القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 انتريه جديد 



انتريه جديد 


الانتريه بتاعى من كتر الاستخدام اتهلك واتكسر قررا أعمل جمعية عشان اجدده ووقت القبض حماتى اخدتها وقالتلى إن اخت جوزى بتجدد فى شقتها ومحتجاها على الرغم بنتها مكملتش سنه جواز


اتجوزت وأنا عندى ١٨ سنه جوزى وقتها ظروفه كانت وحشه وكان بيشترى ارخص حاجه وكانت خامتها سيئه بس جيت على نفسى وكنت بحاول احافظ على الحاجه لكن للأسف الانتريه باظ خالص وهبط على الارض فعملت جمعيه من فلوس شغلى واللى كانت ماسكه الجمعيه اخت حماتى


لما جه ميعاد قبض الجمعية، كنت طايرة من الفرحة، والوحيدة اللى كنت حاطة عينى عليها هى شكل الانتريه الجديد اللى هيعوضنى عن سنين التعب والصبر.واللى هحس انى جددت شويه من شكل البيت وبقول لنفسى لما الجمعيه تخلص هعمل واحده واغير اوضه النوم وبعدها الاطفال وبعدها المكبخ وبتخيل شكل شقتى وهو متجدد و نزلت لفيت وشوفت موديلات، واخترت اللنتريه  اللى هيستحمل بهدلة الولاد، وكنت خلاص بحسب الأيام عشان أروح أدفع العربون.


لما كلمت خالة جوزى، اللى هى ماسكة الجمعية، عشان أسألها ببراءة: “يا خالتو، هو أنا هقبض الجمعية بتاعتى إمتى بالظبط عشان أروح أشوف الأنتريه؟”.. الصدمة نزلت عليا زى المية الساقعة لما لقيتها بتقولى بكل تلقائية: “يا بنتى ما حماتك جت وأخدت منك الجمعية من يومين! وقالتلى إنك عارفة وموافقة عشان هتديهالك!”


الدنيا لفت بيا ومبقتش شايفة قدامى. قفلت السكة وأنا مش مصدقة.. حماتى تروح تاخد فلوس شقايا وتعبى من ورايا وتعمل كدة؟


روحتلها عل طول وأنا جسمى كله بيترعش من القهرة، وواجهتها: “جرى إيه يا طنط؟ حضرتك روحتى أخدتى فلوس جمعيتى من خالتو ليه وبأى حق؟ أنا تعبانة فى الفلوس دى عشان أجدد الأنتريه المكسور اللى بنقعد عليه!”


بصتلى بكل برود وبدون أى تنيبة ضمير، وقالتلى بمنتهى البساطة: “جرى إيه يا بنتى مالك قايمة فيا كدة ليه؟ أنا أخدت الفلوس وأديتها لحبيبة بنتى عشان بتجدد وبتقفل أوضة الأطفال عندها، هى أولى بالقرشين دول دلوقتى.”


أنا كنت هصرخ من كتر الوجع: “أوضة أطفال إيه يا طنط اللى بتغيرها؟! بنتك مكملتش سنة جواز! وحاجتها كلها لسة جديدة زيرو بالكياس بتاعتها! طب وأنا؟ وأولادى اللى قاعدين على الأرض بقالنا سنين؟ أنا صابرة وشايلة المر مع ابنك من وأنا عندى ١٨ سنة، وفى الآخر تيجى تاخدى فلوس شغلى وتديهالها على الجاهز؟”


بصتلى حماتى بنظرة كلها برود وثقة، وعدلت قعدتها وقالتلى بمنتهى البساطة: “وبعدين يا بنتى إيه المشكلة يعنى؟ حبيبة لما اتجوزت كانت جايبة أوضة الأطفال بألوان محايدة عشان تنفع ولاد وبنات، ومكنتش تعرف لسة رأسها من رجليها.. لكن هى دلوقتى ربنا كرمها وحامل فى ولد، وعايزة تغير الأوضة وتعملها أوضة أولادى تليق بالبيبي الجديد، والقرشين بتوع الجمعية هما اللى هيسندوا معاها فى التجديد ده.”



 

الكلام نزل عليا زى السكاكين.. حامل فى ولد؟ وعايزة تغير الأوضة اللى لسة مكملتش سنة عشان الألوان؟ طب وأنا؟!


