كنت واقفة ورا باب أوضة نومي وشايلة في إيدي صينية الشاي،
كنت واقفة ورا باب أوضة نومي وشايلة في إيدي صينية الشاي،
كنت واقفة ورا باب أوضة نومي وشايلة في إيدي صينية الشاي، لما سمعت حماتي بتقول بصوت واطي وفيه كمية غل وقرف مش طبيعية بنتك دي بقت زي لوح الخشب لا بتهش ولا بتنش، لكن مراتك قنبلة موقوتة في البيت. إيدي اتهزت والصينية اتملت، كوباية منهم اتدشدشت مية حتة على الأرض، والشاي السخن بدأ يسيل من تحت عقب الباب، وجوه الأوضة.. الصوت قطع فجأة. في السانية دي جسمي كله اتجمد ومقدرتش أتحرك، مش عشان مش فاهمة هي تقصد إيه، بالعكس، عشان فاهمة كويس أوي هي بتتكلم عن إيه. بنتي نيرمين، عندها ست سنين، ومطقتش بجملة كاملة على بعضها بقالها قفل سنة، من بعد حادثة العربية الفظيعة اللي راحت فيها أختي الصغيرة، وبنتي فضلت محبوسة في الكرسي الوراني بتصرخ لمدة أربعين دقيقة كاملة، حاجة جواها انطفت واتقفلت، الدكاترة قالوا صدمة نفسية ارتدادية، وبتوع التعديل السلوكي قالوا محتاجة وقت عشان تخف، لكن حماتي طبعاً كانت بتسميها البليدة والمعيوبة. زي لوح الخشب! طب وأنا؟ أنا طلعت من الحادثة دي بجرح غاير في جنبي، وصداع نصفي بيجيلي زي ضربات البرق، وسر مخبياه عن جوزي لحد اللحظة دي.. سر بيكبر جوايا. أنا حامل في الأسبوع العاشر. لسه عارفة الصبح ده بس، وقضيت طول النهار مابين الرعب والفرحة، وبسأل نفسي هقول لجوزي إزاي بعد سنة كاملة من الحزن اللي كان هيهد بيتنا ويموت الروح فيه، قولت يمكن البيبي الجديد يرجع النبض للبيت ده من تاني، وكنت فاكرة إن الأمل لو طبطبنا عليه ممكن يعيش في أوض
نسيت أصلاً إزاي تتنفس، لحد ما سمعت صوت أمه من ورا الباب.. والألعن من صوتها، كان رده هو عليها. جوزي قال بنبرة هادية ومستسلمة أنا عارف، وعشان كده كل حاجة لازم تخلص قبل ما هي تلحق تقول لأي حد. جسمي كله سقع ودمي هرب، أنا اسمي منى، وعمري ما كنت بتاعة مشاكل ولا دراما، أنا من الستات اللي بتنظف بيتها قبل ما تعيط، وتظبط مواعيد الدكاترة للناس كلها قبل ما تفكر في نفسها، وعرفت من صغري إن الخوف مش بيأكل عيش، بس وأنا واقفة ورا الباب ده، وبسمع جوزي وأمه بيتكلموا عن بنتي كأنها حتة عفش مكسورة وعني كأني مصيبة ولازم يكتفوها، حسيت بحاجة سوداء ومرعبة بتتحرك في عروقي. الباب اتفتح فجأة. شريف جوزي كان واقف بقميصه، وشه مخطوف، مذهول، ومش متضايق من الكلام اللي قاله.. هو متضايق عشان أنا سمعته. وراه كانت أمه قاعدة على طرف السرير، لامة شنطتها في حجرها وقافلة بوقها بنفس النفضة والغل اللي متعودة عليهم. شريف قال بسرعة ولجلجة منى.. أنتي فاهمة غلط. قولت له وصوتي طالع غريب حتى على ودني فاهمة غلط إزاي؟. أمه وقفت وقالت أنتي المفروض ترتاحي بدل ما أنتي بتتسحبي ورا الأبواب زي العيال المستهترة. بصيت لها وقولت أنتي لسه قايلة على بنتي لوح خشب. زعقت وقالت بنتك مش طبيعية وأنتي عارفة ده كويس، أما أنتي بقى.. عينيها نزلت على بطني لثانية واحدة بس كانت كافية تفضح كل حاجة، وكملت أنتي بالظبط زي ما قولت، قنبلة موقوتة وهتهدي العيلة دي فوق دماغنا. شريف بص لأمه بنظرة تحذير
بس السهم كان خلاص خرج، هما عرفوا.. عرفوا بطريقة ما إني حامل. وهنا شريف نطق الجملة اللي خلت الأرض تلف بيا ومبقيتش حاسة برجل شايلاني احنا لازم نتكلم قبل ما الأمور تتعقد وتكبر أكتر من كده. بصيت له وبصيت لأمه، وفي اللحظة دي فهمت وبمنتهى القرف والوضوح إنهم مكنوش بيتكلموا عن صحتي ولا عن الحمل، هما كانوا بيخططوا هيعملوا فيا إيه ويخلصوا مني إزاي، وأمه فتحت الشنطة بتاعتها بكل برود، وطلعت ملف كرتون رمته على السرير، وفي أول الصفحة كان مكتوب اسمي بالكامل، وتحتيه خمس كلمات جمدوا الدم في عروقي وبقيت مش قادرة أتنفس طلب إيداع إجباري بمستشفى الأمراض النفسية!
