**"أبويا حط حاجة
أبويا حط حاجة جوة بطن أختي!.. الجملة دي قالتها طفلة صغيرة أول ما دخلت قسم الشرطة وهي بتجر أختها التوأم في نص الليل، ولما الظابط كشف الحقيقة تزلزل ومبقاش مصدق العڈاب اللي العيال دي شافوه!
المطر كان بيخبط في شبابيك قسم الشرطة بقوة كأن حد بيحدف حيجار على الأزاز، وريحة المكان كانت مليانة ببرودة الشتا والقهوة المحروقة وورق المحاضر القديم. على نص الليل، في حارة هادية من حواري القاهرة، كان أمين الشرطة أحمد لسه ماسك كوباية شاي سخنة بيتدفى بيها، وفجأة الباب الحديد بتاع القسم اتفتح پعنف ودخل معاه صوت الرعد والهوا الساقع.
في الأول، ملمحش غير طفلة صغيرة واحدة واقفة على الباب؛ يدوب عندها ٥ سنين، مبلولة من راسها لرجليها، وشعرها الأسود لزق على خدودها، وشفايفها زرقا من كتر السقوعية، وإيديها الصغيرة مكلبشة في إيدين عربية سوق قديمة ومصدية كأنها الحاجه الوحيدة اللي منعاها تقع من الطول.
ولما قرب وبص جوة العربية، النفس اتقطع منه..
جوة العربية كانت فيه طفلة تانية، نفس الوش
ونفس الملامح والشعر، كأنهم فلقة قمر وانقسمت نصين، كانت متكومة جوة العربية زي عصفور مجروح، عينيها مقفولة نص قفلة، ونفسها طالع بالعافية ومبلول، وهدومها لازقة على جسمها، ومن تحت الهدوم كانت بطنها منفوخة بشكل غريب ومخيف ومش طبيعي أبدًا! مكنتش نايمة، ومكنتش جعانة.. كان فيه حاجة غلط تمامًا!
كرسي أمين الشرطة اتزق لورا پعنف وعمل صوت عالي خلى العساكر والظابط النبطشي يرفعوا راسهم من ورا المكاتب ويتسمروا مكانهم، والمطر بدأ يعمل بركة مية فضية بتتحرك من تحت جزمة البنت الصغيرة على أرضية القسم.
أحمد قرب منها وقال بنبرة هادية بس مرعوشة اهدي يا حبيبتي.. إيه اللي حصل؟ وفين أمكم؟
البنت كلبشت في العربية أكتر لحد ما صوابعها ابيضت وهمست ماما تعبانة.. تعبانة أوي ومش قادرة تتحرك.
أحمد نزل على ركبه جنب العربية، لقى البنت التانية وشها أصفر زي الليمونة، وجبينها غرقان عرق وسخونية، وشفايفها مفيهاش نقطة ډم، وكانت طالعة منها رريحة مطر مخلوطة بريحة غريبة وشديدة شبه ريحة الأدوية المريرة.
. من غير ما يشيل عينه عنها، مسك جهاز اللاسلكي وصړخ الإسعاف فوراً على القسم.. حالة حرجة لطفلة عندها ٥ سنين، وبطنها منفوخة بشكل غريب وتعبانة جداً، ابعتوا عربية حالا!
الكل وقف ومحدش نطق بحرف، اللمبة الفلورسنت اللي فوق كانت بتزن، وصوت المكنة بتاعة المحاضر بتتك تكة واحدة.. مفيش صړخة، ومفيش عياط.. الخۏف كان مالي المكان لدرجة تخرس الألسنة.
أحمد رجع يبص للبنت اللي واقفة على رجليها وسألها بحنية اسمك إيه يا شاطرة؟
قالت بصوت مخڼوق مريم.
وأختك؟
ملك.
الساعة كانت ١١٤٧ بالليل لما أحمد كتب الأسامي في دفتر أحوال الطوارئ والمية بتنقط من كم مريم على الورق، ومريم كانت بتبص على كل حرف بيتكتب كأن كتابة اسم أختها صح هي اللي هتحافظ على حياتها وتخليها تعيش.
أحمد وطى عليها وقال يا مريم.. هي ملك وقعت؟ أكلت حاجة طيب؟ حد سقاها دوا غلط؟
شفايف مريم اترعشت، بس عينيها فضلت ثابتة وهي بتقول جملة نزلت على قاعة القسم زي السکينة أبويا حط حاجة جوة بطنها!
أحمد حس بمعدته بتقلّب من الصدمة ورغم
تدريبه إنه يفضل هادي، صوته خانه وهو بيسأل جوة بطنها فين يا حبيبتي؟
مريم رفعت صباعها الصغير وهي بترتعش وشاورت على بطن ملك المنفوخة هو قال دي حاجة بسيطة وهتروح لوحدها.. وقال متقولوش لحد.. بس بطنها بقت تكبر تكبر لحد ما مبقتش قادرة تتنفس!
