اتجوزت راجل كفيف
اتجوزت راجل كفيف
أنا وافقت أتجوز راجل كفيف عشان ميتصدمش في علامات الحروق اللي في جسمي.. بس في ليلة دخلتنا، قعد جنبي وقال لي يا مريم، لازم تعرفي الحقيقة اللي مخبيها بقالي 20 سنة.
لما كان عندي 13 سنة، مطبخ بيتنا اتفجر بينا.
يومها البوليس قال لي واضح إن حد من الجيران ساب الغاز مفتوح أو اتعامل معاه غلط، وده اللي عمل الانفجار.. إنتي محظوظة إنك طلعتي عايشة.
محظوظة؟
كلمة محظوظة دي كان معناها إن الناس تفضل تبص لي في الشارع بذهول، والأطفال يوشوشوا بعض أول ما يشوفوني، والرجالة يبصوا لي بطلة شفقة تقطع القلب.. وشي وجسمي بقوا عبارة عن خريطة من الندوب والعلامات.
وصلت لسن التلاتين وعمري ما دخلت في قصة حب، ولا حتى حد فكر يتقدم لي.
لحد ما قابلت ياسين.
ياسين كان بيعلم الأطفال قراءة القرآن والمقامات الصوتية في الجامع اللي جنبنا، وكان فقد بصره وهو عنده 16 سنة في حادثة عربية.
في أول مرة قعدنا مع بعض، وشوشته بكسوف يا ياسين، لازم أقول لك حاجة.. أنا شكلي مش زي بقية البنات.
ابتسم وبسط إيده ناحيتي وقال لي وده أحسن.. أنا عمري ما حبيت الحاجات التقليدية.
اتجوزنا في يوم جمعة وشتا.. كنت
لابسة فستان مقفول ب هاي كول دانتيل وأكمام طويلة عشان أداري كل حاجة. وتلاميذ ياسين الصغيرين فضلوا يغنوا لنا تواشيح وأناشيد دينية بصوتهم الطفولي، ورغم إن نغماتهم كانت مهزوزة شوية، بس كان طعمها زي الشهد.
في الليلة دي، وإحنا في شقتنا الصغيرة، ياسين بدأ يلمس وشي بإيد بتترعش.
مشى صوابعه على خدي، وعلى الجرح اللي عند فكي، وعلى ملمس جلدي المحروق عند رقبتي.
همس لي وقال إنتي زي القمر يا مريم.
في اللحظة دي انهرت.. فضلت أعيط على كتفه لأني ولأول مرة في حياتي، حسيت إني متشافشة بقلب مش بعين، وحسيت أخيراً بالأمان.
بس فجأة، قال الجملة اللي غيرت حياتي كلها
يا مريم، أنا عاوز أقول لك حاجة هتغير نظرتك ليا تماماً.
ضحكت وقولت له بهزار إوعى تقول لي إنك بتشوف بجد؟
ياسين مضحكش.. ملامحه قلبت جد في ثانية.
مسك إيدي بقوة وقال لي فاكرة انفجار المطبخ اللي حصل زمان؟ اللي كنتي هتموتي فيه؟
دمي اتجمد في عروقي.. أنا عمري ما حكيت لياسين تفاصيل الحادثة ولا الندوب دي جت منين.. الذكرى دي كانت مقفول عليها في قلبي بميت قفل من وجعها.
سألته بصوت مرعوش قصدك إيه؟
ياسين بص في عيني كأنه
شايفني بجد، ونطق كلمات كسرت كل صورة كنت رسماها للراجل اللي لسه متجوزاه من كام ساعة..
ياسين ضغط على إيدي أكتر، ونزل راسه للأرض وهو بيتنفس بصعوبة، وقال يومها أنا مكنتش مجرد جار.. أنا اللي كنت بلعب بالكبريت ورا المواسير.. أنا اللي تسببت في الانفجار ده يا مريم.
