القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 كاميرا خفيه كشفت المستور



كاميرا خفيه كشفت المستور

 

ركّب كاميرا مخفية في البيت عشان أمه اللي عندها 85 سنة كانت بترتعش من الخوف، واللي سجّله الساعة 11:47 بالليل دمّر 40 سنة جواز، في البيت ده اللي مبني في حتة شعبية في شبرا الخيمة، الحيطان مدهونة بلون فستقي، والحوش مليان قواوير زرع ونعناع، بيت بسيط من برّه لكن من جوّه كان مخبّي حكايات ما تتصدقش، في البيت ده بالذات كانت الحياة ماشية بشكل عادي قدّام الناس، ضحك على السطح، ريحة أكل طالع من الشباك، وصوت تليفزيون شغال على المسلسل، لكن ورا الأبواب المقفولة كان فيه حاجة تانية خالص، حاجة تخلي الجيران لو عرفوها ما يصدّقوش، عبد الحميد راجل عنده 65 سنة موظف متقاعد من وزارة التربية والتعليم، عاش عمره كله راجل بسيط وهادئ، اتجوز ميرفت من أكتر من 40 سنة، وبنوا حياتهم حتة حتة، خلفوا وربّوا وفتحوا بيت، ولما الدنيا كبرت فيهم وبقت أمه الحاجة فوزية عندها 85 سنة وبدأت صحتها تضعف وذاكرتها تخونها بسبب الزهايمر، قرر يجيبها تعيش معاه بدل ما تفضل لوحدها، الست اللي عمرها ما اشتكت ولا طلبت حاجة، كانت طول عمرها شغالة في السوق، شايلة الهم على كتافها، ربت عيالها بعرقها وصبرها، بس الأيام الأخيرة بقت تنسى وتتلخبط وتنده على ولادها بأسماء ناس ماتوا، وتحط حاجات في أماكن غريبة وتعيد الكلام كتير، دكتور قال له دي مرحلة شيخوخة متقدمة ولازم رعاية، فجابها عنده في البيت، من برّه ميرفت كانت بتبان ملاك، بتقول


قدام الناس دي أمي التانية وأنا تحت رجلها، وبتضحك وتوزع كلام حلو على الجيران، لكن أول ما الباب يقفل كان الجو بيتغير، وميرفت اللي كانت لطيفة قدام الناس كانت بتبقى عصبية ومتوترة بشكل غريب، ومع الوقت عبد الحميد بدأ يلاحظ إن أمه بقت تخاف، بقت تقعد ساكتة طول الوقت، تبص في الأرض، ترتعش أول ما ميرفت تقرب منها، وبقت تنزل وزنها وتضعف بشكل ملحوظ، ولما كان يسألها كانت تقول خبطة في الكومودينو أو وقعت في الحمام، لكن مفيش حاجة في البيت تبرر الكلام ده، لحد ما في يوم رجع بدري وسمع صوت همس في الممر، وقف يتسمع، لقى ميرفت بتكلم أمه بنبرة غريبة فيها تهديد مبطن: لو فتحتي بقك بكلمة محدش هيصدقك وهتفضلي مخرفه في نظر الكل، وبعدها بثواني أول ما شافته قلبت وشها وابتسمت وقالت له إنها بس بتفكرها تاخد دواها، عبد الحميد ساعتها حس بحاجة اتكسرت جواه لكنه حاول يكذب إحساسه، بالليل وهو نايم كان مش قادر ينام، صورة أمه وهي بتترعش ما بتفارقش دماغه، وصوت ميرفت وهي بتتكلم ببرود بيرن في ودنه، قام تاني يوم وقرر يشتري كاميرا صغيرة جدًا مخفية، ركّبها في أوضة أمه بحيث تشوف السرير والباب كله، وقعد مستني، الأيام اللي بعدها كانت غريبة، أمه كانت بتسكت أكتر، وميرفت كانت بتدخل وتخرج بشكل طبيعي قدام الناس، لكن في لحظات لوحدهم كانت العجوزة بتبقى منهارة، لحد ما جت الليلة دي بالذات الساعة 11:47، الكاميرا اشتغلت على

مشهد قلب كل حاجة، ميرفت دخلت الأوضة متأخرة، الباب اتقفل بهدوء، لكن الجو كان تقيل بشكل غير طبيعي، وقفت عند السرير وبصت للحاجة فوزية اللي كانت نايمة بخوف وبتترعش، وبصوت واطي بس حاد قالت لها كلام خلاها ترتعش أكتر، كلام فيه لوم وتهديد وإحساس بالسيطرة، والست العجوزة حاولت ترد لكنها ماقدرتش، جسمها كان أضعف من إنها تدافع عن نفسها، وفي اللحظة دي الكاميرا سجّلت حاجة مش بس كلام، سجّلت خوف حقيقي، سجّلت انهيار إنسان قدام إنسان تاني، عبد الحميد وهو بيشوف الفيديو في التاني يوم كان بيترعش ومش مصدق، كان شايف أمه اللي شالت عمره كله بتتعامل كأنها مكسورة ومهملة، وشايف مراته اللي عاش معاها عمره بتبان بوجهين، واحد قدام الناس وواحد في السر، حاول يراجع نفسه يمكن يكون فاهم غلط، لكن المشاهد كانت واضحة، سكت لحظات طويلة وهو حاسس إن كل اللي بناه في 40 سنة بيتهد قدامه، قرر يواجهها، في الأول سكت، وبعدها بدأ يسألها أسئلة بسيطة لكنها كانت بتتوه، ميرفت كانت بتتغير وتتوتر بسرعة غير مفهومة، وفي لحظة انفجار واجهها بالحقيقة، فانهارت الصدمة لما شافت إنه عارف، بدأت تصرخ وتبرر وتقول إن العجوزة صعبة ومخرفة وبتتعبها، لكن الفيديو كان أصدق من أي كلام، ومع الوقت تدخلت العيلة، واتفتح باب كبير من الخلافات، ناس صدقت وناس كذبت وناس قالت ده سوء فهم، لكن عبد الحميد كان خلاص شاف بعينه، في النهاية قرر يحمي أمه،

نقلها عند واحدة من بناته اللي كانت قريبة منه واهتمت بيها، وبدأ إجراءات الانفصال رغم كل سنينه مع ميرفت، البيت اللي كان باين عليه هادي اتقلب لساحة صمت ثقيل، والجيران بقوا يتكلموا همس، وميرفت خرجت من البيت وهي لسه بتقول إنها مظلومة وإنها كانت بتحاول تدير البيت بطريقتها، لكن عبد الحميد كان واقف عند الباب ساكت، شايل جواه وجع 40 سنة اتكسرت في لحظة واحدة، والليلة اللي شاف فيها التسجيل فضل صداها جوّه دماغه ما بيروحش، لأنه اكتشف إن أوقات الخوف اللي بيبان في عين أمه كان حقيقي، وإن أخطر حاجة ممكن تعيش في بيت مش دايمًا العدو الغريب، لكن اللي كان عايش معاهم طول الوقت.

لكن الحكاية ما انتهتش عند الباب اللي اتقفل، ولا عند دمعة عبد الحميد وهو بيشيل أمه من البيت اللي عاش فيه عمره كله، لأن بعد ما الحاجة فوزية انتقلت عند بنتها الكبيرة في منطقة تانية، بدأت تفاصيل غريبة تطلع واحدة واحدة، تفاصيل كانت مستخبية زي شظايا زجاج في ركن مظلم، في الأول الكل افتكر إن الموضوع مجرد سوء تفاهم كبير وانفعالات شديدة تحت ضغط المرض والسن، لكن عبد الحميد ماكانش قادر ينام ولا يرتاح، كل ما يقفل عينه يشوف أمه وهي بتترعش، وصوتها وهي بتناديه باسم أخوه الميت، وصورة ميرفت وهي واقفة في الممر بنفس النظرة اللي شافها في الكاميرا، ميرفت في الأول اختفت يومين عند أختها، محدش سمع عنها حاجة، لا اتصال ولا كلام،



