اتهموها بالنصب لأنها لا تحمل شهادة
اتهموها بالنصب لأنها لا تحمل شهادة
وقف القاضي سالم المنصوري للحظات طويلة وهو ينظر إلى جهاز التسجيل فوق الطاولة الخشبية الثقيلة، بينما كان الصوت لا يزال يتردد داخل القاعة كصفعة أصابت الجميع في وقت واحد
إما تترجمي العقد كما طلبنا أو سنجعلك تقفين مكبلة أمام المحكمة كالنصابة.
ساد صمت مرعب.
حتى الصحفيون الذين كانوا يكتبون بسرعة توقفوا عن تحريك أقلامهم.
أما رجل الأعمال الجالس في الصف الأول فقد بدا وكأن الدم انسحب من وجهه بالكامل.
كان اسمه خالد السعدي.
واحدًا من أشهر المستثمرين في دبي.
رجل تظهر صوره في المجلات الاقتصادية باستمرار، ويتحدث دائمًا عن النزاهة والشفافية في المؤتمرات.
لكن ياسمين كانت تنظر إليه مباشرة.
ليس بخوف.
بل بنظرة شخص تعب من الصمت.
ضرب القاضي بمطرقته بقوة
هدوء في القاعة!
ثم التفت إلى وكيل النيابة ناصر البلوشي، وقال بحدة لم يعهدها الحاضرون في بداية الجلسة
هل كانت النيابة تملك هذا التسجيل؟
ارتبك ناصر للحظة.
ثم قال
لا يا سيدي لم يتم تقديمه ضمن ملف التحقيق.
رفعت ياسمين رأسها وقالت بهدوء
لأنهم رفضوا استلامه.
تجمّد الجميع.
حتى القاضي نفسه بدا مصدومًا من الجملة.
اقتربت المحامية المنتدبة من ياسمين بسرعة وهمست لها
هل أنتِ متأكدة مما تقولينه؟
أجابت ياسمين دون أن تحوّل نظرها عن القاضي
لديّ نسخة من البريد الإلكتروني الذي أرسلته قبل شهر إلى النيابة، ومعه التسجيل كاملًا.
بدأ الهمس ينتشر في القاعة من جديد.
صحفي
قال لزميله
القضية انقلبت بالكامل
بينما وقف رجل الأعمال خالد السعدي فجأة وقال بغضب
هذه الفتاة تكذب! التسجيل مفبرك!
لكن القاضي رفع يده فورًا
اجلس مكانك يا أستاذ خالد أنت لست من يتحدث الآن.
كانت تلك أول مرة يُخاطَب فيها خالد السعدي بهذه القسوة داخل محكمة.
جلس ببطء.
لكن يديه كانتا ترتجفان.
أشار القاضي للحرس
أحضروا خبير الصوتيات فورًا وأريد فحص التسجيل الآن.
ثم التفت إلى ياسمين
كيف تعلمتِ كل هذه اللغات؟
ساد صمت غريب.
لأول مرة منذ بداية الجلسة، لم يكن السؤال يحمل سخرية.
بل فضولًا حقيقيًا.
أخذت ياسمين نفسًا عميقًا.
وقالت
لأن الفقر يا سيدي يعلّم الإنسان أشياء كثيرة.
ارتبكت القاعة من بساطة الجملة.
تابعت بصوت هادئ
والدي كان عامل نظافة في ميناء جبل علي ووالدتي كانت تخيط الملابس في المنزل. لم يكن لدينا مال للجامعات الخاصة ولا للدورات الفاخرة لكن كان لدينا إنترنت قديم وهاتف مستعمل.
أنزل بعض الحاضرين رؤوسهم.
أما القاضي فبقي ينظر إليها بصمت.
قالت
كنت أدرس اللغات ليلًا وأنا أعمل صباحًا في مقهى صغير تعلمت الفرنسية من السياح والإسبانية من مقاطع مترجمة والإنجليزية من الكتب المستعملة التي كان الناس يرمونها.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة موجوعة
كنت أظن أن العلم وحده يكفي حتى يحترمك الناس.
تغيرت ملامح القاضي ببطء.
بينما جلس خالد السعدي متوترًا بشكل واضح.
قال وكيل النيابة بسرعة محاولًا استعادة توازن
القضية
حتى لو كانت موهوبة هذا لا يلغي احتمال الاحتيال.