الدنيا دارت بيا، سحبت إيدي من إيده وأنا مش مصدقة، وهو كمل وصوته بيتحشرج بالدموع الحادثة اللي فقدت فيها بصري مكنتش حادثة عربية زي ما قولتلك.. أنا عيني راحت في نفس الانفجار اللي شوه جسمك.. أنا فضلت أدور عليكي سنين، ولما لقيتك، قررت إني لازم أعيش خدام تحت رجليكي عشان أكفر عن ذنبي.. أنا متجوزتكيش عشان مش شايف ندوبك، أنا اتجوزتك لأني أنا اللي رسمت الندوب دي بإيدي، وعمري ما شوفتك غير أجمل ست في الدنيا.
ياسين نزل على ركبه في الأرض، وصوته كان طالع مخنوق بالعبرة يومها أنا مكنتش مجرد جار بعيد.. أنا كنت عيل مستهتر بيلعب في مواسير الغاز اللي في ضهر مطبخكم.. أنا اللي تسببت في الانفجار ده يا مريم.
الدنيا لفت بيا، سحبت إيدي من إيده وأنا مش مصدقة، جسمي كله كان بيتنفض. كمل وهو بيعيط بحرقة الحادثة اللي
ضيعت نظري مكنتش حادثة عربية زي ما قولتلك.. أنا عيني راحت في نفس الانفجار اللي ساب علاماته على جسمك.. أنا فضلت سنين بتعذب، ذنبك كان بياكل في قلبي كل يوم.
سكت شوية وهو بيحاول يتنفس وقال لما عرفت أوصلك وشوفتك من بعيد قبل ما أتقدم، عرفت إن ربنا جمعنا تاني عشان أعيش اللي باقي من عمري بحاول أصلح اللي كسرته.. أنا متجوزتكيش عشان مش شايف ندوبك يا مريم.. أنا اتجوزتك لأني أنا اللي رسمت الندوب دي بإيدي، ومن يومها وأنا مش شايف في الدنيا غيرك.. إنتي مش محتاجة تداري حاجة، أنا اللي محتاجك تغفري لي.
وقفت مكاني مشلولة، مش عارفة هل اللي قدامي ده هو الأمان اللي كنت بدور عليه؟ ولا هو الشخص اللي سرق مني حياتي ورجع يديني بواقيها تحت مسمى الحب؟
بصيت لوشه الهادي اللي كان دايماً بيطمني، وفجأة حسيت إن الشقة بقت ضيقة جداً.. الحقيقة كانت أصعب بكتير من إني أستوعبها في ليلة واحدة.
يا ترى يا ياسين.. إنت حبيتني فعلاً؟ ولا ده مجرد تكفير عن ذنب؟
مردش.. فضل ساكت ومنحني قدامي، والسكوت ده كان أصعب رد ممكن أسمعه.
ياسين فضل موطّي راسه، وصوت نفسه العالي هو الحاجة الوحيدة اللي مسموعة في هدوء الأوضة. مديت
إيدي ولمست كتفه بذهول، وسألته وصوتي مخنوق يعني كل ده كان تمثيلية؟ دخلت حياتي وعيشتني في وهم إنك النصيب الحلو عشان تريح ضميرك إنت؟
رفع راسه ناحيتي، وعينه كانت مليانة دموع رغم إنها مابتشوفش، وقال بصوت مهزوز والله العظيم ما تمثيل.. في الأول كنت بقرب منك وأنا حاسس بالذنب، كنت عاوز أتطمن عليكي بس.. لكن لما عرفتك، لما سمعت صوتك وحسيت بطيبة قلبك اللي مفيش منه، لقيت نفسي بقع في حبك بجد. مريم، أنا حبيت روحك اللي الندوب ملمستهاش.
قمت وقفت بعيد عنه، كنت حاسة إن الحيطان بتلف بيا إنت سيبتني سنين أقول لنفسي إني ناقصة.. سيبتني أعيش مكسورة وبخبي وشي من الناس، وإنت كنت عارف الحقيقة! كنت عارف إنك السبب في كل وجع عشته!
رد بلهفة وهو بيحاول يحس مكاني فين يا مريم، أنا كمان خسرت نظري.. أنا عيشت في ضلمة بقالي 20 سنة، وكل يوم كنت بدعي ربنا إنه يسامحني.. أنا مقولتش الحقيقة في الأول
لأني خفت تضيعي مني قبل ما تعرفي أنا بقيت إيه.. أنا دلوقتي مملكش في الدنيا غيرك، ومستعد أمشي من هنا دلوقتي لو ده هيريحك، بس أبوس إيدك صدقي إن حبي ليكي هو الحاجة الوحيدة الحقيقية في حياتي.
