الباب الخشب التقيل
الباب الخشب التقيل
الباب الخشب التقيل بتاع أوضة العمليات والمتابعة متفتحش زي أي باب مستشفى طبيعي، ده اترزع في الحيطة رزعة شديدة سمعت في عضمي، خلت حامل المحاليل يتهز والوجع يضرب زي نار قايدة في غرز القيصرية الجديدة. الأوضة كانت ريحتها ديتول ومطهرات على ريحة بلاستيك دافي، وريحة ورد بلدي خانقة كان حد سابه قريب من الحوض. ابني سليم، اللي لسه يدوب مكملش يوم في الدنيا، كان نايم في السرير الصغير جنبي، ملفوف في كوتة المستشفى المخططة، وبوقه الصغير بيتحرك وهو نايم في أحلام لسه ميعرفش عنها حاجة. في اللحظة دي دخلت حماتي فايزة وهي قالبة الوش التاني، وريحة برفان الياسمين بتاعها مالية المكان لدرجة تخنق. رمت في حِجري غلاف كرتون تقيل، نزل بالظبط فوق جرح العملية بتاعي وقالت بنبرة كلها أمر عربيتها هتتسحب يوم الإثنين يا إلهام، أخت جوزك مديونة ب 800 ألف جنيه معرضة للحبس، وأنتي بسم الله ما شاء الله رئيسة قسم مراجعة حسابات في بنك دولي وبتقبضي بالشيء الفلاني، المبلغ ده بالنسبة لك فكة!. الحواف الكرتون بتاعة الملف غرزت في بطني فوق الغطاء، صوابعي اتشنجت في المرتبة من الوجع والصدمة، بس ممدتش إيدي أشيل المغلف، بصيت ل محمود جوزي، كان لسه في حتة ساذجة وتعبانة جوايا مستنياه يفتكر إن في طفل مكملش 24 ساعة في الأوضة، وإن مراته مش قادرة تقعد طولها
من غير ما تسند، لكن محمود اتجه للباب بكل برود، ولف المفتاح.. تكة القفل كانت صغيرة، بس الخيانة اللي وراها كانت هتحهد حيل جبال. محمود مبصش حتى لابنه، قرب مني ولوي دراع السرير لحد ما بقيت شامة ريحة لبان النعناع في نفسه، ريحة باردة ومخيفة مفيهاش أي رحمة، وهمس في وشي وعينه بتطق شرار حولي الفلوس من مكافأة الوضع السنوية اللي نزلت لك في حسابك حالا، وإلا وديني وما أعبد، لما تخرجي بكرة من المستشفى مش هتلاقي قشة من هدومك في البيت، هرميها لك في أكياس زبالة على الرصيف وأغير كوالين الشقة، أختي خط أحمر!. على مدار تلات سنين جواز، كنت شايلة أهله فوق راسي، مستحملة كلام فايزة وتلقيحها، وبسدد ورا ندى أخته مصايبها اللي محمود كان بيقول عليها أزمات مؤقتة، واديت لجوزي الأمان اللي مفيش ست بتديه غير للي فاكراه سندها؛ أرقام حساباتي، كلمات السر، والثقة العمياء، بس الطمع عمره ما بيجي بوشه الحقيقي، دايماً بيلبس قناع الواجب والدم والصلة، لحد ما تلاقيه واقف فوق راسك في المستشفى وبيتعامل مع وجعك على أنه ماكينة صراف آلي. بصيت لجزمت محمود الجلد الإيطالي الغالية، اللي كان ملمعها وكأنه رايح حفلة مش جاي يهدد مراته وهي في أضعف حالاتها، مهندس ديكور حر زي محمود مش بيمشي بالبذخ ده من غير مصدر خفي، وهنا.. كل حتة من كذبة السنين اللي
فاتت اتجمعت في دماغي، قبل ولادتي بست أسابيع، وأنا بجهز هدوم البيبي، عيني وقعت بالصدفة على إمضاء على كشف حساب ائتماني للشركة، الإمضاء كان شبه خطي بالظبط.. شبهه بس مش هو، ومن هنا بدأت الخيط؛ تحويلات بنكية مستخبية، إيميلات ممسوحة، وحساب سري كان بيظهر ويختفي كل ما أراجع وراه. الست الضعيفة اللي لسه والدة اختفت تماماً، وظهرت مكانها المراجعة الجنائية المحترفة اللي مبترحمش، م صرختش، م ضربتوش قلم، ولا حتى دوست على زرار استدعاء التمريض، مديت إيدي بكل هدوء وسحبت اللاب توب بتاعي، وقولت ببرود رعبهم حاضر.. محمود كتافه ارتاحت وبص لأمه بنظرة انتصار غبية، صوابعي بدأت تتحرك على الكيبورد بسرعة ودقة، وبصيت له وقولت هبعت إيميل الأول يا محمود، إيميل فيه كل الدفاتر والمستندات اللي تخص سبوبة العيلة دي، أنت بجد كنت فاكرني مجرد بياعة كلام في البنك؟.. ضحكته اختفت فجأة، ودست على زرار الإرسال، الموضوع كان جاهز في المسودات من أسابيع تحت عنوان بلاغ رسمي عاجل بالاختلاس والتزوير مع إرفاق الأدلة. تليفون محمود رن، وتليفون فايزة رن في نفس اللحظة، فتحوا الشاشات، وفي ثانية واحدة، كل نقطة دم كانت في وشوشهم هربت، الألوان اختفت وبقوا زي الأموات، الأوضة مابقاش فيها صوت غير صوت جهاز متابعة قلب ابني وهو بينبض بانتظام، ومحدش بقا باصص