أجابت ياسمين فورًا
صحيح.
ثم أخرجت ملفًا صغيرًا من حقيبتها التي كانت بجوار المحامية.
وقالت
لهذا السبب جئت مستعدة.
فتحت الملف.
وأخرجت عشرات التحويلات البنكية.
وعقودًا مترجمة.
ورسائل شكر من شركات أجنبية.
ثم قالت
كل عميل تعاملت معه يمكنه تأكيد أن ترجماتي كانت صحيحة باستثناء شركة واحدة فقط.
رفع القاضي نظره
شركة الخليج للاستثمارات الطبية.
هزّت رأسها بالإيجاب.
ثم قالت
لأنهم لم يريدوا مترجمة كانوا يريدون شريكة في التزوير.
بدأ الصحفيون يلتقطون الصور بسرعة.
بينما بدا التوتر واضحًا على وجه خالد السعدي أكثر فأكثر.
وفجأة
وقف رجل مسن من الصفوف الخلفية.
كان أجنبيًا في الستين تقريبًا.
يرتدي بدلة رمادية بسيطة.
وقال بالعربية المتكسرة
سيدي القاضي أطلب الإذن بالكلام.
سأله القاضي
من أنت؟
أجاب الرجل
اسمي إدوارد ميلر مدير شركة أوروبية تعاقدت مع الآنسة ياسمين قبل عامين.
اتسعت عينا ياسمين بدهشة
مستر إدوارد؟!
ابتسم الرجل لها بحزن.
ثم قال للقاضي
هذه الفتاة أنقذت شركتنا من خسارة ملايين الدولارات لأنها اكتشفت بندًا مخفيًا داخل عقد مترجم بشكل مضلل.
ساد الصمت.
أكمل الرجل
نحن عرضنا عليها وظيفة في لندن لكنها رفضت لأنها لا تريد ترك والديها.
بدأت القاعة تنظر إلى ياسمين بطريقة مختلفة تمامًا.
لم تعد المتهمة.
بل فتاة فقيرة تواجه أشخاصًا أقوى منها بكثير.
قال
القاضي بهدوء
ولماذا لم تتحدث قبل الآن يا سيد إدوارد؟
أجابه
لأنني لم أكن أعلم أنها اعتُقلت رأيت الخبر صباح اليوم فجئت فورًا.
في تلك اللحظة
دخل أحد الحراس بسرعة إلى القاعة.
وهمس في أذن القاضي.
فتغير وجهه فجأة.
ثم قال بصوت مرتفع
تم إحضار تقرير خبير الصوتيات.
أخذ الملف بسرعة.
وبدأ يقرأ.
وكلما تقدمت عيناه في السطور ازدادت ملامحه صلابة.
ثم رفع رأسه ببطء.
وقال
التقرير يؤكد أن التسجيل حقيقي وغير مفبرك.
انفجرت القاعة بالضجيج.
بعض الصحفيين خرجوا مسرعين لنقل الخبر.
أما خالد السعدي
فقد أصبح يتنفس بصعوبة واضحة.
لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ بعد.
لأن ياسمين رفعت يدها بهدوء وقالت
هناك شيء آخر يا سيدي القاضي.
نظر إليها الجميع.
قالت
التسجيل ليس الدليل الوحيد.
ثم أخرجت ذاكرة إلكترونية صغيرة.
وأضافت
لدي نسخة من جميع العقود الأصلية ورسائل بريد تثبت أن هناك شبكة كاملة تغيّر ترجمات العقود قبل إرسالها للمستثمرين الأجانب.
وقف وكيل النيابة فجأة
هذا اتهام خطير!
أجابته ياسمين بعينين ثابتتين
الأخطر منه عدد الناس الذين خسروا أموالهم بسببه.
اقترب القاضي منها قليلًا وقال
ماذا تقصدين؟
قالت ببطء
أقصد أن بعض المستثمرين الذين ظنوا أنهم يوقّعون عقود شراكة كانوا في الحقيقة يتنازلون عن حصصهم دون أن يعلموا.
تجمّد الصحفيون.
أما خالد السعدي
فقد نهض هذه المرة بعصبية واضحة
هذا جنون! هذه الفتاة تريد الانتقام فقط!
لكن فجأة
خرج صوت امرأة من آخر القاعة
لا هي تقول الحقيقة.