بصيت لشكله وهو عاجز بيدور على إيدي، وبصيت لندوب إيدي اللي كانت السبب في لمتنا دي.. هل ممكن الوجع يكون هو اللي جمعنا عشان يداوي بعضه؟ ولا الغلطة دي أكبر من إنها تتغفر؟
مسحت دموعي وقربت منه خطوة واحدة، وسألته السؤال الأخير لو كنت لسه بتشوف يا ياسين.. لو مكنتش الحادثة دي حصلتلك.. كنت هتدور عليا وتتجوزني برضه؟
سكت لحظة، وبعدين قال بمنتهى الصدق لو كنت لسه بشوف، مكنتش هشوف غيرك.. لأن قلبي اتعمى عن كل ستات الدنيا من يوم ما لمحتك زمان، ومفتحتش غير على حبك إنتي.
رميت نفسي في حضنه وأنا مش عارفة أنا صح ولا غلط، بس كنت عارفة إننا إحنا الاتنين ضحايا ليلة واحدة غيرت عمرنا، وإن القدر مجمعناش صدفة..
القدر جمعنا عشان يدينا فرصة تانية نعيش بجد، بعيد عن وجع الماضي.
ياسين ضم إيدي بين إيديه بقوة، كأنه خايف لو سابها أتبخر وأختفي من قدامه. سكت شوية، وكمل بصوت هادي ومرير
عارفة يا مريم.. أنا لما جيت أتقدم لك، أهلي قالوا لي إنت كفيف وهي كمان ظروفها صعبة، كأننا بيعة وشروة وتكملة عدد لبعض.. ميعرفوش إنك كنتِ حلمي الوحيد اللي بيطاردني في الضلمة. ميعرفوش إني كنت بقف تحت شباككم زمان وبسمع صوت ضحكتك قبل الحادثة، وبقول يارب البنت دي تكون من نصيبي.
بصيت له والدموع مغرقة وشي يعني إنت كنت عارفني من قبلها؟
هز راسه وقال كنت عارفك وحابك.. ولما حصل اللي حصل، حسيت إن ربنا عاقبني بأغلى حاجة عندي عشان مديت إيدي على حاجة مش من حقي وبوظتها. أنا مخدعتكيش يا مريم.. أنا بس استنيت اللحظة اللي أكون فيها ملكك بجد عشان أرمي حملي كله عليكي. أنا مش عاوزك تسامحيني دلوقتي.. أنا عاوزك بس تديني فرصة أكون
عينك اللي بتشوفي بيها نفسك حلوة، زي ما إنتي كنتِ النور اللي عيشت عليه طول السنين اللي فاتت.
قربت منه، ولمست وشه اللي كان فيه آثار بسيطة من الحادثة برضه بس مكنتش باينة زيي، وقولت له يا ياسين.. إحنا الاتنين اتكسرنا في ليلة واحدة، وشلنا الوجع ده لوحدنا سنين.. يمكن ربنا أراد إننا نتجمع عشان نصلح اللي اتكسر فينا إحنا الاتنين.
ياسين ابتسم لأول مرة بجد، وسجد في الأرض سجدة شكر طويلة.. وفي اللحظة دي، حسيت إن الندوب اللي في جسمي مابقتش بتوجعني. لأول مرة، محستش إني محتاجة أداري وشي بالدانتيلا ولا أستخبى من عيون الناس.
ياسين مكنش بس جوزي، ياسين كان كفارتي عن الوجع، وأنا كنت غفرانه اللي كان بيدور عليه.
قفلنا باب شقتنا علينا، وفي هدوء الليل، بدأنا حياة جديدة.. حياة مفيهاش أسرار، مفيهاش خجل من الجروح، حياة مبنية على حقيقة واحدة إن الحب الحقيقي مش بيشوف بالعين، الحب الحقيقي بيحس بالروح اللي تحت الجلد.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق