كنت واقفه في المطبخ بجهز عشا
كنت واقفه في المطبخ بجهز عشا
كنت واقفة في المطبخ بجهز عشا بسيط، وريحة البصل المحمر مالية البيت، وعيوني كل شوية تروح ناحية شهادات النجاح المعلقة على التلاجة.
شهادتين كنت ببص لهم بفخر كأنهم كنز عمري كله.
مازن ومريم... الاتنين طالعين من الأوائل، وكل مدرس في المدرسة كان بيقول إن مستقبلهم كبير.
ومن يوم ما النتيجة ظهرت، وأنا بحلم باليوم اللي أشوفهم فيه لابسين يونيفورم المدرسة اللغات اللي جنبنا.
مدرسة كنت بعدي من قدامها كل يوم وأنا راجعة من شغل الخياطة، وأقول لنفسي
ولادي هيبقوا هنا حتى لو هتعب العمر كله.
كنت بخيط للناس ليل ونهار.
فصالات، ملايات، فساتين أطفال، وأوقات كنت باخد شغل تطريز لحد الفجر.
كل جنيه كنت بحوشه كنت حاسة إنه طوبة صغيرة ببني بيها مستقبل عيالي.
وفي الليلة دي كل حاجة اتقلبت.
دخل محمود جوزي، ووشه مكشر بطريقة خلت قلبي يقع.
ووراه علام، ابن أخوه اليتيم.
علام ولد محترم وهادي، وعمره
ما غلط في حد، وكنت بحبه زي ابني، بس عمري ما تخيلت إن حب محمود ليه هيبقى على حساب ولاده.
محمود قعد قدامي وقال بصوت متردد
يا وفاء أنا سحبت الفلوس اللي في البنك.
ساعتها حسيت إن صوت الدنيا اختفى.
حتى صوت المعلقة اللي كانت بتخبط في الحلة وقف.
بصيت له ومفهمتش.
فلوس إيه؟
بلع ريقه وقال
قدمت لعلام في المدرسة الخاصة.
بصيت له ثواني طويلة وأنا مش قادرة أستوعب.
الفلوس دي كانت شقايا وتعب سنين وحلم عيالنا.
قلت بصوت مهزوز
يعني مازن ومريم مش هيدخلوا المدرسة؟
قال بسرعة وكأنه بيبرر لنفسه قبل ما يبررلي
عيالنا شاطرين وهيبقوا ناجحين في أي حتة لكن علام محتاج الفرصة دي.
وفي اللحظة دي خرجت حماتي من أوضتها وقالت
الولد يتيم يا بنتي وربنا بيحب اللي يجبر بخاطر اليتيم.
مكنتش قادرة أرد.
لأن المشكلة عمرها ما كانت في علام.
المشكلة إن ولادي اتحرموا من حقهم من غير حتى ما حد يستأذنهم.
بعدها
بأيام، دخل محمود البيت شايل شنطة مدرسة غالية ومطارة مية جديدة، ونادى علام بابتسامة كبيرة.
مازن ومريم كانوا واقفين بيتفرجوا في صمت.
مازن قرب وقال بحذر
بابا طب وإحنا؟
محمود اتوتر ورد بعصبية
شنطكم القديمة كويسة. بلاش دلع.
الكلمة وقعت على قلب ابني كأنها حجر.
وشفت بعيني حاجة اتكسرت جواه.
وفي الليلة دي أخدت القرار.
لميت هدوم عيالي، وشهاداتهم، والفلوس الصغيرة اللي كنت مخبياها من شغل إضافي، ونزلت.
استأجرت أوضة صغيرة فوق سطح بيت ست كبيرة اسمها الحاجة زينب.
الأوضة كانت ضيقة جداً، وسقفها صاج، والحر فيها صعب، بس أول ليلة هناك حسيت بحاجة غريبة
راحة.
يمكن عشان محدش كان بيكسر خاطر عيالي.
الحاجة زينب كانت ست بسيطة وحنينة.
أول ما عرفت حكايتي قالت لي
إوعي تكسري قدام ولادك دول رزقك الحقيقي.
ابتديت أشتغل أكتر.
الصبح خياطة، وبالليل كنت بعمل ملايات ومخدات وأبيعها.
ومريم كانت
تساعدني في ترتيب القماش، ومازن بقى يروح يجيب الطلبات ويوصل الحاجات للزبائن.
وفي يوم، وأنا قاعدة بخيط، سمعت مريم بتقول لأخوها
إحنا مش أقل من حد يا مازن.
الجملة دخلت قلبي وخلتني أعيط أول ما ناموا.
عدى أول شهر بصعوبة.
كان في أيام الأكل فيها بسيط جداً، وأيام الكهربا تفصل، وأيام كنت بخاف من بكرة، لكن عمر ما حد فينا نام زعلان من التاني.
ومع الوقت، حصلت حاجة مكنتش متوقعاها.
مدرسة الحكومة اللي دخلها مازن ومريم عملت مسابقة كبيرة على مستوى الإدارة التعليمية.
مازن دخل مسابقة علوم، ومريم دخلت مسابقة قراءة وإلقاء.
كنت بروح معاهم بالباصات، وأستناهم بالساعات، وأنا شايلة شنطة فيها سندوتشات وعصير معمول في البيت.
وفي يوم النتيجة
رجع مازن بيجري على السلم وهو بيصرخ
ماماااا! كسبت المركز الأول!
حضنته جامد لدرجة إنه ضحك وقال
هتكسريني يا ماما!
وبعده بدقائق دخلت مريم وهي شايلة شهادة كبيرة وبتعيط من الفرحة.
الاتنين كسبوا.
الحاجة زينب زغرطت
فوق السطح، والجيران طلعوا يباركوا، وأنا لأول مرة من شهور حسيت إن الدنيا بتفتح باب جديد.
صور الأولاد انتشرت على صفحة المدرسة، ومديرة المدرسة بنفسها كلمتني وقالت
ولادك موهوبين جداً لازم يشاركوا في مسابقات أكبر.
وفي نفس الوقت كان محمود بيبدأ يحس بالفراغ.
البيت عنده بقى ساكت.
مفيش صوت مريم وهي بتذاكر بصوت عالي، ولا مازن وهو بيحكي عن تجاربه العلمية، ولا حتى صوتي وأنا بخبط بالمواعين في المطبخ.
راح يشوفنا أكتر من مرة.
كان يجيب فاكهة أو حلويات، والأولاد يستقبلوه باحترام، لكن في مسافة كبيرة اتبنت.
وفي مرة، شاف مازن بيذاكر تحت لمبة صغيرة، فسأله
محتاج حاجة يا حبيبي؟
مازن ابتسم وقال
لا يا بابا ماما موفرالنا كل حاجة.
الجملة كانت بسيطة،
لكنها كسرت محمود من جواه.
ومع الوقت، بدأ يشوف الحقيقة اللي كان غافل عنها.
إن الوقفة جنب الناس عمرها ما تكون على حساب بيتك وولادك.
أما علام فكان أكتر واحد متأثر.
الولد كان حاسس بالذنب طول الوقت.
وفي يوم جه عندي لوحده وقال
يا طنط وفاء أنا مكنتش عايز أسبب مشاكل.
ربتّ على كتفه وقلت له
إنت مالكش ذنب يا ابني.
ومن يومها، بقى يزور إخواته كل أسبوع، ويذاكر مع مازن، ومريم تساعده في الإنجليزي.
السنين عدت بسرعة.
ومع تعب كبير، قدرت أفتح ورشة خياطة صغيرة.
بقت عندي تلات بنات بيشتغلوا معايا، والحاجة زينب كانت تقعد على الكرسي قدام المحل كأنها الحارس الرسمي للمكان.
وفي يوم من الأيام، حصلت المفاجأة الكبيرة.
مازن اتكرم على مستوى الجمهورية في
مسابقة علمية، واترشح لمنحة دراسية كبيرة.
أما مريم، فبقت من أوائل الثانوية العامة.
يوم التكريم كان القاعة مليانة ناس.
وأنا قاعدة في آخر صف، لابسة عباية بسيطة، وقلبي بيدق من الفرحة.
المذيع نادى
والدة الطالبين المتفوقين الأستاذة وفاء.
قومت وسط تصفيق الناس، ورجلي كانت بتترعش.
مازن مسك الميكروفون وقال قدام الكل
أمي علمتنا إن الإنسان ممكن يبدأ من الصفر بس عمره ما يستسلم.
القاعة كلها سقفت.
وأنا وقتها بصيت ناحية محمود.
كان واقف بعيد، وعينه مليانة دموع وفخر وندم في نفس اللحظة.
بعد الحفلة قرب مني وقال بهدوء
أنا كنت فاكر إني بعمل الصح بس اكتشفت متأخر إن العدل لازم يبدأ من البيت.
بصيت له وسكت شوية.
ثم قلت
إحنا كلنا بنتعلم يا محمود.
محمود
بدأ بعدها يحاول يصلح اللي فات، مش بالكلام بالأفعال.
بقى موجود في نجاحات عياله، يساعدهم، ويساندهم، ويقف جنبهم من غير ما يقلل من حد.
وعلام كمان كبر وبقى شاب محترم، واتخرج بتفوق، وأول مرتب أخده اشترى شنط جديدة لمازن ومريم رغم إنهم كانوا خلاص في الجامعة.
وقال وهو بيضحك
الشنط دي متأخرة شوية بس كان نفسي أجيبها من زمان.
وضحكنا كلنا.
وفي ليلة هادية، بعد سنين طويلة من التعب، كنت قاعدة قدام محل الخياطة بتاعي، ومازن ومريم جنب مني، والحاجة زينب بتشرب شاي، ومحمود واقف يساعد العمال يقفلوا المحل.
بصيت للشارع وللنور ولأولادي وحسيت إن ربنا عمره ما بيضيع تعب حد.
مكنتش الرحلة سهلة.
بس النهاية كانت تستاهل كل خطوة.
لأن الكرامة لما تتمسك بيها، بتفتح أبواب عمر ما الإنسان كان يتخيلها.


تعليقات
إرسال تعليق