وقفت قدامها وأنا بمسح دموعى اللى نزلت غصب عنى من القهرة وقولت الصوت كله رعشة: “تغير الأوضة عشان الألوان يا طنط؟! وأنا اللى بقالى سنين قاعدة على الخشب وبلم فى القطن من على الأرض عشان مش قادرة حتى أصلح الأنتريه؟ أنا شقايا وتعبى فى شغلى اللى طالع عينى فيه يتاخد من ورايا عشان بنتك ترفّه عن نفسها وتغير ألوان؟!”


حماتى لوت بوزها وقامت سابتنى وهى بتقول ببرود: “جرى إيه يا بنتى، وسعى صدرك كدة ومتبقيش ضيقة العين، أخت جوزك برضه وحسبت أختك، والأنتريه بتاعك عايش ومستور ومفهوش حاجة.. كلها كام شهر وتعملى جمعية غيرها وتجددى براحتك!”


فكرت بسرعة وسط القهرة والدموع، وقلت فى نفسى أحاول أحل الموضوع وأطلع بأى حاجة تعوضنى عن فلوسى وضياع الأنتريه. بلعت ريقى وقولت لحماتى بحاول أكون هادية: “ماشى يا طنط.. طالما حبيبة هتعمل أوضة جديدة وهتغير الأوضة القديمة اللى لسة بالكياس بتاعتها، خلاص، أنا هاخد الأوضة القديمة بتاعتها دى لولادى، وتكون هى دى مقابل فلوس الجمعية بتاعتى اللى انتوا أخدتوها.”


بصتلى حماتى وكأن الكلام معجبهاش بالمرة، وشاورت بإيدها ورفضت بغرور وقالتلى: “لأ طبعاً يا بنتى، أوضة إيه اللى تخديهالو! الأوضة القديمة دى حبيبة هتبيعها لمهندس زميل جوزها فى الشغل وطالبها منها، والفلوس بتاعتها هتكمل بيها على فلوس الجمعية عشان تجيب الأوضة الجديدة اللى على ذوقها.. يعنى الأوضة متباعة متباعة وملكيش دعوة بيها.”


الرد كان كفيل إنه ينهى أى أمل جوايا فى إن الناس دى عندها ريحة العدل أو الإنسانية. وقفت مذهولة من الأنانية، يعنى أخدوا فلوسى غصب عنى ومن ورا ظهرى، وكمان مستخسرين فيا وفى أولادى الأوضة اللى هتترمى أو تتباع! حسيت إن الحيطة بتلف بيا، والظلم بقا فوق طاقتى ومبقتش قادرة أستحمل كلام تانى معاها.


حسيت إن لو قعدت دقيقة واحدة زيادة فى المكان ده ممكن أقع من طولى أو يجرالى حاجة. الأنانية والبرود اللى اتكلمت بيهم كانوا فوق طاقتى وفوق طاقة أى بنى آدم يستحملهم.. فلوس شقايا ويومياتى ونزولى فى الحر والبرد يتاخدوا كدة عينى عينك، وكمان مستخسرين فيا حتة خشبة هما كدة كدة بايعينها؟


بصيتلها ونظراتى كلها ذهول وكسرة نفس، بس فى نفس الوقت كان فى جوايا شرارة غضب مش قادرة أداريها. مسحت دموعى اللى كانت نازلة تحرق فى وشى، ورفعت راسى وأنا بجيب أخر طاقة فيا عشان صوتى ما يترعش قدامها تانى. شيلت شنطتى من على الكنب، وبصيتلها بصه طويلة خلتها هى نفسها تتفاجئ من نظرتى، وقولتلها بكلمات طالعة من بين سنانى وكلها وعيد:


“تمام يا طنط.. كتر خيرك أوى، ومستخسرة فى أولاد ابنك الأوضة اللى كانت كدة كدة هتباع.. مفيش كلام تانى هيتقال بينى وبينك بعد اللى سمعته وشوفته ده، ومعدش ليا عتاب معاكى.. لما ابنك ييجى بقا من الشغل، يبقى ليه كلام تانى معاه، وهو اللى يقف قدامى ويقولى فلوس شقا مراتى راحت فين!”


