القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 أنا حطيت كاميرا مستخبة




أنا حطيت كاميرا مستخبة


طارق حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه، إيده كانت بتترعش وهو شايف أمه بتفتح القطارة فوق الببرونة.

في اللحظة دي، نيرمين فجأة رفعت عينيها وبصت ناحية الباب كأنها حاسة إن في حد بيراقبها، ثم قالت بصوت مكسور حرام عليكي كفاية

لكن الحاجة صفية ماردتش، نزلت كام نقطة جوه اللبن وهي بتقول ببرود ده لمصلحتك لما تنامي شوية وماتبقيش فايقة طول اليوم، طارق هيشوف إنك مش قادرة تربي ابنه.

طارق مابقاش شايف قدامه.

خطف مفاتيحه وطلع يجري من الشركة زي المجنون. الطريق من التجمع لمصر الجديدة عمره ما كان طويل بالشكل ده، كان بيكسر الإشارات بعربية الشركة وقلبه هيقف من الرعب.

كل دقيقة كانت بتعدي وهو متخيل ابنه بيضيع من إيده.

فضل يتصل بنيرمين مفيش رد.

يتصل بأمه مقفول.

ولما وصل تحت البيت، كان نفسه بيتقطع.

طلع السلالم جري، حتى الأسانسير ما استناهوش، وخبط الباب بعنف.

فتحله صوت عياط سليم.

دخل الشقة، ولأول مرة في حياته، حس إن بيته غريب عنه.

لقى نيرمين قاعدة على الكنبة، عنيها مزغللة وجسمها بيترعش، وسليم بيعيط في بحرارة.

وأمه


واقفة في المطبخ بمنتهى البرود، كأن مفيش حاجة حصلت.

في إيه يا ماما؟!

الحاجة صفية اتفاجئت من وجوده إنت رجعت؟

طارق قرب من نيرمين بسرعة شربتيه من الببرونة؟!

نيرمين هزت راسها بتعب كنت لسه

خطف الببرونة من إيدها، وشمها، وبص لأمه بصدمة إنتي حطيتي إيه فيها؟!

أمه عقدت دراعها وقالت بثبات مهدّي أعصاب بسيط.

لطفل عنده أربع شهور؟!

وأمه؟! مش شايف حالتها؟ دي مش طبيعية!

طارق فتح موبايله قدامها وشغل الفيديو.

الصمت نزل على المكان زي السكينة.

ملامح الحاجة صفية اتبدلت للحظة ثم رجعت جامدة تاني.

كنت بتراقب أمك؟

طارق صرخ لأول مرة في حياته بوشها إنتي كنتي بتسمّمي مراتي وابني!

نيرمين بصت له بذهول، كأنها أخيراً لقت حد مصدقها.

لكن الصدمة الحقيقية لسه ماجاتش.

الحاجة صفية ضحكت ضحكة باردة خوفتهم هما الاتنين.

وقالت أيوه. كنت بعمل كده. وعارف ليه؟ عشان الست دي هتاخدك مني زي ما أمك أخدت أبوك مني.

طارق اتجمد.

أمه عمرها ما اتكلمت عن جدته.

قعدت على الكرسي فجأة وكأنها انهارت بعد سنين أنا اتجوزت أبوك صغير كنت بحبه بجنون.

ولما خلفتك، أمه دخلت بينا فضلت تقنعه إني فاشلة ومجنونة ومش نافعة لحد ما خدك مني سنتين كاملين.

دموع نزلت من عينيها لأول مرة كنت بسمعك بتعيط ومش قادرة ألمسك حسيت إني بموت كل يوم.

سكتت لحظة ثم بصت لنيرمين بنظرة مرعبة ولما شوفتك قريبة من ابني خفت. خفت ياخدوه مني تاني.

طارق حس بالغثيان.

كل اللي حصل كان مرض متراكم سنين.

لكن ده ماكانش مبرر.

سليم بدأ يصرخ جامد، وجسمه سخن أكتر.

طارق فاق فجأة إحنا لازم المستشفى حالاً.