التفت الجميع.
كانت امرأة إماراتية أنيقة في الخمسين تقريبًا.
اقتربت بخطوات مترددة.
ثم قالت
أنا
مها الكعبي وكنت إحدى ضحايا تلك العقود.
بدأت القاعة تغرق في الفوضى.
بينما وقف القاضي أخيرًا وقال بجملة لم يتوقع أحد أن يسمعها منه
تُرفع الجلسة مؤقتًا ويتم الإفراج عن ياسمين العبدلي فورًا حتى انتهاء التحقيقات الجديدة.
شهقت القاعة.
أما ياسمين
فوقفت مكانها للحظة وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
ثم نظر إليها القاضي مباشرة.
وقال بصوت خافت هذه المرة
ويبدو أن المحكمة مدينة لكِ باعتذار أيضًا.
لكن ياسمين لم تبتسم.
لأنها كانت تعرف أن المعركة الحقيقية
لم تبدأ بعد.
ففي الخارج
كان هناك أشخاص أقوى بكثير من خالد السعدي.
وأخطر بكثير من مجرد شركة تزوير عقود.
وكانوا جميعًا يعلمون الآن
أن الفتاة التي حاولوا دفنها ما زالت حيّة.
خرجت ياسمين من قاعة المحكمة وسط ازدحام الصحفيين وعدسات الكاميرات التي كانت تلاحقها من كل زاوية، لكن الغريب أنها لم تشعر بالنصر.
رغم قرار الإفراج عنها
ورغم أن القاضي نفسه اعترف ضمنيًا بأن القضية ربما كانت ملفقة
إلا أن قلبها كان يخبرها أن ما حدث داخل المحكمة لم يكن سوى بداية شيء أخطر بكثير.
كانت تمشي بخطوات بطيئة بين الحراس، بينما تتردد في أذنها جملة خالد السعدي قبل انتهاء الجلسة بلحظات.
حين اقترب منها هامسًا وهو يبتسم ابتسامة باردة
أنتِ لا تفهمين مع من بدأتِ الحرب.
ركبت ياسمين سيارة أجرة بصمت.
وضعت حقيبتها فوق ساقيها، وضمت بداخلها الذاكرة الإلكترونية الصغيرة التي أصبحت الآن أخطر من أي سلاح.
أما في المحكمة
فقد بقي القاضي سالم المنصوري واقفًا داخل مكتبه وحده.
كان ينظر من النافذة إلى سيارات الصحافة المتكدسة في الخارج، لكن عقله لم يكن هناك.
شيء واحد فقط كان يزعجه.
اسم الشركة.
الخليج للاستثمارات الطبية.
هذا الاسم مرّ أمامه سابقًا.
متأكد من ذلك.
جلس خلف مكتبه بسرعة، وبدأ يفتش بين الملفات القديمة المحفوظة في حاسوبه الشخصي.
وبعد دقائق
توقفت يده فجأة.
ظهر أمامه ملف يعود إلى سبع سنوات مضت.
قضية قديمة أُغلقت فجأة دون تفسير.
والأغرب
أن القاضي الذي كان يشرف عليها آنذاك لم يكن سوى والده الراحل حمد المنصوري.
شعر سالم ببرودة تسري في جسده.
فتح الملف بسرعة.
كانت هناك ملاحظات ناقصة، وصفحات محذوفة، وأسماء شركات متداخلة بطريقة غريبة.
لكن أكثر ما صدمه
هو وجود توقيع خالد السعدي في أكثر من مستند.
تراجع سالم في كرسيه ببطء.
وهمس لنفسه
مستحيل
وفي اللحظة نفسها
رن هاتف مكتبه الداخلي.
رفع السماعة.
جاءه صوت سكرتيره متوترًا
سيدي هناك رجل يصر على مقابلتك فورًا.
قال سالم بضيق
من هو؟
أجاب الموظف
يقول إن اسمه راشد الكتبي ويقول إن حياته في خطر.
تغيرت ملامح سالم فورًا.
لأن راشد الكتبي لم يكن شخصًا عاديًا.
بل المدير المالي السابق لشركة الخليج للاستثمارات الطبية.
الرجل الذي اختفى فجأة قبل ثلاث سنوات دون أي أثر.
وقف سالم بسرعة
أدخله فورًا.
لكن بعد ثوانٍ فقط
خرج صوت صراخ وفوضى من خارج المكتب.