لوت بوزها تانى وكأن كلامى مأثرش فيها، وقبل ما تنطق بكلمة واحدة أو تبرر تانى، لفيت ضهرى ومشيت وسيبتها واقفة فى الصالة. خبطت الباب ورايا بكل قوتى، والنار قايدة فى صدرى.. كنت ماشية فى الشارع والدموع مغمية عينى، ومش بفكر فى أى حاجة غير فى اللحظة اللى جوزى هيفتح فيها باب البيت، واللى هحطه فيها قدام الأمر الواقع.. يا يجيبلى حقى وفلوسى من أمه وأخته، يا إما البيوت دى ليها أصحاب وأنا مش هقبل أعيش كأنى جارية بتشتغل عشان غيرها يتنعم بشقاها


فتحت باب الشقة ودخلت، رميت شنطتي على أقرب كرسي، وقعدت في الصالة مستنياه.. كنت حاسة إن الدقائق بتمر زي السنين، وكل ما أبص للأنتريه الهابط اللي قاعدين عليه والخشب اللي باين منه، ناري تقيد أكتر. كنت بلملم كل قهرتي وصبري بتوع السنين اللي فاتت عشان أحطهم كلهم قدامه في مواجهة واحدة.


أول ما سمعت صوت المفتاح في الباب، قلبي دق بسرعة.. دخل وهو وشّه باين عليه التعب من الشغل، ولسة بيقلع جزمته وبيقول: “السلام عليكم يا أم العيال”.. بصلى ولقى وشي قالب وعيني حمرا من كتر العياط والغل، فاستغرب وقرب مني وهو بيقول: “مالك يا أماني؟ في إيه؟ مالك قاعدة كدة ليه والبيت ماله ضلمة؟”


وقفت في وسط الصالة، وبكل وجع وقهرة الدنيا حكيتله.. حكيتله من أول ما كلمت خالته، لحد ما روحت لأمه وصدمتي في كلامها وبرودها، ورفضهم حتى يدوني الأوضة القديمة.. كنت بتكلم ونبرة صوتي بتعلى غصب عني، ودموعي بتنزل تاني حامية على الخد.


بصلي شوية، ولقيت وشه اتقلب، بس للأسف مش عشان يغضبلي.. لقيت ملامحه بتهرب من عيني، وبدأ يفرك في إيده ويبرر كالعادة، وقال بصوت واطي: “يا أماني.. طالما أمي أخدتها يبقا أكيد حبيبة محتاجاها فعلاً.. وبعدين دي أختي الكبيرة، وحامل، وأمي لقت إنها أولى بالقرشين دلوقتي عشان تفرح بالبيبي.. ما تصغريش عقلك بقا، وبعدين إحنا أهل، وفلوسنا واحدة، وكلها كام شهر وتعملي جمعية تانية وتجددي اللي إنتِ عايزاه!”


الكلام ده كان هو القشة اللي قطمت ضهر البعير.. حسيت إن ناري ولعت أكتر، ووقفت قدامه زي الأسد، وعيني في عينه، وقولتله بصوت هز الحيطة وكلها غضب وسخرية:


“تصغير عقل؟! وأهل؟! وفلوسنا واحدة؟! لأ يا حبيبي.. لحد هنا وفوق بقا! فلوس مين اللي واحدة؟ دي فلوس شقايا وتعب أيدي، مش فلوسك أنت ولا فلوس أهلك عشان ييجوا يلطشوها من ورا ضهري! أنا استحملتك ووقفت جنبك ورضيت بأقل حاجة جبتها يوم ما اتجوزنا وأنا عندي ١٨ سنة.. رضيت بالخامات السيئة، ورضيت بالرخيص، وقولت جوزي وظروفه وحشة وأقف جنبه وأسنده!”


قربت منه خطوة وأنا بشاور بصباعي في وشه وبسخنه وعيني بتطق شرار: “أنت ناسي؟ ناسي إن في نفس وقت جوازنا، أختك حبيبة لما جت تتجوز، أمك وأنت أصرتّوا على خطيبها يشتري أغلى حاجة في السوق؟ وموافقتوش بأقل من الغالي والماركات؟ اشمعنى أنت؟ اشمعنى أنت اللي يبقى بيتك وعفشك أقل من غيرك في العيلة كلها؟! اشمعنى أنت اللي ترضى لمراتك وعيالك يقعدوا على الأرض وعلى الخشب، وأختك يتأخدلها فلوس شقايا عشان ترفه عن نفسها وتغير ألوان أوضة لسة زيرو بالكياس بتاعتها؟!”