  لكن بعدها بدأت تبعت رسائل قصيرة لعبد الحميد، بتقوله فيها إنه ظلمها وإنه استسلم لكلام مفيش دليل عليه، وإن أمه كانت بتبالغ بسبب المرض، وإن الفيديو اللي شافه ممكن يكون متفهم غلط أو مقطوع، لكن عبد الحميد كان خلاص جواه حاجة اتقفلت، مش غضب، لكن يقين تقيل زي حجر، في نفس الوقت بنت من بناته بدأت تزور تليفون أمه عندها، ولاحظت حاجة غريبة، إن الحاجة فوزية رغم إنها بعيد عن ميرفت بقالها أيام، لسه بتصحى مفزوعة بالليل وبتقول نفس الجملة: “متقربيش مني أنا مش هأقول حاجة”، الجملة دي خلت الشك يرجع يكبر تاني، لأن مفيش حد كان فاهم هي خايفة من مين دلوقتي وهي بعيدة، ومع الوقت بدأ يظهر إن الموضوع أعمق من مجرد لحظة كاميرا، كان فيه تراكم سنين من الضغط النفسي والخوف والارتباك، وفي يوم عبد الحميد قرر يرجع يشوف تسجيلات الكاميرا كلها مش بس الليلة دي، قعد بالساعات يعيد ويشوف لقطات صغيرة ما كانش مركز فيها الأول، زي طريقة دخول ميرفت للأوضة، نظرة عينها لما تكون فاكرة إنها لوحدها، حركة إيدها وهي بتقفل الباب بهدوء زيادة عن اللزوم، تفاصيل صغيرة لكن لما تتجمع تعمل صورة مرعبة مش كاملة لكن كفاية تخلي القلب يتقبض، وفي نفس الوقت كانت ميرفت بدأت تحكي لناس من طرفها إنها هي اللي كانت بتتحمل كل الحمل في البيت، وإن العجوز كانت صعبة وممكن تكون مؤذية أحيانًا بسبب الزهايمر، وإنها كانت بتحاول تحافظ على البيت من الانهيار، الموضوع بقى زي حرب هادية بين روايتين، رواية بتطلع من


الكاميرا ورواية بتطلع من الكلام، لكن اللي كان بيكسر عبد الحميد أكتر مش الخلاف، بل فكرة إنه عاش 40 سنة مع حد ومكنش فاهمه، وفي ليلة من الليالي قرر يروح لبيت أمه الجديد، دخل عليها لقاها قاعدة ساكتة بتبص للسقف، أول ما شافته دمعت وبقت تتمسك في إيده كأنه طوق نجاة، ساعتها سألها بهدوء: “مين كان بيخوفك يا أمي؟”، وسكتت لحظة طويلة جدًا، أطول من أي إجابة، وبعدين قالت بصوت مكسور: “مش عايزة أفتكر”، الجملة دي كانت كفاية تقفل أي نقاش، لأنه فهم إن في جزء من القصة مش هيتقال بالكلام، ومع الأيام بدأت الحاجة فوزية تهدى شوية بعيد عن البيت القديم، صحتها اتحسنت نسبيًا، لكن الذاكرة كانت لسه فيها ظلال خوف مش واضحة، عبد الحميد قرر إنه مايكملش في طريق الصدام المباشر، وبدأ يركز على حماية أمه وتهدئة حياتها، وفي نفس الوقت الموضوع بينه وبين ميرفت ماكنش فيه رجوع، الانفصال اتنفذ بهدوء تقيل، مفيهوش صريخ ولا فضايح علنية، لكن فيه صمت طويل زي حد اتكسر من جواه ومش عارف يتصلح، ميرفت خرجت من البيت وهي شايلة غضبها وندمها وكلامها اللي محدش عارف منه إيه الحقيقي وإيه الدفاع، والناس في الحتة فضلوا شهور بيتكلموا همس، كل واحد عنده رواية مختلفة، لكن الحقيقة اللي فضلت ثابتة عند عبد الحميد حاجة واحدة، إن البيت اللي كان فاكره أمان طول عمره اتكشف فيه وجه تاني، وإن الكاميرا اللي حطها عشان يطمن على أمه ماكنتش بس عين، كانت حكم نهائي على حياة كاملة، وبعد فترة طويلة عبد الحميد بقى يقعد

جنب أمه في هدوء، مش بيتكلم كتير، بس كل مرة تبص له كأنها بتدور على الأمان اللي اتسحب منها سنين ورجع متأخر، وهو كان عارف إن في حاجات لما تتكسر مش بتترمم بسهولة، لكن على الأقل اتمنع إنها تكمل في الظلام.