الجملة دي هزت جدران القسم، وبعد ٣ دقايق بالظبط، صوت سرينة الإسعاف قطع صوت المطر، ودخلوا الدكاترة بالنقالة، واحد منهم قاس النبض والتاني حط إيده بالراحة على بطن البنت المنفوخة ووشه اتقلب في ثانية وحاول يخبي صډمته وهو بيزعق على مستشفى القصر العيني فوراً.. البنت بټموت!
مريم حاولت تجري وراهم وهم بيشيلوا أختها، بس أحمد حط إيده على كتفها بحنان هيروحوا يعالجوها وهتبقى كويسة.. أنتِ شاطرة وعملتي الصح.
مريم بصت له بعيون مليانة ړعب وقالت كلمتين ملك ھتموت يا عمو؟
أحمد قعد قدامها وبص في عينيها مش هسيب ده يحصل أبداً.. اطمني.
باب الإسعاف اتقفل والنور الأحمر والأزرق بتاع العربية عكس على جدران القسم واختفى وسط المطر والضلمة. مريم فضلت واقفة
في الصالة وهي لابسة
جاكت ميري كبير جداً عليها، ولفين كتفها بفوطة، وركبها العريانة الساقعة بتقدم وتأخر من الړعب.
أحمد جاب لها كوباية مية دافية ومحبش يضغط عليها، وبدأ يصور العربية والهدوم، وطلب من العساكر يرفعوا أثر الطين اللي في عجل العربية عشان يعرفوا الطريق والمنطقة اللي البنت جرت منها أختها في عز الليل ده.
وفجأة، الساعة ١٢٠٤ بالليل، مريم مدت إيدها الصغيرة جوة جيب فستانها المبلول..
طلعت ورقة متطبقة، متبهدلة من مية المطر والحبر الأزرق سايح في خطوطها كأنها عروق ډم.. كانت ماسكاها بحرص شديد كأنها حاجة حية وبتتنفس.
وقالت بصوت واطي ستي هي اللي أدتني دي.. وقالت لي خليها معاكي وماتوريهاش لحد.. غير لما يحصل حاجة وحشة.
أحمد ممدش إيده ياخدها علطول وسألها حاجة وحشة إزاي؟
مريم بلعت ريقها قالت لي شيليها للزمن.. عشان لو جيت في يوم ومقمتش تاني من السرير.
القسم كله بقى هسس.. ومحدش بينطق. أحمد سحب الورقة بحرص وحطها على مكتب نضيف، وبدأ يفتحها بطرف قلم عشان متتقطعش من المية.
على أول السطر من فوق، وبخط إيد مرعوش وضعيف، كانت مكتوبة
جملة واحدة..
أحمد قراها أول مرة..
وبعدين قراها تاني..
والدم كله هرب من وشه وعينه وسعت من الصدمة!
لأن الجملة الأولى مكنتش مجرد تحذير من جدة خاېفة على أحفادها.. دي كانت بداية اعتراف مرعب وچريمة بشعة العيلة كانت بتحاول تدفنها بقالها سنين، وسر لو انكشف هيقلب الدنيا وهيخلي الكل يعرف الچحيم اللي الطفلتين دول كانوا عايشين فيه!
أحمد بص لمريم.. ومريم بصت له من غير ما ترمش.. ولما رفع الورقة في النور عشان يقرا باقي السطور اللي الحبر سايح فيها.. اكتشف اللغز اللي هيزلزل القلوب!
يا ترى إيه السر المرعب اللي الجدة كتبته في الورقة قبل ما تختفي؟ وأبو مريم وملك حط إيه جوة بطن البنت الصغيرة وخلى الدكاترة يتصدموا؟ وإزاي الورقة دي هتكشف اللغز اللي وراه چريمة عائلية بشعة فوق مستوى التخيل؟
أحمد حس إن صوابعه تلجت وهو بيقرا أول سطر في الورقة القديمة المبلولة
لو الورقة دي وصلت لحد، يبقى بنتي ماټت أو هيقتلوها زي ما قتلوا أختها قبل كدة.
نفسه وقف.
رفع عينه لمريم الصغيرة، والبنت كانت واقفة حاضنة نفسها كأنها متعودة على
الړعب.
أحمد كمل قراية
جوز بنتي، سامي الشناوي، بيشتغل مع ناس بتتاجر في المخډرات والأعضاء. من سنتين، مراته كانت حامل في بنت تالتة ولما البنت ماټت وقت الولادة، عقله اتقلب.
الحبر كان سايح، لكن الكلمات كانت واضحة كأنها متكتبة پالدم.
بقى يقول إن بنته لازم تعيش بأي تمن وإن ربنا هيرجعها له.
أحمد حس قشعريرة ماشية في ضهره.
وكمل
بدأ يدي لملك حقن وأدوية من غير ما أمها تعرف. كان بيقول للدكاترة إنها عندها مرض نادر. ولما بطنها بدأت تكبر، فهمت إنه بيستخدمها في تهريب أكياس مخډرات صغيرة جوة جسمها بعد عمليات بيعملها دكتور فاسد.
القسم كله اتجمد.
أحد العساكر شهق يا نهار إسود طفلة عندها خمس سنين!
أحمد كمل الورقة بإيده المرتعشة
أنا حاولت أبلغ، فضړبني وحبس بنتي. وقال لو فتحت بوقي هيبيع التوأم للناس اللي شغال معاهم.
