

صمت ثقيل إلى درجة أنني كنت أسمع دقات قلبي

بوضوح.

وبعد ثوانٍ طويلة، عاد الضوء فجأة.

ارتعشت عيناي نحو الباب فورًا.

الممر كان فارغًا.

لا شيء هناك.

لكن ميمون لم يتحرك.

ظل منتصبًا مكانه لثوانٍ، ثم بدأ جسده يترنح ببطء.

شعرت بقلبي ينقبض.

ميمون؟

التفت نحوي أخيرًا.

ولأول مرة منذ عرفته

بدا مرهقًا.

كأن شيئًا استنزفه بالكامل.

تحرك بصعوبة فوق الأرض، ثم عاد يزحف نحو غرفتي ببطء شديد.

وفي منتصف الطريق تقريبًا

توقف.

ثم سقط رأسه على الأرض فجأة.

ركضت نحوه فورًا.

ميمون!

لم يتحرك.

وضعت يدي قرب رأسه المرتجف.

كان يتنفس بصعوبة.

ثم رفع عينيه نحوي للحظة أخيرة.

هدأ الفحيح تمامًا.

وسكن جسده.

بقيت جالسة بجواره حتى الفجر، غير قادرة على استيعاب ما حدث.

وفي الصباح

كان ميمون ميتًا.


ساعدتني لالة زهور في دفنه داخل الحديقة الصغيرة وسط الرياض.

لم تقل الكثير.

فقط ظلت تراقب الجسد الطويل الملفوف بالقماش الأبيض بصمت غريب.

وقبل أن نغطيه بالتراب، تمتمت بهدوء

بعض الحناش كتموت وهي واقفة على باب الدار.

لم أفهم قصدها تمامًا.

لكنني لم أسأل.

في تلك الليلة

دخلت غرفتي وأنا أتوقع أن أسمع الخطوات نفسها.

أو أشم رائحة البخور.

أو أستيقظ على ذلك الشعور الثقيل الذي كان يخنق صدري كل ليلة.

لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.

كان البيت هادئًا للمرة الأولى منذ وفاة جدتي.

هادئًا بشكل طبيعي.

حتى نافورة الفناء

سمعت صوت الماء يعود إليها من جديد.

جلست طويلًا أحدق في المكان الفارغ قرب سريري.

المكان الذي كان ميمون يتمدد فيه كل ليلة.

ثم تذكرت كلام الجارات

الحنش اللي كيسكن الدار راه حافظ السر.

ولأول مرة

شعرت أنني فهمت ما كنّ يقصدنه.

 

تعليقات

close