زعقت بكل قهرتي وقولتله: “العيلة كلها وأصحابكم وقرايبكم بيحلفوا بشقة أختك وجمالها وعفشها.. وأنت؟ أنت عايز الناس تقول عليك إيه؟ تقول مش راجل؟ ولا تقول مش قادر تفرش شقتك وتنظف بيتك وتعيّش عيالك في حتة نضيفة؟! هترضى على نفسك الصغران ده قدام الناس؟ هترضى يقولوا إن أهلك بيقلوا منك ومن بيتك عشان خاطر أختك؟!”


شُفت النظرة في عينه اتغيرت تماماً.. الكلمتين دول نزلو عليه زي الكرباج وجابوه الأرض. أنا عرفت أضربه في مقت*ل، والوجع جه في حتة حساسة أوي عنده.. حتة رجولته ومنظره قدام أهله والعيلة، وإن شقته وعفشه يبقوا أقل من أخته والناس تشاور عليه وتقول مش قادر يفرش بيته.


ملامح وشه اتقبضت، وعروق رقبته ظهرت وبان عليها الغضب، وفضل واقف ثواني ساكت مش ملاحق على كمية الإهانة والوجع اللي حس بيهم من كلامي. وبدل ما كان بيبص الأرض ويدور على تبريرات لأمه، رفع راسه وبصلي بنظرة كلها غل وحسم، وقاللي وصوته بيترعش من كتر العصبية: “بس.. كفاية.. متكمليش ولا كلمة تانية يا أماني!”


لقيته لف وضهره وراح على الباب عل طول، حتى مغيرش هدوم الشغل اللي لسة عليه، ومسك أكرة الباب وفتحها وهو بيقول بنبرة صوت حامية وعينه بتطق شرار: “أنا نازل لأمي دلوقتي.. وفلوس الجمعية بتاعتك وشقاكي هترجعلك كاملة ومكملة قبل ما الليل ده ليله يليل، والأنتريه الجديد هييجي غصب عن عين أي حد.. مفيش مخلوق هيقول عليا كلمة نقص في بيتي!”


هبد الباب وراه بكل قوته لدرجة إن الشقة كلها اتهزت.. وأنا وقفت مكاني، أخدت نفسي لأول مرة من الصبح، وحسيت بنار قهرتي بدأت تبرد شوية وأنا شيفاه نازل يجيب حقي بنفسه.


فضلت واقفة مكاني في وسط الصالة، باصة للباب المقفول والهدوء فجأة حل في الشقة بعد العاصفة اللي كانت قايدة. لأول مرة من سنين أحس إن طعم الانتصار قريب، وإن صبري مجاش على الأرض. قعدت على طرف الأنتريه المكسور، وبقيت بتابع عقارب الساعة اللي كانت بتمر أتقل من الجبال.. نص ساعة، ساعة، وأنا كل شوية أقول لنفسي: “يا ترى إيه اللي بيحصل تحت؟ يا ترى حماتي هتلوي بوزه وتطلع نفسها مظلومة كالعادة، ولا جوزي المرة دي هيفضل راجل واقف على حقي وحق بيته؟”


فجأة سمعت صوت خطوات سريعة على السلم، والباب اتفتح فجأة. دخل وجوزي وشه أحمر دم، وعروق جبهته بارزة من كتر الزعيق والنقاش اللي كان داير تحت. مكنش قادر ينطق ولا كلمة، دخل خطوتين في الصالة، ورفع إيده اللي كانت بتترعش من العصبية، وحدف على الكنبة رزمة فلوس.. فلوس جمعيتي كاملة مكملة، بالورقة والقلم.