لو عايزين تعرفوا شريف وأمه هيعملوا إيه في منى وبنتها؟ وإيه السر المرعب اللي حماتها كانت مخبياه في الملف ده وهيقيد حريتها؟ وإزاي منى هتقلب الترابيزة عليهم وتحمي ابنها اللي لسه مجاش الدنيا من شرهم؟
الملف وقع من إيد حماتي على السرير، لكن الصوت اللي دوّى جوايا كان أعلى من أي حاجة.
بصيت على الورق اسمي كامل، رقم بطاقتي، تقارير طبية، وصور لروشتات أدوية الصداع اللي باخدها بعد الحادثة، ومتثبت بدباسة فوقهم طلب رسمي لإيداعي في مصحة نفسية بدعوى اضطراب ما بعد الصدمة وخطورة على النفس والغير.
إيدي بدأت ترتعش.
رفعت عيني لشريف، جوزي اللي كنت فاكرة إنه الأمان الوحيد الباقي بعد ما أختي ماتت، وسألته بصوت مخنوق إنت موافق على ده؟
بلع ريقه وقال بسرعة منى اسمعيني بس ده إجراء مؤقت عشان ترتاحي.
ضحكت.
أيوه
ضحكت فعلًا.
ضحكة قصيرة مكسورة، لأن الإنسان لما الصدمة بتعدي حد معين، مش بيعرف يعيط فورًا.
قولت وأنا
ببص على الورق ترتاحي؟ ولا تتشالي من الطريق؟
حماتي ردت بمنتهى البرود إحنا بنحاول ننقذ البيت قبل ما يولع. واحدة حالتها النفسية تعبانة، وبنتها مش بتنطق، وحامل كمان؟! ابني مش مستحمل أكتر من كده.
ولأول مرة من ساعة الحادثة حسيت إن قلبي رجع يدق بغضب.
مش خوف.
غضب.
بصيت لشريف إنت عايز تحبسني؟
اتوتر وقال الموضوع مش بالشكل ده.
لكن عينيه خانته.
كان عارف.
عارف وساكت.
يمكن حتى موافق.
وقتها بس لاحظت حاجة صغيرة جدًا بس كانت كفيلة تقلب الدنيا كلها.
الملف فيه تقرير طبي بتاريخ بعد الحادثة بأسبوعين.
لكن أنا عمري ما شوفت التقرير ده.
ولا رحت للدكتور المكتوب اسمه أصلًا.
سحبت الورقة بسرعة، وركزت في الإمضاء آخر الصفحة.
صدري ضاق فجأة.
أنا أعرف الإمضاء ده.
مش لأن الدكتور مشهور
لكن لأن الخط ده شبه خط شريف بشكل مرعب.
رفعت الورقة قدام وشه إيه ده؟
شريف سكت.
حماتي اتدخلت بسرعة دكتور صاحبنا كتب الحالة من وصفنا.
هنا كل حاجة ركبت فوق بعضها.
وكل خيط كنت بتجاهله بان قدامي.
الأدوية اللي كان شريف مصر إني أخدها رغم إنها بتخليني أنام بالساعات. إصراره إني ماشتغلش بعد الحادثة. منعه لأي حد من صحابي يزورني. كام مرة صحيت مخدرة ومش فاكرة نمت إزاي.
أنا ماكنتش بتعالج
أنا كنت بتتسحب مني حياتي حتة حتة.
شريف قرب مني وقال بنبرة حاول يخليها حنينة منى أنتي فعلًا تعبتي بعد الحادثة.
همست وأنت تعبت من وجودي؟
سكت.
وسكوته كان أبشع اعتراف.
في الليلة دي، ماعملتش خناقة.
ماصرختش.
ولا حتى بكيت قدامهم.
قولت بهدوء عايزة أنام.
حماتي بصت لشريف بانتصار وهي فاكرة إني انهرت أخيرًا.
لكن اللي هما مايعرفوش إن الحادثة علمتني حاجة واحدة اللي بينجو من الموت مرة بيشم ريحته قبل ما يقرب منه تاني.
استنيت لما البيت يهدى.
شريف نام في أوضة المكتب.
وحماتي خدت أوضة الضيوف كعادتها لما تيجي تسيطر على البيت يومين.
الساعة كانت تلاتة الفجر لما دخلت أوضة بنتي.
نيرمين كانت صاحيه.
قاعدة في سريرها، حضنة الدبدوب الأزرق بتاعها، وعينيها الواسعة ثابتة عليا.