على الملف اللي في حجري ولا على ديون ندى. اتكلمت بصوت واطي وبمنتهى الهدوء من تلات سنين وأنت بتزور إمضائي على قروض وتسهيلات ائتمانية باسمي، سحبت ورايا يجي مليون و ألف جنيه وحولتهم لحساب سري عشان تصرف على قمار ندى أختك والبراندات ومحلات الذهب بتاعة طنط فايزة، معايا كل التحويلات، وكل العقود المزورة، والرسائل اللي كنت فاكر إنك مسحتها، ومش بس كده.. معايا كمان تفاصيل الحساب التاني اللي فتحته برة مصر باسم البنت اللي بتخونني معاها. إيد فايزة اترعشت وراحت لعقد اللولي اللي في رقبتها لدرجة إن خيطه انقطع والحبات اتطوحت على الأرض، ومحمود بوقه اتفتح وهو مش قادر ينطق بكلمة مفيدة، سألني بصوت ميت ومرعوب أنتي بعتي الكلام ده لمين؟. بصيت لابني النايم في أمان، ورجعت بصيت للراجل اللي حبسني في أوضة مستشفى وافتكر سكوتي خوف وقسيت صلي طول عمري، وقولت له للشؤون القانونية في البنك، وللنيابة العامة، ولمحامي الطلاق بتاعي.. ولأمن المستشفى اللي واقف برة دلوقتي. في اللحظة دي، خبطة قوية ورزعة هزت الباب الخشب، محمود لف وبص للمفتاح والقفل اللي كان حابسني بيه وهو مش قادر يتحرك، وفايزة لسه واقفة مبرقة.. الصدمة الحقيقية لسه هتبدأ، واللعب بقا على المكشوف، واليوم اللي افتكروه نهايتي.. كان مجرد بداية لرحلة حساب مش هيرحموا فيها نفسهم!
لو
عايزين تعرفوا إيه اللي حصل لمحمود وأمه لما الباب اتفتح؟ وإزاي إلهام هتاخد حقها وحق ابنها تالت ومتلت بالقانون ومن غير ما تكسر نفسها؟ واكتشاف المفاجأة الصادمة اللي محمود كان مخبيها في شقة الزوجية!
الباب اتفتح أخيراً بعنف، لكن المرة دي محدش من جوه كان هو اللي ماسك المفتاح. اتنين من أمن المستشفى دخلوا الأول، ووراهم راجل لابس بدلة كحلي ماسك ملف أسود سميك، وعينيه ثابتة بشكل يخوف أكتر من أي صوت عالي. محمود رجع خطوتين لورا تلقائياً، بينما فايزة ضمت شالها حوالين كتافها كأن القماش ممكن يحميها من اللي جاي.
الراجل قرب بهدوء وقال أستاذ محمود عبد الرحمن؟
محمود حاول يستجمع شكله المعتاد، نبرة الثقة المصطنعة اللي طول عمره بيخبي وراها خوفه أيوه خير؟
الراجل فتح الملف، وطلع كارنيه بسرعة أنا المستشار القانوني المكلّف من البنك بناءً على البلاغ المقدم من الأستاذة إلهام السيوفي.
في اللحظة دي، محمود بصلي لأول مرة بجد مش بصّة زوج متعصب، ولا راجل متحكم، لأ كانت بصّة واحد اكتشف إنه واقف على أرض بتنهار تحته.
فايزة اتحركت بسرعة ناحية السرير إلهام يا بنتي، أكيد في سوء تفاهم، إحنا أهل
قاطعتها وأنا ثابتة مكاني رغم الوجع اللي كان بيقطع بطني نصين الأهل عمرهم ما يقفلوا الباب على واحدة والدة ويهددوها بالطرد بعد أقل من يوم على ولادتها.
سكتت.
لأول مرة في حياتها، فايزة ملقتش كلمة.
المستشار القانوني سلّم الأمن ظرف رسمي، وقال في طلب بمنع الأستاذ محمود من مغادرة المستشفى لحين حضور قوة تنفيذ.
محمود انفجر إلهام! أنتي اتجننتي؟ هتفضحيني؟!
ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة الفضيحة مش اللي يكشف الجريمة يا محمود الفضيحة هي الجريمة نفسها.
تليفونه فضل يرن بشكل هستيري. كان واضح إن الدنيا بدأت تقع فوق دماغه دفعة واحدة. شركاء، موظفين، البنك، أرقام غريبة كل حاجة اتفتحت عليه في نفس اللحظة.
وفجأة حصلت الحاجة اللي محدش توقعها.