بصلي وهو بيلهث ونبرة صوته فيها كمية غضب تزلزل المكان، وقال: “آدي فلوسك اهي يا أماني.. كاملة ومفيهاش مليم ناقص.. أنا مبقاش صغيّر في عيلتي، ولا حد يستقل بيا وببيتي، ولا أختي ولا غيرها تتمنظر على قفايا وقفا ولادي.. انزلي بكرة الصبح، هاتي أحسن أنتريه في السوق، والفلوس اللي تنقصك قوليلي وأنا هكملهالك، ومشوفش دموعك دي تاني!”


أنا في اللحظة دي، حسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. بصيت للفلوس وبصيتله، ومسكت رزمة الفلوس في إيدي وأنا بضمها لصدرى، وحسيت إن كل سنة صبرتها مع قلة الإمكانيات وكل كلمة برود سمعتها من حماتي، حقي رجع فيها تالت ومتلت.. وبكرة الصبح، الشقة دي هتتغير، والكل هيعرف إن أماني مش حيطة مايلة لحد.


نزلت أنا وهو تاني يوم الصبح، ومكنتش مصدقة نفسي وأنا ماشية جنبه.. الشمس كان شكلها مختلف في عيني، والشارع كله كأنه بيضحكلي بعد ليلة طويلة من القهر والتعب. كنا داخلين معارض الأثاث وراسي مرفوعة، والمرة دي مش لوحدي، جوزي كان ماشي جنبي وعينه في عيني، وكأنه بيثبتلي ويثبت لنفسه إنه قد الكلمة.


دخلنا معرض كبير، وبدأت ألف وأنقي.. اخترت الأنتريه اللي كنت بحلم بيه؛ خامة نضيفة، وخشب زان يستحمل بهدلة الولاد وتنطيطهم، ولون مودرن ينطق الشقة ويغير شكل الصالة تماماً. دفعنا العربون، ولقيت جوزي بيبصلي ويداعبني ويقولي: “بس كدة؟ مش هنلف نشوف حاجة تانية؟”


بصيتله باستغراب وقولتله: “حاجة تانية إيه يا أبو العيال؟ ما الفلوس يدوب على قد الأنتريه ومصاريف نقله!”


لقيته ابتسم وشد إيدي وبكل ثقة دخل بيا على قسم غرف الأطفال.. وقفت مذهولة وهو بيشاور على أوضة نوم أطفال كاملة، خشبها متين وشكلها يجنن، وقال للمسؤول في المعرض: “احسبلي دي كمان مع الأنتريه يا فندم”.


التفتّ ليه وبقيت ببرق بعيني وقولتله بوشوشة: “أنت بتعمل إيه؟ هنجيب منين؟”


مسك إيدي وضغط عليها وقال بنبرة كلها رجولة وسند: “أنا هكمل من معايا يا أماني.. الولاد بقالهم سنين نفسهم في أوضة نضيفة، وأنا مش هسيب حد يتمنظر علينا ولا يقول عيال حبيبة أحسن من عيالي.. الأوضة دي هتيجي وهتفرش بيت أولادي، والقرشين اللي ناقصين أنا هصرفهم من تحت الأرض عشان أشوف الفرحة في عينك وعينهم”.


دموعي نزلت من الفرحة، بس المرة دي كانت دموع رد الاعتبار. اتفقت أنا وهو وإحنا راجعين في الطريق، والابتسامة مش مفارقة وشنا.. مسك إيدي وقالي: “بصي يا أم العيال.. إحنا من أول الشهر الجاي هنعمل جمعية تانية بس المرة دي هتكون أكبر.. وبفلوسها هنقلب الشقة دي جنة؛ هنوضب النقاشة، ونغير الديكور، وأول ما تقبضيها هننزل سوا ونغير أوضة النوم بتاعتنا ونرتاح من كركبة السنين اللي فاتت”.


حسيت إن الدنيا ضحكتلي أخيرًا، وإن الصبر آخره جبر، والبيت اللي اتهز بالظلم رجع وقف على حيله بالعدل والحق.


وفعلاً، مبقاش مجرد كلام ووعود في الهوا؛ من أول الشهر اللي بعده نفذنا كل اللي اتفقنا عليه. أنا دخلت في جمعية على قد ما أقدر من فلوس شغلي، وجوزي المرة دي حط رجله في جمعية تانية أكبر بكتير مع ناس مضمونين في شغله، وكان شادد حيله وعنده حماس مكنتش بشوفه فيه من سنين.. كان حاسس إن كرامته وبيته هما الرهان، ومبقاش يقبل بأقل من إنه يشوف شقته أحسن شقة في العيلة.