فتح سالم الباب بسرعة.
ورأى الموظفين يركضون في الممر.
صرخ
ماذا حدث؟!
اقترب أحد الحراس وهو يلهث
الرجل الرجل سقط أمام باب المحكمة!
ركض سالم نحو الخارج.
وكانت الصدمة بانتظاره.
راشد الكتبي كان ممددًا على الأرض وسط بقعة دم كبيرة.
وعيناه بالكاد مفتوحتان.
انحنى سالم نحوه بسرعة.
همس راشد بصوت متقطع
هم يعرفون كل شيء
اقترب سالم أكثر
من؟!
حاول راشد أن يرفع يده المرتجفة.
وأخرج ورقة صغيرة ملطخة بالدم.
ثم قال بصعوبة
احمِ ياسمين
وفجأة
توقف نفسه.
تجمّد سالم في مكانه.
بينما دوّى صراخ الناس حوله.
أما في الطرف الآخر من المدينة
فكانت ياسمين تصعد درج البناية القديمة التي تعيش فيها مع والدتها المريضة.
فتحت الباب بهدوء.
لكنها توقفت فجأة.
الشقة كانت مظلمة بشكل غريب.
نادَت
أمي؟
لا جواب.
دخلت بسرعة وأضاءت الأنوار.
ثم شهقت بقوة.
المنزل كله كان مقلوبًا رأسًا على عقب.
الأدراج مفتوحة.
الأوراق مبعثرة.
والصور القديمة ممزقة على الأرض.
بدأ قلبها يخفق بعنف.
ركضت نحو غرفة والدتها.
فتحت الباب بسرعة.
لتجد والدتها جالسة على السرير ترتجف وهي تبكي.
أسرعت إليها
أمي! ماذا حدث؟!
أمسكتها والدتها بقوة وقالت بصوت مرتعب
كانوا هنا يا ياسمين كانوا يبحثون عن شيء.
شعرت ياسمين ببرودة مرعبة.
سألتها
من؟!
لكن والدتها لم تجب مباشرة.
بل مدت يدها المرتجفة نحو الطاولة الصغيرة بجانب السرير.
كان هناك ظرف أبيض.
أخذته ياسمين بسرعة وفتحته.
وفي الداخل
وجدت صورة لها وهي خارجة
من المحكمة قبل ساعة فقط.
وتحت الصورة جملة قصيرة مكتوبة بحبر أسود
المحكمة حمتك اليوم لكننا لسنا المحكمة.
ارتجفت أصابعها.
وفي أسفل الورقة
كان هناك شعار صغير جدًا بالكاد يُرى.
شعار ذهبي على شكل صقر.
تجمّدت ياسمين فور رؤيته.
لأنها رأت هذا الشعار من قبل.
على أحد العقود السرية الموجودة داخل الذاكرة الإلكترونية.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
رن هاتفها.
رقم مجهول.
ترددت للحظة.
ثم أجابت.
خرج صوت رجل هادئ جدًا
مساء الخير يا آنسة ياسمين.
قالت بحذر
من أنت؟
ضحك الرجل بخفة.
ثم قال
شخص كان يراقبك منذ وقت طويل وشخص يعرف أنكِ فتحتِ أبوابًا لا يجب فتحها.
قالت بغضب
ماذا تريدون مني؟!
أجابها بهدوء مرعب
نريد الذاكرة الإلكترونية فقط وبعدها تختفين من حياتنا ونختفي من حياتك.
صرخت
لن أعطيكم شيئًا!
ساد صمت قصير.
ثم قال الرجل جملته ببطء شديد
إذًا أخبري والدتك أن تستمتع بالليلة الأخيرة في منزلها.
وانقطع الخط.
تجمّدت ياسمين بالكامل.
أما والدتها
فبدأت تبكي بصمت وهي تهمس
قلت لكِ يا ابنتي هؤلاء ليسوا بشرًا عاديين
لكن ياسمين رفعت رأسها ببطء.
ولأول مرة منذ بداية القضية
اختفى الخوف من عينيها.
وحلّ مكانه شيء آخر.
الغضب.
لأنها فهمت أخيرًا
أنهم لم يريدوا إسكات مترجمة فقيرة فقط.
بل كانوا يريدون دفن كل شخص يعرف الحقيقة.