في آخر الحكاية، ما بقاش فيه صوت عالي ولا خناقات ولا حتى دموع زي الأول، بقى فيه هدوء غريب تقيل، هدوء مش معناه راحة، لكن معناه إن كل حاجة اتحسمت جوّه القلب من غير ما حد يعلن، عبد الحميد قعد في نفس البيت القديم شوية بعد ما الدنيا اتقلبت، بس كان حاسس إن الجدران نفسها بقت شاهدة عليه، كل حيطة في البيت شايلة ذكرى، ضحكة قديمة، صدى كلام، خطوة حد كان ماشي في الممر وبقى مش موجود، لكن أكتر حاجة كانت بتوجعه مش البيت، كانت فكرة إنه عاش سنين طويلة وهو فاكر إنه فاهم كل حاجة، وفجأة اكتشف إن الفهم ممكن يتبني على ظلال مش على حقائق كاملة، وإن أقرب الناس ممكن يبقوا لغز كبير من غير ما تقصد أو من غير ما تعرف


الحاجة فوزية بقت في مكان أهدى، صحتها اتحسنت شوية، لكن عينيها فضلت فيها حاجة من الحذر، كأن الخوف لما يدخل قلب كبير في السن ما بيطلعش بسهولة، كانت تقعد تبص لعبد الحميد ساعات من غير كلام، وكأنها بتتأكد إنه حقيقي وإن الأمان رجع ولو جزئيًا، أوقات كانت تمسك إيده فجأة من غير سبب وتفضل ساكتة، وهو كان يفهم إن دي مش كلمات، دي بقايا إحساس كان شبه ضاع ورجع يتلم تاني واحدة واحدة، لكن مش زي الأول، لأن اللي اتكسر جواها ما بيرجعش زي ما كان، بيرجع بشكل أهدى وأضعف


ميرفت


اختفت من المشهد العلني، ما بقاش فيه حضور واضح ليها في الحي، بس ظل اسمها يتقال همس بين الحين والتاني، مرة بقالوا إنها سافرت عند أهلها، ومرة بقالوا إنها بتحاول تبدأ حياة جديدة بعيد، ومرة تالتة بقالوا إنها لسه شايلة وجعها ومش قادرة تشرح نفسها، لكن عبد الحميد ما بقاش بيدوّر على رواية، لأنه فهم إن بعض القصص لما بتكمل في عقول الناس بتبقى أخطر من حقيقتها، وإن الصمت ساعات بيكون أرحم من أي تفسير

وفي ليلة هادية جدًا، كان قاعد جنب أمه بعد ما نامت، وبيسمع صوت نفسها الهادي، بص للحيطة اللي كان فيها زمان الكاميرا، اللي كانت شاهد على لحظة كسرت سنين، وابتسم ابتسامة حزينة، مش ابتسامة ندم كامل ولا راحة كاملة، لكن ابتسامة حد اتعلم درس تقيل في آخر العمر، إن البيوت مش دايمًا بتنهار فجأة، أوقات بتنهار من جوه وهي لسه واقفة من بره، وإن أخطر حاجة في الدنيا مش الخيانة بس، لكن سوء الفهم لما يكبر لحد ما يبقى حقيقة في دماغ اللي شايف


ساعتها بس عبد الحميد فهم إن العدالة مش دايمًا شكلها حكم أو عقاب، أوقات بتكون شكلها إنك تحاول تحمي اللي باقي من الناس اللي بتحبهم، حتى لو قلبك لسه موجوع، وحتى لو الإجابات مش كاملة، وحتى لو في جزء من الحقيقة هيفضل دايمًا ناقص، لكنه في النهاية قرر يعيش باللي اتكشف قدامه، مش باللي كان يتمنى يعرفه، وقعد ماسك إيد أمه في هدوء طويل، كأنهم بيبتدوا حياة جديدة مش مبنية على اليقين، لكن على النجاة، وعلى محاولة متأخرة جدًا إنها تبقى أرحم من


اللي فات

تمت 

 

تعليقات

close