شال ابنه، وسند نيرمين اللي كانت شبه فاقدة الوعي، ولما أمه حاولت تتحرك معاهم، وقفها بصرامة إنتي مش هتدخلي حياتنا تاني.

ولأول مرة الحاجة صفية خافت.

في المستشفى، الدكتور أكد إن الطفل كان عنده حرارة بسبب التهاب بسيط، لكن وجود مادة مهدئة في الرضاعة كان ممكن يسبب كارثة.

أما نيرمين

فالتحليل كشف إنها كانت بتاخد جرعات مهدئات بشكل مستمر.

طارق افتكر العصير اللي أمه كانت تصر تشربه لنيرمين كل يوم عشان أعصابها.

ساعتها بس فهم سبب الشرود، الرعشة، النوم المفاجئ، والخوف اللي كان بياكل مراته.


نيرمين ماكنتش بتنهار بعد الولادة

هي كانت بتتخدر ببطء.

بعد أيام، طارق نقل مراته وابنه لشقة تانية في الشيخ زايد بعيد عن أي حد.

أمه حاولت تتصل مئات المرات.

بعتت رسايل طويلة أنا أمك. هتندم. دي خطفتك مني.

لكنه ما ردش.

ولأول مرة من سنين، بدأ يشوف الحقيقة كاملة.

إزاي كان ساكت.

إزاي كان بيصدق أمه بدون ما يسمع مراته.

إزاي نيرمين كانت بتصرخ لوحدها وهو فاكرها حساسة زيادة.

وفي ليلة، لقاها واقفة في البلكونة شايفة السما وساكتة.

قرب منها بخوف بتفكري في إيه؟

قالت بصوت هادي موجوع إن أكتر حاجة كسرتني إنك ما صدقتنيش.

الكلمة دخلت قلبه زي السكين.

طارق بكى.

فعلاً بكى لأول مرة من سنين.

مسك إيدها وقال أنا آسف آسف على كل لحظة خليتك تحسي فيها إنك لوحدك.

ونيرمين ما ردتش.

لكنها سابت إيدها جوه إيده.

وده كان بداية الغفران.

بعد شهور، نيرمين بدأت ترجع تضحك تاني بالتدريج.

رجعت تشتغل ديكور من البيت.

وسليم كبر وبقى طفل مليان حياة، أول ما يشوف أبوه يجري عليه ويضحك.

أما الحاجة صفية

فاتعالجت نفسيًا بأمر من النيابة بعد ما طارق قدم الفيديوهات والتقارير الطبية.

الدكتور قال إن عندها اضطراب

 

تملكي مرضي وصدمات قديمة اتحولت لهوس خوف الفقد.

طارق كان ممكن ينتقم.

لكنه اختار يبعد.

أنا حطيت كاميرا مستخبة في الأوضة عشان كنت فاكر إن مراتي بتنهار بعد الولادة، بس لما فتحت الفيديو، اتصدمت بأمي وهي بتحط لها حاجة في الشرب وبتهمس جنب السرير هياخدوا منك ابنك. ساعتها بس فهمت إن سكوتي كان هيخرب بيتي للأبد.

مراتك بتفقد عقلها يا طارق.. لو مأخدتش موقف، في يوم من الأيام هتأذي الواد، ده الكلام اللي أمي قالتهولي في التليفون الساعة اتنين الصبح، وأنا كنت لسه محبوس في اجتماع شغل برة القاهرة.

أنا طارق، مدير إداري في شركة مقاولات كبيرة في التجمع، الليلة دي بالذات كنت بخلص ورق مناقصة مهمة، ومراتي نيرمين كانت في البيت لوحدها في شقتنا بمصر الجديدة، بتراعي ابننا سليم اللي لسه عنده أربع شهور، وأمي، الحاجة صفية، كانت قاعدة معاهم بحجة إنها جاية كم أسبوع تساعدها بعد الولادة.