لأنها فهمت أخيرًا
أنهم لم يريدوا إسكات مترجمة فقيرة فقط.
بل كانوا يريدون دفن كل شخص يعرف الحقيقة.
وقفت ياسمين وسط الغرفة المبعثرة، بينما كانت والدتها تبكي بصمت على طرف السرير.
أما هي
فلم تعد تشعر بالخوف كما في البداية.
كان هناك شيء انكسر داخلها في تلك اللحظة.
شيء جعلها تدرك أن الهروب لن
ينقذها.
وأن الأشخاص الذين يهددونها لن يتوقفوا حتى تختفي تمامًا.
مسحت دموعها ببطء.
ثم أغلقت الظرف الأبيض، وأمسكت الذاكرة الإلكترونية بقوة.
وقالت بهدوء
انتهى وقت الخوف.
رفعت والدتها رأسها إليها بقلق
ماذا ستفعلين يا ابنتي؟
أجابت وعيناها ثابتتان
سأجعلهم ينكشفون أمام الجميع.
وفي الجهة الأخرى من المدينة
كان القاضي سالم المنصوري جالسًا وحده داخل مكتبه بعد انتهاء الجلسة.
أمامَه صورة قديمة لوالده الراحل حمد المنصوري.
الرجل الذي تربّى طوال عمره وهو يراه رمزًا للنزاهة.
لكن الملفات المفتوحة أمامه الآن
كانت تقول شيئًا آخر تمامًا.
تحويلات مالية ضخمة.
قضايا أُغلقت فجأة.
شركات وهمية.
وأسماء رجال أعمال ارتبطت بعقود مشبوهة لسنوات طويلة.
شعر سالم أن الأرض تهتز تحت قدميه.
وفجأة
رن هاتفه الخاص.
نظر إلى الرقم.
ثم شحب وجهه.
لأن المتصل لم يكن سوى خالد السعدي.
تردد للحظة.
ثم أجاب.
خرج صوت خالد هادئًا بشكل مخيف
يبدو أن الفتاة أخبرتك بأكثر مما يجب.
قال سالم بحدة
ماذا فعلتم يا خالد؟
ضحك الرجل بخفة.
ثم قال
السؤال الحقيقي ليس ماذا فعلنا بل كم شخصًا كان يعرف وسكت.
نهض سالم بغضب
أنت متورط في شبكة تزوير واحتيال ضخمة!
ساد صمت قصير.
ثم جاءه الرد البارد
والجميع كان مستفيدًا يا سيادة القاضي الجميع.
شعر سالم بأنفاسه تضيق.
لكن خالد أكمل
حتى والدك.
تجمّد سالم مكانه.
وكأن الجملة اخترقت صدره.
صرخ
اخرس!
لكن خالد قال بهدوء
ابحث جيدًا داخل الملفات القديمة وستعرف لماذا مات والدك خائفًا قبل سنوات.
ثم أُغلق الخط.
وقف سالم للحظات عاجزًا عن الحركة.
كانت تلك أول مرة في حياته يشعر فيها أن الحقيقة قد تكون أقسى من الكذب.
أما ياسمين
فقد كانت تجلس أمام حاسوبها القديم.
تنقل الملفات من الذاكرة الإلكترونية إلى عشرات الحسابات المختلفة.
كانت تعرف أن حياتها انتهت بالشكل الذي عرفته سابقًا.
لكن إذا كان لا بد أن تخسر كل شيء
فلن تخسر الحقيقة معها.
وفجأة
ظهر ملف أخير لم تفتحه من قبل.
اسم الملف
النسخة الأخيرة.
ضغطت عليه.
وبدأت الصور تظهر واحدة تلو الأخرى.
اجتماعات سرية.
عقود.
تحويلات.
ثم فيديو قصير.
فتحت ياسمين الفيديو بيد مرتجفة.
وفي اللحظة التالية
شهقت بقوة.
لأن الشخص الذي ظهر في الفيديو لم يكن رجل أعمال.
ولا مسؤولًا.
بل القاضي سالم المنصوري نفسه.
كان يجلس داخل مكتب قديم مع خالد السعدي.
لكن الفيديو كان يعود إلى سنوات مضت.
تراجعت ياسمين بصدمة.