واحدة ست دخلت الأوضة بسرعة، شعرها منكوش وعينيها حمرا من العياط. كانت شايلة بنت صغيرة عندها يمكن سنتين.
وقفت قدام محمود مباشرة وقالت بصوت مبحوح رد عليا بقا! البنك جمّد الحساب! وإيجار الشقة متدفعش! قولهم إني ماليش دعوة!
الأوضة كلها سكتت.
حتى أجهزة المتابعة حسّيتها بطّلت صوت لحظة.
بصيت للبنت الصغيرة نفس عيون محمود بالظبط.
ومحمود وشه اتحول للرمادي.
الست بصتلي لما لاحظت وجودي على السرير، واستوعبت فجأة أنا مين. الخجل ضرب وشها، لكنها قالت جملة واحدة أنهت أي ذرة شك
هو كان قايللي إنه مطلق.
فايزة شهقت وحطت إيدها على صدرها بنت؟! عندك بنت؟!
محمود صرخ اسكتي!
لكن الحقيقة كانت خرجت خلاص.
اتضح إن الشقة اللي كان محمود بيقول إنه مأجرها لمكتب تصميم كانت شقة عايش فيها
مع الست دي من أكتر من سنة ونص. الفلوس اللي اتسرقت باسمي كانت بتتصرف على حياة كاملة مستخبية عربية، دهب، حضانة خاصة للبنت، وسفر.
وأكتر حاجة كسرت آخر حتة جوايا إنه كان مسمي بنته سلمى الاسم اللي قالي طول حملي إنه نفسه يسميه لو خلف بنت مني.
لكن الغريب إني مبقتش موجوعة زي الأول.
في لحظة معينة، الوجع لما بيزيد قوي بيتحول لبرود.
الأمن خرج محمود برا الأوضة بعد ما حاول يقرب مني، وهو بيصرخ إلهام! أقسم بالله هتندمي!
رفعت عيني له أخيراً وقلت بمنتهى الهدوء أنا ندمت فعلاً يوم ما صدقتك.
الباب اتقفل وراه.
والمرة دي محدش قفل عليا أنا.
بعدها بثلاث أسابيع، كنت قاعدة في مكتب محاميّ، وابني سليم نايم على صدري بهدوء. التحقيقات كانت ماشية أسرع مما توقعت، لأن كل الأدلة كانت كاملة تسجيلات، تحويلات، توقيعات مزورة، وحتى كاميرات البنك أثبتت دخوله باستخدام صلاحياتي أكتر من مرة.
ندى حاولت تهرب برا البلد، واتقبض عليها في المطار.
فايزة باعت جزء كبير من دهبها وأرض ورث عشان تحاول تسدد جزء من المبالغ وتخفف القضية عن ابنها، لكن الموضوع كان أكبر من الفلوس.
دي كانت جناية.
أما محمود فاتحبس احتياطي.
وكل يوم كان بيتكشف بلاوي أكتر.
ناس تانية اتنصب عليها باسمي. قروض مفتوحة من غير علمي. توقيعات مزورة على مستندات عقارية.
المحقق نفسه قالي لو حضرتك
ماكنتيش مراجعة جنائية شاطرة، كان زمانك اتحبستي مكانه.
الجملة دي فضلت ترن في وداني أيام.
أنا كنت على بعد خطوة واحدة من الخراب الكامل وهو كان مستعد يضحّي بيا عادي جداً.
بعد ست شهور
رجعت شقتي.
أو بمعنى أصح رجعت أبني حياة جديدة.
الشقة كانت فاضية تقريباً بعد الحجز على جزء كبير من الممتلكات، لكن لأول مرة حسّيت إن المكان نضيف.
مفيش خوف. مفيش كدب. مفيش حد بيعد فلوسي وهو نايم جنبي.
علّقت صورة صغيرة لسليم فوق سريره، ووقفت أبصله وهو بيضحك ضحكته الأولى.
وقتها بس عيطت.
مش على محمود.
ولا على الجواز.
عيطت على إلهام القديمة الست اللي كانت فاكرة إن الصبر معناه تسكتي. وإن الاحتواء معناه تلغي نفسك. وإن الطيبة تمنع الناس من الأذى.
بس الحياة علمتني حاجة واحدة الست القوية مش اللي مبتقعش الست القوية هي اللي بتقوم، وتعرف تاخد حقها من غير ما تخسر نفسها.
رن جرس الباب.
فتحت، لقيت عامل توصيل واقف ومعاه كرتونة صغيرة.
استغربت، مضيت واستلمتها.
فتحتها بهدوء
لقيت جواها عقد اللولي بتاع فايزة بعد ما اتصلح.
ومعاه ورقة صغيرة بخط مرتعش
سامحيني أنا ربيت ابني غلط.
فضلت باصة للورقة شوية.
وبعدين قفلت الكرتونة بهدوء، ومشيت رميتها في أقرب درج.
بعض الحاجات الاعتذار فيها بييجي متأخر قوي.
لفّيت ناحية سليم، شلته بين إيديا، وبسته من راسه.
وخارج الشباك كانت الشمس بتطلع بهدوء لأول مرة من سنين
أما أنا، فأخيراً كنت حرة.


تعليقات
إرسال تعليق