الشهور جرت ورا الشهور، وكنت كل ما أبص للأنتريه الجديد في الصالة، وأدخل أوضة الأطفال ألاقي ولادي نايمين متهنيين في أوضتهم الجديدة والكياس لسة عليها، قلبي يتملي طاقة ويقين إن اللي جاي أحسن.


ولما جه ميعاد قبض الجمعيتين مع بعض، كانت الفرحة مش سيعانا. الفلوس بقت في إيدنا وخير ربنا كتر، وبدأنا رحلة التجديد الشاملة اللي كنت بحلم بيها وأنا قاعدة على الخشب زمان.


جوزي جاب صنايعية نقاشة ونظفوا الشقة كلها، دهنا الحوائط بألوان مبهجة ومودرن، وصلحنا كل حتة كانت مكسورة أو متبهدلة. ويوم ما نزلنا نشتري أوضة النوم الكبيرة، كنت حاسة إني عروسة وبتجهز من جديد! اخترت أوضة نوم شيك جداً، خشبها تقيل ولونها هادي يريح الأعصاب، وغيرنا معاها المطبخ ورتبنا كل ركن في البيت.


الشقة اتقلبت جنة تانية خالص، وبقت تنطق بنظافتها وحلاوتها. لما وقفت في وسط بيتي وبصيت حواليا، اتنهدت تنهيدة طويلة من كل قلبي وقولت: “الحمد لله”.. شقايا وتعب سنين صبري مرحش في الأرض، والبيت اللي بدأ بظروف صعبة وحاجات رخيصة، اتبنى من جديد على أساس متين بفضل ربنا ثم تعبي وسند جوزي ليا، ومبقاش حد يقدر يستقل ببيتنا ولا بوعيلنا بعد اليوم.


 


وكانت النهاية هي البداية الأجمل لكل اللي جاي.. بعد ما شوفنا بيتنا وهو بيتحول من شقة متهالكة لمكان كله دفا ونظافة، فرحتنا دي مكنتش مجرد فورة وهتروح لحالها، بالعكس، دي فتحت نفسنا على الدنيا وخليتنا ندرك قيمة تعبنا وشقانا لما بيتحط في مكانه الصح.


وقفنا أنا وهو في وسط أوضة النوم الجديدة، وبصينا لبعض بابتسامة رضا، ولقيته بيقرب مني ويمسك إيدي ويقولي: “عارفة يا أماني؟ الشقة دي مش هترجع لورا تاني أبداً.. طول ما إحنا إيدنا في إيد بعض، بيتنا دايماً هيفضل عمران ونظيف.”


اتفقنا من يومها على عهد جديد؛ خصصنا جزء ثابت ومقطوع من مرتبه هو ومرتبي أنا من شغلي كل أول شهر، شيلناه على جنب وبقى اسمه “صندوق البيت”. الفلوس دي ملناش دعوة بيها ولا بمصاريف الأكل والشرب والولاد.. دي مخصصة بس عشان كل شهرين تلاتة ننزل نجيب بيها حاجة جديدة تخلي الشقة أحلى وأحلى.


شهر نجيب ستارة شيك ومودرن للصالة، وشهر نشتري طقم سجاد يليق على ألوان الدهان الجديدة، وشهر تاني نجدد فيه طقم المواعين والأجهزة اللي في المطبخ.. وبقينا عايشين في متعة تانية خالص، متعة إننا بنكبر بيتنا حتة حتة وبشقا أيدنا، ومن غير ما نمد إيدنا لحد ولا نستنى جمعية تخلص.


قفلت صفحتي مع الماضي، ومع قهرتي من حماتي وكلامها.. وبقيت كل ما أبص لولادي وبهم بيلعبوا في بيتهم النظيف الواسع، وجوزي اللي بقا سندي وضهري وبيدور على راحتي، أحمد ربنا من كل قلبي.. الصبر المر آخره دايماً جبر، وبيتي بقا هو مملكتي


اللي مفيش مخلوق يقدر يهزها تاني.


 


تعليقات

close