في الأول كنت فاكرها بركة، أمي

طول عمرها ست شخصيتها قوية والكل بيعملها ألف حساب، لكن نيرمين كانت بتدبل قدام عيني يوم ورا يوم من ساعة ما سليم شرف، بعد ما كانت بنت فرفوشة وبتاعت هظار ومهندسة ديكور بتملى البيت بهجة، بقت ماشية زي الخيال، سواد تحت عينيها وإيديها بتترعش من الخوف.

عادي يا حبيبي، في ستات كده مبيدخلش عليهم وش الأمومة، ده اللي أمي كانت بتثبته في دماغي، وأنا للأسف صدقت وسكت، بدل ما أقف في ضهر مراتي.

الواد كان بيصرخ صريخ يقطع القلب كل ما أجي أنزل الشغل، ولما أرجع ألاقي نيرمين وشها أصفر وخسيت النص وقاعدة جمب السرير كأنها كبرت عشرين سنة في يوم واحد، تيجي تتكلم وتشتكيلي، تلمح أمي واقفة وراها وبتبص لها بقسوة.

ماتصدقش مكنها يا طارق، دي بتتمسكن عشان تصعب عليك وتدلع.

من كتر حيرتي وخوفي على بيتي، قررت أجيب كاميرا صغيرة مستخبة، وداريتها جوة فازة فخار كنا شاريينها من تونس، كنت بضحك على نفسي وأقول ده عشان أطمن على ابني

مش تخوين في حد.

الصبح وأمي لسه بتتكلم معايا في التليفون، جالي إشعار حركة على الموبايل.

فتحت الأبلكيشن وأنا قلبي مقبوض.

الأوضة كانت ضلمة، ونيرمين قاعدة على الأرض، سانده ضهرها على السرير وبتعيط بقهر، فجأة الباب اتفتح وأمي دخلت من غير ما تخبط.

هتبدأي التمثيل بتاع كل يوم؟ قاعدة في بيت ابني وبتصرفي من فلوسه وعايشة هانم وبرضه مش عاجبك؟ أمي قالتها بفحيح مرعب.

نيرمين رفعت راسها ودموعها مغرقة وشها سليم سخن مولار يا حاجة صفية، لازم أكلم الدكتور حالا.

مش هتكلمي حد، إنتي كل اللي بتعمليه إنك بتنكدي على طارق وتخربي عليه، وفي ثانية، أمي قربت منها وشمتها من شعرها بغل وجمدت الببرونة من إيدها، نيرمين مكنتش قادرة تصرخ، كانت بس بتداري الواد في كأنها متعودة على الوجع ده.

أمي وطت عليها وهمست في ودنها بكلام جمد الدم في عروقي بكرة الصبح طارق هيشوف بعينه إنك اتجننتي رسمي، ولما ياخدوا منك الواد ويرموكِ في الشارع،

هتعرفي مين اللي كلمته بتمشي في البيت ده.

وفي اللحظة دي، أمي طلعت قطارة صغيرة من جيب جلابيتها، وأنا واقف مكاني في مكتب الشغل مش قادر أخد نفسي، وعرفت إن اللي بيحصل في بيتي مش مجرد مشاكل حموات.. ده كابوس مرعب بيهدد حياة ابني ومراتي.

يا ترى إيه اللي مكتوب في القطارة دي؟ وطارق هيلحق ينقذ مراته وابنه قبل فوات الأوان ولا الوقت خلاص فات؟ الأحداث الجاية فيها مفاجآت صدمتها أكبر بكتير مما تتخيلوا.

بس عمره ما رجع زي الأول.

وفي يوم عيد ميلاد سليم الأول، البيت كان مليان ناس وضحك وزينة.

نيرمين كانت شايلة التورتة، وطارق شايفها من بعيد.

فجأة افتكر شكلها وهي قاعدة على الأرض في الضلمة، ضامة ابنها وخايفة.

فاق من شروده على صوتها مالك؟

ابتسم وسط دموعه ببص على المعجزة اللي نجت.

نيرمين قربت منه وقالت لا إحنا اللي نجينا بعض.

وفي اللحظة دي، سليم ضحك بصوته الطفولي العالي، فضحكوا هما الاتنين.

ولأول مرة من شهور طويلة

البيت حس فعلًا إنه بيت.

 

تعليقات

close