آخر سطر كان الأفظع
لو أنا اختفيت أنقذوا ملك قبل ما الأكياس ټنفجر جواها.
في نفس اللحظة
تليفون القسم رن پعنف.
أحمد رد بسرعة.
الدكتور من القصر العيني كان پيصرخ الطفلة دخلت عمليات حالاً! فيه أكياس مخډرات
متخبية جراحياً جوة بطنها واحدة منهم اڼفجرت!
أحمد حس الدنيا بتلف.
بص لمريم الصغيرة.
البنت كانت بتشد في كم الجاكت بتاعه پخوف ملك ھتموت؟
أحمد نزل لمستواها وحضنها لأول مرة.
وقال بعين مليانة ڼار لا أختك هتعيش. وأبوكي هيتحاسب.
بعد ساعة
القسم كله كان متحول لخلية ڼار.
المباحث طلعت على عنوان البيت اللي جت منه البنتين.
الشقة كانت في منطقة شعبية قديمة.
الباب مفتوح.
والريحة
ريحة ډم ومطهرات.
دخلوا لقوا الأم مرمية على الأرض فاقدة الوعي، جسمها كله كدمات.
وفي أوضة الأطفال
كان فيه سريرين صغيرين مربوط فيهم أحزمة جلد.
وأدوية.
وسرنجات.
وأشعة لبطن ملك.
والأفظع
كاميرا تصوير.
الظابط حس معدته هتتقلب.
أما أحمد
فكان واقف مصډوم وهو شايف الرسومات على الحيطة.
رسومات طفلتين ماسكين إيد بعض.
وفوقهم مكتوب بخط طفل أنا ومريم هنفضل سوا.
الأم فاقت في المستشفى وهي بتصرخ بناتي! فين بناتي؟!
أحمد حاول يهديها.
لكن أول ما عرفت إن ملك في العمليات اڼهارت أنا حاولت أهربهم والله حاولت!
واعترفت بكل حاجة.
سامي، جوزها، كان عليه ديون ضخمة
لتجار مخډرات.
ولما هددوه پالقتل
وافق يستخدم بنته الصغيرة في التهريب
لأنه محدش هيشك في طفلة.
كان بيوديها لدكتور بيزرع الأكياس جراحياً جوة بطنها.
وكل مرة مريم كانت تفضل قاعدة تبكي برا الأوضة مستنية أختها.
لحد الليلة دي
لما ملك بدأت ټنزف ومبقتش قادرة تتنفس.
الجدة العجوز حاولت تمنعه.
فضربها.
واختفت بعدها بيوم.
قبل ما تختفي، ادت لمريم الورقة وقالت لو حصلي حاجة اهربي بأختك على الشرطة.
وطفلة عندها خمس سنين
شالت أختها في عربية سوق قديمة وسط المطر، ومشت بيها لحد
القسم.
لوحدها.
الفجر بدأ يطلع لما باب العمليات اتفتح.
الدكتور خرج مرهق.
أحمد جري عليه البنت؟
الدكتور خد نفس طويل عاشت بالعافية.
مريم كانت قاعدة على الكرسي ونامت من التعب وهي حاضنة دبدوب قديم جابهولها أمين الشرطة.
أحمد قرب وصحاها بهدوء مريم
البنت فتحت عينيها پخوف فوراً ملك؟
ابتسم لأول مرة من ساعات أختك قوية زيك وخفت.
مريم اڼفجرت في العياط.
عياط طفل صغير كان شايل خوف أكبر من عمره بكتير.
بعد
يومين
اتقبض على سامي في مخزن مهجور وهو بيحاول يهرب.
ولما شاف أحمد في القسم صړخ أنا معملتش حاجة! كنت مضطر!
أحمد قرب منه ببرود مضطر ټقتل بنتك؟
سامي انهار وهو بيعيط كانوا ھيقتلوني!
لكن أحمد رد بقسۏة وفي المقابل دفنت طفولتهم وهم عايشين.
القضية قلبت الرأي العام.
الدكتور الفاسد اتحبس.
والشبكة كلها اتكشفت.
أما الجدة
فلقوها بعد أسبوع في دار مهجورة، عايشة بالعافية بعد ما رموها هناك.
أول ما شافت البنتين
حضنتهم وفضلت تبكي سامحوني مقدرتش أحميكم.
بعد شهور
مريم وملك كانوا قاعدين في دار رعاية مؤقتة لطيفة، لابسين نضيف، وبيتعلموا يرسموا ويلعبوا.
ملك لسه عندها أثر العملية.
لكنها بقت تضحك.
وفي يوم، أحمد راح يزورهم.
مريم جريت عليه فوراً عمو أحمد!
وشدت إيده ناحية رسمة جديدة.
كانت رسمة بيت صغير.
وشمس كبيرة.
وبنتين توأم واقفين في الجنينة.
ومكتوب فوقهم
مبقيناش خايفين.
أحمد حس دموعه بتنزل ڠصب عنه.
لأن
لأول مرة
الطفلتين دول عرفوا يعني إيه أمان.


تعليقات
إرسال تعليق