ركعت قدامها وربتّ على شعرها هنمشي يا حبيبتي.
هي ما ردتش.
بس فجأة مدت إيدها الصغيرة ولمست بطني.
ولأول مرة من سنة كاملة
سمعتها.
بصوت مبحوح متكسر كأنه خارج من بئر عميق
ماما
اتجمدت.
نفسي اتقطع.
دموعي نزلت دفعة واحدة.
نيرمين حضنتني جامد وهمست متسبيش الوحش ياخدك.
في اللحظة
دي عرفت إن بنتي ماكنتش لوح خشب.
بنتي كانت شايلة الرعب جواها لوحدها طول الوقت.
هربت.
أخدت شنطة صغيرة، شوية هدوم، الورق المهم، والملف.
وروحت عند دكتورة العلاج النفسي اللي كنت بروحلها زمان من غير ما شريف يعرف.
الدكتورة أول ما شافت الورق وشها اتغير.
قالتلي منى، التقرير ده مزور.
قلبي وقع.
كملت والدواء اللي كنتي بتاخديه مينفعش أصلًا لحالتك الجرعات دي كانت كفيلة تخلي أي حد يبان مضطرب ومشوش.
حسيت بغثيان.
أنا ماكنتش بتجن.
هما كانوا بيصنعوا ده.
بدأت أحفر وراهم.
وبعد أسبوع واحد بس اكتشفت السر الحقيقي.
شريف كان غرقان في ديون ضخمة بعد ما خسر فلوسه في شراكة فاشلة.
وكان عامل عليا تأمين حياة كبير جدًا بعد الحادثة.
ولو اتثبت عدم اتزاني النفسي هيبقى ليه حق الوصاية على نيرمين، والتحكم الكامل في فلوسي وميراثي من أبويا.
أما الحمل الجديد
فكان كارثة بالنسبة له.
طفل جديد يعني تقسيم جديد للميراث.
يعني مسئولية أكتر. يعني صعوبة أكتر إنه يخلص مني بسهولة.
عشان كده كانوا مستعجلين.
محتاجين يثبتوا إني مختلة قبل ما يعرف أي حد إني حامل.
المرة دي أنا اللي بلغت.
محامي. نيابة. ولجنة من وزارة الصحة راجعت التقارير.
والصدمة الأكبر إن الدكتور اللي اسمه على التقرير طلع مسافر بره مصر وقت كتابة التشخيص أصلًا.
التوقيع مزور.
واللي زورّه
كان شريف بنفسه.
لأنه قبل الجواز كان بيشتغل فترة قصيرة في مكتب دعاية طبية، واتعلم يقلد الإمضاءات بخبرة.
لما الشرطة جت البيت، حماتي فضلت تصرخ دي كدابة! دي مجنونة فعلًا!
لكن الضابط قال جملة واحدة خرستها المجنون مش هو اللي بيحاول ينجو المجنون هو اللي يخطط يسجن مراته عشان فلوسها.
شريف حاول يعيط. يحلف. يبرر.
لكن التسجيلات كانت موجودة.
آه التسجيلات.
لأني بعد ليلة الملف مباشرة، رجعت الصبح بحجة إني نسيت علاج بنتي، وسيبت تليفوني بيسجل في الصالون ساعتين كاملين.
وسمعتهم.
سمعت حماتي وهي بتقول أهم حاجة يكتبوها خطر على العيال.
وسمعت شريف بيرد أول ما تدخل المصحة هنبيع الشقة بهدوء.
انتهى كل شيء بعدها.
بعد شهور
خدت حكم بالطلاق والولاية الكاملة على نيرمين والطفل اللي لسه ماجاش الدنيا.
وشريف اتحكم عليه في قضية التزوير والشروع في الاحتيال.
أما حماتي فاختفت تقريبًا من حياتنا.
الناس اللي كانت بتصدقها بقت تبص لها بخوف واشمئزاز.
وفي يوم مطر خفيف
كنت قاعدة في أوضة بنتي الجديدة.
الحيطان لونها أصفر فاتح، وعليها رسومات سحاب وعصافير.
وابني الصغير آدم نايم في حضني.
نيرمين كانت قاعدة على الأرض بترسم.
بصيتلي فجأة وقالت بصوت أهدى وأوضح من آخر مرة ماما
ابتسمت نعم يا قلبي؟
رفعت الرسمة ناحيتي.
كانت رسمة لثلاثة أشخاص ماسكين إيد بعض.
أنا. هي. وآدم.
وفوقينا شمس كبيرة.
وقالت إحنا نجينا.
ساعتها بس حسيت إن البيت فعلًا اتنفس من جديد.
وإن الحادثة ماخدتش روحي هي بس علمتني إن أخطر الناس مش اللي بيكرهونا بصوت عالي.
أخطرهم اللي يبتسموا وهم بيجهزوا القفص.


تعليقات
إرسال تعليق