هل كان سالم متورطًا هو أيضًا؟
لكن قبل أن تغلق الفيديو
سمعت صوت سالم يقول بوضوح
أنا أرفض هذا الاتفاق وإذا استمر والدي بهذا الطريق فسأبلغ الجهات
المختصة.
ثم ظهر خالد وهو يبتسم بسخرية
لن تفعل لأنك تعرف ماذا سيحدث لعائلتك.
انقطع الفيديو فجأة.
جلست ياسمين بصمت طويل.
ثم فهمت الحقيقة أخيرًا.
سالم لم يكن جزءًا من الشبكة
بل كان يحاول إيقافها منذ سنوات.
وفي تلك اللحظة بالذات
رن هاتفها.
كان سالم.
أجابت بسرعة.
خرج صوته متعبًا
ياسمين اسمعيني جيدًا لم يعد لدينا وقت.
قالت فورًا
رأيت الفيديو.
ساد صمت قصير.
ثم قال
إذًا عرفتِ كل شيء.
سألته بهدوء
هل كان والدك متورطًا فعلًا؟
أغلق سالم عينيه للحظة.
ثم قال بصوت مكسور
نعم لكنه حاول الانسحاب في آخر أيامه وعندما حاول فتح الملفات القديمة مات بعد أسبوع واحد فقط.
شعرت ياسمين بقشعريرة تسري في جسدها.
ثم قالت
ماذا سنفعل الآن؟
أجاب سالم بسرعة
هناك صحفي دولي أثق به إذا وصلت الملفات إليه فلن يستطيعوا دفن القضية.
وفجأة
سمعا معًا صوت انفجار قوي عبر الهاتف.
صرخت ياسمين
سالم؟!
جاء صوته متقطعًا وسط الضجيج
لقد وصلوا إليّ
ثم انقطع الاتصال.
شهقت ياسمين ووقفت بسرعة.
وفي اللحظة نفسها
وصلتها رسالة إلكترونية تلقائية.
كانت من سالم.
ويبدو أنه برمج إرسالها مسبقًا.
فتحتها بسرعة.
وكان مكتوبًا فيها
إذا وصلتك هذه الرسالة فهذا يعني أنهم تحركوا أسرع مما توقعت.
اسمعي جيدًا يا ياسمين لا تثقي بأحد، ولا تعودي
للمحكمة، ولا تسلمي الملفات لأي جهة محلية.
لقد أمضيت سنوات أحاول جمع الأدلة ضدهم لكنني فشلت وحدي.
أنتِ أول شخص جعلهم يخافون علنًا.
وإذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات الآن فأكملي للنهاية مهما حدث.
لا تسمحي لهم أن يربحوا مرة أخرى.
انهمرت دموع ياسمين بصمت.
لكنها مسحتها بسرعة.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
وحملت الذاكرة الإلكترونية.
وغادرت الشقة تحت جنح الليل.
وفي صباح اليوم التالي
استيقظت دبي على خبر هزّ المدينة بأكملها
تسريب آلاف الوثائق السرية المرتبطة بشبكة فساد واستثمارات مزورة تضم أسماءً معروفة.
اشتعلت القنوات الإخبارية.
وبدأت الاعتقالات.
واختفى خالد السعدي عن الأنظار.
أما القاضي سالم المنصوري
فلم يظهر منذ تلك الليلة.
بعضهم قال إنه قُتل.
وبعضهم قال إنه هرب خارج البلاد.
لكن الصدمة الأخيرة جاءت بعد أسبوع واحد فقط
حين ظهرت ياسمين العبدلي في مؤتمر صحفي عالمي، وبجانبها القاضي سالم المنصوري الذي ظن الجميع أنه اختفى أو قُتل.
وقف سالم أمام عشرات الكاميرات وقال بصوت هادئ
ما كشفته ياسمين لم يكن مجرد قضية تزوير عقود بل شبكة كاملة كانت تتلاعب باستثمارات وممتلكات الناس منذ سنوات طويلة.
ثم رفعت ياسمين الذاكرة الإلكترونية أمام الجميع وقالت
ظنّوا أن فتاة بلا شهادة يمكن إسكاتها بسهولة لكن الحقيقة لا تحتاج ختمًا حتى تعيش.
وفي تلك اللحظة أدرك الجميع أن القضية التي بدأت بسخرية داخل قاعة محكمة انتهت بإسقاط إمبراطورية كاملة من الفساد


تعليقات
إرسال تعليق